الدورةالعشرون لمؤتمر مجمع الفقه الإسلامي الدولي تحـديد المفـاهيم الفقهـية وأثره فى التقاتل بين المسلمين إعداد الأستاذ الدكتور عبد الله مبروك النجار أستـاذ ورئيــس قســم القانـون الخاص بكلية الشريعة والقانـون بالقاهرة عضـو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف وعضـو مجمـع الفقـه الإسلامـى الدولى بجـدة
عدد الصفحات ١- 1 - تقديم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبى بعده، سيدنا ونبينا محمد بن عبدالله، الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ومن سار على منوال شريعته، وأتبع منهاج دينه إلى يوم الدين. وبعد فقد كان تحديد المفاهيم الفقهية فى كل ميدان – ولا يزال - هو الأساس للفهم الصحيح والحكم العادل على الأمور، وهو فى عصرنا الحاضر يكتسب أهمية خاصة، حيث اختلطت المفاهيم أمام الناس وتداخلت حقائق الأمور أمام أعينهم، حتى أوشكت أن ترسخ فى أ ذهانهم فهما يجافى الحقيقة ويضاد الواقع، وأصبح من العادى أن يتح ول الكذب صدقا والصدق كذبا، وأن ت غدو الجريمة شرفا والشرف جريمة، وفى ظلال هذا الانحراف فى الفهم والخطأ فى التصور يمارس الظالمون على المستضعفين قهرا لم تشهد البشرية له مثيلا من قبل، فإذا ما وجه إلي هم لوم أو صدر عليهم استنكاراً أبدوا من الأقوال ما يجافى الحق، ومن المبررات ما ينافى الحقيقة فيسمون المجازر حربا للإرهاب أو دفاعا عن الإسلام، ويطلقون على الكفاح الشريف عن الأرض والعرض والوطن إرهابا . لقد غدا اختلاط المفاهيم فى عصرنا آفة إنسانية، ولافتة عادية تراق خلفها الدماء، وتنتهك الحرمات جهاراً نهاراً على مرأى من العالم، ومسمع من الكافة، دون استحياء من ضمر،، أو مراعاة لخلق ودون خوف من جزاء أو محاسبة، وأصبح الناس فى ظل ذلك الخلط فوضى لا يحترمون عهدا، ولا يرعون ميثاقا، ومن ثم غدا من الأهمية أن يتم تصحيح ذلك الوضع الخاطئ، واعتدال هذا النظر المقلوب، وذلك تحقيقا لأمرين : أولهما: إزالة تلك الحجب الزائفة التى يتخذ منها بعض ذوى المآرب الخبيثة، والنوايا السيئة، ستارا لارتكاب جرائمهم وتحقيق مآربهم ضد إ خوه لهم فى الدين وأشقاء فى الإسلام، فإن تسمية الأشياء بغر، مسمياتها يعد مدخلا خطر،اً لقلب الحقائق وتزييف الواقع، ولهذا أمرنا الله بالسداد فى القول حين قال سبح: يَا أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ات َّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا ق َوْلًا سَدِيداا (1). والقول السديد هو الذى يطابق الواقع، ويصادف الحق والصواب(2) ،ولا شك أن اختلال ا لمفاهيم واختلاط الأمور مما ينافى هذا المعنى، كما أنه يعد ذريعة لارتكاب الجرائم وانتهاك الحرمات، وهى آثام عظيمة وموبقات كبر،ة ، وما يوصل إليها يكون على شاكلتها فى الإثم والحرمة . ثانيهماا : إن الإنسان مكلف من قبل ربه بأن يقوم بما شرعه، وأن يلتزم بما بعث به انب ياءه ورسله من أمور التكليف، التى تجسدت فى قمة كمالها وتمام رفعتها فيما بعث به خاتم أنبيائه محمد (صلى الله عليه وسلم)، ومن أمور ذلك التكليف أن يلتزم المؤمنون الصدق، ومن أعظم أبوابه تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، والبعد (1) سورة الأحزاب : 07 . (2) الدمشقي الحنبلي. اللباب في علوم الكتاب : 0/272 ، تحقيق نخبة من العلماء ، طبعة الكتب العملية بر،وت .
عدد الصفحات ٢- 2 - عن تزيين الموبقات بالألفاظ الجميلة والألقاب الفخيمة، والصدق يعنى الحكم الصحيح على الأشياء، وأن يكون ما يتلفظ به الإنسان فى وصفها مطابقاً للواقع ومصادفا للحق، وذلك حتى يكون الحكم على الأشياء صحيحاً ولهذا أمرنا الله بالعدل فى القول بقوله عز من قائل: وَإِذَا ق ُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا ق ُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1). ومما لا شك فيه أن تسمية الأشياء بمسمياتها الصحيحة، والبعد بها عن مجال التزييف اللفظى والتدليس البيانى هو المدخل للحكم الصحيح عليها، لما هو معروف أن الحكم على الشيئ فرع عن تصوره، ونحن مأمورون بالعدل فى النظر للأمور، كما أننا مأمورون بالعدل فى الحكم عليها، ولا مدخل لإنجاز ذلك الأمر الجازم إلا بالوصف الصحيح والتعبر، الصادق عن الأمور، وكما يبدو فإن الأمر على درجة عالية من الأهمية للفرد وللجماعة معا، وفى ضوء أهميته تلك، يجيئ موضوع هذ ا البحث وعنوانه: "تحديد المفاهيم الفقهيه فى مجال التقاتل بين المسلمين"، و الذى يرجع الفض ل فى تلمس أهميته واستشعار فائدته - بعد الله - إلى الذين قاموا بإعداد محاور الدورة العشرين لمجمع الفقه الإسلامة الدولى بجدة والتى تنعقد فى الرياض العامرة بالمملكة العربية السعودية، أدام الله عزها، وأسبغ عليها وعلى مليكها وشعبها نعمة الصحة و الأمن والأمان، والطمأنينة والاستقرار وسائر بلاد المسلمين، كما أدعوه – سبحانه – أن يجعله خالصا لوجهة وأن ينفع به، أنه ولى ذلك والقادر عليه. وتتمثل خطة درا سة هذا الموضوع فى بيان مفاهيم المفردات المكونة للصراع والتقاتل بين المسلمين، وهى كما وردت فى البحث : الجهاد، والقتال، والعنف، والإرهاب وسوف أخصص لبيان كل منها مبحثا يندرج تحت الفصل الأول، أما الفصل الثانى فإنه يعالج مباحث تأثر، تلك المصطلحات على التقاتل بين المسلمين، وذلك كله بعد تمهيد يبين المقصود بتحديد المفاهيم الفقهية فى مجال التقاتل بين المسلمين، ومن ثم تكون خطة الدراسة كما يلى : تمهيد: لبيان المقصود بتحديد المفهوم الفقهى. الفصل الأول: تحديد المفاهيم الفقهية فى مجال التقاتل بين المسلمين. المبحث الأول: مفهوم الجهاد. المبحث الثانى: مفهوم القتال. المبحث الثالث: مفهوم العنف. المبحث الرابع: مفهوم الإرهاب . (1) سورة الأنعام : 252 .
عدد الصفحات ٣- 3 - الفصل الثانى: أثر تحديد المفاهيم الفقهيه فى مجال التقاتل بين المسلمين. المبحث الأول: سلطة ولى الأمر فى إعلان الجهاد وأثره فى منع التقاتل بين المسلمين. المبحث الثانى: أسباب التقاتل بين المسلمين. المبحث الثالث: الحكم الشرعى للتقاتل باسم الجهاد بين المسلمين. خاتمة : تبين أهم النتائج المستفادة من تحديد مفاهيم المصطلحات الفقهية فى مجال البحث.
عدد الصفحات ٤- 4 - تمهي د المقصود بتحديد المفاهيم الفقهية تحديد المفاهيم الفقهية عبارت تتألف من ثلاث كل مات أضيفت كل منه ا إلى الأخرى فصارت مركبا إضافيا من لفظى تحديد، والمفاهيم الفقهية، ومن ثم يجدر بيان كل منها. والتحديد لغة: من الحد، وهو المنع أو الحاجز بين الشيئين ومنه حد الدار أى الذى يوضح حدودها ويحجزها عن غر،ها (1) ،وحد كل شيئ نهايته، وتحديد الشيئ إقامة حدوده وفصله عن غر،ه، ومنه تحديد اللفظ، يقال: حدد معنى اللفظ أو العبارة : أى وضحه وبينه(2) . وهو فى الإصطلاح: لا يخرج عن هذا المعنى، لأن تحديد اللفظ يعنى، ضبط معناه بما يطابق الواقع، ويجعل معناه دالاً، على ما وضع له من غر، اختلاط بغر،ه، ويعرف بأنه اللفظ ال شارح لغر،ه ب تعدد أوصافه الذاتية واللازمة بحيث يضطرد وينعكس، كتعريف الخمر بأنها مائع يقذف بالزبد ويستحيل إلى حامض ويحفظ فى الدن(3) . والمفاهيم: جميع مفهوم، من الفهم يقال: فهم، أى أحسن التصور والإبانة للشيئ، أو هو حسن تصور معنى الشيئ، والمفهوم: مجموع الخصائص الموضحة لمعنى كلى ويقابله الماصدق ، ومنه الفقه أى حسن الإدراك أو العلم القائم على فهم وفطنه(4) ،وفى اصطلاح علماء المنطق يعرف بأنه: كون اللفظ الدال بحالة يلزم من العلم به العلم بشيئ آخر(5) والمراد بالأول اللفظ المعبر به، وبالثانى المدلول: والتعبر، باللفظ الدال هنا يلزم منه أن يكون تعبر،ا لفظيا، وهو المراد فى موضوعنا، لأن المفاهيم المختلطة يغلب فيها أن تكون ألفاظا، ومن ثم يخرج الدال غر، اللفظى كالدلالة العقلية، ومنها دلالة المتكلم من وراء الجدار على حياته، فإذا انهار منزل على سكانه أمكن الاستدلال على حياة الحى منهم بانبعاث صوته من تحت الأنقاض، ومن الدلالات غر، اللفظية دلالة التغير، فى العالم على حدوثه، ودلالة التأوه على المرض، وحمرة الوجه على الخجل ، وصفرته على الوجل (6) ،فهذه الوسائل دالة على معانى، لكنها قد دلت عليها بغر، اللفظ وما يعنينا هو الدال اللفظى، لأنه مناط موضوعنا. (1) مختار الصحاح: ص 221 ، طبعة دار الفكر ، بر،وت ؛ والمعجم الوجيز : ص 93 ، طبعة وزارة التربية والتعليم . (2) المعجم الوجيز ، السابق . (3) ابن قدامة. روضة الناظر وجنة المناظر : 2/90 ، مكتبة المعارف بالرياض ؛ والدن : هو إناء حفظ الخمر . (4) مختار الصحاح: ص 529 ؛ والمعجم الوج : ص903 . (5) شرح الرسالة الشمسية المسمى تيسر، القواعد ا نطقية . د. محمد شمس الدين سالم : ص97 ،الطبعة الرابعة، 2399 . (6) المرجع نفسه .
عدد الصفحات ٥- 5 - والمفهوم عند الأصوليين: هو دلالة الكلام على حكم فى محل لم يتناوله اللفظ نطقا موافقا لحكم المنطوق به، أو مخالفا له، وتسمى دلالة المفهوم بالمقابلة لدلالة المنطوق الصريحة، فإذا كان حكم المسكوت عنه موافقا لحكم الم نطوق به سمى مفهوم الموافقة أو فحوى الخطاب أو لحنه، وإذا كان مخالفا سمى مفهوم المخالفة أو دليل الخطاب، ومثاله قول النبى (صلى الله عليه وسلم): "فى الغنم السائمة زكاة "، فإنه يفيد بمفهوم المخالفة أن غر، السائمة ليس فيها زكاة ، وقوله (صلى الله عليه وسلم): "لىى الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبت ه"، فإنه يفيد أن غر، الواجد لا يحل عرضه ولا عقوبته (1) . ومثال مفهوم الموافقة أو ما يسمىبقياس الأولى أو القياس الجلى قول الله تعالى: إِمَّا ي َب ْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِب َرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ ت َقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلًَ ت َن ْهَرْهُمَا وَقُل لَّ هُمَا ق َوْلًا كَرِيماا (2) ،فقد نهى هذا القول الكريم الولد أن يقول لأحد والديه (أف) فلأن يكون النهى واردا على ما هو أشد من ذلك إيذاء : كالضرب والشتم وترك الإنفاق عليهما مع حاجتهما إ ليه يكون مدلولا عليه من باب أولى أو القياس الجلى(3) . وإضافة الفقهى إلى المفهوم يفيد تخصيص المفهوم بما أضيف إليه وهو الفقه الذى هو لغة: ألفهم وفى اصطلاح الفقهاء يراد به العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، ويقصد به فى مجال التخصيص المحدد، الأحكام الفقهية المتعلقة بموضوع المصطلحات الواردة بتلك الدراسة . ونخلص مما سبق إلى أن تحديد المفهوم الفقهى يقصد به التعبر، عنه باللفظ الذى يدل عليه دلالة كافية تصلح لتصور معناه، على نحو يبين خصائصه ويحدد معالمه، مع بيان الحدود التى تفصله عن غر،ه، وتمنعه من الاختلاط به، وهذا المعنى المراد من الإصطلاح وهو المقصود فى موضوع ت لك الدراسة. (1) د. علي حسب الله . أصصول التشريع الإسلامي : ص201 ، طبعة دار المعارف ؛ د . شوكت العدوي . محاضرات في أصول الفقه : ص99 ، طبعة2392م. (2) سورة الإسراء : 29 . (3) د. علي حسب الله ، السابق ؛ شوكت العدوي ، السابق .
عدد الصفحات ٦- 6 - الفصل الأول تحديد المصطلحات الفقهية فى مجال التقاتل بين المسلمين المبحث الأول مفهوم الجهاد يقتضى بيان مفهوم الجهاد أن نعرف به ونبين حكمه فى مطلب أول، ثم نبين أسس مشروعية الجهاد فى مطلب ثان وذلك كما يلى : المطلب الأول تعريف الجهاد، وبيان حكمه الشرعى الفرع الأول تعريف الجهاد الجهاد كلمة تطلق ويراد بها بذل غاية الجهد والطاقة، وصولاً إلى ما يجب تحقيقه، امتثالاً لأمر الدين وتحقيقا لمقاصده. ولما كان الجهاد بذل غاية الجهد فإنه يستوعب الطاقة البشرية بما فيها من صحة، وعافية، وفكر وطاقة قد تستغرق الحياة نفسها، فيبذلها صاحبها فى هذا المقصد الشريف، كما يستوعب توابع النفس من المال والعتاد والإعانة، فهو جهد يستوعب كل الطاقة فى النفس والمال وصولا إلى أسمى هدف وأنبل غاية وهو الانتصار لدين الله، ودحر الباطل والارتقاء بالنفس إلى ما يجب أن تكون عليه من سمو وكمال والتزام بطاعة الله عز وجل، وهو هدف لا يستهان به، لأنه ربما يكون جهاد النفس أقوى من جهاد الأعداء، لأنها من صفوفهم وتأتمر بما يأتمرون به عليه من تربص بصاحبها، والحيلولة بينه وبين ما يجب عليه فعله من الطاعة، وصدق الله العظيم حين قال فى وصف النفس حين ورطت امرأ ة العزيز مع نبيه يوسف عل يه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فقالت كم ا حكى عنها القرآن الكريم : وَمَا أُب َرِّئُ ن َفْسِي إِنَّ الن َّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلًَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1). حيث نسبت ما تردت فيه من نقص ورذيلة إ لى نفسها، التى دفعتها إلى النقيصة دفعا لا يصدر إلا من عدو أو كاره (2) ،ولهذا جعل النبى (صلى الله عليه وسلم) جهاد النفس من الجهاد الأكبر فقال: (رجعتم من الجهاد (1) سورة يوسف : 59 . (2) راجع القرط . الجامع لأحكام القرآن : 3/290 ، طبعة الهيئة المصرية للكتاب ؛ وقارن ما ذهب إليه الفخر الرازي تفسر،ه : 29/229 ؛ الدمشقي الحنبلي في تفسر،ه اللباب في علوم الكتاب : 22/292 حيث يريان مع بعض المفسرين أن ذلك من تمام كلام يوسف عليه السلام وقد حكاه عنه القرآن الكريم في قوله تعالى : ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ) وقيل إنه من قول العزيز ، كأنه قال : وإني لم أغفل عن مجازاته على أمانته ؛ اللباب ، السابق : ص297 .
عدد الصفحات ٧- 7 - الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد القلب "، وفى رواية : " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر جهاد النفس"(1 )،حيث وصف جهاد القلب(2) ومقاومة النفس بأنه هو الجهاد الأكبر، وهذا حق يصدقه الواقع ويدركه العقل الصحيح . والجهاد لغة: مصدر جاهد يجاهد جهاداً ومجاهدة، إذا بالغ فى قتل عدوه كقاتل يقاتل قتالاً ومقاتلة، ويقال: جهد الرجل دابته إذا حمل عليها فى السر، فوق طاقتها، وجهده الأمر والمرض إذا بلغ منه المشقة وقيل: هو مشتق من الجهد (بالضم) وهو الطاقة، والمبالغة واستفراغ ما فى الوسع، لأن كل واحد يجاهد إنما يستفرغ طاقته فى الوصول لما يريده . وفى اصطلاح الفقهاء: اختلفت أقوالهم فى تعريفه كما يلى : (1 )عرفه الحنفية بأنه: بذل الجهد والطاقة فى سبيل الله، دفاعا عن الحق بالنفس والمال مع المبالغة فى ذلك(3) ،وهو كما يقول المر،غينانى: ما فرض لعينه، إذ هو إفساد فى نفسه، وإنما شرع لإعزاز دين الله، ودفع الشر عن العباد (4). (2 )وعرفه المالكية بأنه: قتال الكفار إعلاءً لكلمة الدين إذا حضروا إلينا مقاتلين، أو دخلوا أرضاً إسلامية تعدياً ابتغاء الفتنة(5) ، أو هو دفع عدو المسلمين إذا هجم على بلادهم فإذا هاجم بعض بلادهم تعين عليهم دفعه، فإن لم يقدروا لزم من قاربهم، فإن لم يستطع الجميع وجب على سائر المسلمين حتى يندفع (6) . (3 )وعند الشافعيةيعرف الجهاد: بأنه القتال فى سبيل الله لنصرة الإسلام ، ك ما يطلق على جهاد النفس والشيطان(7) . (1) الزبيدى اتحاف الساد ة المتقين ج 1 ص903 وج 0 ص952 طبعة بر،وت. (2) السيوطى الدرر المنتثرة فى الأحاديث المشتهرة – ص 93 طبعة الحل. (3) الكاسا- بدائع الصنائع ج 3 ص9233 مجمع الأنهر ج2 ص192،192 دار احياء التراث. (4) الهداية- شرح بداية المبتدى ج 2 ص295 طبعة الحل. (5) في هذا المهنى انظر: شرح الخرشي على مختصر خليل : 9/0 ، طبعة الأمر،ية. (6) القوانين الفقهية لابن جزى ص 221 طبعة دار الفكر. (7) حاشية الجمل على شرح المنهاج للشيخ زكريا الأنصارى ح 5 ص203.
عدد الصفحات ٨- 8 - (4 )عند الحنابلة يعرف الجهاد بأنه: القتال لدفع المشركين إذا هجموا ممن يقدر عليه بشروطه، ويطلق على قتال الكفار خاصة، بخلاف غر،هم من المسلمين كالبغاة وقطاع الطريق، وم ن ثم يكون بينه وبين القتال عموم مطلق(1) يقول ابن القيم فى زاد المعاد: والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين، إما بالقلب وإما باللسان وإما بالمال وإما باليد، وعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع (2) . (5 )وعند الظاهرية يعرف الجهاد بأنه: دفع العدو، وغزوه فى عقر داره، وحماية تغور المسلمين (3) . (6 )وعند الزيدية يعرف بأنه: بذل الجهد فى قتال الكفار، ويطلق على جهاد النفس، والشيطان والفساق(4) . ومن خلال مطالعة أقوال الفقهاء يمكن القول: إن لهم فى محل الجهاد قولين: أولهما: لفقهاء الحنفية والشافعية وابن القيم وابن حزم (5) ، وحاصل قولهم : إن المصلحة فى الجهاد لا تقتصر على قتال الكفار وحدهم، وإنما تشمل جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الفساق . ثانيهما: لفقهاء المالكية والحنابلة، وحاصل قولهم : إن الجهاد يتعلق بقتال الكفار خاصة. ولكل قول أدلته: استدل أصحاب القول الأول لما ذهبوا إليه بالكتاب والسنه والمعقول. أولًا : من الكتاب: بقول الله تعالى: وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه (6) ،وقوله تعالى وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَن َهْدِي َن َّهُمْ لَن َهْدِي َن َّهُمْ سُب ُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (7) . (1) ابن قدامة– المغنى ج 29 ص0 وما بعدها طبعة هجر سنة2333م وك شاف القناع للبهوتى – ج 9 ص92 مكتبة مصر الحديثة وراجع فى هذا المعنى : د. منصور أبو المعاطى – تنظيم الحرب والسلام فى الفقه الإسلامى – ص 90 دار الطباعة المحمدية 2399م. (2) زار المعاد لابن القيم : 2/95 ، طبعة الحل. (3) المحلي لابن حزم : 0/232 ، مكتبة دار التراث . (4) الشوكا . نيل الأوطار : 0/291 ، طبعة الحل. (5) زاد المعاد لابن القيم : 2/95 ، المطبعة المصرية . (6) سورة الحج : 13 (7) سورة العنكبوت : 13 .
عدد الصفحات ٩- 9 - ووجه الدلًلة فى هاتين ايتين على المطلوب: أن الله – تبارك وتعالى – قد أمر بالجهاد فى الآية الأولى وأخبر أن من يجاهد فى سبيله سوف يهديه الله إلى سبيله، وفى ذلك من الدلالة على طلبه من الشارع ما يفيد مشروعيته، فهو مطلوب من الشارع فى الآيتين ، وقد جاء طلبه عاماً شاملاً لكافة الميادين التى يمكن أن تكون محلاً له، وإذا كان جهاد الكفار مما لا خلاف فيه فإن جهاد النفس والشيطان والفساق على شاكلته فى دحض الباطل والانتصار للحق وإعلاء القيم الدينية التى أمر الشارع بالجهاد انتصاراً لها، ويكون فى هاتين الآيتين الكريمتين دلالة على المطلوب. ثانياا : ومن السنة النبوية: (2) بما روى أنه(صلى الله عليه وسلم) قال: "رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد القلب"، وفى رواية: "جهاد النفس" (1) ،وفى رواية عن جابر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال حين رجعوا من الجهاد : "قدمتم خر، مقدم، قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، مجاهدة العبد هواه: وفى رواية: "قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ قال :" جهاد النفس" (2) . ووجه الدلًلة فى هذه الأحاديث على المطلوب: أنه (صلى الله عليه وسلم) قد بين أن جهاد النفس من ضمن أنواع الجهاد، ووصفها بالجهاد الأكبر، فدل ذلك على أن الجهاد يشملها، وأنه ليس مقتصراً على جهاد الكفار وحده، وذلك هو المطلوب. (2) وبما روى فى الحديث الصحيح: "أن الشيطان قعد لابن آدم ثلاث مقاعد.. قعد له فى طريق الإسلام فقال له: أتذر دينك ودين آبائك وتسلم فخالفه وأسلم، وقعد له فى طريق الهجرة فقال : له أتذر أهلك ومالك فخالفه ثم هاجر، وقعد له فى طريق الجهاد فقال له : تجاهد فتقتل وتنكح أهلك ويقسم مالك، فخالفه فجاهد. فمن جاهد فقتل فحق على الله تعالى أن يدخله الجنة (3) . ووجهالدلًلة فى هذا الحديث الشريف على المطلوب: أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قد بين أن مخالفة الشيطان جهاد، فمن جاهد شيطانه فيما يقعده عنه من الخر، يكون من المجاهدين، ومن ثم كان لفظ الجهاد ومعناه شاملاً لهذا المعنى (9) وبما روى أنه(صلى الله عليه وسلم) قال: "من رأى منكم منكراً فليغر،ه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (4) . (1) المناوي. فيض القدير : 2/92 ، طبعة دار النهضة الحديثة ، بر،وت ،2302م. (2) سبق تخريج هذ ين الحديثين في بدايات المبحث الأول ، من الفصل الأول . (3) ابن العر. أحكام القرآن : 2/379 ، دار الجبل بر،وت. (4) رواه أحمد وأبو داود ، وابن ماجة. راجع : نيل الأوطار للشوكاني : 2/925 .
عدد الصفحات ١٠- 10 - ووجه الدلًلة فى الحديث على المطلوب: أنه قد دل على أن مجاهدة الفاسقين تكون باليد من ذوى الولاية العامة المختصين بإقامة الحدود وتأديب المخالفين أو الولاية الخاصة كولاية الزوج على زوجت ه وولايته على أبنائه، ثم باللسان من أهل العلم أو العارفين بالصواب من الأمور، ثم بالقلب من الكافة فلا يجوز لهم أن يقروا الخطأ أو الانحراف، أو ينحرفوا إلى تياره تقليداً وإمعية، بل يجب عليهم التمسك بالحق حتى ولو انصرف الجميع عنه، ولم يفلح معهم التغير، باليد أو التغير، باللسان وهذا أضعف الإيمان(1). ومجمل دلًلة تلك الأحاديث على المطلوب: أنها تدل على أن الجهاد ليس مقتصرا على قتال الكفار وحده، ولكنه شامل لجهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الفساق . ثالثاا : ومن المعقول: استدل القائلون بأن معنى الجهاد شامل لجهاد الكفار والنفس والشيطان والفساق لما ذهبوا إليه من المعقول فقالوا. إن غاية الجهاد هو الانتصار للحق، وإعلاء كلمة الله، والزود عن حياض الدين وتوجيهاته، وهذه الغاية كما تتحقق بجهاد الكفار، فإنها تتحق بجهاد النفس والشيطان والفساق، بل إن جهاد الكفار مع إهمال الجهاد فى تلك المجالات يؤدى إلى تراجع أحكام الله فى أهم المجالات التى يجب أن تتقدم فيها، والتى يتعين على المسلمين أن يجاهدوا دونها، وهى مجالات النفس، وداخل أرض الإسلام، وإذا لم يستطع المسلمون أن يجاهدوا دونها، وهى مجالات النفس، وداخل أرض الإسلام، أو إذا لم يستطع المسلمون أن يجاهدوا أنفسهم وينتصروا للحق فيما بينهم، فكيف يستطيعون أن ينتصروا على غر،هم، ولهذا سمى الرسول (صلى الله عليه وسلم) جهاد القلب والنفس جهاداً أكبر، بل إن الله – تبارك وتعالى – جعل تغير، ما فى النفس شرط ا للقدرة على تغير، ما بالقوم، فقال سبحانه لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن ب َيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لًَ ي ُغَي ِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى ي ُغَي ِّرُواْ مَا بِأَن ْفُسِهِمْ (2) ،ومن ثم يكون معنى الجهاد ومقصوده متوافراً فى تلك المجالات فتكون من إطلاقاته. (1) في هذا المع. الشوكاني . نيل الأوطار : 0/291 . (2) سورة ال رعد : 22 .
عدد الصفحات ١١- 11 - (ب) واستدل أصحاب القول الثانى لما ذهبوا إليه من الكتاب والسنة والمعقول كم ا يلى: أولًا : من الكتاب: (2) يقول الله تعا : انْفِرُواْ خِفَافاا وَثِقَالًا وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَي ْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ ت َعْلَمُونَ (1) . ووجه الدلًلة فى الآيةالكريمة على المطلوب: أن الله تبارك وتعالى قد أمر بالنفرة، أى الخرو ج للجهاد سريعاً عند توافر دواعيه وشروطه، والجهاد بذل النفس والمال فى سبيل الله، والمقصود بسبيل الله هو الجهاد الحاصل فى مواجهة الكافرين خاصة، فيكون معنى الجهاد خاصا به لا يتعداه إلى سواه. مناقشة هذا الًستدلًل: ويمكن مناقشة الاستدلال بهذه الآية الكريمة وما قيل من أن ورودها فى مجال القتال فى سبيل الله يدل على أن قتال الكفار هو المقصود بالجهاد خاصة، أن هذا لا يمنع دلالتها على الجهاد فى المجالات الأخرى التى تقتضى الجهاد ومنها جهاد النفس والشيطان والفساق، بل إنها ليس فيها ما يمنع من ذلك ومن يكون قصرها على جهاد الكفار خاصة قصراً لها بغر، دليل، وتخصيصاً لمعناها بلا مخصص وهو لا يجوز. (2) ويقول الله تعا : إِنَّ اللّهَ اشْت َرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ي ُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ف َي َقْت ُلُ ونَ وَي ُقْت َلُونَ وَعْداا عَلَيْهِ حَقًّا فِي الت َّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِب َيْعِكُمُ الَّذِي بَاي َعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (2) . ووجه الدلًلة فى الآية الكريمة علىالمطلوب: أن الله - تبارك وتعالى - قد أخبر بأنه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم، وضمن لهم الجنة بسبب بذلهم النفس والمال فى سبيله، ف يق تلون وي ق تلون، وهذا ما وعد به فى كتبه السماوية، وبشر به عباده المؤمنين، وما يفعلونه وصولاً لكل ذلك الفضل يعتبر هو الفوز العظيم، فالآية تدل على أن الجهاد هو قتال الكفار خاصة. مناقشة الًستدلًل بهذه الآية الكريمة: ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن دلالة الآية الكريمة على أن الجهاد يكون بقتال الكفار خاصة، لا يمنع من توافر معناه فى المواطن الأخرى، فدلالته على التخصيص بقتال الكفار هنا، لا ينافى أن الجهاد فى قتال الفساق (1) سورة الأنفال : 17 . (2) سورة التوبة : 222 .
عدد الصفحات ١٢- 12 - وجهاد النفس وجهاد الشيطان من أنواع ، الجهاد وذلك لورود الأدلة التى تفيد ورود الجهاد فى تلك المواطن، ولا تعارض بين الأمرين . (9 )ويقول الله تعا : يَا أَي ُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ (1) . ووجه الدلًلة فى هذا القول الكريم على المطلوب: أن الله تبارك وتعالى قد أمر نبيه (صلى الله عليه وسلم) بجهاد الكفار والإغلاظ عليهم فى القتال، وهذا يدل على أن الجهاد خاص بذلك، والخطاب الموجه إليه (صلى الله عليه وسلم) بهذا التكليف خطاب لأمته، فيكون معنى الجهاد مختصا بذلك، ويكون ذلك هو مناط التكليف لهم. مناقشة الًستدلًل بالآية الكريمة: ويمكن مناقشة الاستدلال بالآية الكريمة، وما قيل فيه من أن الجهاد خاص بجهاد الكفار وحده، بأن دلالة الآية على جهاد الكفار لا تنفى ورود الجهاد فى المجالات الأخرى ، لوجود مقتضى الجهاد فيها، ولورود الأدلة الشرعية المعتبرة عليها . ومجمل ما تدل عليه تلك الآيات الكريمة: أن الله – تبارك وتعالى – قد جعل الجهاد الذى كلف المؤمنين به مختصا بجهاد الكافرين دون سواه، فيكون معنى الجهاد مقتصرا عليه، وذلك ما يدل عليه القرآن الكريم على نحو ما ورد فى الآيات السابقة. ثانياا : ومن السنة النبوية: (2 ) بما رواه البخارى أن رسول ا (صلى الله عليه وسلم) قال: "أفضل الناس مؤمن يجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله (2) . ووجه الدلًلة فى هذا الحديث على المطلوب: أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قد بين منزلة الجهاد بالنفس فى سبيل الله، وأنها ترقى بالمؤمن بين الناس فتجعله من أفضلهم، وهذا يدل على أن الجهاد الذى يصل بصاحبه إلى تلك المنزلة هو الجهاد الحق وهو المطلوب، والجهاد المقصود فى الحديث هو الجهاد فى سبيل الله، فيكون معنى الجهاد مقتصرا عليه دون سواه، وهذا هو ما يفيده الحديث. (1) سورة التوبة : 09 ؛ سورة التحر : 3 . (2) فتح الباري بشرح صحيح البخاري : ص991 .
عدد الصفحات ١٣- 13 - مناقشة الًستدلًل بهذا الحديث: ويمكن أن يناقش وجه الاستدلال بهذا الحديث بما ورد على وجوه الاستدلال بأدلة أصحاب هذا القول السابقة، من أن تخصيص وجوه دلالتها بجهاد الكفار تخصيص بلا مخصص، فلا يصح، ويكون معنى الجهاد شاملا لكل ميدان ينتصر فيه الدين وتعلوا كلمة الحق، ومنه جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الفساق . (2 ) وبما روى عن أنس– أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "لغدوة فى سبيل الله خر، من الدنيا وما فيها "، وفى رواية: " خر، مما طلعت عليه الشمس وغربت "(1) والأحاديث الدالة على هذا المع نى كثر،ة. ووجه الدلًلة فى تلك الأحاديث على المطلوب: أنها قد خصت الجهاد وما يتعلق به من الفضل بالغدو والرواح فى سبيل الله، وهذا مختص بجهاد الكفار، فيكون هو المطلوب. ولا يخفى أن ذلك الاستدلال يمكن أن يناقش بأن قصر معنى الجهاد على جهاد الكفار تخصيص بلا مخصص، فلا يجوز. ثالثاا : ومن المعقول: أن جهاد الكفار أشد خطراً وأكثر تدمر،اً لمقومات الأمة وتهديد وجودها، وهو الذى يؤدى إلى فوات مصالح الدين والدنيا التى نزلت لحمايتها أديان السماء وحفظتها الشرائع، فيكون مما يلائم شدة خطره أن يكون التوجه إليه والاهتمام به، ولا ي تفق معه ذلك توزيع معناه على ميادين مختلفة، حيث يؤدى ذلك التوزيع إلى تجزؤ الاهتمام به فى تلك المواطن الجليلة والمنازل الخطر،ة، فيكون اختصاص معناه بجهاد الكفار هو الأولى، وهو المطلوب. الرأى الراجع فى نظرنا: ونحن نرى أن الرأى الراجح هو القول الأول الذى ذهب أصحابه إلى أن معنى الجهاد شامل لجهاد الكفار وجهاد النفس وجهاد الشيطان وجهاد الفساق، وذلك لما يلى : أولًا : لقوة أدلته وسلامتها من المناقشات والمآخذ التى تقدح فى وجوه الاستدلال بها . ثانياا : أن معنى الحق الذى شرع الجهاد لأجله لا يقبل التجزئة، وكما أن هذا الحق يم كن أن يعتدى عليه بهجوم الكفار، فإنه يمكن أن يكون محلا للتعدى بغلبة الفساق، وانتصار الشيطان، وشيوع الهوى فى التعامل مع خصائص الدين وأحكامه، وهذا الخطر لا يقل عن خطر التعدى من الكفار، وربما كان أكثر منه أهمية (1) رواه أحمد ومسلم والنسائي وللبخاري مثله من حديث أبي هريرة ؛ راجع نيل الأوطار للشوكا : ص295 .
عدد الصفحات ١٤- 14 - وأشد خطراً على حياة الأمة، ومن ثم كان طلب الجهادبرد الكفار غر، مانع من طلبه لرد الباطل والتمسك بالحق فى المواطن الأخرى، وإلا كان تمسكا بالجهاد فى بعض المواطن دون الأخرى تحصيلاً لمصلحة فى جانب، وتفريطا فيها من جانب آخر، وهذا ما لا يصلح ولا يكون . أثر الخلاف بين القولين: ويظهر أثر الخلاف بين القولين فيما يلى: أولًا : أن الجهاد إذا كان مختصاً بجهاد الكفار عند من يقولون به فإن التكليف به لا يكون ملزماً إلا عند وقوع التعدى منهم، وهذا ما ذهب إليه من يرى الفقهاء أن الأصل فى علاقة المسلمين بغر،هم هى السلام، وأن التعدى لا يجوز إلا رداً على تعد سابق، أو يكون ملزما فى كل حال لفرض كلمة الحق وقطع دابر الفتنة وسد الذرائع أمام المخاطر التى تمنع وصول كلمة الحق إلى كافة الخلق، وذلك على نحو ما ذهب إليه بعض الفقهاء. أما من يرون شمول معناه لغر، جهاد الكفار، فإن التكليف به يكون عملا مستمرا لا ينتهى إلى يوم القيامة، لكنه يتنوع ب تنوع الموجب فإذا حصل التعدى من الكفار يجب رده، وإذا لم يحدث تعد منهم يكون الواجب هو جهاد النفس والشيطان والكفار بالتفرغ للعمل، وإجادة العلم، والإنتاج، وعمارة الأرض، وتحقيق الكفاية للمسلمين. ثانياً : أن القول بتخصيص الجهاد، وقصره على قتال الكفار يقتضى بالضرو رة أن يكون موجها إلى خارج ديار الإسلام لدفع من يعتدى عليها، أما القول بأنه شامل لكافة الميادين التى تحتاج إلى الجهاد، فإنه يقتضى أن يكون ثمة ربط بين المجالين الداخلى والخارجى، وذلك الربط يمثل أهمية خاصة لنجاح الجهاد فى الخارج وفقا لما تفيده الأدلة الصحيحة، حيث لا يستطيع المسلمون أن يحققوا الانتصار المطلوب على الأعداء إلا إذا انتصروا على أنفسهم أولاً، وهزموا الشيطان ثانياً ، واتفقوا على كلمة سواء فيما بينهم ثالثا، ومن ثم يكون الجهاد الداخلى وسيلة لتحقيق الغايات المأمولة فى الجهاد الخارجى، ويكون مطلوبا و ر اجحا لذلك. ثالثاا : أن قصر معنى الجهاد على جهاد الكفار وحده يقتضى درء مفسدة هجوم الكفار علينا وإتلافهم لمقومات ديننا ودنيانا ليس إلا، بينما يؤدى تعدى معناه إلى جهاد الكفار وغر،ه، إلى درء المفاسد وتحصيل المصالح الناشئة عن مقاومة النفس والشيطان والفساق، ومنها عمار ة الأرض وتقدم العلم واستخراج بركات الله من أرض الله، ووصول المسلمين إلى منزلة اقتصادية تحقق لهم الكفاية والترفع عن سؤال غر،هم وكفالة أسباب الحياة الكريمة لهم، فيكون ما يؤدى إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد، مقدما على ما يؤدى إلى درء المفاسد.
عدد الصفحات ١٥- 15 - الفرع الثانى الحكم الشرعى للجهاد لا خلاف بين الفقهاء فى مشروعية الجهاد، وأنه واجب على من يستطيع القيام به، بقدر استطاعته إذا توافرت شروط الجهاد فى حقه، وبصرف النظر عن كونه واجباً عينيا او كفائياً، فهو فريضة محكمة على كل مسلم، يكفر جاحدها ويضل من يعاندها(1) ،وقد أجمعت الأمة على فرضية الجهاد فى الجملة وقامت الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة مع الإجماع، فصار وجوبه أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، ولكنه بحسب موجبه قد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية . أولًا : الجهاد فرض كفاية : وإذا كان الفقهاء متفقون على أن الجهاد واجب فى الجملة ، إلا أنهم قد اختلفوا فيما يبنهم حول ما إذا كان فرض عين، بمعنى أنه مفروض على كل واحد يقدر عليه من آحاد الناس، لا يسقط عنه ولا يسعه تركه كسائر الفروض من صلاة وصيام وزكاة وحج، أم أنه فرض كفاية على الابتداء إذا قام به البعض سقط عنه وعن غر،ه من الباقين، وإن لم يقم به أحد أثم الكل بتركه، كصلاة الجنازة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ودفع الضرر عن معصوم، ورد السلام (2) ،والر اجع أنه يختلف باختلاف أحوال المسلمين فقد يكون فرض كفاية إذا كان الإسلام ظاهراً بحيث لم يتعرض أفراد المسلمين للفتن فى دينهم أو الهجوم على أرضهم وحدودهم . الأدلة على أن الجهاد فرض كفاية : قامت الأدلة على أن الجهاد فرض كفاية إذا لم يتعرض المسلمون للفتنة أو الهجوم من القرآن الكريم والمعقول، كما يلى : (1 )منالقرآن الكريم: يدل على أن الجهاد فرض كفاية فى حالة عدم تعرض المسلمين للفتنه فى دينهم أو أرض هم للهجوم من القرآن الكريم : قول الله تعالى : وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةا ف َلَوْلًَ ن َفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّن ْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَت َفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ ق َوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُو نَ (3) ،فقد دلت الآية الكريمة على أن (1) العناية بهامش الهداية مع فتح القدير : 5/293 ، دار التراث. (2) راجع فى التفرقة بين فرض العين وفرض الكفاية، بدائع الصنائع للكاسانى ج 3، ص99.72 مطبعة الإمام، وتبي الحقائق للزيلعى، ج 9 ص297 والمغنى لابن قدامة ج 3 ص231 وحاشية الجمل مع شرح المنهاج للشيخ زكريا الأنصارى ج 5 ص292 وما بعدها. (3) سورة التوبة : 222 .
عدد الصفحات ١٦