المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

عبد الله النجار

غير معروف

صفحة ٢ من ٤

- 16 - الجهاد فرض كفاية، و يكفى لسقوطه عن سائر الناس أن يقوم به بعضهم، وقد كان الصحابة يفعلون ذلك مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حيث كانت طائفة منهم تنفر للجهاد، وتبقى طائفة لتعلم الفقه والعلم فى الدين، لأن أحكام الشريعة تتجدد شيئاً بعد شيئ، والباقون الذين لم ينفروا للجهاد يحفظون ما يحدث، فإذا قدم الغزاة علموهم ما تجدد وهم نافرون (1) ، كما أن الصحابة كان بعضهم يخرج للغزو وبعضهم ي قعد، ولو لم يكن الجهاد فرض كفاية ما قعد واحد منهم (2) . (2 )ومن المعقول: أن الجهاد لو جعل على العين لا شتغل الناس به عن العمارة وطلب المعاش، فيؤدى ذلك إلى خراب الأرض وهلاك الخلق، ولأدى ذلك إلى تعطيل عجلة الحياة، وخراب الأرض وهلاك الخلق لاشتغال الناس به عن العمارة ، فلن يكون هناك من يزرع الأرض ولن يوجد الصانع الذى يمد الجيش بما يلزمه من السلاح وأدوات القتال، ولا الطبيب الذى يعالج المرضى ويضمد الجراح، ولا العالم الذى يرسى قواعد العلم ويدعم أسس المعرفة والإيمان، ولا من يقوم بالبناء والعمران، وبذلك تفقد الأمة قوتها (3) . ثانياا: الجهاد فرض عين: ويكون الجهاد فرض عين إذا هجم العدو على بلد، لأن السقوط عن الباقين بقيام البعض به، فإذا عم النفر، لا يتحقق القيام به إلا من الكل، فبقى فرضاً على الكل عينا بمنزلة الصوم والصلاة (4) ،ويتعين الجهاد على الكافة فى الحالات الآتية: (1 )عند التقاء الزحفين : إذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الإنصراف، وتعين عليه المقام، وذلك لقوله تعالى:  يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةا فَاث ْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراا  (5) ،وقوله تعالى:  وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ  (6) ،وقوله تعالى:  يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاا فَلاَ ت ُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ  وَمَن ي ُوَلِّهِمْ ي َوْمَئِذٍ دُب ُرَهُ إِلًَّ مُتَحَرِّفاا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاا إِلَى فِئَةٍ ف َقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ  (7) .. (1) حاشية الجمل. السابق : 5/207 . (2) تبيين الحقائق للزيلعي : 9/292 ؛ والهداية ، السابق: ص297 . (3) د. منصور أبو المعاطي ، د . محمود العكازي . الفقه الإسلامي في الجهاد والحدود والقصاص : ص97 ، والهداية السابق . (4) بدائع الصنائع: 3/9972 ؛ والهداية السابق: 29/9 . (5) سورة الأنفال : 95 . (6) سورة الأنفال : 93 . (7) سورة الأنفال : 25 ،21 .

عدد الصفحات ١٧

- 17 - ووجه الدلًلة فى هذه الآيات الكريمة على المطلوب: أن الآية الأولى قد أمرت بالثبات عند لقاء العدو، والثانية قد أمرت بالصبر ، والصبر هو قمة الصمود فى مواجهة الصعاب والشدائد، كما قررت أن معية الله تعالى مع من يصبر من عباده فى ميادين القتال، وهذا أدعى للتمسك به، كما نهت الآية الثالثة عن الفرار عند لقاء الذين كفروا زحفا، ومن يفعل ذلك دون عذر مقبول – كالمنحرف ضمن خطط القتال أو الإنضمام لفئة أخرى من رفاقه – فقد باء بغضب من الله ومثواه جنهم وبئس المصر،، وذلك كله من شأنه أن يحذر من مغبة الفرار عند التقاء الزحفين، ويدل على وجوب الثبات عند تعين الجهاد، والآيات كلها تفيد وجوب الثبات عن التقاء الزحفين . (2 )نزول العدو ببلد تعين القتال على أهله: إذا نزل العدو على بلد فإنه يتعين الجهاد على أهله، تخرج المرأة بغر، إذن زوجها، والعبد بغر، إذن سيده، لأن فوات حق الزوج والسيد ضرر خاص، وأما ترك الجهاد عند هجوم العدو على بلد فإنه ضرر عام، وما يدفع الضرر العام يقدم على ما يدفع الضرر الخاص (1) . (3 )استنفار الإمام لقوم: وإذا استنفر الإمام قوما وجب عليهم أن ينفروا، ويتعين الجهاد عليهم، وذلك إعمالاً لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتهم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل ) (2) ،فقد دلت الآية الكريمة على أن من حالات تعين الجهاد أن يستنفر الإمام فئة، فإنه إذا استنفرهم تتعين عليهم الإجابة، ويجب عليهم وجوبا عينيا أن يلبوا، وتلك هى حالات الوجوب العينى فى الجهاد. المطلب الثانى أسس مشروعية الجهاد تقوم مشروعية الجهاد فى التشريع الإسلامى على جملة أسس تنأى بالجهاد عند الظلم والتعدى، وقصر الأذى الذى ينتج عنه فى أضيق نطاق، وأنه لا يجوز التحرش للقيام به، وتمنى الخوض فيه إلا إذا فرض على المسلمين، كما أنه لا يجوز أن يقع إلا ردا للتعدي ودفعا للظلم، وهذه الأسس يمكن إرجاعها إلى أمرين هما : أن السلام هو الأصل الذي يحدد ملامح العلاقة بين المسلمين وغر،هم، وأن الحرب يجب أن تكون للدفاع وليس للتعدي، ونبين هذين الأمرين في فرعين كما يلي : (1) الهداية ، السابق: 290 . (2) سورة التوبة : 99 .

عدد الصفحات ١٨

- 18 - الفرع الأول السلام هو الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم السلام هو الأصل في الإسلام، بل هو من أهم دعائم العلاقات الدولية فيه، كما أنه من أهم دعائم هذا الدين الحنيف ويكفي أن السلام اسم من أسماء الله تعالي، قال سبحانه  هُوَ اللَّهُ الَّذِي لًَ إِلَهَ إِلًَّ هُوَ الْمَلِكُ الْ قُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَب ِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ  (1) ،حيث ورد السلام من ضمن الأسماء التي أثبتها الله لنفسه في كتابه، فدل ذلك على أنه من أصول دينه ومن مبادئ شرعه ، فإن الله ما أنزل الدين وما بعث أنبياءه بالشرائع التي ختمت بشريعة محمد (صلى الله عليه وسلم) إلا لحماية مصالح الناس، وحفظ مقومات الحياة ، والسلام هو البيئة الملائمة لتلك الغايات النبيلة، والحرب لا تتناسب مع استقرار ها وازدهارها، ولهذا كان السلام هو الأصل والحرب هي الاستثناء ا لعارض الذي لا ينبغي اللجوء إليه إلا إذا قامت الأسباب الملحة التي تدعو إلى ذلك كأن يقع اعتداء علينا، أو يعلن طرف الحرب ضدنا، يدل على ذلك ما رواه البخاري ومسلم أنه (صلى الليه عليه وسلم ) خطب في الناس يوما فقال: " يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف" (2) ،فقد نهى النبي (صلى عليه وسلم عليه) عن تمنى لقاء العدو، وفي هذا دلالة على أن ما فوق ذلك التمني منهي عنه من باب أولي، أما إذا وقع التعدي فإنه لا يكون ثمة مانع من التعدي ودفع الهجوم، وفي هذا يقول الله تعالي  كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاا وَهُوَ خَي ْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ ي َعْلَمُ وَأَنتُمْ لًَ ت َعْلَمُونَ  (3) إن من يقرأ هذه الآية الكريمة يكاد يشعر أن الحر ب استثناء وليست أصلاً، وأنها قد شرعت لتكون كالدواء المر الذي لا يستساغ شربه إلا عند الضرورة، وحين يهجم المرض، ولا يكون أمامنا من خيار سوى تعاطيه رغم عدم استساغته، ولأن في مرارته مصلحة تفوق مصلحة عدم تعاطيه، لأن الأخر،ة قد تؤدي إلى تدمر، البدن وإنهاء الحياة، ولهذا كانت مرارة الدواء مدخلاً للشفاء وطريقاً للنجاة والإبراء ومن ثم فإنها تتعين عند وجود دواعيها. والمبدأ الإسلامي القاضي بأن السلام هو الأصل في الإسلام يقوم على أسس شرعية واعتبارات دينية تعد أساساً له وأدلة معتبرة على قيامه، ويمكن رد تلك الأسس وهذه الاعتبارات إلى الأمور الآتية : أولًا : انتفاء الدواعي التي يمكن أن يتهم الإسلام فيها بأنه دين حرب: لا يوجد مبرر يمكن أن يتهم الإسلام به بأنه دين حرب، يبدأ بالهجوم على من يختلفون معه في العقيدة، أو يهاجم العدو لمجرد هذا الاختلاف، فذلك ال داعي لا وجود له في الإسلام، لأن الأصل فيه يقضي بأنه كما (1) سورة الحشر : 29. (2) فتح الباري : 1/35 . (3) سورة البقرة : 221 .

عدد الصفحات ١٩

- 19 - قال ا:  لًَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد ت َّب َيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي  (1) ،والآية خبر بمعنى الإنشاء فهي وأن كانت تخبر عن عدم الإكراه في ال دين إلا أن ذلك الخبر بمعنى الاقتضاء أو الطلب ، فهو ينشئ حكما تكليفيا يجب تنفيذه على المسلمين، كأنها تقول : لا تكرهوا أحداً على دين الله، وهذا التكليف وإن كان مصدره الشرع إلا أنه يوافق مقتضي العقل، ويلائم فطرة الخلق، كما ينسجم مع الواقع الذي يراه الناس ويحسونه ويشاهدون ه، لأنك تستطيع أن تشق قلب أي إنسان بالسيف نصفين وتقطعه به إربا لكنك لا تستطيع أن تفرض عليه الإيمان بما لا يريد أن ي ؤمن به، أو أن تفتحه لدخول عقيدة أو دين لا يرغب أن يدخل فيه، فالإيمان لا يستطيع أحد أن يفرضه على أحد، ولكنه يخلق خلقاً بتقدير الله القائل :  فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن ي َهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَي ِّقاا حَرَجاا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء  (2) ،ولأن أمر الإيمان متعلق بالقلب،وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء ، قال سبحانه :  وَاعْلَمُواْ أَن اللّهَ يَ حُولُ ب َيْنَ الْمَرْءِ وَق َلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ  (3) ،وإذا كان القلب بيد الله تكون أسباب الهداية بيده وحده سبحانه ، ومن اختصاصه الذي لا يشاركه فيه سواه حتى ولو كان ما سواه هو أشرف خلقه وسيد أنبيائه ورسله محمد الخاتم ( صلى الله عليه وسلم ) ولهذا خاطبه الله بقوله تعالى :  لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَ كِنَّ اللّهَ ي َهْدِي مَن يَشَاء (4)، ويقول سبحانه :  إِنَّكَ لًَ ت َهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ ي َهْدِي مَن يَشَاء  (5) ، وإذا كان أمر الهداية بيد الله سبحانه ، تكون مهمة النبى (صلى الله عليه وسلم) هي البلاغ وتذكر، الناس بما نسوه من أمر ربهم ، ولذلك فإن الله تعالي قد حدد مهمته في القرآن الكريم بذلك قال سبحانه:  إِنْ عَلَيْكَ إِلًَّ الْبَلاَغُ  (6) ،وقال سبحانه :  فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ  لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُ صَيْطِرٍ  (7) . ولما كان ذلك ، وكانت الهداية من اختصاص الله وحده، كان من شأن هذا الاختصاص أن ينفي عن دين الله أدني شبهة أوشك أو ارتياب في الإكراه عليه، إذ يستحيل شرعا أن يكلف الله عباده بالجهاد لحمل فئة من الناس على أمر لا يملكه المجاهدون، حيث لا يقدرون بسيوفهم المشرعة ولا بالأدوات والأجهزة أن يفتحوا القلوب المغلقة لتؤمن إذا لم ترد ا لإيمان، بل ولا يملكه من يتوجه الجهاد إليهم لأن قلوبهم ليست بأيديهم، وإنما هى بيد خالقهم سبحانه، ولو أراد لهم الإيمان لحولها إليه، وإذا كان أمر الهداية بيد الله ولا يملك أحد من خلقه (1) سورة البقرة : 251 . (2) سورة الأنعام : 225 . (3) سورة الأنفال : 29 . (4) سورة البقرة : 202 . (5) سورة القصص : 51 . (6) سورة الشورى : 99 . (7) سورة الغاشية : 22 ،22 .

عدد الصفحات ٢٠

- 20 - فيه شيئا يكون التكليف بالحرب لأجلها تكليفاً بمالا يطاق، وهذا غر، وارد في شرع الله القائل :  لًَ يُكَلِّفُ اللّهُ ن َفْساا إِلًَّ وُسْعَهَا  (1) . ومما يدل على ذلك ويؤكده أمران : (2 )أن الله تعالي هو العزيز ، والعزيز هو الشديد القوى الذي يحتا ج إليه الجميع ولا يحتاج إلى أحد (2) ،قال سبحانه :  وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لًَ ي َعْلَمُونَ  (3) ، فقد دلت هذه الآية الكريمة على أن العزة لله سبحانه بل إن العزة كلها، كما قال عز من قائل :  إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  (4) . وإذا كانت له فإنه ليس مما يتواءم مع ما أثبته الله لنفسه من العزة الكاملة أن يستجدي الإيمان من أحد، حيث لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، أو أن يكلف عباده بأن يحملوا الناس قسرا وإكراها على الإيمان به، ذلك ما لا يعقل تصوره، ولا يتسنى إدراكه . (2 )أن الإسلام هو نعمة الله وخر،ه الكامل قال سبحانه :  الْي َوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناا (5) . وإذا كان الإسلام ه و النعمة التي أكملها الله لعباده، فإنه لا يتصور أن يكون ألإكراه وس يلة للإيمان به، و البدء بالحرب على من لا يدخلون في دينه، لأن الخر، لا يحمل عليه إنسان، والنعمة لا يكره عليها أحد، ولأن القهر والإكراه لا يعقل حصولهما إلا فيما يضر ويهلك، لاسيما مع من يعقل الخطاب ويفهمه، ويقدر على وزن مركزه بما ينفعه . وحاشا لدين الله أن يكون مصدر ضر أو سبب هلاك، فما من طريق إلى الخر، إلا عبىده، وما من وسيلة تصل بالناس إلى عز الدنيا وسعادتها إلا وتجدها من ضمن مبادئه ، بل إن ما تبحث عنه البشرية من العدل والخر، والسلام والاستقرار و التقدم موجود في دين الله ، كما أ ن ما تخشاه وتحذر وقوعه منهي عنه في هذا الدين الحنيف الذي لا يقر الظلم أو التعدي على مقومات الحياة، أو تخريب العامر فيها . وقد نهى الله عباده عن ذلك نهيا صريحا في كتابه الكريم فقال سبحانه :  وَلًَ ت ُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ ب َعْدَ إِ صْلاَحِهَا  (6) . (1) سورة البقرة : 291 . (2) الغزا . المقصد الأسنى في شرح أسم اء الله الحسنى : ص31 ، تحقيق محمد عثمان الخشت ، القاهرة ، 2395م. (3) سورة المنافقون : 9 . (4) سورة يونس : 15 . (5) سورة المائدة : 9 . (6) سورة الأعراف : 51 .

عدد الصفحات ٢١

- 21 - ولهذا فإن الحق سبحانه قد ترك أمر الإيمان به لحرية العبد، وكمال اختياره، وما منحه له من العقل القادر على النظر في الكون، وتلمس الآيات الدالة على وجود خالقه، وبعد أن أبعد عنه كل وسائل الضغط والإكراه، حتى يكون وصول العبد إلى الإيمان بربه ب كامل إرادته واختياره،وذلك ما اقتضته حكمه الباري وجرت به مشيئته، وجعله من المبادئ المستقرة في كافة الشرائع التي أنزلها، وال تي نادى بها كل الأنبياء والرسل قبل بعثة نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم)، فلما بعثه جعلها من مبادئ شريعته ومن معالم رسالته . وبهذا يتبين أن اتهام الإسلام بأنه دين حرب لا ي وجد أدنى دليل عليه، أو أقل قرينة تكشف عنه. ثانياا : ارتباط الجهاد بإذن الإمام: والجهاد ليس أمراً انفعالياً يقوم به الإفراد وفقا لتقديرهم في القيام به، ولكنه يمثل في الإسلام سياسة شرعية يختص بها الإمام ويقدر لكل أمر فيها حسابه، وقد صرح الفقهاء بذلك وقرروا بان الجهاد على ح سب الحاجة، والإمام هو الأعرف بذلك ولان أمر الحرب موكول إلى الأمر، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن قوته في العدة والعتاد، ومدى قدرة جيشه على مواجهتها ولأنه أحوط للمسلمين حتى لا يهلكوا أنفسهم ويعرضوا بلا دهم لخطر الغزو واستحلال ما فيها من الأموال والإعراض التي يم ثل المساس بها نيلا من مبادئ الإسلام واستهدافا لمقوماته الأساسية التي اوجب حفظها ليس في الإسلام وحده بل في كافة الشرائع التي أنزلتها ولا يسقط إذن الإمام بالجهاد إلا إذا تعزر حصوله بالمفاجأة من العدو بما يتعذر معها الحصول عليه، وهنا يسقط الإذن باقتضاء قتالهم والخروج إليهم لحصول الفساد بتركهم يع يثون في ديار الإسلام فسادا انتظارا للإذن(1) . ومما يدل على ذلك ما حدث من سلمه بن الاكوع حين وجد الكفار يتلفون لقاح (2) شجر مملوك للن (صلى الله عليه وسلم) وكان خارج المدينة، فقاتلهم دون إذن من النبي (صلى الله عليه وسلم) فأقر فعله وقال: "خر، رجالاتنا سلمة بن الأكوع "، وأعطاه سهم فارس وراجل (3) . ومن المؤكد أن في اشتراط اذن الامام ضبطا للخروج إلى ساحة القتال ، وفي ذلك تقليل من الانحراف به الى رجحان المفاسد فيه عن المصالح. (1)تفسر، المنار: 2/209 . (2) المهذب للشر،ازي : 2/223 ؛ المغني لابن قدامة: 9/919 ؛ الموسوعة الفقهية ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت : 21/291 . (3) أخرجه مسلم - ج9 رقم 2993 طبعة الحل ؛ وراجع : الموسوعة الفقهية الكويتية – السابق- ؛ نفس المكان واللقاح ما يلقح به الشجر والنبات ليثمر . المعجم الوجيز : ص 512 ، طبعة وزارة التربية .

عدد الصفحات ٢٢

- 22 - الفرع الثاني الجهاد للدفاع وليس للتعدي ليس من طريق الدعوة في الإسلام اللجوء إلى القهر والإكراه، لأن الإسلام لا يقر هذا الأسلوب كوسيلة من وسائل الدعوة إليه، بل يقرر إهداره، فالاختيار الصحيح هو أساس الإيمان الحق، وأن الإيمان هدر إذا كان عن طريق الإكراه والقلب مطمئن بالكفر، ولهذا تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الحرب المشروعة في الإسلام هى حرب الدفاع عن الحق وأهله، وحماية دعوة الله ودينه، فمن لم يدخل في الإسلام وسالم أهله وداره فلم يهاجمها أو يعتدي عليها فهو آمن لا يأذن الإسلام بحربه وقتاله ، ولهذا قال الإمام الثوري : " لا يجوز قتالهم حتى يبدءونا بالقتال"(1) . وعلى هذا الرأي اتفق جمهور الفقهاء، يقول الشربينى الخطيب الشافعي : " وأما قتل الكفار فليس بمقصود حتى لو استطاع الهداية بإقامة الدليل دون جهاد لكان أولي منه"(2) .ويمكن القول أن فى سبب القتال، وما إذا كان هو التعدي أو الكفر قولين : أولهما: لفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية في قول والحنابلة والإمام الثوري وبعض المعاصرين (3) ،وحاصل قولهم : إن سبب القتال هو وقوع التعدي من الكفار وليس الكفر فإن هاجمونا وقاتلونا فإنه يجب علينا أن نقاتلهم، فمناط القتال هو الحراب والمقاتلة والاعتداء، وليس الكفر، فلا يجوز أن يقاتل شخص لمجرد مخالفته للإسلام أو لكفره، وإنما يقتل لاعتدائه على الإسلام(4) . وثانيهما: للشافعية في قول والزيدية وحاصل قولهم : إن مناط الجهاد هو الكفر فإذا اجتمع معه التعدي يكون الوجوب اشد، والطلب أل زم، ولكل قول أدلته. (أ ) أدلة أصحاب القول الأول: استدل أصحاب القول الأول لما ذهبوا إليه من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول . (1) الزيلعي . تبيين الحقائق : 2/292 . (2) مغني المحتاج: 9/227 ، طبعة الحلبي ،2359م. (3) تبيين الحقائق، السابق وشرح الخرشى على مختصر خليل : 9/0 ؛ وتفسر، المنار : 2/209 ؛ وابن تيمية ، مجموعة الرسائل (رسالة القتال ) : ص ، مطبعة السنة المحمدية ، 2393م ؛ وزاد المعاد، : 9/02 ،طبعة مؤسسة الرسالة ؛ د. وهبة الزحيلى . آثار الحرب فى الفقه الإسلامى ، رسالة دكتوراه من جامعة القاهرة ص 271، الطبعة الثالثة دار الفكر دمشق . (4) مغني المحتاج: 9/229 .

عدد الصفحات ٢٣

- 23 - أو: من الكتاب: (1) يقول الله تعا:  أُذِنَ لِلَّذِينَ ي ُقَات َلُونَ بِأَن َّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ  (1) . ووجه الدلًلة في هذا القول الكريم: أن الآية واضحة الدلالة على أن القتال لم يؤذن فيه إلا لدفع الظلم، ومن ثم يكون الأمر بالابتداء به غر، وارد، فيكون للدفع وليس للبدء . (2) ويقول تعا  وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ ي ُقَاتِلُونَكُمْ وَلًَ ت َعْ تَدُواْ إِنَّ اللّهَ لًَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ  اق ْت ُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِت ْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلًَ ت ُقَ اتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى ي ُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَات َلُ وكُمْ فَاق ْت ُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ  فَإِنِ انت َهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (2) . ووجه الدلًلة في هذا القول الكريم: أن الله تبارك وتعالى قد أمرنا بالقتال في سبيله لمن يقاتلوننا ونهانا عن التعدي، ثم ختم ذلك المطلوب الإلهي بما لا يقبل النسخ وهو قوله تعالي": (إن الله لا يحب المعتدين) فدل ذلك على أن القتال المشروع إنما هو للدفع وليس للبدء، وفي الآية الثانية منها، نهى عن قتال المشركين في المسجد الحرام حتى يقاتلونا فيه، فإنه يجوز لنا عندئذ وليس قبله أو دونه أن نرد على قتالهم، وهو دلي ل على المطلوب، ثم جعل الرد مرتبطا باستمرار القتال منهم، فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم، وفي هذا دلالة على أن القتال إنما شرع للرد على التعدي عند وقوعه، فإذا انتهى التعدي انتهى الرد عليه (3) ،وفي هذا دلالة على أن هدف القتال دفع التعدي وليس دخول الكفار في الإسلام. (9) وبقوله تعا:  قَاتِلُواْ الَّذِينَ لًَ ي ُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلًَ بِالْي َوْمِ الآخِرِ وَلًَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلًَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى ي ُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ  (4) . (1) سورة الحج : 93 . (2) سورة البقرة : 237- 232 . (3) جاء فى العناية على الهداية: "وسببه (أى القتال) كون الكفار حربا علينا "، راجع ": ج5، ص990 بهامش القدير، طبعة الحلبى، وجاء فى المبسوط للسرخسى : "والقتل إما أن يكون للمحاربة كما يقول علماؤنا – رحمهم الله – أو للشرك كما يقول الخصم"، ج27، ص97،92. (4) سورة التوبة : 23 .

عدد الصفحات ٢٤

- 24 - ووجه الدلًلة في هذا القول الكريم: أنه قد دل على أن غاية القتال كف التعدي من غر، المسلمين، وقبولهم معايشة المسلمين والالتزام معهم بقانون واحد يحفظ وحدة الأمة، ويقوى منعتها، والمراد بالصغار هو الخضوع لحكم القانون، والكف عن التعدي، والالتزام بما يجب أداؤه ولو كان الكفر هو سبب القتال لما كانت هذه نهايته بل ولا ستمر حتى يسلموا، ولما قبل منهم غر، ذلك، أما وأن الآية الكريمة قد جعلت غاية القتال ليست هى الإسلام يكون القتال مشروعا لدفع التعدي، وليس لمجرد الكفر، وهو ما تدل عليه الآية الكريمة . ثانياا : من السنة النبوية: (2 ) بما روي عن أبي هريرة أنه (رضى الله عنه) قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (1) . ووجه الدلًلة في هذا الحديث على المطلوب: أنه قد بين الغاية التي من أجلها شرع القتال بحيث إذا فعلها المقاتلون حرم قتالهم ، والمعنى، أنه (صلى الله عليه وسلم) لم يؤمر بالقتال إلا إلى هذه الغاية، وليس المراد أني أمرت بقتال كل أحد إليها، فإن هذا خلاف النص و الإجماع، فإنه لم يفعل هذا قط، بل كانت سر،ته أن من سالمه لم يقاتله (2) )،يقول ابن تيمية: لقد ثبت بالنص والإجماع أن أهل الكتاب والمجوس إذا أدوا الجزية حرم قتالهم (3) . فالحديث يبين غاية القتال في الجملة حتى يقف عندها، وليس مراده أن يقاتل كل أحد حتى هذه الغ اية، ومن ثم يكون اعتبار الكفر غر، وارد فيه، وإذا كان هذا الحديث قد جاء مطلقا عن التقييد بسبق التعدي، فإنه يتعين بالأدلة الدالة عليه ومن الكتاب والسنة جمعاً بين أدلة الشرع، ودفعاً لما يوهم التعارض الظاهري بينها. (2 ) وبما روي عن أنس أن رسول ا (صلي الله عليه وسلم) قال : " انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغر،ا، ولا امرأة، ولا تغلوا أو ضموا غنائمكم وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين"(4) . (1) أخرجه البخاري . صحيح مسلم : 2/203 ، طبعة الشعب. (2) د. وهبة الزحيلي . الرسالة السابقة : ص270 . (3) رسالة القتال لابن تيمية : ص220 . (4) رواه أبو داود ؛ وراجع نيل الأوطار للشوكا : 0/297 .

عدد الصفحات ٢٥

- 25 - ووجه الدلًلة في هذا الحديث على المطلوب: أنه قد دل على أن غاية القتال ومناطه هو رد التعدي وليس الكفر، ولو كان الكفر مناطه، لأمر بقتل جميع الكفار منهم ممن ورد النهى عن قتلهم في الحديث، لكنه قد نهى عن قربانهم بالأذى حال الحرب، فدل ذلك على أنها مشروعة لرد التعدى، وبدليل أن هؤلاء الذين نهى عن قتلهم ليسوا من أهل التعدي، ولا يرجي منهم ذلك، فيكون الحديث دالا على المطلوب. قال ابن حبيب من المالكية: " لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إذا باشرت القتل - يقصد المرأة - أو قصدت إليه"، يدل على ذلك ما رواه أبو داود في المراسيل عن عكرمة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال: من قتل هذه؟، فقال رجل : أنا يا رسول الله، غنمتها فأردفتها خلفى فلما رأت الهزيمة فينا أهوت إلى قائم سيفي لتقتلني فقتلتها فلم ينكر عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك(1) . مناقشة الًستدلًل بهذا الحديث: وقد نوقش الاستدلال بهذا الحديث بأنه معار ض بما ينافيه ويبطل حكمه، وذلك بما روي عن سمرة عند أحمد والترمذي وصححه بلفظ: " اقتلوا شيوخ الم شركين، واستبقوا شرخهم " حيث أمر النبي (صلى الله وعيله وسلم) بقتل شيوخ المشركين، ولوكان الدفاع غاية القتال لما قتلهم لأنهم لا يقاتلون عادة، فدل ذلك على أن الكفر علته(2) . رد هذه المناقشة: وهذه المناقشة مردودة بما حققه الكوفيون والمالكيون بقولهم : إن الآثار الدالة على قتلهم معللة بما إذا قاتلوا بالمباشرة، أو بالمساعدة، أو بالقصد إلى القتل، يدل على ذلك ما روي في قصة المرأة التي مر بها النبي (صلى الله وسلم وسلم) مقتولة يوم حنين حيث حاولت قتل من غنمها بقائم سيفه حين رأت الهزيمة في المسلمين، ولم ينكر عله النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك(3) . وكما في قصة دريد بن الصمة فإن الن (صلى الله عليه وسلم) لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أو طاس فلقي دريد بن ال صمة وقد كان نيف على المائة، وقد أحضروه ليدير لهم الحرب، فقتله أبو عامر ولم ينكر عليه النبي (صلى الله عليه وسلم) ذلك(4) . (1) نيل الأوطار ، السابق: ص292 . (2)المرجع السابق نفسه : 297 . (3) المرجع السابق نفسه : 292 . (4) المرجع السابق نفسه .

عدد الصفحات ٢٦

- 26 - وما نقل عن الإمام أحمد بن حنبل من أنه(صلى الله عليه وسلم) أمر بقتل الشيخ لأنه لا يكاد يسلم، والصغر، أقرب إلى الإسلام (1) ،فإن ذلك مبناه الاحتمال والتخمين، ومن يدرينا فربما أسلم الشيخ، ذلك إذا كان الإسلام هو غاية القتال، أما وإن الغاية هي رد التعدي: وهو ممن لا يصدر منه التعدي: يكون إسلامة أو عدم إسلامه سواء. ثالثاا : ومن الإجماع : اتفق جميع الفقهاء على أنه لا يجوز قتل النساء والولدان، وعللوا ذلك بأن النهى عن قتل النساء إنما تقرر لضعفهن وأما الو لدان فلقصورهم عن قتل الكفار وقد حكي هذا الاتفاق ابن بطال كما نقله الشوكاني في "نيل الأوطار"(2) . مناقشة الًستدلًل بالإجماع : ويمكن أن يناقش ما استدل به أصحاب هذا القول من الإجماع بأنه لو كان موجوداً لما استساغ للشافعي أن يخالفه، ولما وجدنا في المسألة قولين . رد هذه المناقشة: ويمكن رد تلك المناقشة بأمرين: أولهما: عدم أخذ الشافعي بالإجماع لا يلزم منه بطلانه ، لاحتمال أنه لم يقف عليه، ولو كان قد وقف عليه لما استساغ له أن يخالفه، إذ ليس مثله ممن يخالف ما أجمع عليه المؤمن ون. ثانيهما: أو لاحتمال أنه قد وقف عليه، ولم تتوافر شروط العمل به عنده،ومن ثم يكون إهماله مبنيا علي نظر منه وليس على مطعن فيه، وإذا كان كذلك يكون الاستدلال به حجة. رابعا: ومن المعقول: واستدل القائلون بأن مناط الحرب هي الدفاع، وليس حمل الناس على الإيمان م ن المعقول فقالوا: (2) إن طبيعة الإيمان تنافي الحمل عليه، فيظل ما يؤدي إليه وهو الحمل والإكراه بالقتال وبما دونه . (2) لو كان الكفر هو علة القتال للزم منه أن تظل سيوف المسلمين مشرعة في وجوه من يخالفونهم العقيدة ف يتفرغوا لبناء أو غر،ه، أو يقوموا بإصلاح في مرافق ا لحياة الأخرى، ولأدي ذلك على امتداد الزمان إلى فنائهم (1) المرجع السابق نفسه . (2) المرجع السابق نفسه ، وقال : " ولما في استبقائهم جميعاً من الانتفاع إما بالرق أو بالفداء " .

عدد الصفحات ٢٧

- 27 - وتمكين عدوهم منهم، ولأتي على كافة الأدلة الشرعية التي تدل على أن علاقة المسلمين بغر،هم هى السلم وليست الحرب . (9) لو كان الأمر كما فهم البعض من قوله تعا :  قَاتِلُواْ الَّذِينَ ي َلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةا  (1) ،وقوله  وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةا كَمَا ي ُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةا  (2) بأن علة القتال هى الكفر، للزم منه أن يظل القائد الحربي يخطط لغزو الدنيا كلها، فيبدأ بأقربها (3) ،وهذا ليس صحيحا ولا واردا، وإنما المراد - فيما سبق - بأن القتال مقيد بمن سبق منهم التعدي ور داً له، كما أن المراد بالمشركين، هم المحاربون الذين قاتلوا المسلمين واعتدوا عليهم، ومن ثم يكون القتال لرد التعدي وليس لمحو الكفر من الدنيا، أو إرغام الناس على الدخول في الإسلام . (ب) أدلة أصحاب القول الثاني: استدلًل أصحاب القول الثاني لما ذهبوا إليه من الكتاب والسنة. أولًا : من الكتاب: (2) بقول الله تعا:  وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لًَ تَكُونَ فِت ْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه  (4) . ووجه الدلًلة في هذا القول الكريم على المطلوب: أنه قد دل على أن غاية القتال هى إنهاء الكفر، فيكون محدودا به، وفي هذا دلالة على أن عله القتال هى الكفر وليس الدفاع . مناقشة الًستدلًل بهذا القول الكريم: ويمكن أن يناقش هذا الًستدلًل بعدة ملاحظات: أولها: ليس في الآية ما يدل على أن غاية القتال هى القضاء على الكفر، وإنما القضاء على الفتنة والتعدي والبغي، بدليل قوله تعالي في نهاية الآ ية: (فإن انتهوا فإن لله بما يعملون بصر،). ثانيها: أن الآية غر، دالة على وجوب القتال مطلقا، ومن ثم فإنها تؤيد الدلالة المفيدة لوجوب القتال ردا للتعدى، وذلك جمعاً بين الدليلين، وتوفيقا بين المصدرين. (1) سورة التوبة : 292 . (2) سورة التوبة : 91 . (3) في هذا المع. تفسر، المنار : ص229 وما بعدها. (4) سورة البقرة : 239 .

عدد الصفحات ٢٨

- 28 - ثالثها: وعلى فرض انها تدل على وجوب القتال حتى يعم الإسلام ، فتلك غاية القتال العامة ، وليس ذلك هو ما يفعل مع كل إنسان، لوجود الأدلة المانعة من الإكراه في الدين . رابعاا : أن الآية فيها حث على القتال في حالة مقاتلة الكفار للمسلمين ومحاولتهم أن يفتنوهم في دينهم(1) . (2) وقول الله تعا :  فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاق ْت ُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاق ْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآت َوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِ يلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  (2) ، ويقول الله تعالى:  وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةا كَمَا ي ُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةا وَاعْلَمُواْ أَن اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِين  (3) . مناقشة الًستدلًل بهذا القول الكريم: ويمكن أن يناقش هذا الًستدلًل بعدة ملاحظات: أولها: أنه ليس في الآية ما يدل على أن غاية القتال هى القضاء على الكفر، وإنما القضاء على الفتنة والتعدي والبغي، بدليل قوله تعالي في نهاية الآية: (فإن انتهوا فإن لله بما يعملون بصر،). ثانيها: أن الآية غر، دالة على وجوب القتال مطلقا، ومن ثم فإنها تفيد الدلالة المقيدة لوجوب القتال ردا للتعدى وذلك جمعاً بين الدليلين، وتوفيقا بين المصدرين. ثالثها: وعلى فرض انها تدل على وجوب القتال حتى يعم الإسلام،فتلك غاية القتال العامة، وليس ذلك هو ما يفعل مع كل إنسان، لوجود الأدلة المانعة من الإكراه في الدين . رابعاا : أن الآية فيها حث على القتال في حالة مقاتلة الكفار للمسلمين ومحاولتهم أن يفتنوهم في دينهم(4) . ووجه الدلًلة في هذين القولين الكريمين: أنهما قد دلا على قتال المشركين كافة وحيث وجدهم المسلمون، وقد جاء طلب القتال مطلقاً غر، مقيد بالتعدي منهم، فدل ذلك على أن الكفر هو علة القتال وليس التعدي منهم. (1) د. وهبة الزحيلي ، مرجع سابق : ص220 . (2) سورة التوبة : 5 . (3) سورة التوبة : 91 . (4) د. وهبة الزحيلي ، مرجع سابق : 229 .

عدد الصفحات ٢٩

- 29 - مناقشة الًستدلًل بهذين القولين الكريمين: وقد نوقشت هاتان الآيتان بأمور: أولها: أنهما تبين أن حكم قتال من نقضوا العهد مع المسلمين، وتوثبوا للقتال، فيجب حربهم حتى يثوبوا، ويكفوا عن التوثب للمسلمين بالقتال والتجهيز له. ثانيها: ان دلالة هاتين الآ يتين على وجوب قتال الكفار مطلقة، والأخرى مقيدة بوجوب التعدي، والمطلق يحمل على المقيد(1) ،ولا موجب لتقرير تعارض الآيات مع بعضها، حيث لا يتعذر الجمع بينها (2) . ثالثها: أنهما تدلان على معاملة المشركين بالمثل في اجتماع كلمتهم علينا وقتالنا جميعا لا أنهما تأمران بالمبادأة بها(3) . (2 )وبقول الله تعا: (قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً ) (4) . ووجه الدلًلة في هذا القول الكريم على المطلوب: أنه قد دلى على أن المسلمين سوف يلقون قوما أولي باس شديد وسيظلون يقاتلونهم إلى أن يدخلوا في الدين فيكفوا عن قتالهم،وهذا يفيد أن غاية القتال هى الإسلام. مناقشة الًستدلًل بهذه الآية الكريمة: وقد نوقش الًستدلًل بهذه الآية الكريمة من وجهين: أولهما: أن الإسلام هو غاية القتال، وليس الغاية لمن يقاتلون ،بدليل ما ورد من الأدلة المانعة من الإكراه في الدين. ثانيهما: أن دلالتها على وجوب قتال الكفار مطلقة، فوجب أن تتقيد بالأدلة الأخرى التي تقيد القتال برد التعدي، لأن المطلق يحمل على المقيد. (1) الشيخ عبد الوهاب خلاف: ص00 ، وما بعدها ؛ وتفسر، المنار: 27/210 . (2) د. وهبة الزحيلي ، مصدر سابق . (3) تفسر، الطبري: 27/37 ، دار المعرفلة ؛ والجامع لأحكام القرآن للقرط : 9/291 ؛ وفتح القدير للشوكا : 2/95 ، دار الفكر ببر،وت. (4) سورة الفتح : 21 .

عدد الصفحات ٣٠

- 30 - ثانيا: من السنة النبوية: بما روي أنه (صلى الله عيله وسلم) قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله "(1) . ووجه الدلًلة في هذا الحديث على المطلوب: أنه قد دل على وجوب قتال المشركين حتى يؤمنوا، فدل ذلك على أن الإسلام غاية الجهاد وليس التعدي. مناقشة الًستدلًل بهذا الحديث: وقد سبق مناقشة الاستدلال بهذا الحديث بما قاله بعض العلماء من ان الإسلام هو غاية القتال، و ليس الغاية لمن يقاتلون، كما أن دلالته مطلقة فتحمل على الأدلة المقيدة عملاً بالقاعدة التي تقضي بأن المطلق يحمل على المقيد. ثالثاا : ومن المقعول: كما استدلوا لما ذهبوا إليه من المعقول بما ذكره الإمام الدهلوي في "حجة الله البالغة" فقالوا: إن الاسلام جاء لتنظيم الحياة وإصلاح ما فسد من العقائد، فان لم يصلحها الرفق و اللين والرغبة، وجب الإصلاح بطريق القوة والرهبة، وذلك كالطبيب الذي يشرف على علاج مرضاه، فإنه يبين مزايا الدواء وآثاره النافعة و يطلب من المريض أن يتعاطاه طواعية وعن رغبة، فان امتنع لم يكن من الرحمة أن يترك الناس وأمراضهم ، بل يعطوه رغم أنوفهم، ويؤجر لهم (2) . مناقشة الًستدلًل بما ذكروه من المعقول: ويمكن أن يناقش هذا الًستدلًل من وجهين: أولهما: أن الإسلام قد نزل لإصلاح حال الناس، هذه مقدمة صحيحة، لكنه لم يفرض أحكامه عليهم بالقتال والإكراه، لأن الخر، لا يكره عليه، والنعمة لا يحمل عليها أحد . ثانيهما: أن هذا الاستدلال من المعقول معارض بما استدل به أصحاب الرأي الأول من المنقول والإجماع، وما ثبت بالمنقول يقدم على ما ثبت بالمعقول. (1) صحيح مسلم. السابق : 2/203 . (2) الدهلوي. حجة الله البالغة : 2/207.

عدد الصفحات ٣١

- 31 - الرأي الراجح في نظرنا: ومن خلال بيان أدلة كل قول، وما ورد عليها من مناقشات يستبين لنا أن القول الأول القاضي بأن غاية القتال هى رد التعدي،والدفاع عن النفس ضد من يقاتلوننا هو الراجح، وذلك لأمرين : (2) قوة أدلتهوخلوها من المعارض، ورد ما أثر، عليها من مناقشات ضدها من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول على نحو ما رأينا . (2) أن هذا القول هو الذي يتفق مع مبادئ الإسلام العامة، وقواعده الكلية، وفروعه الفقهية التي تقضي بأنه لا يجوز الإكراه على الدين، وأن أمر الإيمان مبناه على الاختيار، وليس الإجبار، بل إن الله تعالي لا يقبل إيمان من يؤمن به إلا إذا جاء عن طواعية واختيار، وليس عن قهر واضطرار، ولهذا لم يقبل إيمان فرعون حين أدركه الغرق، وأخبر عن عدم قبول توبة العبد إذا أعلنها عند الغرغرة، ومن ثم يكون القتال لحمل الناس على الإيمان به لا طائل من ورائه ولا يرجي منه تحقيق غاياته، ويكون الت كليف به تكليفا بما لا يطاق، و هو مرفوع في شرع الله يدل على ذلك قول الله تعالي:  وَمَا أَكْث َرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  (1) ، وإذا تقرر ذلك تكون غاية القتال هى الدفاع عن النفس ورد التعدي وليس القضاء على الكفر في الأرض، وهو ما يترجح لدينا. ويكون مفهوم الجهاد هو بذل غاية الجهد بالنفس والمال والعقل والقلب في رد التعدي، و الانتصار للحق في النفس والمجتمع. المبحث الثاني مفهوم القتال القتال لغة: مصدر قتل، والقتل هو القضاء على الحياة يقال قتله قتلا أي قضي على حياته، واقتتل القوم: قاتل بعضهم بعضا، وتقاتل القوم: اقتتلوا، والمقتل: الموضع الذي إذا أصيب فيه الإنسان أو الحيوان لا يكاد يسلم(2) . وفي اصطلاح الفقهاء: يعرف القتل بأنه الفعل المتلف للنفس، أو هو لفعل الذي تزول به الحياة (3) . وفي اصطلاح فقهاء القانون يعرف القتل بأنه: سلب إنسان حق الحياة(4) فالقتل يفترض وجود إنسان حي تعرض لفعل أفقده حق الحياة، ومن خلال هذا التعري ف يتبين أنه يشترط في القتل ما يلي: (1) سورة يوسف : 279 . (2) مختار الصحاح: ص522 ؛ المعجم الوجيز : 937 . (3) فتح القدير: ص299 . (4) د. حسنين عبيد ، جرائم الاعتداء على الأشخاص : ص3 ، دار النهضة العربية .

عدد الصفحات ٣٢