المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المجوسيه الرافضيه الشيعيه الصفويه الإيرانيه

أبوعبدالله الحذيفي

صفحة ٨ من ٣٨

176 )بإسناد صحيح و تاريخ خليفة (ص466-414 )و المطالب العالية (1/868 )و موارد الظمآن (7/486 . ) و يكشف أيضاً عن مقاصد القوم ما ذكره ابن كثير في البداية (7/461 : )من أن الخوارج نادى بعضهم بعضاً بعد مقتل عثمان بالسطو على بيت المال , فسمعهم خزنة بيت المال فقالوا يا قوم النجا ! النجا فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غير ذلك مما ادّعوا أنهم قاموا لأجله , و كذبوا إنما قصدهم الدنيا . فأخذوا ما به من أموال ثم سطوا على دار عثمان و أخذوا ما به حتى إن أحدهم أخذ العباءة التي كانت على نائلة . تاريخ الطبري (1/614 . ) فكانت هذه هي البلوى التي بشره النبي صلى الله عليه وسلم و التي يقتل فيها مظلوماً , فقد روى البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل حائطاً , فجاء رجل يستأذن فقال : ائذن له و بشره بالجنة , فإذا هو أبو بكر , ثم جاء آخر يستأذن فقال : ائذن له و بشره بالجنة فإذا هو عمر , ثم جاء آخر يستأذن , فسكت هنيهة ثم قال : ائذن له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه , فإذا هو عثمان . و يعقب ابن حجر على ذلك بقوله : إن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بالبلوى المذكورة إلى ما أصاب عثمان في آخر خلافته من الشهادة يوم الدار . الفتح (7/66 )و(46/11) .و الحديث موجود في البخاري(7/81 )و رواه الإمام مسلم في صحيحه برقم ( 8488 )و( 8481 . ) فائدة.. قال ابن بطال : إنما خص عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضاً لكون عمر لم يمتحن بمثل ما امتحن عثمان من تسلط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور و الظلم مع تنصله من ذلك , و اعتذاره عن كل ما أوردوه عليه , ثم هجومهم عليه في داره و هتكهم ستر أهله , و كل ذلك زيادة على قتله . فتح الباري : (46/11. ) و قد اختلفت الروايات في تعيين قاتله على الصحيح , لكن هذا ليس مهماً لأن المشارك كالقاتل و المتسبب كالمباشر , و إنما المهم هو التعرّف على هوية قاتليه , فهم غوغاء من الأمصار كما وصفهم الزبير رضي الله عنه , و هم نزّاع القبائل كما تقول عائشة , انظر : الطبري (1/184- 188 . )و هم حثالة الناس متفقون على الشر كما يصفهم ابن سعد في طبقاته(6/74 . )و هم خوارج مفسدون و ضالون باغون كما ينعتهم ابن تيمية في منهاج السنة (8/817 . ) هذا بالنسبة لمن شارك في الفتنة , أما بالنسبة لمن تولى قتل عثمان بنفسه فإني أشارك أخي الدكتور خالد الغيث فيما ذهب إليه من كون ابن سبأ هو الذي تولى قتل عثمان رضي الله عنه , و إليكم تفصيل ذلك : فحسب ما توفرت لدي من روايات , جاء نعت قاتله بالموت الأسود و حمار, كما عند خليفة بن خياط (ص471-471 ), أو جبلة- الغليظ - كما عند ابن سعد (6/66-61 ), أو جبلة بن الأيهم كما عند ابن عبد البر . الاستيعاب (6/4418 )ضمن ترجمة عثمان بن عفان , و أورده كذلك بنفس للفظ ضمن ترجمة محمد بن أبي بكر (6/4687 . )و كلمة الأيهم ما هي إلا زيادة غير مقصودة من ناسخ المخطوطة . و سببها هو اشتهار اسم جبلة بن الأيهم ذلك الأمير الغساني الذي ارتد زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . و يؤيد ذلك أن راوي الخبر و هو كنانة مولى صفية هو نفسه راوي الروايتين , أنظر : جمهرة أنساب العرب لابن حزم (678 . )

عدد الصفحات ١٠٨

و بدراسة الروايات السابقة اتضح ما يلي:- أ- أن تلك الروايات لم تسم قاتل عثمان , بل تذكر اللقب الذي أطلق عليه . ب- ذكرت إحدى الروايات أن قاتل عثمان يقال له : حمار . و كلمة حمار لعلها تحريف لكلمة جبلة . و يؤيد ذلك ما قيل بخصوص زيادة كلمة - الأيهم - على اسم جبلة عند راوي الخبر , و هو كنانة مولى صفية , لأن راوي خبر لفظة حمار هو كنانة أيضاً . هذا بالإضافة إلى التشابه الموجود في متون تلك الروايات . و مما سبق يلاحظ أن الذي قتل عثمان رضي الله عنه يعد شخصاً واحداً ذا ألقاب عدة , فهو الموت الأسود , و هو رجل أسود من أهل مصر يقال له جبلة , و هو عبد الله بن سبأ - ابن السوداء - الذي جاء إلى المدينة مع وفد مصر . لمزيد من التفصيل في ذلك راجع : استشهاد عثمان و وقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري , للدكتور : خالد بن محمد الغيث (ص486- 464 . ) قال محب الدين الخطيب في حاشيته على العواصم (ص76 : )الذين شاركوا في الجناية على الإسلام يوم الدار طوائف على مراتب , فيهم الذين غلب عليهم الغلو في الدين فأكبروا الهنات و ارتكبوا في إنكارها الموبقات , و فيهم الذين ينزعون إلى عصبية يمنية على شيوخ الصحابة من قريش , و لم تكن لهم في الإسلام سابقة , فحسدوا أهل السابقة من قريش على ما أصابوا من مغانم شرعية جزاء جهادهم و فتوحهم , فأرادوا أن يكون لهم مثلها بلا سابقة ولا جهاد . و فيهم الموتورون من حدود شرعية أقيمت على بعض ذويهم فاضطغنوا في قلوبهم الإحنة و الغل لأجلها , و فيهم الحمقى الذين استغل السبأيون ضعف قلوبهم فدفعوهم إلى الفتنة و الفساد و العقائد الضالة , و فيهم من أثقل كاهله خير عثمان و معروفه نحوه , فكفر معروف عثمان عندما طمع منه بما لا يستحقه من الرئاسة و التقدم بسبب نشأته في أحضانه , و فيهم من أصابهم من عثمان شيء من التعزير لبوادر بدرت منهم تخالف أدب الإسلام , فأغضبهم التعزير الشرعي من عثمان , و لو أنهم قد نالهم من عمر أشد منه لرضوا به طائعين , و فيهم المتعجلون بالرياسة قبل أن يتأهلوا لها اغتراراً بما لهم من ذكاء خلاب أو فصاحة لا تغذيها الحكمة , فثاروا متعجلين بالأمر قبل إبانه , و بالإجمال فإن الرحمة التي جبل عليها عثمان رضي الله عنه وامتلأ بها قلبه أطمعت الكثيرين فيه , و أرادوا أن يتخذوا من رحمته مطية لأهوائهم . و لمعرفة ما آل إليه مصير من شارك في قتل عثمان رضي الله عنه راجع مقالة : ( تعقيب واستدراك على مقالة مصير عبد الله بن سبأ ) , و لمعرفة هل لمحمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه يد في قتل عثمان أم هو بريء من ذلك , راجع مقالة : ( براءة محمد بن أبي بكر الصديق من دم عثمان رضي الله عنه ) . و ذلك حتى تكون الصورة كاملة و واضحة في الأذهان . و لعله بعد هذا لا يبقى مكان و لا مصداقية للروايات التي تشرك الصحابة رضوان الله عليهم في قتل عثمان و التآمر عليه , فقد اجتهدوا في نصرته و الذبّ عنه , و بذلوا أنفسهم دونه , فأمرهم بالكف عن القتال و قال إنه يحب أن يلقى الله سالماً ولوا أذن لهم لقاتلوا عنه , فثبتت براءتهم من دمه رضوان الله عليهم كبراءة الذئب من دم يوسف . و ظهرت حقيقة الأيدي التي كانت تحرك الفتنة , و التي لطالما دندن الإخباريون الشيعة حولها بأنها أيدي الصحابة , و لله الحمد فقد حفظت لنا كتب المحِّدثين الروايات الصحيحة و التي يظهر فيها

عدد الصفحات ١٠٩

الصحابة من المؤازرين لعثمان و المنافحين عنه المتبرئين من قتله , و المطالبين بدمه بعد قتله , و بذلك يستبعد أي اشتراك لهم في تحريك الفتنة أو إثارتها . و قد يتساءل قارئ أو يقول قائل : كيف قتل عثمان رضي الله عنه و بالمدينة جماعة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم ؟ و هو سؤال وضعه ابن كثير في البداية والنهاية (7/417-416 )ثم أجاب عنه و قد شاركه المالقي في التمهيد والبيان ( ص 464-468 )في الإجابة , موضحين ما يلي :- أولاً : إن كثيراً من الصحابة أو كلهم لم يكونوا يظنون أن يبلغ الأمر إلى قتله , فإن أولئك الخوارج لم يكونوا يحاولون قتله عيناً بل طلبوا من أحد أمور ثلاثة : إما أن يعزل نفسه أو يسلم إليهم مروان بن الحكم أو يقتلوه . و كانوا يرجون أن يسلم إليهم مروان – لأتهم يتهمونه بأنه هو الذي كتب الكتاب على لسان عثمان يأمر فيه والي مصر بقتلهم , و هذا لم يثبت و ليس هناك دليل صحيح - أو أن يعزل نفسه و يستريح من هذه الضائقة الشديدة . و أما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع , و لا أن هؤلاء يجرؤن عليه إلى هذا الحدّ . ثانياً : إن الصحابة دافعوا عنه , لكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم حقناً لدماء المسلمين ففعلوا , فتمكن المحاصرون مما أرادوا . ثالثاً : أن هؤلاء الخوارج اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في موسم الحج و غيبتهم في الثغور و الأمصار , و ربما لم يكن في المتبقين من أهل الدينة ما يقابل عدد الخوارج الذين كانوا قريباً من ألفي مقاتل . رابعاً : إن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار لحماية عثمان رضي الله عنه , لكن عثمان علم أن في الصحابة قلة عدد و أن الذين يريدون قتله كثير عددهم , فلو أذن لهم بالقتال لم يأمن أن يتلف من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه كثير , فوقاهم بنفسه إشفاقاً منه عليهم لأنه راع عليهم , و الراعي يجب عليه أن يحفظ رعيته بكل ما أمكنه , و مع ذلك فقد علم أنه مقتول فصانهم بنفسه - حقناً لدماء المسلمين- . خامساً : أنه لما علم أنها فتنة , و أن الفتنة إذا سلّ فيها السيف لم يؤمن أن يقتل فيها من لا يستحق القتل , فلم يختر لأصحابه أن يسلوا السيف في الفتنة إشفاقاً عليهم , و حتى لا تذهب فيها الأموال و يهتك فيها الحريم فصانهم عن جميع هذا . سادساً : يحتمل أن يكون عثمان رضي الله عنه صبر عن الانتصار ليكون الصحابة شهوداً على من ظلمه , و خالف أمره و سفك دمه بغير حق , لأن المؤمنين شهداء الله في أرضه . قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (8/868 : )و من المعلوم بالتواتر أن عثمان كان من أكف الناس عن الدماء و أصبر الناس على من نال من عرضه و على من سعى في دمه , فحاصروه و سعوا في قتله و قد عرف إرادتهم لقتله , و قد جاءه المسلمون ينصرونه و يشيرون عليه بقتالهم , و هو يأمر الناس بالكف عن القتال , و يأمر من يطيعه أن لا يقاتلهم ..و قيل له تذهب إلى مكة فقال : لا أكون ممن الحد في الحرم فقيل له تذهب إلى الشام فقال : لا أفارق دار هجرتي , فقيل له : فقاتلهم , فقال : لا أكون أول من خلف محمداً في أمته بالسيف . فكان صبر عثمان حتى قتل من أعظم فضائله عند المسلمين .

عدد الصفحات ١١٠

و مما يناسب هذا المقام ذكر كلام الإمام الآجري في كتاب الشريعة(1/4164-4166 )عن موقف الصحابة في المدينة من حصار المنافقين لعثمان رضي الله عنه . قال الآجري : فإن قال قائل : فقد علموا أنه مظلوم وقد أشرف على القتل فكان ينبغي لهم أن يقاتلوا عنه , و إن كان قد منعهم . قيل له : ما أحسنت القول , لأنك تكلمت بغير تمييز . فإن قال : ولم ؟ قيل : لأن القوم كانوا أصحاب طاعة , وفقهم الله تعالى للصواب من القول و العمل , فقد فعلوا ما يجب عليهم من الإنكار بقولهم و ألسنتهم و عرضوا أنفسهم لنصرته على حسب طاقتهم , فلما منعهم عثمان رضي الله عنه من نصرته علموا أن الواجب عليهم السمع و الطاعة له , و إنهم إن خالفوه لم يسعهم ذلك , و كان الحق عندهم فيما رآه عثمان رضي الله عنه و عنهم . فإن قال : فلم منعهم عثمان من نصرته وهو مظلوم , و قد علم أن قتالهم عنه نهي عن منكر , و إقامة حق يقيمونه ؟ قيل له : وهذا أيضاً غفلة منك . فإن قال : وكيف ؟ قيل له : مَنْعه إياهم عن نصرته يحتمل وجوهاً كلها محمودة :- أحدها : علمه بأنه مقتول مظلوم , لا شك فيه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعلمه : إنك تقتل مظلوماً فاصبر , فقال : أصبر . فلما أحاطوا به علم أنه مقتول و أن الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم له حق كما قال لا بد من أن يكون , ثم علم أنه قد وعده من نفسه الصبر فصبر كما وعد , وكان عنده أن من طلب الانتصار لنفسه و الذب عنها فليس هذا بصابر إذ وعد من نفسه الصبر , فهذا وجه . و وجه آخر : و هو أنه قد علم أن في الصحابة رضي الله عنهم قلة عدد , و أن الذين يريدون قتله كثير عددهم , فلو أذن لهم بالحرب لم يأمن أن يتلف من صحابة نبيه بسببه , فوقاهم بنفسه إشفاقاً منه عليهم ؛ لأنه راع و الراعي واجب عليه أن يحوط رعيته بكل ما أمكنه , ومع ذلك فقد علم أنه مقتول فصانهم بنفسه , و هذا وجه . و وجه آخر : هو أنه لما علم أنها فتنة و أن الفتنة إذا سل فيها السيف لم يؤمن أن يقتل فيها من لا يستحق , فلم يختر لأصحابه أن يسلوا في الفتنة السيف , و هذا إنما إشفاقاً منه عليهم هم , فصانهم عن جميع هذا . و وجه آخر : يحتمل أن يصبر عن الانتصار ليكون الصحابة رضي الله عنهم شهوداً على من ظلمه و خالف أمره و سفك دمه بغير حق , لأن المؤمنين شهداء الله عز وجل في أرضه , و مع ذلك فلم يحب أن يهرق بسببه دم مسلم ولا يخلف النبي صلى الله عليه وسلم في أمته بإهراقه دم مسلم , و كذا قال رضي الله عنه . فكان عثمان رضي الله عنه بهذا الفعل موفقاً معذوراً رشيداً , و كان الصحابة رضي الله عنهم في عذر , و شقي قاتله . و مما سبق نعلم أن منهج عثمان رضي الله عنه أثناء الفتنة و مسلكه مع المنافقين - هذا مصطلح نبوي أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم على الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه , لحديث ( … فأرادك المنافقون أن تخلع ..الخ , تقدم تخريجه - , الذين خرجوا عليه لم تفرضه عليه مجريات الأحداث , ولا ضغط الواقع , بل كان منهجاً نابعاً من مشكاة النبوة , حيث أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر و الاحتساب و عدم القتال حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً . وقد وفىّ ذو النورين رضي الله عنه بوعده و عهده لرسول الله صلى الله عليه وسلم طوال أيام خلافته , حتى خرّ شهيداً مضجراً بدمائه الطاهرة الزكية , ملبياً لدعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم بالإفطار عنده . انظر : استشهاد عثمان لخالد الغيث (ص448 )بتصرف يسير. أخرج الإمام أحمد في فضائل الصحابة (4/118-117 )بإسناد حسن , من طريق مسلم أبو سعيد مولى عثمان رضي الله عنه : أن عثمان بن عفان أعتق عشرين مملوكاً , و دعا سراويل فشدها

عدد الصفحات ١١١

عليه- حتى لا تظهر عورته عند قتله - و لم يلبسها في جاهلية ولا في إسلام , قال : إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في النوم و رأيت أبا بكر و عمر و أنهم قالوا لي : اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة , ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه , فقتل وهو بين يديه . و اعتبرت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه من أخطر الأحداث التي مرّت بها الدولة الإسلامية في عصر الخلافة الراشدة , و قد تركت من الاختلاف و الانقسام في صفوف الأمة ما كاد يودي بها , و قد أعقبها فتن داخلية أخرى تتصل بها و تتفرع عنها و هي موقعة الجمل و صفين و النهروان , كما استمرت آثارها متمثلة في الخوارج و الشيعة المعارضين للدولة الأموية و العصر الأول من الدولة العباسية خاصة , بل يمكن أن نعتبر الانقسامات الكبرى الناجمة عن الفتنة مؤثرة في الأمة حتى الوقت الحاضر . و كان مقتل عثمان رضي الله عنه صباحاً , في يوم الجمعة , الثاني عشر من ذي الحجة , سنة خمس و ثلاثين من الهجرة , و دفن ليلة السبت بين المغرب و العشاء , بحش كوكب شرقي البقيع , و هو ابن اثنتين و ثمانين سنة , على الصحيح المشهور . رحم الله عثمان و رضي عنه . انظر : ابن سعد (6/77-76 )و خليفة بن خياط(ص478 )و الطبري(1/141-148 )و المسند (8/44 ) و الذهبي في تاريخ الإسلام عهد الخلفاء الراشدين (ص164 )و البداية و النهاية لابن كثير (7/414 )والاستيعاب لابن عبد البر(6/4411. ) قصة مقتل الحسين كثر الكلام حول مقتل الشهيد السعيد السيد السبط الحسين بن علي واختلفت القصص في ذلك , ونورد هاهنا القصة الحقيقية لمقتل الحسين - رضي الله عنه – , ولكن قبل ذلك نذكر توطئة مهمة لا بد من معرفتها. توطئة : قال الحافظ ابن كثير : فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتل الحسين رضي الله عنه, فانه من سادات المسلمين, وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله التي هي أفضل بناته, وقد كان عابداً وسخياً, ولكن لا يحسن ما يفعله الناس من إظهار الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنع ورياء, وقد كان أبوه أفضل منه فقتل, وهم لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين, فان أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين, وكذلك عثمان كان أفضل من علي عند أهل السنة والجماعة, وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين, وقد ذبح من الوريد إلى الوريد, ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً, وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي, قتل وهو قائم يصلي في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن, ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً, وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً, ورسول الله سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة, وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله, ولم يتخذ أحدٌ يوم موتهم مأتماً, ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة, مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك.

عدد الصفحات ١١٢

قصة مقتل الحسين بلغ أهل العراق أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية وذلك سنة 84هـ فأرسلوا إليه الرسل والكتب يدعونه فيها إلى البيعة, وذلك أنهم لا يريدون يزيد ولا أباه ولا عثمان ولا عمر ولا أبا بكر , انهم لا يريدون إلا عليا وأولاده , وبلغت الكتب التي وصلت إلى الحسين أكثر من خمسمائة كتاب. عند ذلك أرسل الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل ليتقصى الأمور ويتعرف على حقيقة البيعة وجليتها, فلما وصل مسلم إلى الكوفة تيقن أن الناس يريدون الحسين , فبايعه الناس على بيعة الحسين وذلك في دار هانئ بن عروة , ولما بلغ الأمر يزيد بن معاوية في الشام أرسل إلى عبيد الله بن زياد والي البصرة ليعالج هذه القضية , ويمنع أهل الكوفة من الخروج عليه مع الحسين ولم يأمره بقتل الحسين , فدخل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة , وأخذ يتحرى الأمر ويسأل حتى علم أن دار هانئ بن عروة هي مقر مسلم بن عقيل وفيها تتم المبايعة . فخرج مسلم بن عقيل على عبيد الله بن زياد وحاصر قصره بأربعة آلاف من مؤيديه , وذلك في الظهيرة . فقام فيهم عبيد الله بن زياد وخوفهم بجيش الشام ورغبهم ورهبهم فصاروا ينصرفون عنه حتى لم يبق معه إلا ثلاثون رجلاً فقط . وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده ليس معه أحد. فقبض عليه وأمر عبيد الله بن زياد بقتله فطلب منه مسلم أن يرسل رسالة إلى الحسين فأذن له عبيد الله ,وهذا نص رسالته : ارجع بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي. ثم أمر عبيد الله بقتل مسلم بن عقيل وذلك في يوم عرفة , وكان مسلم بن عقيل قبل ذلك قد أرسل إلى الحسين أن اقدم , فخرج الحسين من مكة يوم التروية وحاول منعه كثير من الصحابة ونصحوه بعدم الخروج مثل ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وابن عمرو وأخيه محمد بن الحنفية وغيرهم. وهذا ابن عمر يقول للحسين : ( إني محدثك حديثا : إن جبريل أتى النبي فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا , وإنك بضعة منه , والله لا يليها أحد منكم أبداً وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم , فأبى أن يرجع , فاعتنقه وبكى وقال : استودعك الله من قتيل) , وروى سفيان بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال للحسين في ذلك : ( لولا أن يزري -يعيبني ويعيرني- بي وبك الناس لشبثت يدي من رأسك, فلم أتركك تذهب ) .وقال عبد الله بن الزبير له : ( أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟) وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : (عجّل الحسين قدره, والله لو أدركته ما تركته يخرج إلا أن يغلبني). (رواه يحيى بن معين بسند صحيح) . وجاء الحسين خبر مسلم بن عقيل عن طريق الذي أرسله مسلم , فانطلق الحسين يسير نحو طريق الشام نحو يزيد, فلقيته الخيول بكربلاء بقيادة عمرو بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن تميم فنزل يناشدهم الله والإسلام أن يختاروا إحدى ثلاث : أن يسيِّروه إلى أمير المؤمنين (يزيد) فيضع يده في يده (لأنه يعلم أنه لا يحب قتله) أو أن ينصرف من حيث جاء (إلى المدينة) أو يلحق بثغر من ثغور المسلمين حتى يتوفاه الله. (رواه ابن جرير من طريق حسن) . فقالوا: لا, إلا على حكم عبيد الله بن زياد. فلما سمع الحر بن يزيد ذلك (وهو أحد قادة ابن زياد) قال : ألا تقبلوا من هؤلاء ما يعرضون عليكم ؟والله لو سألكم هذا الترك والديلم ما حلَّ لكم أن تردوه. فأبوا إلا على حكم ابن زياد . فصرف الحر وجه فرسه, وانطلق إلى الحسين وأصحابه, فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم, فلما دنا منهم قلب ترسه وسلّم عليهم, ثم كرّ على أصحاب ابن زياد فقاتلهم, فقتل منهم رجلين ثم قتل رحمة الله عليه (ابن جرير بسند حسن) .

عدد الصفحات ١١٣

و شك أن المعركة كانت غير متكافئة من حيث العدد, فقتل أصحاب الحسين (رضي الله عنه وعنهم) كلهم بين يديه يدافعون عنه حتى بقي وحده وكان كالأسد, ولكنها الكثرة ,وكان كل واحد من جيش الكوفة يتمنىَّ لو غيره كفاه قتل الحسين حتى لا يبتلي بدمه (رضي الله عنه), حتى قام رجل خبيث يقال له شمر بن ذي الجوشن فرمى الحسين برمحه فأسقطه أرضاً فاجتمعوا عليه وقتلوه شهيداً سعيداً . ويقال أن شمر بن ذي الجوشن هو الذي اجتز رأس الحسين وقيل سنان بن أنس النخعي والله أعلم. وأما قصة منع الماء وأنه مات عطشاناً وغير ذلك من الزيادات التي إنما تذكر لدغدغة المشاعر فلا يثبت منها شيء. وما ثبت يغني . ولا شك أنها قصة محزنة مؤلمة, وخاب وخسر من شارك في قتل الحسين ومن معه وباء بغضب من ربه . وللشهيد السعيد ومن معه الرحمة والرضوان من الله ومنا الدعاء و الترضي. كذب الشيعه حول أحداث موت الحسين: و أما ما روي من أن السماء صارت تمطر دما, أو أن الجدر كان يكون عليها الدم , أو ما يرفع حجر إلا و يوجد تحته دم , أو ما يذبحون جزوراً إلا صار كله دماً فهذه كلها أكاذيب تذكر لإثارة العواطف ليس لها أسانيد صحيحة. يقول ابن كثير عن ذلك: ((( وذكروا أيضا في مقتل الحسين رضي الله عنه أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عبيط وأنه كسفت الشمس واحمر الأفق وسقطت حجارة وفي كل من ذلك نظر والظاهر أنه من سخف الشيعة وكذبهم ليعظموا الأمر ولا شك أنه عظيم ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه وقد وقع ما هو أعظم من قتل الحسين رضي الله عنه ولم يقع شيء مما ذكروه فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو أفضل منه بالإجماع ولم يقع شيء من ذلك وعثمان بن عفان رضي الله عنه قتل محصورا مظلوما ولم يكن شيء من ذلك وعمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل في المحراب في صلاة الصبح وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك ولم يكن شيء من ذلك وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه ويوم مات إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم خسفت الشمس فقال الناس خسفت لموت إبراهيم فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته. ))) حكم خروج الحسين : لم يكن في خروج الحسين رضي الله عنه مصلحة ولذلك نهاه كثير من الصحابة وحاولوا منعه ولكنه لم يرجع , و بهذا الخروج نال أولئك الظلمة الطغاة من سبط رسول الله حتى قتلوه مظلوماً شهيداً . وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن يحصل لو قعد في بلده , ولكنه أمر الله تبارك وتعالى وما قدره الله كان ولو لم يشأ الناس. وقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء وقد قُدّم رأس يحيى عليه السلام مهراً لبغي وقتل زكريا عليه السلام, وكثير من الأنبياء قتلوا كما قال تعالى : "قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين" آل عمران 466 .وكذلك قتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. كيف نتعامل مع هذا الحدث : لا يجوز لمن يخاف الله إذا تذكر قتل الحسين ومن معه رضي الله عنهم أن يقوم بلطم الخدود وشق الجيوب والنوح وما شابه ذلك, فقد ثبت عن النبي (ص) أنه قال : ( ليس منا من لطم الخدود و شق

عدد الصفحات ١١٤

الجيوب) (أخرجه البخاري) وقال : (أنا بريء من الصالقة والحالقة والشاقة). أخرجه مسلم . والصالقة هي التي تصيح بصوت مرتفع . وقال : ( إن النائحة إذا لم تتب فإنها تلبس يوم القيامة درعاً من جرب و سربالاً من قطران) أخرجه مسلم. و قال ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب و الطعن في الأنساب و الاستسقاء بالنجوم و النياحة). و قال ( اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب و النياحة على الميت) رواه مسلم. و قال ( النياحة من أمر الجاهلية و إن النائحة إذا ماتت و لم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران و درعاً من لهب النار) رواه ابن ماجة. و الواجب على المسلم العاقل إذا تذكر مثل هذه المصائب أن يقول كما أمر الله "الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون". و ما علم أن علي بن الحسين أو ابنه محمداً أو ابنه جعفراً أو موسى بن جعفر رضي الله عنهم ما عرف عنهم ولا عن غيرهم من أئمة الهدى أنهم لطموا أو شقوا أو صاحوا فهؤلاء هم قدوتنا. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح. إنّ النياحة واللط م وما أشبهها من أمور ليست عبادة وشعائر يتقرب بها العبد إلى الله , وما يُذكر عن فضل البكاء في عاشوراء غير صحيح , إنما النياحة واللطم أمر من أمور الجاهلية التي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنها وأمر باجتنابها , وليس هذا منطق أموي حتى يقف الشيعة منه موقف العداء بل هو منطق أهل البيت رضوان الله عليهم وهو مروي عنهم عند الشيعة كما هو مروي عنهم أيضاً عند أهل السنة. فقد روى ابن بابويه القمي في ( من لا يحضره الفقيه )(61 )أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( النياحة من عمل الجاهلية ) وفي رواية للمجلسي في بحار الأنوار 68/446 (النياحة عمل الجاهلية ) ومن هذا المنطلق اجتنب أهل السنة النياحة في أي مصيبة مهما عظمت, امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بل بالمقابل هم يصومون يوم عاشوراء , ذلك اليوم الذي نجى الله فيه موسى عليه السلام وقومه من الغرق , وهم يرون أنّ دعوة مخلصة للحسين من قلب مؤمن صائم خير من رجل يتعبد الله بعمل أهل الجاهلية ( النياحة واللطم ) , ففي الصائم يحصل له الخيرين , خير صيام يوم فضيل وخير دعاء المرء وهو صائم والذي يمكن أن يجعل جزءاً منه أو كله إن أراد للإمام الحسين. ومما ورد من روايات في فضل صيام هذا اليوم من روايات الشيعة ما رواه الطوسي في الاستبصار 8/461 والحر العاملي في وسائل الشيعة7/667 عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه أنّ علياً عليهما السلام قال: ( صوموا العاشوراء , التاسع والعاشر , فإنّه يكفّر الذنوب سنة ). وعن أبي الحسن عليه السلام قال: ( صام رسول الله صلى الله عليه وآله يوم عاشوراء ) , وعن جعفر عن أبيه عليهما السلام قال: ( صيام عاشوراء كفّارة سنة ). فما يفعله الشيعة اليوم من إقامة حسينيات أو مآتم أو لطم ونياحة وبكاء في حقيقتها إضافات لا تمت لمنهج أهل البيت ولا لعقيدة الإسلام بأي صلة , وإذا كان الشيعة يرددون عبارة ( حلال محمد حلال إلى يوم القيامة , وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة ) فأين هذه العبارة من التطبيق حين يجعلون أموراً من الجاهلية التي نهى محمد عليه الصلاة والسلام عنها شعائراً لدين الإسلام ولأهل البيت!! والطامة الكبرى أن تجد كثيراً من مشايخ الشيعة بل من مراجعهم الكبار يستدلون بقوله تعالى { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب}على ما يُفعل في عاشوراء من نياحة ولطم وسب وشتم لخلق الله ولصحابة رسول الله ويعتبرون هذا من شعائر الله التي ينبغي أن تُعظم ومن شعائر الله التي تزداد بها التقوى !!!

عدد الصفحات ١١٥

وما لا أكاد أفهمه تجاهل علماء الشيعة للروايات الواضحة في بيان فضل صيام عاشوراء بل وبالمقابل اتهام أهل السنة مراراً وتكراراً بأنهم حزب بني أمية وأنهم استحدثوا صيام هذا اليوم احتفالاً بمقتل الحسين - عياذاً بالله من ذلك - مع اتفاق أحاديث السنة والشيعة على فضل صيام هذا اليوم وأنّ نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم صامه !!! بل قل لي بربك : ألذي يصوم يوم عاشوراء ويحييه بالذكر والقرآن والعبادة في نظرك يحتفل ويفرح بمقتل الحسين أم من يوزع اللحم والطعام والشراب على الناس في هذا اليوم ويحيي الليل بإنشاد القصائد؟!! أليس هذا تناقضاً في حد ذاته؟ ألا ترى في اتهام أهل السنة بالفرح بموت الحسين والادعاء بأنّ صيامهم ليوم عاشوراء نكاية بالحسين وبأهل البيت ليس إلا دعاية مذهبية للتنفير منهم ومن مذهبهم وإبرازهم كعدو لأهل البيت دون وجه حق؟!! موقف يزيد من قتل الحسين: لم يكن ليزيد يد في قتل الحسين ولا نقول هذا دفاعاً عن يزيد ولكن دفاعاً عن الحق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " إن يزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل , ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق, ولما بلغ يزيد قتل الحسين أظهر التوجع على ذلك, وظهر البكاء في داره ولم يسب لهم حريماً بل أكرم بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلادهم, وأما الروايات التي تقول إنه أهين نساء آل بيت رسول لله وأنهن أخذن إلى الشام مسبيات وأُهِنّ هناك هذا كلام باطل ب ل كان بنو أمية يعظمون بني هاشم ولذلك لما تزوج الحجاج بن يوسف من فاطمة بنت عبد الله بن جعفر لم يقبل عبد الملك بن مروان هذا الأمر, وأمر الحجاج أن يعتزلها, وأن يطلقها فهم كانوا يعظمون بني هاشم ولم تسب هاشمية قط." بل ابن زياد نفسه عندما جيء بنساء الحسين إليه وأهله, وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهن بمنزل من مكان معتزل, وأجرى عليهن رزقاً وأمر لهن بنفقة وكسوة. (رواه ابن جرير بسند حسن) . و قال عزت دروزة المؤرخ "ليس هناك ما يبرر نسبة قتل الحسين إلى يزيد, فهو لم يأمر بقتاله, فضلاً عن قتله, وكل ما أمر به أن يحاط به ولا يقاتل إلا إذا قاتل". و قال ابن كثير: (والذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يُقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه, وكما صرح هو به مخبراً عن نفسه بذلك). من قتل الحسين؟ نعم هنا يطرح السؤال المهم : من قتلة الحسين : أهم أهل السنة ؟ أم معاوية ؟ أم يزيد بن معاوية ؟ أم من ؟ إن الحقيقة المفاجئة أننا نجد العديد من كتب الشيعة تقرر وتؤكد أن شيعة الحسين هم الذين قتلوا الحسين . فقد قال السيد محسن الأمين " بايع الحسين عشرون ألفاً من أهل العراق , غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم وقتلوه " {أعيان الشيعة61:4 } . وكانو تعساً الحسين يناديهم قبل أن يقتلوه: " ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار , و أنما تقدم على جند مجندة؟ تباً لكم أيها الجماعة حين على استصرختمونا والهين , فشحذتم علينا سيفاً كان بأيدينا , وحششتم ناراً أضرمناها على عدوكم وعدونا , فأصبحتم ألباً أوليائكم و سحقاً , و يداً على أعدائكم . استسرعتم إلى بيعتنا كطيرة الذباب , و تهافتم إلينا كتهافت الفراش ثم نقضتموها سفهاً , بعداً لطواغيت هذه الأمة " {الاحتجاج للطبرسي} .

عدد الصفحات ١١٦

ثم ناداهم الحر بن يزيد , أحد أصحاب الحسين وهو واقف في كربلاء فقال لهم" أدعوتم هذا العبد الصالح , حتى إذا جاءكم أسلمتموه , ثم عدوتم عليه لتقتلوه فصار كالأسير في أيديكم ؟ لا سقاكم الله يوم الظمأ "{الإرشاد للمفيد861 , إعلام الورى بأعلام الهدى818}. وهنا دعا الحسين على شيعته قائلاً: " اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقاً ( أي شيعاً وأحزاباً ) واجعلهم طرائق قددا , و لا ترض الولاة عنهم أبدا , فإنهم دعونا لينصرونا , ثم عدوا علينا فقتلونا " {الإرشاد للمفيد814 , إعلام الورى للطبرسي111, كشف الغمة46:8و66 }. ويذكر المؤرخ الشيعي اليعقوبي في تاريخه أنه لما دخل علي بن الحسين الكوفة رأى نساءها يبكين ويصرخن فقال : " هؤلاء يبكين علينا فمن قتلنا ؟ " أي من قتلنا غيرهم {تاريخ اليعقوبي861:4 } . ولما تنازل الحسن لمعاوية وصالحه , نادى شيعة الحسين الذين قتلوا الحسين وغدروا به قائلاً:" ياأهل الكوفة : ذهلت نفسي عنكم لثلاث : مقتلكم لأبي , وسلبكم ثقلي , وطعنكم في بطني و إني قد بايعت معاوية فاسمعوا و أطيعوا , فطعنه رجل من بني أسد في فخذه فشقه حتى بلغ العظم {كشف الغمة114, الإرشاد للمفيد414, الفصول المهمة488, مروج الذهب للمسعودي164:4 }. فهذه كتب الشيعة بأرقام صفحاتها تبين بجلاء أن الذين زعموا تشييع الحسين ونصرته هم أنفسهم الذين قتلوه ثم ذرفوا عليه الدموع , وتظاهروا بالبكاء , ولايزالون يمشون في جنازة من قتلوه إلى يومنا هذا , ولو كان هذا البكاء يعكس شدة المحبة لأهل البيت فلماذا لايكون البكاء من باب أولى على حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم , فإن الفظاعة التي قتل بها لا تقل عن الطريقة التي ارتكبت في حق الحسين رضي الله عنه حيث بقر بطن حمزة واستؤصلت كبده , فلماذا لايقيمون لموته مأتماً سنوياً يلطمون فيه وجوههم ويمزقون ثيابهم , ويضربون أنفسهم بالسيوف والخناجر ؟ أليس هذا من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ؟ بل لماذا لايكون هذا البكاء على موت النبي صلى الله عليه وسلم ؟! فإن المصيبة بموته تفوق كل شيء ؟ أم أن الحسين أفضل من جده لأنه تزوج ابنة كسرى الفارسية؟ رأس الحسين : لم يثبت أن رأس الحسين أرسل إلى يزيد بالشام بل الصحيح أن الحسين قتل في كربلاء ورأسه أخذ إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة فذهب برأسه الشريف إلى عبيد الله بن زياد, فجعل في طست , فجعل ينكت عليه, وقال في حسنه شيئاً فقال أنس : " إنه كان أشبههم برسول الله" . رواه البخاري. وفي رواية قال: (إرفع قضيبك فقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثم حيث تضع قضيبك فانقبض) رواه البزار والطبراني. الفتح(7/18 ), ولا يعلم قبر الحسين ولا يعلم مكان رأسه. الجزاء من جنس العمل : لما قُتل عبيد الله بن زياد على يد الأشتر النخعي , جيء برأسه. فنصب في المسجد, فإذا حية قد جاءت تخلل حتى دخلت في منخر ابن زياد وخرجت من فمه, ودخلت في فمه وخرجت من منخره ثلاثاً (رواه الترمذي ويعقوب بن سفيان). والله تعالى أعلى وأعلم.

عدد الصفحات ١١٧

موقف بعض أهل السنه من يزيد بن معاويه السؤال : سمعت عن المدعو يزيد بن معاوية , وأنه كان خليفة على المسلمين في فترة مضت , وأنه كان شخصا سكِّيراً ساديا , ولم يكن مسلما حقا . فهل هذا صحيح ؟ أرجو أن تخبرني عن تاريخ المذكور. الجواب : الحمد لله اسمه : يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أميّة الأموي الدمشقي . قال الذهبي : وكان أمير ذلك الجيش في غزو القسطنطينية وفيهم مثل أبي أيوب الأنصاري عقد له أبو بولاية العهد من بعد فتسلم الملك عند موت أبيه في رجب سنة ستين وله ثلاث وثلاثون سنة فكانت دولته أقل من أربع سنين . ويزيد ممن لا نسبُّه ولا نحبه وله نظراء من خلفاء الدولتين وكذلك في ملوك النواحي بل فيهم من هو شر منه وإنما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بتسع وأربعين سنة والعهد قريب والصحابة موجودون كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجد . افتتح دولته بمقتل الشهيد الحسين واختتمها بواقعة الحرة فمقته الناس ولم يبارك في عمر وخرج عليه غير واحد بعد الحسين كأهل المدينة قاموا لله .. وابن الزبير ..... سير أعلام النبلاء ج/ 4 ص/ 13 . و قد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية الموقف من يزيد بن معاوية فقال: افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبى سفيان ثلاث فرق , طرفان ووسط . فأحد الطرفين قالوا : إنه كان كافراً منافقاً , وأنه سعى في قتل سبط رسول الله تشفِّياً من رسول الله وانتقاما منه , وأخذاً بثأر جد عتبة وأخي جد شيبة , وخاله الوليد بن عتبة وغيرهم ممن قتلهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بيد على بن أبى طالب وغير يوم بدر وغيرها . وأشياء من هذا النمط وهذا القول سهل على الرافضة الذين يكفرون أبا بكر وعمر وعثمان فتكفير يزيد أسهل بكثير . والطرف الثاني : يظنون أنه كان رجلاً صالحاً وإمام عدل , وأنه كان من الصحابة الذين ولدوا على عهد النبي وحمله على يديه وبرَّك عليه . وربما فضَّله بعضهم على أبى بكر وعمر , وربما جعله بعضهم نبيَّا ... وكلا القولين ظاهر البطلان عند من له أدنى عقل وعلم بالأمور وسِي ر المتقدمين , ولهذا لا ينسب إلى أحد من أهل العلم المعروفين بالسنة ولا إلى ذي عقل من العقلاء الذين لهم رأى وخبرة

عدد الصفحات ١١٨

والقول الثالث: أنه كان ملكا من ملوك المسلمين له حسنات وسيئات ولم يولد إلا في خلافة عثمان , ولم يكن كافرا , ولكن جرى بسببه ما جرى من مصرع الحسين وفعل ما فعل بأهل الحرة , ولم يكن صاحبا ولا من أولياء الله الصالحين , وهذا قول عامة أهل العقل والعلم والسنة والجماعة . ثم افترقوا ثلاث فرق فرقة لعنته وفرقة أحبته وفرقة لا تسبه ولا تحبه وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد وعليه المقتصدون من أصحابه وغيرهم من جميع المسلمين قال صالح بن أحمد قلت لأبي : إن قوما يقولون : إنهم يحبون يزيد فقال يا بني وهل يحب يزيد أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر !! فقلت يا أبت فلماذا لا تلعنه ؟ فقال : يا بني ومتى رأيت أباك يلعن أحداً . وقال أبو محمد المقدسي لما سئل عن يزيد فيما بلغني لا يُس ب ولا يُح ب وقال : وبلغنى أيضا أن جدنا أبا عبد الله بن تيمية سئل عن يزيد فقال : لاننقص فيه ولا نزيد وهذا أعدل الأقوال فيه وفي أمثاله وأحسنها...أهـ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج/4 ص/433-434 . الإسلام سؤال وجواب الشيخ محمد صالح المنجد

عدد الصفحات ١١٩

حقيقهأمير المؤمنين يزيد بن معاوية يزيد بن معاوية – رحمه الله – لم يكن بذلك الشاب اللاهي , كما تصور لنا الروايات التاريخية الركيكة ؛ بل هو على خلاف ذلك , لكن العجب في المؤلفين من الكتاب الذين لا يبحثون عن الخبر الصحيح , أو حتى عمّن يأخذو , فيجمعون في هذ المؤلفات الغ ث و السمين من الروايات و الكلام الفارغ الملفق , فتراهم يطعنون فيه فيظهرون صورته و يشوهونها , بأبشع تصوير . و للأسف فإن بعض المؤرخين من أهل السنة أخذوا من هذ الروايات الباطلة و أدرجوها في كتبهم , أمثال ابن كثير في البداية و النهاية , وابن الأثير في الكامل , وابن خلدون في العبر والإمام الذهبي في تاريخ الإسلام و في غيرها من الكتب . و المصيبة في هؤلاء الكتاب المعاصرين أنهم يروون هذا الطعن عن بعض الشيعة المتعصبين أمثال أبي مخنف و الواقدي و ابن الكلبي و غيرهم , و غير هذا أن معظم هذ الكتب ألفت على عهد العباسيين , وكما هو معروف مدى العداء بين الأمويين و العباسيين , فكانوا يبحثون عمّن يطعن في هؤلاء فيملؤون هذ الكتب بالأكاذيب . و هناك أمور و أشياء أخرى و طامات كبرى في غيرها من الكتب , رويت لتشويه صورة و سيرة يزيد رحمه الله و والد معاوية رضي الله عنه , و كان على رأس هؤلاء الطاعنين بنو العباس وأنصار ابن الزبير حين خرج على يزيد و الشيعة الروافض عليهم غضب الله , و الخوارج قاتلهم الله و أخزاهم . منقبة ليزيد بن معاوية : أخرج البخاري عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت و هو نازل في ساحة حمص و هو في بناء له و معه أم حرام , قال عمير : فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا , فقالت أم حرام : قلت يا رسول الله أنا فيهم ؟ قال : أنت فيهم . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم , فقلت : أنا فيهم قال : لا . البخاري مع الفتح (:/321. ) فتحرك الجيش نحو القسطنطينية بقيادة بسر بن أرطأ رضي الله عنه عام خمسين من الهجرة , فاشتد الأمر على المسلمين فأرسل بسر يطلب المدد من معاوية فجهز معاوية جيشاً بقيادة ولد يزيد , فكان في هذا الجيش كل من أبو أيوب الأنصاري و عبد الله بن عمر و ابن الزبير و ابن عباس وجمع غفير من الصحابة , رضي الله عنهم أجمعين . و أخرج البخاري أيضاً , عن محمود بن الربيع في قصة عتبان بن مالك قال محمود : فحدثتها قوماً فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوته التي توفي فيها , ويزيد بن معاوية عليهم – أي أميرهم - بأرض الروم . البخاري مع الفتح (1/51. ) و في هذا الحديث منقبة ليزيد رحمه الله حيث كان في أول جيش يغزوا أرض الروم. بعضاً من سيرة يزيد: و لنقف قليلاً , على بعض من سيرة يزيد بن معاوية رحمه الله قبل أن يرشحه والد لولاية العهد , و ما هي الحال التي كان عليها قبل توليه الخلافة , و مدى صدق الروايات التي جاءت تذم يزيد وتصفه بأوصاف مشينة . عمل معاوية رضي الله عنه جهد من البداية في سبيل إعداد ولد يزيد , و تنشئته التنشئة الصحيحة , ليشب عليها عندما يكبر , فسمح لمطلقته ميسون بنت بحدل الكلبية , و كانت من الأعراب , و كانت من نسب حسيب , و منها رزق بابنه يزيد , - أنظر ترجمتها في : تاريخ دمشق لابن عساكر - تراجم النساء - (ص155-413 )- , و كان رحمه وحيد أبيه , فأحب معاوية رضي الله عنه أن يشب يزيد على حياة الشدة و الفصاحة فألحقه بأهل أمه ليتربى على فنون الفروسية , و يتحلى بشمائل النخوة و الشهامة والكرم و المروءة , إذ كان البدو أشد تعلقاً بهذ التقاليد .

عدد الصفحات ١٢٠

كما أجبر معاوية ولد يزيد على الإقامة في البادية , و ذلك لكي يكتسب قدراً من الفصاحة في اللغة , كما هو حال العرب في ذلك الوقت . و عندما رجع يزيد من البادية , نشأ و تربى تحت إشراف والد , و نحن نعلم أن معاوية رضي الله عنه كان من رواة الحديث , - أنظر : تهذيب التهذيب لابن حجر (31/215 )- , فروى يزيد بعد ذلك عن والد هذ الأحاديث و بعض أخبار أهل العلم . مثل حديث : من يرد الله به خيراً يفقه في الدين , و حديث آخر في الوضوء , و روى عنه ابنه خالد و عبد الملك بن مروان , و قد عد أبوزرعة الدمشقي في الطبقة التي تلي الصحابة , و هي الطبقة العليا . البداية و النهاية لابن كثير (3/22:-225 . ) و قد اختار معاويةد غْف ل بن حنظلة السدوسي الشيباني (ت7هـ) , مؤدباً لولد يزيد , و كان دغفل علامة بأنساب العرب , و خاصة نسب قريش , و كذلك عارفاً بآداب اللغة العربية . أنظر ترجمته في : تهذيب التهذيب لابن حجر (1/231. ) هذ بعضاً من سيرة يزيد رحمه الله قبل توليه منصب الخلافة, و قبل أن يوليه والد ولاية العهد من بعد . توليه منصب ولاية العهد بعد أبيه: بدأ معاوية رضي الله عنه يفكر فيمن يكون الخليفة من بعد , ففكر معاوية في هذا الأمر و رأى أنه إن لم يستخلف و مات ترجع الفتنة مرة أخرى . فقام معاوية رضي الله عنه باستشارة أهل الشام في الأمر , فاقترحوا أن يكون الخليفة من بعد من بني أمية , فرشح ابنه يزيد , فجاءت الموافقة من مصر و باقي البلاد و أرسل إلى المدينة يستشيرها و إذ به يجد المعارضة من الحسين و ابن الزبير , و ابن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر , و ابن عباس . انظر : تاريخ الإسلام للذهبي – عهد الخلفاء الراشدين – (ص345-372 )و سير أعلام النبلاء(1/33: )و الطبري(7/111 )و تاريخ خليفة(ص231 . )و كان اعتراضهم حول تطبيق الفكرة نفسها , لا على يزيد بعينه . و تجدر الإشارة هنا إلى أن المؤرخين والمفكرين المسلمين قد وقفوا حيال هذ الفكرة مواقف شتى , ففيهم المعارض , و منهم المؤيد , و كانت حجة الفريق المعارض تعتمد على ما وردته بعض الروايات التاريخية , التي تشير أن يزيد بن معاوية كان شاباً لاهياً عابثاً , مغرماً بالصيد و شرب الخمر , و تربية الفهود والقرود , و الكلاب … الخ . نسب قريش لمصعب الزبيري (ص325 )و كتاب الإمامة والسياسة المنحول لابن قتيبة(3/3:1 )و تاريخ اليعقوبي(2/221 )و كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي (7/35 )و مروج الذهب للمسعودي (1/55 )و انظر حول هذ الافتراءات كتاب : صورة يزيد بن معاوية في الروايات الأدبية فريال بنت عبد الله (ص 3:- 322 ) . و لكننا نرى أن مثل هذ الأوصاف لا تمثل الواقع الحقيقي لما كانت عليه حياة يزيد بن معاوية , فالإضافة إلى ما سبق أن أوردنا عن الجهود التي بذلها معاوية في تنشئة وتأديب يزيد , نجد رواية في مصادرنا التاريخية قد تساعدنا في دحض مثل تلك الآراء . فيروي البلاذري أن محمد بن علي بن أبي طالب - المعروف بابن الحنفية - دخل يوماً على يزيد بن معاوية بدمشق ليودعه بعد أن قضى عند فترة من الوقت , فقال له يزيد , و كان له مكرماً : يا أبا القاسم , إن كنت رأيت مني خُلُقاً تنكر ن ز عت عنه , و أتيت الذي تُشير به علي ؟ فقال : والله لو رأيت منكراً ما وسعني إلاّ أن أنهاك عنه , وأخبرك بالحق لله فيه , لما أخذ الله على أهل العلم عن أن يبينو للناس ولا يكتمو , وما رأيت منك إلاّ خيراً . أنساب الأشراف للبلاذري (7/35. ) و يروي ابن كثير أن عبد الله بن مطيع- كان داعية لابن الزبير - مشى من المدينة هو و أصحابه إلى محمد ابن الحنفية فأرادو على خلع يزيد فأبى عليهم , فقال ابن مطيع : إن يزيد يشرب الخمر و يترك الصلاة و يتعدى حكم الكتاب , فقال محمد ما رأيت منه ما تذكرون , قد حضرته و أقمت عند فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل

عدد الصفحات ١٢١

عليهم , فقال ابن مطيع : إن يزيد يشرب الخمر و يترك الصلاة و يتعدى حكم الكتاب , فقال محمد ما رأيت منه ما تذكرون , قد حضرته و أقمت عند فرأيته مواظباً على الصلاة متحرياً للخير يسأل عن الفقه ملازماً للسنة , قالوا : ذلك كان منه تصنعاً لك , قال : و ما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع ؟ ثم أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر , فلئن كان أطلعكم على ذلك فإنكم لشركاؤ , و إن لم يكن أطلعكم فما يحل لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا , قالوا : إنه عندنا لحق و إن لم نكن رأينا , فقال لهم : أبى الله ذلك على أهل الشهادة , و لست من أمركم في شيء . البداية و النهاية (3/211 )و تاريخ الإسلام– حوادث سنة 3-31هـ– (ص254 )و قد حسّن الأخ محمد الشيباني إسناد انظر مواقف المعارضة من خلافة يزيد بن معاوية (ص134. )

عدد الصفحات ١٢١

كما أن مجرد موافقة عدد من كبار الشخصيات الإسلامية , من أمثال عبد الله بن الزبير و عبد الله ابن عباس و ابن عمر و أبو أيوب الأنصاري , على مصاحبة جيش يزيد في سير نحو القسطنطينية فيها خير دليل على أن يزيد كان يتميز بالاستقامة , و تتوفر فيه كثير من الصفات الحميدة , ويتمتع بالكفاءة والمقدرة لتأدية ما يوكل إليه من مهمات ؛ وإلا لما وافق أمثال هؤلاء الأفاضل من الصحابة أن يتولى قيادتهم شخص مثل يزيد . و بالرغم من كل ما سبق أن أوردنا من روايات , فإن أحد المؤرخين المحدثين قد أعطى حكماً قاطعاً بعدم أهلية يزيد للخلافة , دون أن يناقش الآراء التي قيلت حول هذا الموضوع , أو أن يقدم أي دليل تاريخي يعضد رأيه , ويمضي ذلك المؤرخ المحدث في استنتاجاته , فيرى أن معاوية لم يبايع لولد يزيد بولاية العهد , إلاّ مدفوعاً بعاطفة الأبوة . أنظر كتاب : موسوعة التاريخ الإسلامي لأحمد شلبي (2/4:-45 ,73 . ) لكننا نجد وجهة النظر التي أبداها الأستاذ محب الدين الخطيب- حول هذ المسألة - جديرة بالأخذ بها للرد على ما سبق , فهو يقول : إن كان مقياس الأهلية لذلك أن يبلغ مبلغ أبي بكر وعمر في مجموع سجاياهما , فهذا ما لم يبلغه في تاريخ الإسلام , ولا عمر بن عبد العزيز , و إن طمعنا بالمستحيل و قدرنا إمكان ظهور أبي بكر آخر و عمر آخر , فلن تتاح له بيئة كالبيئة التي أتاحها الله لأبي بكر و عمر , و إن كان مقياس الأهلية , الاستقامة في السيرة , و القيام بحرمة الشريعة , والعمل بأحكامها , و العدل في الناس , و النظر في مصالحهم , والجهاد في عدوهم , وتوسيع الآفاق لدعوتهم , والرفق بأفرادهم و جماعاتهم , فإن يزيد يوم تُمحّص أخبار , و يقف الناس على حقيقة حاله كما كان في حياته , يتبين من ذلك أنه لم يكن دون كثيرين ممن تغنى التاريخ بمحامدهم , و أجزل الثناء عليهم . حاشية العواصم من القواصم لابن العربي (ص223 .) و نجد أيضاً في كلمات معاوية نفسه ما يدل على أن دافعه في اتخاذ مثل هذ الخطوة هو النفع للصالح العام و ليس الخاص , فقد ورد على لسانه قوله : اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله , فبلغه ما أملت و أعنه , و إن كانت إنما حملني حبّ الوالد لولد , وأنه ليس لما صنعت به أهلاً , فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك . تاريخ الإسلام للذهبي – عهد معاوية بن أبي سفيان – (ص3:5 )و خطط الشام لمحمد كرد علي(3/315. ) و يتبين من خلال دراسة هذ الفكرة– أي فكرة تولية يزيد ولاية العهد من بعد أبيه - , أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان محقاً فيما ذهب إليه , إذ أنه باختيار لابنه يزيد لولاية العهد من بعد , قد ضمن للأمة الإسلامية وحدتها , و حفظ لها استقرارها , و جنبها حدوث أية صراعات على مثل هذا المنصب . و قد اعترف بمزايا خطوة معاوية هذ , كل من ابن العربي , أنظر: العواصم من القواصم (ص223-225 . ) و ابن خلدون الذي كان أقواهما حجة , إذا يقول: والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون سوا , إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس , واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل و العقد عليه - و حينئذ من بني أمية - ثم يضيف قائلاً : و إن كان لا يظن بمعاوية غير هذا , فعدالته و صحبته مانعة من سوى ذلك , و حضور أكابر الصحابة لذلك , وسكوتهم عنه , دليل على انتفاء الريب منه , فليسوا ممن تأخذهم في الحق هوادة , وليس معاوية ممن تأخذ العزة في قبول الحق, فإنهم - كلهم - أجلّ من ذلك , و عدالتهم مانعة منه . المقدمة لابن خلدون (ص231-233. ) و يقول في موضع آخر: عهد معاوية إلى يزيد , خوفاً من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم , فلو قد عهد إلى غير اختلفوا عليه , مع أن ظنهم كان به صالحاً , ولا يرتاب أحد في ذلك , ولا يظن بمعاوية غير , فلم يكن ليعهد إليه , و هو يعتقد ما كان عليه من الفسق , حاشا لله لمعاوية من ذلك .

عدد الصفحات ١٢٢