المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

عبد الله النجار

غير معروف

صفحة ٣ من ٤

- 32 - أو: أن يكون المجني عليه إنسانا حيا: الإنسان هو محل الاعتداء في القتل، فلا يقع هذا الأخر، على سواه من المخلوقات، ولو كان ا لفعل الحاصل قد أجهز عليه وأزهق روحه ، وعلى هذا يخرج الحيوان من نطاق الجريمة ليكون موضوعا لجريمة أخري من جرائم الاعتداء على الأموال، يكون المجني عليه فيها هو صاحب ذلك الحيوان، و يخرج الجنين من بطن أمه حيث لم يكتسب وصف الإنسان بعد إذا كان قد نزل ميتا ، كما يخرج الميت أخر،ا من نطاق تلك الجريمة لزوال ذلك الوصف عنه، ومناط التعدي هو جسم الإنسان الحي لأنه هو المحل الذي ينصب عليه الحق في الحياة، سواء كان ذلك باعتبار الكيان الذي يباشر وظائفها، أو باعتبار أنه الموضوع الذي تقع عليه أفعال الاعتداء على ذلك الحق، ومكمن الحكمة في حماية هذا الحق أن الحياة هي أغلى نعمة يعتز بها الإنسان، ويحرص على صيانتها تلبية لنداء غريز ة البقاء، كما أن حمايتها تستهدف صيانة المصلحة العليا للمجتمع في حياة أفراده ، وليست ذات طابع شخصي يعلى حياة فرد معين من بني البشر (1) . ثانيا: أن يكون المجني عليه غير الجاني: القتل هو إزهاق لروح إنسان بفعل يقع من إنسان أو شيء آخر، فإذا ما قتل الشخص نفسه كان ت الواقعة انتحارا، وليست قتلا بالمعنى الدقيق، والتشريعات القانونية المعاصرة لا ترى في الانتحار جريمة، ومن ثم فلا يتصور الشروع أو الاشتراك في اقترافها، ولا جدوى من الحديث على مسئولية المنتحر لأنه قد مات ، ولذلك لا يقدر على محاكمته غر، الله. والقانون الوضعي لا يؤثم فعل المساهم باعتبار أنه قد ساهم في فعل مباح لا يخضع لأي من نصوص التجريم، وهذا الكلام محل نظر لأن المنتحر غالباً ما يقدم على ذلك تحت تأثر، ظروف عاتية يصعب عليه الفكاك منها، فإذا لقي العون من غر،ه فانه يكون جديرا بالمساءلة والعقاب ، ولهذا ذهبت تشريعات كثر،ة إلى تجريم المساهمة في الانتحار، وأياً ما كان الأمر فان الانتحار قتل غر، مشروع. وقد ورد القتل في القرآن الكريم والسنة النبوية بعدة معان، منها ما هو مشروع ومنها ما هو ممنوع ويجدر بيان ذلك في مطلبين كالتالي : المطلب الأول القتل المشروع والقتل المشروع هو الذي يقع جهادا في سبيل الله، كما إذا تعين القتال وسيلة للجهاد، وقد رأينا أن الجهاد كما يكون بالسنان والقتل، يكون بجهاد المال وجهاد اللسان، فإذا تعين القتل وسيلة للجهاد فإنه يكون مشروعا (1) د. محمود مصطفى . شرح قانون العقوبات : ص152 ، دار النهضة العربية .

عدد الصفحات ٣٣

- 33 - في الحدود التي يشرع فيها الجهاد، وهو أن يكون ردا للتعدي، وانتصارا ل لحق في النفس والمجتمع وقد يكون القتال للبغاة والخارجين على حدود الله، كما قد يكون لد فع الصائل بالشروط حددها الفقهاء، فالقتال يفترض ووجود قاتل مقابل، أما القتل فإنه يفترض وجود قاتل فى جهة ومقبول فى جهة أخرى . أولً: القتال في الحرب: قد يتعين القتال وسيلة من وسائل الجهاد، فيكون من أعلى درجاته لأن الجود بالن فس في سبيل الله أقصي غاية الجود، وقد ورد النص على الجهاد بالقتال في سبيل الله في أكثر من آية في القرآن الكريم، ومن ذلك : أ) قول الله تعالي:  ف َلْي ُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الد ن ْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن ي ُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ف َي ُقْتَلْ أَو ي َغْلِبْ فَسَوْفَ ن ُؤْتِيهِ أَجْراا عَظِيماا  (1) . ب) وقوله تعالي:  إِنَّ اللّهَ اشْت َرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ي ُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ف َي َقْت ُلُونَ وَي ُقْت َلُونَ وَعْداا عَلَيْهِ حَقًّا فِي الت َّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِ هِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِب َيْعِكُمُ الَّذِي بَاي َعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  (2) . ج) وقوله تعالي:  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ ي ُقَاتِلُونَكُمْ وَلًَ ت َعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لًَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ  وَاق ْت ُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِت ْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلًَ ت ُ قَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى ي ُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَات َلُوكُمْ فَاق ْت ُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ  فَإِنِ انت َهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لًَ تَكُونَ فِت ْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انت َهَ واْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلًَّ عَلَى الظَّالِمِينَ  (3) . د) وقوله تعالى:  إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ ي ُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَن َّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ  (4) والآيات فى هذا المعنى كثر،ة، وهى تدل على أن القتال بمعنى الجهاد، ولذلك فإنه يتقي د بقيوده، ويتحدد بشروطه، ومنه أن يكون لدفع التعدى الواقع علينا من الكفار، ومن يقتل نفسه فى سبيل وطنه يكون شهيدا، ولا يكون منتحرا بحال من الأحوال . ثانياا : قتال البغاة: البغاة جمع باغ، وهو مشتق من البغى، وهو الظلم (5) . (1) سورة النساء : 09 . (2) سورة التوبة : 222 . (3) سورة البقرة : 237-239 . (4) سورة الصف : 9 . (5) القاموس المحيط:ص975 .

عدد الصفحات ٣٤

- 34 - وفى اصطلاح الفقهاء: هم قوم يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم شوكة ومنعة، غر، مستب يحين دماء المسلمين وسبى ذراريهم (1) . وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز قتالهم عند الحاجة، كسرا لشوكتهم وقطعا لدابر الفتنة، وذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم(2) . الفرق بين قتال البغاة وقتال المشركين : ويفترق حكم قتال البغاة عن قتال المشركين من وجوه هى : أن المقصود بالقتال ردعهم لا قتلهم، ويكف عن مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسراه، ولا تغتنم أموالهم، ولا تسبى ذرياتهم، ولا يستعان على قتالهم بمشرك، ولا نوادعهم على مال، وتنصب عليهم الرعى ادات، ولا تحرق عليهم البساتين، ولا يقطع شجرهم (3) . ثالثاا: قتال المحاربين لله ورسوله (قطاع الطريق : وقطاع الطريق جماعة يخرجون على المارة لأخذ أموالهم على سبيل المغالبة وبأسلوب يخيفهم، ويمنع هم من المرور فى الطريق، وقد يكون القطع من واحد أو جماعة لكن يشترط فى الواحد أن يكون له ق وة القطع، وسواء كان القطع بسلاح أو غر، ه من العصا والحجر والخشب ونحوه، وسواء أكان بمباشره الكل أم التسبب من البعض بالإعانة والأخذ، لأن القطع يحصل بكل ما ذكر، ولأن هذا من عادة قاطعى الطريق، ومن ثم يبدو أن قطاع الطريق قوم لهم منعة وشوكة، بحيث لا يقدر المارة ع لى مقاومتهم، يقصدون قطع الطريق بالسلاح وغر،ه(4) . وقد اتفق جمهور أهل العلم على أنهم يقتلون إذا قتلوا وأخذوا المال، فإذا لم يقتلوا فإنهم يعاقبون بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف (5) ،يدل على ذلك قول الله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) (6) . (1) فتح القدير: 1/277 وما بعدها ؛ حاشية الدسوقي على الشرح الكب : 9/239 ؛ مغني المحتاج: 9/229 ؛ المغ لابن قدامة : 27/52 . (2) القوانين الفقهية: ص939 وما بعدها ؛ نهاية المحتاج للرملي: 0/990 ؛ المغني لابن قدامة: 0/50 وما بعدها ؛ المحلى لابن حزم : 22/529 . (3) الفروق للقرا : 9/202 . (4) المبسوط: 3/235 ،912 ؛ المهذب: 9/299 . (5) المبسوط. المرجع السابق ؛ فتح القدير : 9/207 ؛ مغني المحتاج: 9/92 ؛ القوانين الفقهية: ص912 ؛ المغني لابن قدامة : 9/299 . (6) سورة المائدة : 99 .

عدد الصفحات ٣٥

- 35 - الفرق بين قتال المحاربين وقتال البغاة: ويختلف قتل المحاربين عن قتال البغاة فى أمور : أنهم يقاتلون مدبرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالبون بما استهلكوا من دم أو مال فى الحرب وغر،ها، ويجوز حبس أسراهم لاستبراء أحوالهم ، وما أخذوه من الخراج والزكاة لا يسقط عمن كان عليه، وذلك كالغاصب إذا أخذ ذلك(1) . رابعاا: القتل حدا أو قصاصا: ومن أنواع القتل المشروع القتل حدا أو قصاصا، وذلك لقول الله تعالى :  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ  (2) ، وقوله تعالى:  يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَت ْلَى (3) ، ولقول النبى (صلى الله عليه وسلم): "العمد قود إلا أن يعفو ولى المقتول"(4) ،وكقتل اللائط والزانى المحصن والمرتد . خامساا : دفع الصائل (الدفاع المشروع ): إذا قام شخص بإتيان فعل يمثل تعديا على حق إنسان، فإن له أن يدفع ذلك التعدى بما يدحضه، وذلك على نحو ما هو معروف بالدفاع الشرعى أو دفع الصائل، وقد جاء فى تعريفه أنه : الاستطالة والوثوب على الغر،، أو من يريد ذلك ، حيث يسمى صائلاً، وإن لم يصل بالفعل، بل كان يؤيد الصول، أو كان على وشك أن يصول. أو هو الذى يقصد قتل النفس، وليس له غرض من أخذ المال ونحوه ، أو هو الظالم بلا تأويل ولا ولاية ، وقد عرفه بعض المعاصرين بأنه : هو المعتدى مكلفا أو غر، مكلف من الإنسان أو غر،ه، على شخص بما يفوت نفسه أو بعضه أو ماله(5) . وفى اصطلاح فقهاء القانون يعرف الدفاع الشرعى بأنه : حراسة الإنسان لنفسه أو لغر،ه حين لا تأتى حراسة البوليس (6) ،أو هو دفع اعتداء إجرامى على وشك الوقوع بدرء خطره عن نفسن المدافع، أو عن ماله، ماله، أو عن غر،ه أو ماله(7) . (1) الفروق ، مرجع السابق . (2) سورة البقرة : 203 . (3) سورة البقرة : 209 . (4) ر واه ابن أبي شيبة في مسنده عن ابن عباس. (5) حاشية الدسوقي الشرح الكبر، : 9/905 . (6) ابن تيمية. السياسة الشرعية : ص90 ، دار الكتاب العر . (7) د. رمسيس بهنام . النظرية العامة للقانون الجنائي : ص990 ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 2302م ؛د. محمد سلام مدكور : ص903 ، دار النهضة العربية .

عدد الصفحات ٣٦

- 36 - وقد قام الدليل عليه من قول الله تعالى :  فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ  (1) . ومن قول الن(صلى الله عليه وسلم): "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد"(2) ، والدفاع ا لشرعى مباح ومشروع، لكن تلك المشروعية مقيدة بشروط هى: (1) أن يكون هناك خطر محقق يهدد الشخص فى نفسه أو ماله، أويهدد شخصا من الغر، فى نفسه أو ماله، إذا كان عزيزا على الشخص الأول إلى درجة كبر،ة، ولا يلزم وقوع الضرر بالفعل، بل يكفى أن يكون وشيك الوقوع . (2) أن يكون هذا الخطر عملا غر، مشروع كالضرب والسرقة . (3) أن يتعين الدفاع الشرعى وسيلة لرد الاعتداء على النفس أو المال، دون وسيلة أخرى كاللجوء إلى الشرطة، أو الاستعانة بالآخرين . (4) وأن يكون دفع الاعتداء بالقدر اللازم لرد هذا الاعتداء دون مجاوزة أو إفراط، فإذا كان ضرب المعتدى يكفى لرد اعتدائه فإن قتله يعتبر تجاوزاً لحد الدفاع الشرعى، ومن ثم يعتبر مخطئا، فإذا توافرت هذه الشروط يكون الدفاع الشرعى مباحاً، حتى ولو انتهى إلى قتل الصائل. المطلب الثانى القتل غير المشروع والقتل غر، المشروع هو القتل العمد العدوان الذى يسلب إنسانا معصوم الدم حق الحياة، والانتحار أو تعدى الشخص على نفسه، ونبين ذلك : اولًا : القتل العمد العدوان: والقتل العمد العدوان، يتمثل فى أن يقصد شخص قتل إنسان معصوم الدم تعديا دون حق أو هو القصد إلى إزهاق روح آدمى بفعل آخر (3)، ومن هذا التعريف يبدو أن للقتل العمد أو العدوان أركانا تتمثل فيما يلى : يلى: (1) سورة البقرة : 239 (2) مسند الإمام أحمد: 22/1923 ، طبعة دار المعارف ، سنة 2902ه. (3) د. محمود إبراهيم إسماعيل . شرح الأحكام العامة في قانون العقوبات المصري ، فقرة 209 ، الطبعة الثانية ، دار الفكر العربي ، 2353م.

عدد الصفحات ٣٧

- 37 - (1 )أن يكون الًعتداء واقعا على آدمى حى: يتعين فى القتل العمد العدوان أن يكون واقعا على آدمى حى، فإذا كان واقعا على غر، آدم ى كالجناية على الحيوانات فإنه يندرج فى باب ضمان الأموال، ويجب أن يكون الآدمى حياً، لأنه لو كان ميتا لما سميت الجريمة قتلاً، لأن الميت لا يموت، وإن كان من الممكن أن يمثل الفعل هتكا لحرمة الموت(1) . (2) أن يكون المجنى عليه معصوم الدم: ويجب أن يكون المجنى عليه معصوم الدم فلا يكون دمه مباحا، فإن كان مباح الدم كالحربى، والمرتد، والزانى المحصن، والبغاة، وق اتل النفس عمدا فإن قتله لا يترتب عليه إثم لأنه قتل بحق(2) . (3 )أن يكون هذا الآدمى معينا: ويجب أن يكون الآدمى المقتول معينا، أى مقصودا بالفعل القاتل، لأنه لو لم يكن مقصودا لترتب على ذلك أن يكون القتل خطأ وليس عمدا. (4 )أن يقصد الجانى ضرب المجنى عليه: يرى جمهور الفقهاء أنه يجب لاعتبار القتل عمداً أن يقصد الجانى ضرب المجنى عليه بما يقتل عادة، ولا يشترط قصد القتل، والقصد أمر باطنى لأنه من عمل القلب، وإذا كان كذلك فإنه يتعذر الوصول إليه، وبذلك يكون استعمال ما يقتل غالباً دليلاً ظاهراً على توافر نية القتل وقصده (3) . (5) أن يكون الضرب تعديا: كما يجب أن يكون الضرب المؤدى إلى القتل تعديا، وذلك يتحقق بأن يكون بسبب عداوة أو غضب، وهو ما يعرف بالقتل العدوان، فإن كان قتلا بحق كقتل القاتل فإنه وإن كان قتلا عمدا. إلا أنه بحق وليس تعديا. فإذا توافرت هذه الشروط فإن القتل ي كون عمدا عدوانا، ويكون غر، مشروع . ثانياا : تعدى الشخص على نفسه بالًنتحار: التعدى على النفس أو الانتحار جريمة محرمة فى الشريعة الإسلامية، فقد حرم الله اعتداء الإنسان على نفسه بالإهلاك، أو بتعريضها للهلاك، وذلك بقوله تعالى :  وَلًَ ت ُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الت َّهْلُكَةِ  (4) . (1) مسند الإمام أحمد: 22/1923 ، طبعة دار المعارف ، سنة 2902ه. (2) عبد القادر عودة. التشريع الجنائي الإسلامي : ص1 ، طبعة نادي القضاة . (3) د. حسن علي الشاذلي . الجنايات في الفقه الإسلامي : ص97 ، الطبعة الثانية ،2309م. (4) سورة البقرة : 235 .

عدد الصفحات ٣٨

- 38 - وقوله تعا:  وَلًَ ت َقْت ُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماا  (1) ،وأيضاً فإن عموم النهى فى قوله تعالى:  وَلًَ ت َقْت ُلُواْ الن َّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلًَّ بِالْحَق  (2) ،يندرج تحته قتل الإنسان لنفس ه. وقد بين النبى (صلى الله عليه وسلم) أن عقوبة قاتل النفس عقوبة أخروية شديدة، وذلك فيما رواه البخارى ومسلم : "من تردى من جبل فقتل نفسه فهو فى نار جنهم يتردى فيها خالدا مخلدا أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة، فحديدته فى يده يتوجأ بها فى نار جنهم خالداً مخلداً فيها أبدا(3) . كما روى عن جندب البجلى عن الن(صلى الله عليه وسلم) قال: "كان ممن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكينا فجز بها يده، فسال الدم حتى الموت، قال الله تعالى :  وَلًَ ت َقْت ُلُواْ الن َّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلًَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُ وماا ف َقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراا (4) ، ومن ثم حرم الإسلام قتل الإنسان لنفسه . وإذا كان ب مساءلة من يقتل نفسه دنيو يا عن إتلاف نفسه غر، ممكنة لموته ، فإنه ذلك لا يمنع من مساءلة من يحرضه على قت ل نفسه ، سواء تم ذلك بالاتفاق معه أو مساعدته ، ويكون موقف التشريع الإسلامى متفقا مع القانون فى تجريم الاشتراك فى جريمة الانتحار ، وبهذا يتبين أن الانتحار والاشتراك فيه يعتبر قتلا غر، مشروع . المبحث الثالث مفهوم العنف العنف لغة: هو الأخذ بالشدة والقسوة، ومن يفعل ذلك يسمى عنيفاً، ومن الشيئ: أوله، يقال فى عنفوان شبابه، أى فى قمة نشاطه وحدته (5) ،ومنه التعنيف: أى التعير، واللوم(6) ،ولفظ العنف لم يرد بأى اشتقاق فى القرآن القرآن الكريم (7) ،وجاء فى السنة مخالفا للرفق فى الأمور، ومضادا له . (1) سورة النساء : 23 . (2) سورة الأنعام : 252 . (3) أخرجه البخاري ومسلم . (4) سورة الإسراء : 99 . (5) الترغيب والترهيب للمنذري : 9/977 . (6) المعجم الوجيز : ص990 ؛ ومختار الصحاح: ص959 . (7) مختار الصحاح ، السابق: ص22 ، دار المعرفة .

عدد الصفحات ٣٩

- 39 - وفى الًصطلاح: يمكن تعريف ال عنف بأنه: استعمال القوة الشخصية بدلا من القوة المشروعة فى الإلزام بالرأى، أو هو فرض الرأى بالقوة أو استبدال التحاور الفكرى بالتلاكم اليدوى بآلة أو بدونها، أو تجاوز الحدود المشروعة فى استعمال القوة الشخصية. ويبدوا من هذا التعريف أن العنف ينبغى أن يتوافر فيه ركنان : أولهما: استعمال القوة الشخصية بدلاً من القوة الشرعية دون سند من الشرع أو القانون، ودون أن يتوافر المبرر المنطقى، أو العقلى، أو الفكرى لهذا الاستعمال . ثانيهما: أن يتم استبدال القوة بالحوار فى الرأى، أو فى المجالات التى لا يصلح فيها استعمال القوة، ولا يجدى سوى الحوار العقلى، والتبادل الفكرى، والاقتناع الذى يوجه صاحبه للإقبال على السلوك المطلو ب، وهو بكامل حريته واختياره ودو ن تأثر، عليه بما يعيب إرادته أو يكرهه على تقرير ما لا يريده . ومن تطبيقات العنف ما يلى: (2) الإفراط فى استعال القوة دونمقتض شرعى يجيز ذلك، وإنزال أقصى أنواع العذاب بشخص لمجرد أنه قد ارتكب مخالفة معينة، وذ لك كمن يقتل شخصا لأنه لم يلتزم آ داب الاسلام فى مظهره، أو إحراقه بالنار لإحاطة الشبهات به فى ارتكاب جرم ما . (2) إلغاء دور السلطة الشرعية فى تأديب الجناة وتوقيع العقاب على المخالفين، وذلك من خلال قيام من يتورطون فى العنف بهذا الدور، بدلا من السلطة الشرعية، وذلك كما فى حالة قيام أقارب المجنى عليه بإنزال أقصى أنواع العذاب والقتل والتخريب بمن يقتل شخصا لهم، وإلغاء دور السلطة الشرعية هوالذى أدى إلى عدم اقتناع الأفراد بسطوة الحكومات، والافتئات على الحكام، وانتشار بعض العادات الذميمة التى تهدد أمن المجتمع كالأخذ بالثأر، والاستيلاء على أموال الناس بالبلطجة . (9) فرض الرأى بالقوة، وهجر الحوار والاقناع، وتبادل الدليل، ومقارعة الحجة بالحجة، اكتفاء بقهر أصحاب الرأى المخالف، وضربهم، أو إبعادهم، أو حرمانهم من ح قوقهم الإنسانية المقررة . (9) استعمال القسوة لحمل المتهمين على الإقرار بإرتكاب جرائم معينة من قبل بعض المنتسبين إلى جهات الضبط، حتى يتم الإنتهاء من إجراءات التحقيق سريعا، ودون توجه لكشف الحقيقة بالأساليب القانونية الصحيحة. (5) قتل المتهمين أثناء الكشف عن وقائع الجريمة من قبل جهات الضبط، أو بعض من ينتسبون إليها، أو حين سماع أقوالهم .

عدد الصفحات ٤٠

- 40 - (1) استعمال القوة الشخصية لتأديب القادرين من سطوه الجماعات المنحرفة، بهدف حملهم على الرجوع لما كانوا عليه من انحراف وخروج على أمن المجتمع ونظامه . (0) استعمال القوة فى غر، موضعها، والقسوةغر، موطنها، وذلك لمن يتجاوز حدود التأديب المشروعة فى مجال التعليم والتربية، وبما يخلف أثرا فى جسد من يمارس عليه العنيف قسوته أو تشوها أو نقصا أو عاهة. (9) كل قول أو فعل من شأنه أن يحبذ العنف، أو يزينه للناس، أو يدعو إليه أو يصوره فى إطار يغرى على تقليده والاحتذاء به، واتخاذه منهاجاً وسلوكا فى الحياة. (3) استعمال القوة بقصد ممارسة عمل غر، مشروع مع شخص، كخطف الإناث أو الأطفال بغية انتهاك أعراضهم، أو ممارسة الفسق معهم، أو حملهم على ممارسة الجريمة كالنشل والتسول أو الاتجار فى المخدرات، أو غر، ذلك من الوان السلوك المجر م. (27) التهديد بإرتكاب جريمة ضد النفس أو المال معاقب عليها بالقتل أو بالاشغال الشاقة الموبدة أو المؤقتة أو بإنشاء مايشين أو نسبة أمور مخدشة بالشرف وكان التهديد مصحوبا، بطلب أو بتكليف بأمر يعاقب بالسجن (مادة 920 عقوبات مصرى ). والأذى المهدد به يلزم أن يكون جريمة من الجرائم التى يعاقب عليها القانون، فالتهديد بأذى لا يشكل جريمة بهذ المعنى، لا تتحقق به الجريمة، فلا جريمة فى التهديد برفع دعوى، أومقاطعة تجارة المهدد، أو إفساد العلاقة بينه ويبن آخر(292)،ويجب أن يكون المهدد جادا لامازحا . المبحث الرابع مفهوم الإرهاب الأرهاب لغة: الإخافة يقال أرهبه أى أخافه (1) وأرهبه ، والإرهابيون وصف يطلق على الذين يسلكون سبيل العنف والإرهاب لتحقيق أهدافهم السياسية، وعلى الذين يعمدون إلى التخريب والقتل وتفجر، المركبات العامة لإخافة الناس وحملهم على الرضوخ لما يريدون فرضه عليهم من أفكار لا تلقى قبولاً ، وهذا المعنى اللغوى لا يتفق مع معنى الإرهاب فى الاصطلاح، ولا مع ماورد بشأنه، من بيان فى الكتاب والسنة، وأقوال الفقهاء كما سنرى . (1) مختار الصحاح: ص253 .

عدد الصفحات ٤١

- 41 - وفى الإصطلاح: حين تكلم القرآن الكريم عن الإرهاب لم يذكره بصيغة المصدر للفعل (أرهب ) إرهابا على وزن (أكرم ) إكرام ا، وإنما ذكر ه بصيغة الفعل فى ثلاث آيات تحدثت أولا ها عن الرهبة المقررة فى ألواح موسى عليه السلام، وهى رهبة من الله وخوف منه، قال سبحانه :  وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُداى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِ مْ ي َرْهَبُونَ  (1) ، ولأن تلك الرهبة من ا - وهى رهبة مشروعة ومحموده - فقد سبقت تلك الرهبة بالهدى والرحمة فى الآية الكريمة، لتفيد أن من يخشون الله ويرهبونه ويخافون عذابه عليهم أن يهتدوا ويتراحموا، ومن ثم كان هدف تلك الرهبة هو الرحمة . أما الآية الثانية فقد جاءت الرهبة فيها بلفظ الأمر، وذلك فى قوله تعالى مخاطباً بنى اسرائيل:  يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَن ْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُ ونِ  (2) ،والرهبة هنا مطلوبة من الله، لأنها رهبة منه وخوف من عذابه وقد، خاطب الله بها بنى إسرائيل حتى يخافوا من الله ويرهبوا عذابه، فلا ينكثوا فى العهود ولا يغد روا فى الاتفاق، ومن ثم كان هدف الرهبة هنا هو الحث على الوفاء، والبعد عن الضرر والخيانة. وأما الآي ة الثالثة : فقد جاء الحديث فيها عن الإرهاب بصيغة الفعل المض ارع ، وذلك فى قول الله تعالى :  وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن ق ُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ت ُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ  (3) ،والآية الكريمة تتحدث عن الإرهاب أو الرهبة فى إطار إعداد القو ة لمواجهة عدو واضح يعلن الحرب بعد أن نأخذ أسباب العدة والعتاد لها، ومن ثم كان فى سياق هذا الحديث ما يدل على أنها ينبغى أن تقترن بالمواجهة العسكرية القائمة، أو التى على وشك القيام بين جيشين، وذلك بأن يكون لها سبب مشروع، وأن تكون كذلك فى إطار هدف مشروع، وليس من الأسباب أو الأهداف المشروعة أن تكون تلك الرهبة موجهة إلى من ليس طرفا فى حرب، أو أن يكون المقصود بها التخريب والتدمر، والقتل ظلما وعدوانا . مفهوم الإرهاب فى القرآن الكريم: ويبدو من حديث القرآن الكريم عن الإرهاب، أو الرهبة أنه إنما يقصد بها التخويف بالأذى ، وليس بإيقاع الأذى نفسه، وذلك هو معنى اللفظ اللغوى، فالرهبة أو الإرهاب فى اللغة تعنى التخويف من فعل شيئ وذلك بأسلوب التلويح بإستعمال القوة، واستعراض وسائلها، والله تعالى حين طلب منا أن نرهب عذابه وذلك فى قوله تعالى:  لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ ي َرْهَبُونَ  (4) (290)،وقوله تعالى:  وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  (5) (299)،فإن (1) سورة الأعراف : 259 . (2) سورة الب قرة : 97 . (3) سورة الأنفال : 17 . (4) سورة الأعراف : 259 . (5) سورة البقرة : 97 .

عدد الصفحات ٤٢

- 42 - الرهبة هنا من الله، وهى تعنى التخويف من عذابه، والتحذير من بطشه، وانتقامه، ولا تعنى القتل والتدم والتخريب بدون عقل وبغر، تمييز، ومن ثمن كان إيقاع الأذى بالفعل وإلحاق التدمر، بالعم ران عملا، إنما هو إفساد فى الأرض وتخريب لهات كما قلنا، وهو عمل يتجاوز مضمون الإرهاب ومعنا ه بفساد كبر، وعدوان أكبر، ومن ناحية أخرى فإن مقصد الرهبة فى حديث القرآن عنها : صلاح حال الناس، وتعمر، الأرض، والبعد عن الحنث فى العهود والمواثيق، والهداية والرحمة، وكف الظالمين عن ظلمهم، والمعتدين عن اعتدائهم، وليس من مقصودها إتلاف الأنفس، وتخريب العمران، وإلحاق الأذى بالناس فى أرواحهم وأموالهم وأبدانهم، لقد نهى الإسلام عن مجرد إرهاب الآمنين وترويعهم بمجرد التلويح بالسلاح، وليس باستعماله فعلا، فقد روى أبو هريرة (رضى الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح، فإنه لا ي درى لعل الشيطان ينزغ فى يده فيقع فى حفرة من النار " (1) ، ولا يشترط أن يكون الإرهاب بسيف أو سلاح نارى، حيث يكفى أن يروع الإنسان أخاه الإنسان بحديدة أو عصا، روى أبو هريرة أيضاً أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهى وإن كان أخاه لأبيه وأمه " (2) ، بل إن الإسلام يحرم الإرهاب حتى بالنظرة المخيفة فعن عبد الله - بن عمررضى الله عنهما - أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : "من نظر إلى مؤمن نظرة يخيفه فيها بغر، حق ، أخافه الله يوم القيامة" (3) ،ومن ثم يبدو أن الإسلام يحرم مجرد ترويع المدنيين بالنظرة المخيفة والحديدة والعصا والسيف والسلاح وما دون ذلك أو أقل، وهذا دليل على أنه لا يقر الإرهاب، وأن ما يقع منه إنما هو إفساد وتخري ب وليس إرهابا وفقاً لحديث القرآن الكريم عن الإرهاب، وحتى فى حال قيام الحرب فإنه لا يجوز قتل من لا يقاتل كالشيوخ والمرضى والرهبان والنساء والأطفال، كما لا يجوز اتلاف الزرع أو قتل الماشية (4) . والإرهاب الذى يقع فى دينا الناس من قبل الإرهابيين والمفسدين والم خرب ين يخالف صحيح الأحكام الشرعية وأصول الدين وفروعه من الوجوه التالية . أولًا : أنه يأخذ البرئ بإثم الجانى، وهذا ظلم وحمق لا يقره الإسلام، بل لا يجيزه أى دين سماوى أو تشريع وضعى، فمن المقرر شرعا وقانونا أنه لا يجوز أن يعاقب شخص دون ذنب أو جريمة يتحقق ويتأكد وقوعها منه ونسبتها إليه، والذين يمارسون الإرهاب يقتلون أنفسا لا ذنب لها، ولم يقع منها ما يمكن أن تتحقق نسبته إليها، والإسلام لا يجيز أن يؤخذ يرئ بإثم غر،ه، قال تعالى :  لًَ يُكَلِّفُ اللّهُ ن َفْساا إِلًَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ (1) رواه البخاري ومسلم : ص232 . (2) رواه مسلم ، المرجع السابق نفسه . (3) رواه الطبراني وأبو الشيخ من حديث أبي هريرة ، المرجع نفسه . (4) راجع ما سبق بيانه ضمن أ دلة القائلين بأن غاية الجهاد وعلته رد المعتدين، إذ لو كانت غايته القضاء على الكفر لما ورد النهى فى السنه عن قتل الشيوخ والرهبان والنساء والأطفال وذلك فى المبحث الأول من الفصل الأول هذا البحث .

عدد الصفحات ٤٣

- 43 - وَعَلَي ْهَا مَا اكْتَسَبَتْ  (1) ،ويقول سبحانه:  كُلُّ ن َفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (2) ،أى مسئولة عما فعلت من الإثم والجريمة ، وقال سبحانه :  وَلًَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (3) ، أى لا تؤاخذ نفسه بجريمة نفس أخرى، وإذا كان ذلك منهاج القرآن الكريم فى العقا ب على الجريمة فإن ذلك التوجيه الرشيد هو الذى يتفق مع العقل. وهو الذى يحقق المصلحة المتمثلة فى حفظ أمن المجتمع وضبط الإسناد فى مجال الاتهام بما يمنع أن يرتكب الجريمة شخص ثم يعاقب عنها غر،ه، لأن ذلك فضلا عن منافاته للعدل - ينافى مقصود العقوبة فى إصلاح الجانى وتقويمه والعقاب على غر، جرم ، وإنزال لأمر فى غر، منزله، واستعمال للدواء فى غر، موطن علته . ثانياا : أنه ينافى منهج الإسلام فى العدل وفقاً لما أمر به الله فى كتابه حين قال :  إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ  (4) ،والعدل هو الإنصاف للخصوم من الظالم، وعدم مؤاخذة البرئ بإثم الجانى، والإرهاب ينافى هذا المعنى ويناقضه لأنه يأخذ جملة من الناس بالإهلاك المدمر دون قصد لبيان ما إذا كان من ينزل بهم ذلك الإهلاك أبرياء أم آثمين ، فالمهم هو الإهلاك والإتلاف وليس التقويم والإنصاف. والإحسان يعنى أن يراقب من يقيم العدل به فلا يأخذ بظواهر الأدلة ما ليس له حق فيه، يقول النبى (صلى الله عليه وسلم): "إنكم تحتكمون إلى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بغر، حقه فإنما اقتطع له قطعة من النار" (5) ،ومن الإحسان أن يكون بناء العدل سليما فى شكله ومضمونه، فلا يكو ن الحكم به مبنياً على غر، أسباب سائغة، أو بدون أدلة مؤكدة ، لأن الحكم بدون دليل هو ظلم بين والذين يمارسون الإرهاب ينزلون بطشهم بلا عدل، ويصدرون أحكامهم على من ينزلون بطشهم بهم بدون دليل، ولذلك كانوا مضادين للإسلام فى ذلك وبعيدين عن هديه ومنهاجه . ثالثاا : أنهم يخالفون منهج الإسلام وأصوله فى حفظ مقومات الحياة، ومنها حفظ النفس والمال، وما تقوم به تلك المصالح من المبانى والعمران، وحفظ النفوس لا تفرقه فيه بين نفس وغر،ها، لأن الآدمى بنيان الرب، فيه سره، وفيه نفخ من روحه، يستوى فى ذلك أن تكون تلك النفس لمسلم أو مسيح ى أو يهودى أو غر،ه، فكأن نفوس البشر فى ميزان حماية التشريع الإسلامى بدرجة سواء وكفتين متوازيتين لا ترجح إحداهما عن الأخرى قيد فتيل، وقد مرت جنازة على النبى (صلى الله عليه وسلم) وكان قاعدا فوقف احتراما لنفس صاحبها، فقيل له يا رسول الله : "إنها ليهودى فقال عليه الصلاة والسلام: "أليست نفسا" (6) ، إن هذا الحديث الشريف يدل على أن كافة النفوس فى ميزان الشرع بدرجة سواء، لا تفرقه بينها بسبب اختلاف الديانة أو اللغة أو الجنس أو الفكر، (1) سورة البقرة : 291 . (2) سورة المدثر : 99 . (3) سورة فاطر : 29 ؛ وسورة الإسراء : 25 . (4) سورة النحل : 37 . (5) متفق عليه. رجع فتح الباري : 29/209 ، المكتبة السلفية . (6)صحيح البخاري ، حديث رقم 2257 ، طبعة دار العلوم الإنسانية ، دمشق .

عدد الصفحات ٤٤

- 44 - لأنها مستودع الروح، وفيه نفخة الخالق، ومن ثم فلا يجوز قتلها إلا بحق، وبعد قيام الأدلة المؤكد عليها، وأنها قد فعلت ما يوجب قتلها، قال سبحانه :  وَلًَ ت َقْت ُلُواْ الن َّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلًَّ بِالْحَق  (1) ،وقال سبحانه وتعالى:  مَن ق َتَلَ ن َفْساا بِغَيْرِ ن َفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا ق َتَلَ النَّاسَ جَمِ يعاا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاا  (2) ،فأثبت للنفس الواحدة من حق الحماية ما يثبت لكافة النفوس، لأن معنى النفس لا يقبل التبعيض أو التجزئة، وإحياء النفس الواحدة له حكم إحياء نفوس الناس جميعاً، وإذا كان ذلك هو حكم النفس الواحدة فى الإسلام فما بالنا بالنفوس الكثر،ة إذا أتلفت، كما أن الأموال محرمة لا يجوز المساس بها اتلافا أو أخذا بغر، إذن صاحبها، يقول النبى ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم" (3) ،والتحريم يعنى عدم جواز المساس بها إلا بأذن صاحبها أو رضا منه، وبدون ذلك يكون المال حراما، كما تكون النفس حراما والإرهاب لا يحترم ذلك ولا يرعاه، ولهذا كان مخالفا للدين . رابعاا : إن الذين يمارسون الإرهاب يسيئون إلى الإسلام إساءة بالغة فى الوقت الذى يظ نون فيه أنهم يرفعون راياته ويعل ون تعليماته، وأساس تلك الإساءة قائم فى الأسلوب الذى يتبعونه والمسلك الذى يلتزمونه، لأن أسلوبهم يتسم بالقصور الذى لا يرى الإسلام إلا فى عصوره الأولى، ولذلك فإنهم يبالغون فى التماس مظاهر تلك الفترة ملبسا ومأكلا ومشربا ومركبا وتفكر،ا، وانفصلوا بأنفسهم عن واقع الزمان ومسايرة الواقع . وإذا كان الإسلام فى مضمونه وبنائه وأحكامه يرتقى بالناس إلى آفاق المستقبل وحسن الخاتمة، فإنهم يأخذون الناس إلى ردة زمنية تقف عند المرحلة الأولى من نزوله، وفى ذلك أبلغ إساءة للإسلام، إنهم يقضون عليه، ويعملون جادين لتحنيط أحكامه وغر،ها فى فترة ركنت إليها عقولهم، ويعزلونه عن واقع الحياة وتصرفات الناس، إنهم يحكمون على الإسلام بالعزلة، ويقيمون خصومة بينه وبين البشر، وهم حين يفعلون ذلك إنما يفعلونه بسوء نية، أو بغيا يصل لمستوى هذا السوء لأنهم لم ينعزلوا عن واقع الحياة فى تطور صناعة الأسلحة ووسائل الاتصال وغر،ها، فتراهم يستعملون منها أرقى أنواعها وأحدث ما صنع منها، كما يستخدمون ما تفتقت عنه العقول من وسائل النقل المختلفة كالسيارات والطائرات والقطارات والبواخر، ويستعملون الفاكس والكمبيوتر والإنترنت، ولكنهم حين يتعاملون مع معطيات العصر على هذا النحو إنما يهدفون إلى استخدام مخترتات فى خدمة الهدف الذى لا يرون بديلا عنه ويعتبرونه الأساس فى خدمة الدين من وجه نظرهم، وهو الرجوع به إلى الوراء، وليس بإجهاد أنفسهم فى علومه لاستنباط أحكام تواجه ذلك الواقع، ليثبتوا للناس ما كلفنا الله بإثباته لهم، وهو أن الإسلام دين خاتم، وأنه صالح لكل زمان ومكان، ولهذا كان مسلك هم مصدر إساءة كبرى للإسلام، وكان بعيدا عن هديه ومقاصده كما كان بعيداً عن توجيهه وتشريعاته وذلك هو موقف (1) سورة الأنعام : 252 . (2) سورة المائدة : 92 . (3) صحيح البخاري ، السابق ، حديث 2152 .

عدد الصفحات ٤٥

- 45 - الإسلام من الإرهاب، وتلك هى نظرته إليه، وذلك هو حكمه الواضح على من يمارسون الإرهاب باسم الإسلام فمن يدلسون على الناس بذلك، لأنهم إنما يمارسون ما يفرضه عيلهم الهوى والغرض، أما الإسلام فإنه منهم ومما يلصقونه به براء. وبداهة فإنه يوجد فرق كبر، بين الإرهاب على نحو ما يشاع عنه ويعرف به مما سبق بيانه وبين من يدافعون عن وطنهم، فالدفاع عن الوطن عمل مشروع فى كل الأديان وفى كافة القوانين ، ولهذا فإنه لا يجوز ولا يصح الخلط بين الأمرين، لأن الفرق بينهما هو الفرق بين الفضيلة والجريمة، وبين الحق والباطل وبين الصواب والخطأ، وبالقطع فإن الفضيلة والحق والصواب فى كل ذلك يتمثل فى الدفاع عن الوطن، والجريمة والباطل والخطأ كله متجسد فى الإفساد فى الأ رض، أو ما يطلق عليه لدى الاستعمال الشائع بالإرهاب، وهو لا يتوجه نحو مسلم وإنما يكون أداة لتوقى الدخول فى الحرب مع عدو أجنبى يريد أن يستبيح حرمات البلاد والعباد، وإذا ما لوح له بإستعمال القوة فإنه قد يعدل عن نية الدخول مع أهلها فى مواجهة قد لا تحمد عقباها على مصالحه.

عدد الصفحات ٤٦

- 46 - الفصل الثانى الآثار المترتبة على تحديد المصطلحات الفقهية فى التقاتل بين المسلمين المبحث الأول إذن ولى الأمر بالجهاد وأثره فى منع التقاتل بين المسلمين من المعلوم أن إعلان الحرب والشروع فى الجهاد ينبغى أن يبدأ بإذن الإمام فيه وذلك حتى يكون القيام به بصر،ا بعواقب الأمور ومآلات ما تنتهى إليه نصرا أوهزيمة، والإمام لا يأذن - عادة - فى الجهاد ولا يقوم به إلا إذا استنفد كافة وسائل الدراسة والمشورة من كبار رجالات الأمة وخبرائها فى السياسة والكي اسة، وعادة ما يسمى المستشارون فى تقدير مآلات الحروب بالبلاد فى عصرنا الحاضر، (مجلس الدفاع الوطنى ) حيث يتكون أعضاؤ ه ممن يمسكون بزمام الأمور الحربية والأمنية والاقتصادية والسياسية فى وقت السلم، ولأنهم أقدر الناس على وزن الأمور المتصلة بالحرب وتحمل ما قد يترتب عليها من مسئوليات تمس مصر، الأمة ، أو يتعلق ببقائها عزيزة ا لنفس مأمونة الجانب، مرهوبة من أعدائها . وإذا ما أعلن الإمام الحرب دون مشورة أو تجاهل رأى المختصين من أبنائها، فإنه يكون قد خالف ما يجب أن تقوم به. يقول الشوكانى فى باب ما جاء فى مشاوره الإمام الجيش ونصحه لهم : يشرع للإمام أن ي ستشر، أصحابه الموثوق بهم دينا وعقلا، وأن يستكثر من ذلك، وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب ذلك مستدلين ب قول الله تعالى: "وشاورهم فى الأمر "، والاستدلال بهذه الآية يدل على أن الخطاب الخاص بها يعم الأمة ولا يخص الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحده ، وهى تدل على الوجوب، لأن أمرها من باب تطييب الخواطر وفيه نوع من التعظيم الواجب(1) . ولما روى عن أبو هريرة – رضى الله عنه – قال: (ما رأيت أحد ا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، رواه أحمد والشافعى(2) . وقيام الإمام بمشورة المختصين عند إعلان الحرب فيه عصمة لقراره من مخالفة الأحكام الشر عية المرتبطة به، ومن أهمها أن لا يكون موجها نحو بلد اسلامى أو إلى مجتمع المسلمين داخل الدولة أو خارجها، وإنما يكون موجها إلى من يهجمون على بلاد المسلمين من أعدائهم الذين لم يرعوا عهدا معهم أو يدخلوا مع أهل (1) نيل الأوطار للشوكا : 0/251 ، طبعة الحل . (2) المرجع السابق نفسه .

عدد الصفحات ٤٧

- 47 - البلد الإسلامى فى اتفاق سلام، وقد صرح الحنفية بأن الجهاد ما شرع لذاته وما فرض لعينه إذ هو فساد فى ذاته، وإنما شرع لإعزاز دين الله ودفع الشر عن البلاد، وهذا ما اتفقت عليه عبارات الفقهاء فى كافة المذاهب الفقهية(1) . وإذا كان بعض الفقهاء قد زادوا فى تعريفهم للجهاد بأنه جهاد النفس والشيطان أو وسعوا مجالاته، لتتجاوز المفهوم المحدد للقتال، فتشمل الجهاد باللسان، والجهاد بالقلب مع الجهاد باليد(2) ،فإنهم لم يتوجهوا به إلى مسلم أو إلى بلد مسلم، ومن ثم يكون توجيه الجهاد إلى صدور المسلمين واستهداف حياتهم نوعا صارخا من المخالفة لما سنه الله ورسوله فى الجهاد، ولما بينه الفقهاء لمعناه. المبحث الثانى أسباب التقاتل بين المسلمين يبدو من بيان التحديد الفقهى للمصطلحات الإسلامية أن ما يحدث بين بعض التنظيمات الإسلامية من تقاتل ليس مرجعه إلى صحيح الدين، أو الاستناد إلى دليل شرعى يعتمد عليه، بل يبدو من متابعة تلك المواجهات جليا أن الدافع إليها ليس هو اعلاء دين الله، وإن كان الإعلان عن تلك المواجهات باسم ذل ك أمرا شائعاً وكثر،ا وملحا حتى أثر على عقول العوام والدهماء من بعض شباب المسلمين، وتم التغرير بهم فى مواجهات خاسرة تحمل فى مظاهرها مصلحة الإسلام والمسلمين، وهى أبعد ما تكون عن ذ لك، بل أصبح هؤلاء الشباب وقودا لفتن يهلكون فيها أنفسهم ويتلفون فيها أرواحهم، وأرواح أبنائهم طمعا فى الحصول على الشهادة وهم أبعد ما يكونون عن طريق طلبها الشرعى الصحيح ، إن الدين لا يسمح بإعلان الجهاد أو الحرب ضد بلد مسلم أو مجتمع مسلم، لأن الم سلمين فى الأمة الإسلامية كلها، تتكافآ وماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وإذا كان سبب التقاتل بين تلك التنظيمات ليس اسلامياً صادقا أو دينيا خالصاً ، لم يبق إلا أن يكون مرده إلى أمور. أولها: أن مكر أعداء المسلمين بالإسلام قد وصل إلى حد التخطيط لتجنيدهم من أجل اهلاك أنفسهم، وذلك بتدبر، مؤمرات الوقيعة والإنتقام بين صفوفهم، فلا تقو م لهم قائمة ولا تظهر لهم قوة، وي ظل أمرهم فى شقاق و تمزق وفشل ناشئ عن تنازعهم وتفرقهم و اضمار العداء لبعضهم. (1) بدائع الصنائع للكاسا: 3/9233 ؛ ومجمع الأنهر: 2/192 وما بعدها . (2) ذكر ذلك بعض فقهاء الشافعية والحنابلة والزيدية، راجع : حاشية الجمل على شرح المنهاج – ج5 – ص203، وزاد المعاد لابن القيم – ج2 ص95 – المطبعة المصرية، ونيل الاوطار للشوكا – ج2 ص291 وفى هذا المع: د. محمد نعيم ياسين – الجهاد ميادينه واساليبه – مكتبة الزهراء بالقاهرة .

عدد الصفحات ٤٨