المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المجوسيه الرافضيه الشيعيه الصفويه الإيرانيه

أبوعبدالله الحذيفي

صفحة ٧ من ٣٨

4 – الدكتور: طه حسين , يقف طه حسين عل رأس الكتّاب المحدثين الذين شككوا في وجود ابن سبأ بل و أنكروه . أنظر كتاب الفتنة الكبرى – عثمان – ( ص 468 ), و علي و بنوه( ص 14 . )يذكر أن زوجة طه حسين و سكرتيره(و كلاهما نصرنيان) ذكرا أن طه حسين تنصر في باريس! 8 - الدكتور: علي سامي النشار , و هو يأتي بعد طه حسين في إنكاره لشخصية ابن سبأ واعتبارها شخصية وهمية . راجع كتاب نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام (8 /66 – 61 . ) 6 - الدكتور: حامد حنفي داود , و هو من الذين تأثروا بكتابات الشيعة حول شخصية ابن سبأ فأنكر وجودها , و ذلك عندما قام بكتابة المقدمة المتعلقة بكتاب ( عبد الله بن سبأ و أساطير أخرى ) و من ضمن ما قال : ( و أخيراً يسرني أن أعلن إعجابي بهذا السفر الجليل لصاحبه العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري ) , أما رأيه في عبد الله بن سبأ فأوضحه بقوله : ( و لعل أعظم هذه الأخطاء التاريخية التي أفلتت من زمام هؤلاء الباحثين وغمّ عليهم أمرها فلم يفقهوها و يفطنوا إليها هذه المفتريات التي افتروها على علماء الشيعة حين لفقوا عليهم قصة عبد الله بن سبأ فيما لفقوه من قصص . (4 /46 ,84 . ) و ضمن كتابه: التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية ( ص 46 . ) 1 – و هناك أيضاً الدكتور: محمد كامل حسين في كتابه : أدب مصر الفاطمية ( ص 7 . ) 1 – و أيضاً: عبد العزيز الهلابي في كتابه عبد الله بن سبأ ( ص 76 ), حيث حجب هذا الشخص الغموض الذي أثاره غيره من المشككين في وجود ابن سبأ فلازم الإنكار . 8 – و الشيء بالشيء يذكر يعتبر الأستاذ حسن بن فرحان المالكي (شيعي المذهب ) تلميذ المذكور أعلاه من المنكرين لوجود ابن سبأ , و في أحيان أخرى ينكر دور ابن سبأ في الفتنة . راجع كلامه في جريدة المسلمون الأعداد ( 817 ,816 . ) 7 - ومن المنكرين و المتشكيين والمترددين في إثبات و نفي شخصية عبد الله بن سبأ , الدكتور : جواد علي في مقال له بعنوان ( عبد الله بن سبأ ) منشور في مجلة المجمع العلمي العراقي المجلد السادس ( ص 61 ,444 )و أيضاً في مجلة الرسالة العدد( 776 ( )ص841-844 . ) 6 - و أيضاً الدكتور: محمد عمارة (من مؤيدي المعتزلة و المرجئة) في كتابه الخلافة و نشأة الأحزاب الإسلامية ( ص 411-411 ), فيقول : ( وتنسب أغلب مصادر التاريخ والفكر الإسلامي إلى ابن السوداء هذا نشاط عظيماً و جهداً خرافياً ) , و يقول : ( فإن وجود ابن سبأ على فرض التسليم بوجوده ) إلى غيرها من النقولات . 1 - و الدكتور: عبد الله السامرائي في كتابه الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية ( ص 68 ), إلا أنه يثبت وجود الأفكار التي تنسب إلى عبد الله بن سبأ , من غير جزم بوجود صاحبها .

عدد الصفحات ٩٢

ب- المنكرون لوجود ابن سبأ من الشيعة :- 4 - محمد الحسين كاشف الغطاء , في كتابه أصل الشيعة و أصولها( ص 84 )يقول: ( على أنه لا يستبعد أن يكون هو – أي عبد الله بن سبأ – و مجنون بني عامر و أبو هلال .. وأمثالهم أحاديث خرافية وضعها القصاص لتزجية الفراغ و شغل أوقات الناس ) . 8 - مرتضى العسكري و له كتابان في هذا الموضوع , ينفي فيهما وجود ابن سبأ من الأصل و يعتبر مرتضى هذا من أكثر الشيعة المحدثين اهتماماً بمسألة عبد الله بن سبأ . الكتاب الأول بعنوان : ( عبد الله بن سبأ بحث حول ما كتبه المؤرخون والمستشرقون ابتداء من القرن الثاني الهجري ) . و رمز له بالجزء الأول . الكتاب الثاني بعنوان : ( عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى ) . 6 - محمد جواد مغنيه , و قد ذكر ذلك في تقديمه لكتاب عبد الله بن سبأ و أساطير أخرى لمرتضى العسكري (4/48 . )و كتاب التشيع( ص 46 . ) 1 - الدكتور علي الوردي , في كتاب و عاظ السلاطين( ص 876- 878 ), يقول: ( يخيل إلى أن حكاية ابن سبأ من أولها إلى آخرها كانت حكاية متقنة الحبك رائعة التصوير ) , و يعتبر علي الوردي صاحب بدعة القول بأن ابن السوداء و هو عمار بن ياسر رضي الله عنه , ( ص 876 . ) 1 – عبد الله الفياض في كتابه تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة( ص 11 ), يقول: ( يبدوا أنابن سبأ كان شخصية إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة ) . 8 - الدكتور كامل مصطفى الشيبي في كتاب الصلة بين التصوف والتشيع( ص 14 ), و قد تابع الدكتور علي الوردي في كلامه حول كون عمار بن ياسر هو ابن السوداء , ( ص 66 . ) 7 – طالب الرفاعي في التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية( ص 84 . ) و لعل هذا النفي شبه الجماعي من قبل أولئك الباحثين الشيعة لشخصية عبد الله بن سبأهو بغرض نفي التأثير اليهودي في عقائد الشيعة , و تبرئة ساحتهم من عبد الله بن سبأ , و لكن أنى لهم ذلك . و قد أعجبتني مقولة للدكتور سعدي الهاشمي يقول فيها : ( و بهذه النقول والنصوص الواضحة المنقولة من كتب القوم ( الشيعة ) تتضح لنا حقيقة شخصية ابن سبأ اليهودي , و من طعن من الشيعة في ذلك فقد طعن في كتبهم التي نقلت لعنات الأئمة المعصومين – عندهم – على هذا اليهودي ( ابن سبأ ) و لا يجوز و لا يتصور أن تخرج اللعنات من المعصوم على مجهول , و كذلك لا يجوز في معتقد القوم تكذيب المعصوم ) . ابن سبأ حقيقة لا خيال ( ص 78 ) . جـ– المثبتون لوجود ابن سبأ من المستشرقين :-

عدد الصفحات ٩٣

اهتم المستشرقون بمسألة عبد الله بن سبأ و درسوا ما جاء عنه , و نحن لسنا بحاجة إلى قيام أمثال هؤلاء الحاقدين لإثبات شخصية ابن سبأ لنثبت شخصيته بدورنا , لكن تطرقت لذكرهم فقط من باب بيان أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها , كما فعل أبي هريرة رضي الله عنه عندما تعلم فضل سورة آية الكرسي من إبليس لعنه الله . البخاري مع الفتح (1/167- 166 . ) 4 - المستشرق الألماني: يوليوس فلهاوزن (4611- 4146 م) , يقول : ( ومنشأ السبأية يرجع إلى زمان علي و الحسن , و تنسب إلى عبد الله بن سبأ و كما يتضح من اسمه الغريب فإنه كان أيضاً يمنياً و الواقع أنه من العاصمة صنعاء , و يقال أنه كان يهودياً ) . في كتابه : الخوارج والشيعة ( ص 474-474 . ) 8 - المستشرق: فان فلوتن ( 4688- 4146 م) , يرى أن فرقة السبأية ينتسبون إلى عبد الله بن سبأ فيقول : ( وأما السبأية أنصار عبد الله بن سبأ الذي كان يرى أحقية علي بالخلافة منذ أيام عثمان , فكان يعتقدون أن جزءاً إلهياً تجسد في علي ثم في خلفائه من بعده . السيادة العربية والشيعية و الإسرائيليات في عهد بني أمية (ص 64 . ) 6 - المستشرق الإيطالي: كايتاني ( 4681-4188 م) , يخلص هذا المستشرق في بحثه الذي نشره في حوليات الإسلام الجزء الثامن من سنة (66-61هـ) إلى أن ابن سبأ موجود في الحقيقة لكنه ينكر روايات سيف بن عمر في تاريخ الطبري والتي تشير إلى أن المؤامرة التي أطاحت بعثمان ذات أسباب دينية , كما وأنه ينكر أن تكون آراء ابن سبأ المؤلهة لعلي قد حدثت في أيامه , و ينتهي إلى القول بأن هذه الآراء وليدة تصورات الشيعة في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة . 1 - المستشرق: ليفي ديلافيدا ( المولود عام 4668م) , حيث مرّ بعبد الله بن سبأ و هو يتحدث عن خلافة علي من خلال كتاب أنساب الأشراف للبلاذري . 1 - المستشرق الألماني: إسرائيل فريد لندر , وقد كتب مقالاً عن عبد الله بن سبأ في المجلة الآشورية العددين من سنة (4141م , ص688 )و(4144م , ص86 )بعنوان: ( عبد الله بن سبأ مؤسس الشيعة وأصله اليهودي ) و قد خلص في بحثه هذا الذي يربوا على الثمانين صفحة إلى القول بأنه لا يتشكك مطلقاً في شخصية ابن سبأ . 8 – المستشرق المجري: جولد تسيهر ( 4184م) , يقول : ( كما أن الإغراق في تأليه علي الذي صاغه في مبدأ الأمر عبد الله بن سبأ ) . في كتابه : العقيدة والشريعة في الإسلام ( ص 841 . ) 7 - رينولد نكلس( 4111م) , يقول في كتابه تاريخ الأدب العربي (ص 841 ( : )فعبد بن سبأ الذي أسس طائفة السبأيين كان من سكان صنعاء اليمن , و قد قيل إنه كان من اليهود و قد أسلم في عهد عثمان و أصبح مبشراً متجولاً ) . 6 - داويت. م . رونلدسن , يقول : ( فقد ظهر منذ زمن عثمان داعية متنقل اسمه عبد الله بن سبأ قطع البلاد الإسلامية طولاً و عرضاً يريد إفساد المسلمين كما يقول الطبري ) . عقيدة الشيعة ( ص 61 . )

عدد الصفحات ٩٤

1 - المستشرق الإنجليزي: برنارد لويس , فهو يرى أن عبد الله بن سبأ هو أصل التشيع . راجع كلامه في كتابه : أصول الإسماعيلية ( ص 68 . ) هذه أهم الكتابات الاستشراقية في موضوع عبد الله بن سبأ , و هناك غير هؤلاء الكثير , راجع للأهمية كتاب : عبد الله بن سبأ و أثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام للدكتور سليمان العودة ( ص 76 . ) أما المنكرون لشخصية ابن سبأ من المستشرقين , فهم فئة قليلة و الذين وقفوا في شخصية ابن سبأ و أصبحت عندهم مجرد خرافة و محل شك , و ليس هناك من داع لذكرهم , لعدم انتشار أفكارهم بخلاف المثبتين فهم من المستشرقين المعروفين والذين يعتمد عليهم الكثير ممن تأثر بفكر الاستشراق , و كان هدف هؤلاء المستشرقين من ذلك التشكيك أو الإنكار هو ادعاء أن الفتن إنما هي من عمل الصحابة أنفسهم , و أن نسبتها إلى اليهود أو الزنادقة هو نوع من الدفاع عن الصحابة لجأ إليها الإخباريون والمؤرخون المسلمون ليعلقوا أخطاء هؤلاء الصحابة على عناصر أخرى , على أن إنكار بعضهم لشخصية ابن سبأ إنما يرجع إلى رغبتهم في الانتهاء إلى النتيجة التالية : لا حاجة لمخّرب يمشي بين الصحابة , فقد كانت نوازع الطمع و حب الدنيا والسلطة مستحوذة عليهم , فراحوا يقاتلون بعضهم عن قصد و تصميم , و القصد من ذلك الإساءة إلى الإسلام و أهله , و إلقاء في روع الناس أن الإسلام إذا عجز عن تقويم أخلاق الصحابة و سلوكهم وإصلاح جماعتهم بعد أن فارقهم الرسول صلى الله عليه وسلم بمدة وجيزة , فهو أعجز أن يكون منهجاً للإصلاح في هذا العصر . أنظر : تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة للدكتور : محمد أمحزون (4/641 . ) -------------------------------------------------------------------------------- ثالثاً: أسباب إنكار إبن سبأ عند بعض المبطلين : أولاً : قالوا : إعراض المؤرخين عن ذكر ابن سبأ أو ابن السوداء في حرب صفين , و كونه غاب عنها , و كيف له أن يغيب عن هذا المعركة و هو الذي كان يصول و يجول في حرب الجمل , لهذا لم يستطع المؤرخون الإجابة على هذا السؤال المحير ! و هذا مما يدل على أن غير موجود . الرد عليه : إن المؤرخين عند حديثهم عن موضوع معين لا يلتزمون بذكر كل تفاصيل ما جرى في الأحداث والوقائع التي ذكروها في كتبهم , هذا على افتراض مشاركة ابن سبأ في حرب صفين , و على افتراض عدم مشاركته في حرب صفين , هل يعد ذلك دليلاً على عدم وجوده , فيعارض به ما أثبته المؤرخون من وجود ابن سبأ و ما كان له من دور ؟! و في اعتقادي أن هذه الشبهة لا تقوى على ما أثبته المؤرخون والمحققون من سنة و شيعة من وجود ابن سبأ .

عدد الصفحات ٩٥

ثانياً: قالوا : إن أخبار ابن سبأ إنما انتشرت بين الناس عن طريق الطبري , والطبري أخذها عن سيف بن عمر , إذاً فسيف هو المصدر الوحيد لأخبار ابن سبأ , و سيف هذا كذاب ضعفه علماء الجرح والتعديل . الرد عليه و سيكون على ثلاثة فروع :- أ – كون الطبري هو المصدر الوحيد لأخبار ابن سبأ , و هذه الأخبار جميعها جاءت من طريق سيف بن عمر . الرد : هذه شبهة باطلة إذ لم ينفرد الطبري وحده بروايات سيف , بل هناك روايات لسيف تتحدث عن ابن سبأ لا توجد عند الطبري , و مثاله : 4 - من طريق ابن عساكر( ت 174هـ) في تاريخه (81/1 ), وقد أورد رواية من طريق سيف بن عمر ليست عند الطبري . 8 - من طريق المالقي( ت 714هـ) في كتابه التمهيد و البيان ( ص 11 )و قد أورد رواية ليست عند الطبري من طريق سيف بن عمر . 6 - من طريق الذهبي( ت 716هـ) في كتابه تاريخ الإسلام ( 8/488-486 )و هذه الرواية أيضاً غير موجودة في الطبري . فهذه الطرق الثلاثة تدلنا على أن الطبري لم ينفرد بروايات سيف بن عمر عن ابن سبأ , و أنه ليس المصدر الوحيد لهذه الأخبار . ب – كون سيف بن عمر هو المصدر الوحيد لأخبار ابن سبأ . الرد : هذه الشبهة أيضاً غير صحيحة , فقد ثبتت روايات ذكر فيها ابن سبأ لم يكن سيف في سندها , و إن الذي يتبين لنا من خلال البحث والتنقيب أن سيف بن عمر ليس هو المصدر الوحيد لأخبار عبد الله بن سبأ , و سأورد هنا عدد من النصوص لابن عساكر تذكر ابن سبأ لا ينتهي سندها إلى سيف بن عمر , و قد اخترت تاريخ ابن عساكر بالذات لأنه يعتمد في روايته للأخبار على السند كما هو حال الطبري في تاريخه . الرواية الأولى : ذكرها ابن عساكر بسنده إلى الشعبي , قال : أول من كذب عبد الله بن سبأ . الرواية الثانية : ذكرها ابن عساكر بسنده إلى عمار الدهني , قال : سمعت أبا الطفيل يقول : رأيت المسيب بن نجبة أتى به يلببة - يعني ابن السوداء - , و علي على المنبر , فقال علي : ما شأنه ؟ فقال : يكذب على الله وعلى رسوله . الرواية الثالثة : ذكرها ابن عساكر بسنده إلى زيد بن وهب عن علي قال : ما لي و ما لهذا الحميت الأسود ؟ . الرواية الرابعة : ذكرها ابن عساكر بسنده إلى شعبة عن سلمة قال : قال سمعت أبا الزعراء يحدث عن علي عليه السلام قال : ما لي وما لهذا الحميت الأسود ؟ .

عدد الصفحات ٩٦

الرواية الخامسة: ذكرها ابن عساكر بسنده إلى شعبة عن سلمة بن كهيل عن زيد قال : قال علي بن أبي طالب ما لي ولهذا الحميت الأسود ؟ - يعني عبد الله بن سبأ – وكان يقع في أبي بكر وعمر . الرواية السادسة : ذكرها ابن عساكر بسنده إلى سلمة بن كهيل عن حجية بن عدي الكندي قال : رأيت علياً كرم الله وجهه وهو على المنبر , وهو يقول : من يعذرني من هذا الحميت الأسود , الذي يكذب على الله ورسوله ؟ - يعني ابن السوداء – لولا أن لا يزال يخرج عليّ عصابة تنعى عليّ دمه كما أدّعيت عليّ دماء أهل النهر , لجعلت منهم ركاماً . الرواية السابعة : ذكرها ابن عساكر بسنده إلى أبو الأحوص عن مغيرة عن سماك قال : بلغ عليا أن ابن السوداء ينتقص أبا بكر وعمر , فدعا به , ودعا بالسيف - أو قال : فهمّ بقتله - فكُلّم فيه , فقال : لا يساكني ببلد أنا فيه . قال : فسيره إلى المدائن . تاريخ دمشق لابن عساكر ( 81 / 7-44 . ) للمزيد حول ورود روايات عبد الله بن سبأ من غير طريق سيف بن عمر راجع ما ذكرناه سابقاً. جـ – كون سيف بن عمر ( ت 464هـ) كذاب ضعفه علماء الجرح والتعديل . الرد : مكانة سيف بن عمر (ت 464هـ) بين الجرح والتعديل , حتى تكون الصورة واضحة للقارئ . أولاً : سيف بن عمر محدثاً :- يقول النسائي في الضعفاء والمتروكين ( ص 41 ( : )سيف بن عمر الضبي ضعيف) . وذكر ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ( 8/876 )أن سيف بن عمر: ( متروك الحديث , يشبه حديثه حديث الواقدي ) . و عند ابن معين في نفس المصدر (8/876 )أن سيفاً ضعيف الحديث . و ذكره الذهبي فيمن له رواية في الكتب الستة , واكتفى بالقول : ( ضعفه ابن معين و غيره ) .الكاشف (4/148 . )و في المغني في الضعفاء ( ص 818 )قال الذهبي: ( سيف بن عمر التميمي الأسدي له تواليف متروك باتفاق ) . و عند ابن حجر في التقريب (4/611 ( : )سيف ضعيف الحديث ) . و يقول ابن حبان في المجروحين (4/611 ( : )سيف بن عمر الضبي الأسدي من أهل البصرة اتهم بالزندقة .. يروي الموضوعات عن الأثبات ) . هذا بالنسبة لسيف بن عمر و كونه محدثاً , لكن فما عساه يكون إخبارياً مؤرخاً ؟! هنا لا بد و قبل أن أذكر أقوال أهل العلم فيه أن أنبه أنه لا بد من التفريق بين رواية ( الحديث ) و رواية الأخبار الأخرى , فعلى الأولى تبنى الأحكام و تقام الحدود , فهي تتصل مباشرة بأصل من أصول التشريع , و من هنا تحرز العلماء –رحمهم الله – في شروط من تأخذ عنه الرواية , لكن يختلف الأمر بالنسبة لرواية الأخبار , فهي وإن كانت مهمة – لا سيما حينما يكون مجالها الإخبار عن الصحابة – إلا أنها لا تمحص كما يمحص الحديث , و من هنا فلا بد من مراعاة هذا القياس و تطبيقه على ( سيف ) بكونه محدثاً , و إخبارياً . راجع للأهمية كتاب : تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة محمد أمحزون (4/68-416 )فقد تحدث عن هذا الموضوع فأجاد.

عدد الصفحات ٩٧

نعود إلى كتب الرجال نفسها فنجد الآتي:- يقول الذهبي في ميزان الاعتدال (8/811 ( : )كان إخبارياً عارفاً) . و يقول ابن حجر في تقريب التهذيب ( 4/611 ( : )عمدة في التاريخ) . أما اتهام ابن حبان لسيف بالزندقة فيجيب عنه ابن حجر في التقريب (4/611 )بقوله: ( أفحش ابن حبان القول فيه ) . ولا يصح اتهام سيف بالزندقة دون دليل , إذ بكيف نفسر رواياته في الفتنة و حديثه عما جرى بين الصحابة , فأسلوبه الذي روى به تلك الأحداث أبعد ما يكون عن أسلوب الزنادقة , و هو الذي فضح و هتك ستر الزنادقة أمثال ابن سبأ !! و بعد هذا لا يشك أحد أن رواية سيف مرشحة على غيره من الإخباريين أمثال أبي مخنف و الواقدي وابن الكلبي , و غيرهم الكثير , فإن روايات سيف تتفق و تنسجم مع الروايات الصحيحة المروية عن الثقات , علاوة على أنها صادرة و مأخوذة عمن شاهد تلك الحوادث أو كان قريباً منها . للمزيد حول هذا الموضوع راجع كتاب : استشهاد عثمان و وقعة الجمل رواية سيف بن عمر , للدكتور خالد بن محمد الغيث ( ص 41- 14 ), و عبد الله بن سبأ و أثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام للدكتور :سليمان العودة ( ص 441- 444 . ) ثالثاً: قالوا : لم يكن لابن سبأ وجود , و إنما هو في الحقيقة شخصية رمزت لعمار بن ياسر , ثم ساقوا عدد من الدعائم التي تؤيد هذا القول , منها :- 4 - كان ابن سبأ يعرف بابن السوداء , و عمار كان يكنى بابن السوداء أيضاً. 8 - كلاهما من أب يماني , و ينسبون إلى سبأ بن يشجب أصل أهل اليمن. 6 - كلاهما كان شديد الحب لعلي , و من محرضي الناس على بيعته. 1 - ذهاب عمار إلى مصر أيام عثمان وأخذ يحرض الناس على عثمان , و مثل هذا ينسب إلى ابن سبأ . 1 - ينسب إلى ابن سبأ القول بأن عثمان أخذ الخلافة بغير حق , و أن صاحبها الشرعي هو علي , و هذا نفسه كان يقول به عمار . 8 - و يشترك الاثنان في عرقلة مساعي الصلح في معركة الجمل. 7 - قالوا عن ابن سبأ أنه هو المحرك لأبي ذر في دعوته الاشتراكية ! و صلة عمار بأبي ذر وثيقة جداً . الرد : هذا الرأي الذي خلصوا إليه , إنما يدل على جهل صاحبه , و هذا الرأي ترده كتب الجرح والتعديل و كتب الرجال الموثقة عند الشيعة , فهي تذكر عمار بن ياسر ضمن أصحاب علي والرواة عنه , و هو أحد الأركان الأربعة عندهم , ثم هي تذكر في موضع آخر ترجمة عبد الله بن سبأ في معرض السب واللعنة . أنظر : رجال الطوسي ( ص 18 ,14 )و رجال الحلي ( ص 811 ,181 . )فهل يمكن اعتبار الرجلين شخصية واحدة بعد ذلك ؟! كما وأن عوامل توافق الشخصيتين ذهاب كل منهما إلى مصر زمن عثمان , فإن استقراء النصوص ومعرفة تاريخها يعطي مفهوماً غير الذي فهمه النافين لوجود ابن سبأ , و بالتالي

عدد الصفحات ٩٨

ينتصب هذا العامل دليلاً على استقلال كل من الشخصيتين , فعمار إنما بعثه عثمان إلى مصر سنة ( 61هـ) , بينما كان ظهور ابن سبأ سنة ( 64هـ) كما في الطبري (1/814 ), و هو الذي ساق الخبرين , و شيء آخر و هو أن الطبري نفسه أورد أن من الذين استمالوا عماراً في مصر قوم منهم عبد الله بن سبأ . الطبري (1/614 ), وانظر أيضاً: البداية والنهاية لابن كثير (7/487 )و الكامل في التاريخ لابن الأثير(6/77 )و تاريخ ابن خلدون ( 8/4461 )فهؤلاء هو كبار المؤرخين و هم جميعاً أثبتوا الشخصيتين ؛ شخصية ابن سبأ و شخصية عمار بن ياسر , فكيف لعاقل بعد ذلك أن يقول إنهما شخص واحد ؟! و أما قولهم بأن عمار كان يمانياً , فكل يماني يصح أن يقال له ابن سبأ , فهذا غير صحيح , فليست سبأ إلا جزءاً من بلاد اليمن الواسعة كما قال بذلك ياقوت في معجم البلدان (6/464 . ) وأما قولهم بأن عمار كان يقول بأن عثمان قد أخذ الخلافة بغير حق , و أن صاحبها الشرعي هو علي , فإن هذه المقولة زَعْم يحتاج إلى دليل , بل الثابت أن عثمان رضي الله عنه كان يثق بعمار و هو الذي أرسله إلى مصر لضبط أمورها . راجع الطبري ( 1/614 . ) كما وأن التشابه في الكنى لا يجعل من الرجلين شخصية واحدة , كما وأن الظروف التاريخية وطابع كل من الشخصيتين لا تسمحان لنا بقبول هذا الرأي . وإن نظرة واحدة إلى كتب التراجم والرجال لتعطي القارئ فكرة واسعة في سبب قيام علماء الجرح والتعديل بتأليف الكتب التي تحتوي على المتشابه من الأسماء والكنى . و شيء مهم آخر و هو أن عمار قتل يوم صفين , في حين بقي ابن سبأ إلى بعد مقتل علي رضي الله عنه , فهل بعد هذا يكون عمار بن ياسر هو عبد الله بن سبأ ؟! رابعاً : قالوا : لم يكن لابن سبأ وجود في الحقيقة , و إنما هو شخصية وهمية انتحلها أعداء الشيعة بهدف الطعن في مذهبهم و نسبته إلى رجل يهودي . الرد : إن هذه دعوى لا تقوم عليها حجة , فكما أنكم ادعيتم هذا , فلغيركم أيضاً أن يدعي ما شاء , لكن العبرة بالحجة والدليل , فزعمكم أن هذه القصة قد اختلقها أهل السنة للتشنيع على الشيعة , ليس لها دليل , و قد كان عليكم قبل أن تلقوا بظلال الشك جزافاً – و ذلك دأبكم – أن تتأكدوا على الأقل من أن هذه القصة لم ينفرد بها أهل السنة فقط , فهذا الزعم باطل لأن مصادر الشيعة هي الأخرى أثبتت – كما سلف – وجود ابن سبأ . و بهذا يسقط اعتراضكم على القصة بزعمكم أنها من مفتريات أهل السنة . و بعد هذا الذي ذكرت و هذه الشبهات التي أبطلت , أستطيع أن أقول : إن سبب إنكار الشيعة لوجود ابن سبأ إلى عقيدتهم التي بثها و تسربت إلى فرق الشيعة , و هي عقيدة تتنافى مع أصول الإسلام , و تضع القوم موضع الاتهام والشبهة , هذا من جهة , و من جهة أخرى لما للعداء التاريخي في نفوس الشيعة نحو الصحابة , و رغبة لإظهارهم بأنهم هم الذين أثاروا الفتنة بينهم . و في الختام يتأكد بعد استقراء المصادر سواء القديمة والمتأخرة عند السنة والشيعة أن وجود عبد الله بن سبأ كان وجوداً حقيقياً تؤكده الروايات التاريخية , و تفيض فيه كتب العقائد , و

عدد الصفحات ٩٩

ذكرته كتب الحديث والرجال والأنساب والطبقات و الأدب واللغة , و سار على هذا النهج كثير من المحققين والباحثين المحدثين. أحداث فتنة إبن سبأ اليهودي انتهينا في المقالة السابقة من الرد على حجج منكري وجود ابن سبأ , و خرجنا بأن هذه الشخصية مهما حاول أعداء الدين من رافضة و مستشرقين و من تشبه بهم من القوم , أن ينكر وجودها لم يوفق لأن الواقع والتاريخ يكذبه . والآن نبدأ مشوارنا ومع دور هذا اليهودي في إشعال نار الفتنة على عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه , كما وأحب أن أنبه أنه وأثناء الحديث قد لا نتطرق لذكر ابن سبأ في بعض الأحيان , و هذا لا يعني أنه غير موجود أو أنه ليس له دور , بل ثبت بالدليل الصحيح الصريح أن اليد الخفية التي كانت تدير المؤامرة و تحرك الفتنة , هي يد ذلك اليهودي الخبيث عبد الله بن سبأ , كما وأننا لن نتطرق أيضاً لذكر المآخذ التي أخذت على عثمان بزعم مثيري الفتنة . نشوء الفتنة : بذور الفتنة : السبب الرئيسي , رجل يقال له عبد الله بن سبأ : و شهرته ابن السوداء لأن أمه كانت سوداء من الحبشيات . و هو من صنعاء و كان يهودياً من يهود اليمن . أظهر الإسلام و باطنه الكفر , ثم انتهج التشيع لعلي رضي الله عنه , و هو الذي تنسب إليه فرقة السبئية الذين قالوا بألوهية علي و خبر إحراق علي بن أبي طالب رضي الله عنه لطائفة منهم تكشف عنه الروايات الصحيحة في كتب الصحاح و السنن و المساند . انظر: المحبَّر لابن حبيب ( ص646 . )تاريخ الطبري (1/614 . )و تاريخ دمشق لابن عساكر(81/6 )و كتاب: ابن سبأ حقيقة لا خيال لسعدي مهدي الهاشمي , و كتاب عبد الله بن سبأ و أثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام لسليمان العودة , و مقال حقيقة ابن السوداء في جريدة المسلمون للدكتور سليمان العودة , العدد (818-816 . )و خبر إحراقهم عند : أبو داود في سننه (1/184 )و النسائي (7/441 )و الحاكم في المستدرك (6/166-161 )و صححه الألباني في صحيح أبي داود(6/688 . ) فلما رأى هذا الرجل أن أمر الإسلام بدأ ينتشر بهذه الصورةو بدأ يظهر , رأى أن هذا الأمر ليس له إلا فتنة من داخله , و كان بمنتهى الخبث , فأول ما بدأ , بدأ بالمدينة , و كانت المدينة يومها ملأى بالعلماء , فدُحر بالعلم , كلما رمى شبهة رُد عليها , فمن شبهه أنه أظهر بعض العقائد اليهودية , مثل القول بالرجعة ؛ أي رجعة الرسول صلى الله عليه وسلم و استدل بقوله تعالى :{إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد }(القصص61 ), و ذكر تعجبه للناس ممن يصدق برجعة عيسى عليه السلام و يكذب برجعة محمد صلى الله عليه وسلم , و ما كان قوله هذا إلا وسيلة للوصول إلى ما هو أكبر من ذلك , حيث قال بعد ذلك برجعة علي رضي الله عنه و أنه سيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً , و هكذا . انظر : عبد الله بن سبأ و دوره في أحداث الفتنة في

عدد الصفحات ١٠٠

صدر الإسلام لسليمان العودة(ص846 ), واستشهاد عثمان و وقعة الجمل لخالد الغيث( ص 74- 68 . ) و للرد عليهم أشير إلى أن الآية التي استدل بها السبئية دليل عليهم , و قد نقل ابن كثير في تفسيره (6/611 ), أقوال العلماء في ذلك , فمنهم من يقول: رادك يوم القيامة فيسألك عما استرعاه من أعيان أعباء النبوة . و منهم من يقول : رادك إلى الجنة , أو إلى الموت , أو إلى مكة . و قد أورد البخاري عن ابن عباس القول بالرد إلى مكة . البخاري مع الفتح (6/681 )و الطبري في التفسير (44/64-64 . ) و قد سأل عاصم بن ضمرة(ت71هـ) الحسن بن علي فيما يزعمه الشيعة بأن علياً رضي الله عنه سيرجع , فقال : كذب أولئك الكذّابون , لو علمنا ذلك ما تزوج نساؤه و لا قسمنا ميراثه . المسند (4/416 . ) و في الطبقات لابن سعد(6/61 . )ورد ذكر السبئية و أفكار زعيمها و إن كان لا يشر إلى ابن سبأ بالاسم , فعن عمرو ابن الأصم قال : ( قيل للحسن بن علي : إن ناساً من شيعة أبي الحسن علي رضي الله عنه يزعمون أنه دابة الأرض و أنه سيبعث قبل يوم القيامة , فقال : كذبوا ليس أولئك شيعته , أولئك أعداؤه لو علمنا ذلك ما قسمنا ميراثه و لا أنكحنا نساءه . ومن أقوال ابن سبأ أيضاً القول بالوصية و الإمامة . يقول الشهرستاني في الملل و النحل (4/471 ) :إن ابن سبأ هو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي. ويذكر شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (1/161 : )أن أصل الرفض من المنافقين الزنادقة , فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق و أظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة و النص عليه , و ادّعى العصمة له . و في خطط المقريزي (8/618-617 : )أن عبد الله بن سبأ قام في زمن علي رضي الله عنه مُحدِثاً القول بالوصية و الرجعة و التناسخ . و من المحدثين الشيعة الذين ذكروا فكرة الوصي , محمد بن يعقوب الكليني (ت681هـ) في كتابه الكافي في الأصول , حيث أورد النص التالي : ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء , و لن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد صلى الله عليه و آله , و وصية علي عليه السلام . أنظر : السنة و الشيعة لإحسان إلهي ظهير (ص11 . ) و هذا الغلو في علي بن أبي طالب رضي الله عنه يعد مصداقاً لما جاء في كتاب السنة لابن أبي عاصم بسند صحيح على شرط الشيخين (8/178-177 ), حيث أخرج من طريق علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ليحبني قوم حتى يدخلوا النار فيِّ , و ليبغضني قوم حتى يدخلوا النار في بغضي . وقد علق الشيخ الألباني على هذا الحديث قائلاً : و اعلم أن هذا الحديث موقوف على علي بن أبي طالب , و لكنه في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه من الغيب الذي لا يعرف بالرأي . و خلاصة ما جاء به ابن سبأ , أنه أتى بمقدمات صادقة و بنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السذّج و الغلاة و أصحاب الأهواء من الناس , و قد طرق باب القرآن يتأوّله على زعمه الفاسد , كما سلك طريق القياس الفاسد في ادعاء إثبات الوصية لعلي رضي الله عنه بقوله : إنه كان ألف نبي , و لكل نبي وصي , و كان علي وصي محمد ثم قال : محمد خاتم الأنبياء و علي خاتم الأوصياء . تاريخ الطبري ( 1/614 )من طريق سيف بن عمر.

عدد الصفحات ١٠١

هنا ابن سبأ لما لم يستطع أن يكسب شخصاً واحداً توجه نحو الشام , و كانت الشام وقتها يحكمها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه , فلما توجه إليها لم يستطع أن يكسب و لو رجلاً واحداً إلى صفه , فترك الشام و توجه نحو الكوفة و إذ هي تموج بالفتن , و مكاناً خصباً لبث شبهاته . لذلك كان عمر رضي الله عنه ولى عليها المغيرة بن شعبة رضي الله عنه , حيث كان من أشد الناس ففي أيام عمر ما استطاعت أن تبرز في الكوفة فتنة , و لما تولى عثمان الخلافة عزل المغيرة و عين بدلاً عنه سعيد بن العاص رضي الله عنه وكان من بني أمية , فأهل الكوفة اعتبروا ذلك استغلالاً للمنصب ؛ فكثرت الفتن فيها , فعبد الله بن سبأ وجد أرضاً خصبة للفتن, فاستطاع أن يجمع حوله جماعة , ثم انتقل إلى البصرة فجمع فيها جماعة أخرى , و كان عددهم على أقل تقدير عند المؤرخين ستمائة رجل , و أقصاها ألف رجل , ثم انتقل إلى مصر و استطاع أن يجمع ما بين ستمائة إلى الألف من الرجال . انظر : استشهاد عثمان و وقعة الجمل من مرويات سيف بن عمر لخالد الغيث (ص78-68 ), حيث أجاد الباحث في تحليل الموقف. و استخدم ابن سبأ كذلك الأعراب , فذهب إليهم و بدأ يثير عندهم الأكاذيب حول عثمان و يستدل على قوله بكتب مزيفة كتبها هو و أعوانه على ألسنة طلحة و الزبير و عائشة , فيها التذمر على سياسة عثمان في الحكم , فصار الأعراب و هم الذين لا يفقهون من دين الله الشيء الكثير , يتأثرون بهذه الأكاذيب و يصدقونها فملئت قلوبهم على عثمان رضي الله عنه . استشهاد عثمان ( ص 67-11 . ) بعد ذلك اتجه ابن سبأ إلى هدفه المرسوم , و هو خروج الناس على الخليفة عثمان رضي الله عنه فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم فقال لهم : إن عثمان أخذ الأمر بغير حق و هذا وصي الرسول صلى الله عليه وسلم , فانهضوا في هذا الأمر فحركوه , و ابدؤوا بالطعن في أمرائكم و أظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر تستميلوا الناس , و ادعوهم إلى هذا الأمر . تاريخ الطبري (1/614 ), من طريق سيف بن عمر. و يظهر من هذا النص الأسلوب الذي اتبعه ابن سبأ , فهو أراد أن يوقع في أعين الناس بين اثنين من الصحابة حيث جعل أحدهما مهضوم الحق و هو علي , و جعل الثاني مغتصباً و هو عثمان . ثم إنه أخذ يحضّ أتباعه على إرسال الكتب بأخبار سيئة مفجعة عن مِصرهم إلى بقية الأمصار , فيتخيل أهل البصرة مثلاً أن حال أهل مصر أسوأ ما يكون من قبل واليهم , و يتخيل أهل مصر أن حال أهل الكوفة أسوأ ما يكون من قبل واليهم , و كان أهل المدينة يتلقّون الكتب من الأمصار بحالها و سوئها من أتباع ابن سبأ , وهكذا يتخيل الناس في جميع الأمصار أن الحال من السوء مالا مزيد عليه , و المستفيد من هذه الحال هم السبئية , لأن تصديق ذلك من الناس يفيدهم في إشعال شرارة الفتنة داخل المجتمع الإسلامي . هذا و قد شعر عثمان رضي الله عنه بأن شيئاً ما يحاك في الأمصار و أن الأمة تمخض بشرّ فقال : والله إن رحى الفتنة لدائرة , فطوبى لعثمان إن مات و لم يحركها . تاريخ الطبري (1/616 ), من طريق سيف بن عمر. روى الترمذي عن ابن عمر قال : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقال : يقتل هذا فيها مظلوماً - لعثمان بن عفان - صحيح سنن الترمذي (6/844 )و أنظر: فضائل الصحابة للإمام أحمد (4/114 . ) و روى الترمذي في سننه(1/886 )و ابن ماجة عن كعب بن عجرة قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنة فقربها , فمر رجل مقنع رأسه فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا يومئذ على الحق , فوثبت فأخذت بضبعي عثمان ثم استقبلت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : هذا ؟ قال : هذا . المسند (1/818 )و صحيح ابن ماجة(4/81-81 )و صحيح سنن الترمذي(6/844 ) و فضائل الصحابة للإمام أحمد(4/114 . )

عدد الصفحات ١٠٢

و الذي حصل أن أهل الفتنة أخذوا يتراسلون فيما بينهم , فلما رأوا أن عددهم قد كثر تواعدوا على أن يلتقوا عند المدينة في شوال من سنة (61هـ) في صفة الحجاج , فخرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء المقلّل يقول ستمائة و المكثر يقول ألف .. و لم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب , و إنما خرجوا كالحجاج و معهم ابن السوداء ..و خرج أهل الكوفة في عدد كعدد أهل مصر , و كذا أهل البصرة , و لما اقتربوا من المدينة شرعوا في تنفيذ مرحلة أخرى من خطتهم , فقد اتفق أمرهم أن يبعثوا اثنين منهم ليطلعا على أخبار المدينة و يعرفا أحوال أهلها , ذهب الرجلان فلقيا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم و علياً و طلحة و الزبير , و قالا : إنما جئنا نستعفي عثمان من بعض عمالنا , و استأذنا لرفاقهم بالدخول , فأبى الصحابة , و قال علي رضي الله عنه : لا آمركم بالإقدام على عثمان فإن أبيتم فبيض سيفرخ . الطبري (1/611-614 ), من طريق سيف بن عمر . تظاهر القوم بالرجوع و هم يبطنون أمراً لا يعلمه الناس , فوصلت الأنباء إلى أهل المدينة بانصراف أهل الفتنة فهدأ الناس , و في الليل فوجئ أهل المدينة بأهل الفتنة يدخلون المدينة من كل مكان فتجمعوا في الشوارع و هم يكبرون , فجاء علي بن أبي طالب و قال : ما شأنكم ؟ لماذا عدتم ؟ فرد عليه الغافقي بأن عثمان غدر بهم , قال كيف ؟ قال : قبضنا على رسول و معه كتاب من عثمان يأمر فيه الأمراء بقتلنا , فقال علي لأهل الكوفة و البصرة : و كيف علمتم بما لقي أهل مصر و قد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا , هذا والله أمر أبرم بالمدينة , و كان أمر الكتاب الذي زوّر على لسان عثمان رضي الله عنه اتخذو ه ذريعة ليستحلوا دمه و يحاصروه في داره إلى أن قتلوه رضي الله عنه . و فوق هذا كله فالثائرون يفصحون عن هدفهم ويقولون : ضعوه على ما شئتم , لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا و نحن نعتزله . الطبري (1/614 ), من طريق سيف بن عمر . و علاوة على ذلك هناك ما يؤكد تزوير هذا الكتاب , إذ ليس هو الكتاب الوحيد الذي يزوّر على لسان الصحابة , فهذه عائشة رضي الله عنها , تُتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي و تقول : لا والذي آمن به المؤمنون و كفر به الكافرون ما كتبت لهم سواداً في بياض حتى جلست مجلسي هذا . البداية والنهاية (7/411 )و انظر ما رواه الطبري من استنكار كبار الصحابة أنفسهم لهذه الكتب في أصح الروايات (1/611 . ) و ما تلك اليد الخفية التي كانت تخط وراء الستار لتوقع الفرقة بين المسلمين , و تضع في سبيل ذلك الكتب على لسان الصحابة و تدبر مكيدة الكتاب المرسل إلى عامل عثمان على مصر , و تستغل الأمور لتقع الفتنة بالفعل إلا يد ذلك اليهودي الخبيث و أتباعه , فهم المحركون للفتنة . --------------------------------------------------------------------------------

عدد الصفحات ١٠٣

حصار عثمان: هنا استشار عثمان كبار الصحابة في أم ر التخلي عن الخلافة لتهدأ الفتنة , و كان المغيرة بن الأخنس قد أشار عليه بالخلع لئلا يقتله الخارجون عليه , و قد سأل عثمان ابن عمر عن رأي المغيرة فنصحه بأن لا يخلع نفسه و قال له : فلا أرى لك أن تخلع قميصاً قمصكه الله فتكون سنة كلما كره قوم خليفتهم أو أميرهم قتلوه . طبقات ابن سعد (6/88 )بإسناد صحيح و رجاله رجال الشيخين , و تاريخ خليفة (ص474 )بإسناد حسن. و هناك بعض الروايات تفيد أن عثمان رضي الله عنه أرسل إلى الأمصار يطلب منهم العون بعد أن اشتد عليه التضييق و الحصار , و هذا الخبر لا يصح منه شيء , لأن منهج عثمان رضي الله عنه كان الصبر و الكف عن القتال امتثالاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له , و ذلك لحديث عائشة رضي الله عنها كما عند ابن أبي عاصم في السنة (8/184 )قالت: لما كان يوم الدار قيل لعثمان : ألا تقاتل ؟ قال : قد عاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد سأصبر عليه , قالت عائشة : فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليه فيما يكون من أمره . لهذا وضع مصلحة الرعية في المقام الأول , فعندما عرض عليه معاوية أن يبعث إليه بجيش يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياه قال رضي الله عنه : أنا لا أقتر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند يساكنهم , و أضيّق على أهل الهجرة و النصرة , فقال له معاوية : والله يا أمير المؤمنين لتغتالنّ أو لتغزينّ , فقال عثمان : حسبي الله ونعم الوكيل . الطبري (1/611 . )و حوصر عثمان بعدها في داره . يقول ابن خلدون : إن الأمر في أوله خلافة , و وازع كل أحد فيها من نفسه هو الدين و كانوا يؤثرونه على أمور دنياهم وإن أفضت إلى هلاكهم وحدهم دون الكافة , فهذا عثمان لما حصر في داره جاءه الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر و ابن جعفر و أمثالهم يريدون المدافعة عنه , فأبى و منع سلّ السيوف بين المسلمين مخافة الفرقة , و حفظاً للألفة التي بها حفظ الكلمة و لو أدّى إلى هلاكه . مقدمة ابن خلدون (ص847-846 . ) و إلى جانب صبره و احتسابه و حفظاً لكيان الأمة من التمزق و الضياع وقف عثمان رضي عنه موقفاً آخر أشد صلابة , و هو عدم إجابته الخارجين إلى خلع نفسه من الخلافة ؛ فلو أجابهم إلى ما يريدون لسنّ بذلك سنّة , و هي كلما كره قوم أميرهم خلعوه , و مما لاشك فيه أن هذا الصنيع من عثمان كان أعظم و أقوى ما يستطيع أن يفعله , إذ لجأ إلى أهون الشرين و أخف الضررين ليدعم بهذا الفداء نظام الخلافة . كان الخارجون عليه يطلبون منه ثلاثة أمور كما جاء ذلك عند ابن سعد في الطبقات (6/78-76 ) , قال عثمان للأشتر: يا أشتر ما يريد الناس مني ؟ قال : ثلاث ليس لك من إحداهن بدّ , قال : ما هن ؟ قال : يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم , فتقول هذا أمركم فاختاروا من شئتم , و بين أن تقصّ من نفسك , فإن أبيت هاتين فإن القوم قاتلوك . قال : أما ما من إحداهن بدّ ؟ قال : لا , ما من إحداهن بدّ . قال : أما أن أخلع لهم أمرهم , والله لأن أقدم فتضرب عنقي أحب إليّ من أن أخلع أمة محمد بعضها على بعض , و أما أن أقص من نفسي فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يديّ قد كان يعاقبان و ما يقوم بدّ من القصاص , و أما أن تقتلوني فوالله لئن قتلتموني لا تحابّون بعدي أبداً و لا تصلون بعدي جميعاً أبداً و لا تقاتلون بعدي عدواً جميعاً أبداً .

عدد الصفحات ١٠٤

و لهذا احتج عثمان رضي الله عنه على المحاصرين بقوله: إن وجدتم في كتاب الله - و في رواية - في الحق أن تضعوا رجليَّ في قيد فضعوها . تاريخ خليفة (ص474 )و أحمد في فضائل الصحابة (4/118 )قال المحقق: إسناده صحيح , و انظر : الطبقات (6/81-74 )بلفظ قريب. و أخرج أحمد في فضائل الصحابة (4/181 )و في المسند (4/86 )و التر مذي في السنن (1/184-184 )و ابن ماجة في السنن(8/617 )و أبو داود في سننه(1/814-814 )بإسناد حسن أن عثمان رضي الله عنه أشرف على الذين حصروه فقال : علام تقتلوني ! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث , رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم , أو قتل عمداً فعليه القود , أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل . فوالله ما زنيت في جاهلية و لا إسلام , ولا قتلت أحداً فأقيد نفسي منه , ولا ارتدت منذ أسلمت و إني اشهد ألا إله إلا الله و أن محمداً عبده و رسوله ففيما تقتلوني ؟! . و ثبت أن عثمان اتخذ موقفاً واضحاً حاسماً يتمثل في عدم المقاومة , وأنه ألزم به الصحابة فقال : أعزم على كل من رأى عليه سمعاً و طاعة إلا كفّ يده و سلاحه , فخرج كل من الحسن و الحسين و عبد الله بن عمر و أصر عبد الله بن الزبير على البقاء و معه مروان بن الحكم , فلما طلب منه ابن الزبير أن يقاتل الخارجين , قال عثمان : لا والله لا أقاتلهم أبداً . تاريخ خليفة (ص476-471 ) و مصنف ابن أبي شيبة(41/841 )و طبقات ابن سعد(6/74 )و كلهم بأسانيد صحيحة. و ممن أراد القتال دفاعاً عن عثمان الصحابي أبو هريرة و كان متقلداً سيفه , لكن عثمان لم يأذن له قائلاً : يا أبا هريرة أيسرك أن تقتل الناس جميعاً و إياي ؟ قال : لا , قال : فإنك والله إن قاتلت رجلاً واحداً فكأنما قُتل الناس جميعاً . قال أبو هريرة : فرجعت و لم أقاتل . الطبقات لابن سعد (6/74 )و تاريخ خليفة(ص476 )و إسنادهما صحيح. و استمر الحصار عليه رضي الله عنه حتى أنهم منعوا عنه الماء , فوصل الخبر إلى أمهات المؤمنين فتحركت أم حبيبة رضي الله عنها و كانت من أقارب عثمان , فأخذت الماء و جعلته تحت ثوبها , و ركبت البغل و اتجهت نحو دار عثمان , فدار بينها وبين أهل الفتنة كلام فقال الأشتر كذبت بل معك الماء و رفع الثوب فرأى الماء فغضب و شق الماء , قال كنانة مولى صفية : كنت أقود بصفية لتردَّ عن عثمان فلقيها الأشتر فضرب وجه بغلتها حتى مالت فقالت : ردوني و لا يفضحني هذا الكلب . التاريخ الكبير للبخاري (7/867 )و ابن سعد في الطبقات(6/486 )بإسناد صحيح . و كذلك الطبري (1/661-668 . ) و في رواية عند الإمام أحمد في فضائل الصحابة من طريق الحسن البصري قال: لما اشتد أمرهم يوم الدار , قال : قالوا فمن , فمن ؟ قال : فبعثوا إلى أم حبيبة فجاؤوا بها على بغلة بيضاء و ملحفة قد سترت , فلما دنت من الباب قالوا : ما هذا ؟ قالوا : أم حبيبة , قالوا : والله لا تدخل , فردوها . فضائل الصحابة (4/118. )و قال المحقق إسناده صحيح. و بعدها خرجت عائشة رضي الله عنه إلى مكة تريد الحج , و هذا ما يؤيده ابن حجر من أن عائشة كانت بمكة عندما قتل عثمان رضي الله عنه . فتح الباري (46/66 . ) و حدثت بعض المناوشات بين شباب الصحابة و الثوار فجرح خلالها بعض الصحابة أمثال الحسن بن علي و غيره , و هذا الخبر يؤيده ما ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب (6/4667 ), و البخاري في التاريخ الكبير (7/867 ), عن كنانة مولى صفية بنت حيي بن أخطب قال: شهدت مقتل عثمان , فأخرج م ن الدار أمامي أربعة من شبان قريش ملطخين بالدم محمولين , كانوا يدرؤون عن عثمان رضي الله عنه : الحسن بن علي , و عبد الله بن الزبير , و محمد بن حاطب , و مروان بن الحكم .

عدد الصفحات ١٠٥

و تتضافر روايات ضعيفة للدلالة على أن عثمان و هو محصور في الدار بعث إلى علي يطلبه , و أن علياً استجاب لأمره لكنه لم يتمكن من الوصول إلى الدار التي كان العارضون يطوقونها , فقال علي للثّوار : يأيها الناس إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين و لا أمر الكافرين فلا تمنعوا عن هذا الرجل الماء و لا الطعام فإن الروم و فارس لتأسر و تطعم و تسقي , و لكن لم يستطع أن يفعل شيئاً , فحل عمامته السوداء التي كان يرتديها و رمى بها إلى رسول عثمان , فحملها الرسول إلى عثمان فعلم عثمان أن علي حاول المساعدة لكنه لم يستطع . مصنف ابن أبي شيبة (41/841 )بسند منقطع , و طبقات ابن سعد (6/86-81 )بسند منقطع , و سند آخر منقطع مع تدليس حبيب بن أبي ثابت , و الطبري (1/668 ), انظر: عصر الخلافة الراشدة لأكرم العمري ( ص187 . ) يوم الدار.. و استمر الحصار على عثمان رضي الله عنه أياماً عديدة قدرها بعض المؤرخين بأنه من أواخر ذي القعدة إلى الثامن عشر من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين , و كان خلالها في غاية الشجاعة و ضبط النفس رغم قسوة الظروف و رغم الحصار , و لطالما كان يطل على المحاصرين و يخطب فيهم و يذكرهم بمواقفه لعلهم يلينون , لكنهم لم يفعلوا . و في يومٍ أشرف عثمان على القوم بعد أن طلبهم للاجتماع حول داره للحديث معهم , روى الترمذي , و النسائي من طريق ثمامة بن حَزْن القشيري قال : شهدت الدار حيث أشرف عليهم عثمان فقال : أنشدكم بالله و الإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينة و ليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة فقال من يشتري بئر رومة يجعل دلوه فيها كدلاء المسلمين بخير له في الجنة ؟ فاشتريتها من صلب مالي ؟ قالوا : اللهم نعم . و زاد البخاري , ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من جهز جيش العسرة فله الجنة , فجهزته قالوا : اللهم نعم . و زاد الترمذي عن أبي إسحاق , هل تعلمون أن حراء حين انتفض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أثبت حراء فليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ؟ قالوا : نعم , و هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة ؟ فاشتريتها من صلب مالي , فأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ؟ قالوا : نعم . و عند الدارقطني , و هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني ابنتيه واحدة بعد أخرى رضي بي و رضي عني ؟ قالوا : نعم . و عند الحاكم , قال لطلحة : أتذكر إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم : أن عثمان رفيقي في الجنة ؟ قال : نعم . سنن الترمذي (1/887 )و النسائي(8/866- 868 )و الدارقطني(1/417 )و المستدرك(6/17 )و الفتح(1/177-171 . ) و قال أبو هريرة رضي الله عنه للذين حاصروا عثمان رضي الله عنه يوم الدار: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنكم تلقون بعدي فتنة و اختلافاً , أو قال : اختلافاً و فتنة , فقال له قائل من الناس : فمن لنا يا رسول الله ؟ فقال : عليكم بالأمين و أصحابه , و هو يشير إلى عثمان بذلك . أنظر : فضائل الصحابة للإمام أحمد (114-114 )و قال المحقق إسناده صحيح. عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه : وددت أن عندي بعض أصحابي , قلنا : يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر ؟ فسكت . قلنا : ألا ندعو لك عمر ؟ فسكت . قلنا : ألا ندعو لك عثمان ؟ قال نعم . فجاء فخلا به , فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يكلمه , و وجه عثمان يتغير . أنظر : صحيح سنن ابن ماجة (4/81 )و قال الألباني إسناده صحيح . و عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما كان يوم الدار قيل لعثمان : ألا تقاتل ؟ قال : قد عاهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهد سأصبر عليه . قالت عائشة : فكنا نرى أن رسول الله

عدد الصفحات ١٠٦

صلى الله عليه وسلم عهد إليه فيما يكون من أمره. أنظر : كتاب السنة لابن أبي عاصم (8/184 ) و قال الألباني إسناده صحيح. و كان أهل الفتنة أثناء حصارهم لعثمان في داره و منعه من الصلاة بالناس , هم الذين يصلون بهم , و كان الذي يصلي بالناس الغافقي بن حرب . أخرج البخاري في صحيحه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن , عن عبد الله بن خيار : أنه دخل على عثمان و هو محصور فقال : إنك إمام عامة , و نزل بك ما نرى و يصلي لنا إمام فتنة و نتحرج , فقال : الصلاة أحسن ما يعمل الناس , فإذا أحسن الناس فأحسن معهم , و إذا أساءوا فاجتنب إساءتهم . البخاري مع الفتح (8/884 . ) مقتل عثمان : و قبيل مقتله يرى عثمان رضي الله عنه في المنام اقتراب أجله فيستسلم لأمر الله ؛ روى الحاكم بإسناد صحيح إلى ابن عمر رضي الله عنهما أن عثمان أصبح يحدث الناس قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال : يا عثمان ! أفطر عندنا , فأصبح صائماً و قتل من يومه . المستدرك (6 /11 )و قال هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه , و وافقه الذهبي و رواه أحمد في فضائل الصحابة من طريق آخر (4/117 )قال المحقق: إسناده حسن , و ورد بلفظ آخر عند ابن حجر في المطالب العالية (1/814 )قال المحقق: قال البوصيري رواه البزار و أبو يعلى و الحاكم و قال : صحيح الإسناد , و ذكره الهيثمي في المجمع (7/868 )و صححه الحاكم في المستدرك(6/446 ) و ذكره ابن سعد في الطبقات(6/71 . ) أخرج خليفة بن خياط في تاريخه( ص 471 )بسند رجاله ثقات إلى أبي سعيد مولى أبي أسيد قال : فتح عثمان الباب و وضع المصحف بين يديه , فدخل عليه رجل فقال : بيني و بينك كتاب الله , فخرج وتركه , ثم دخل عليه آخر فقال : بيني و بينك كتاب الله , فأهوى إليه بالسيف , فاتقاه بيده فقطعها , فلا أدري أبانها أم قطعها و لم يبنها , فقال والله إنها لأول كف خطت المفصّل . هذا ما ورد عن كيفية دخول الثوار على عثمان رضي الله عنه . و يتسور الخوارج عليه داره و تتوزع سيوفهم دماءه الطاهرة , فأخذ الغافقي حديدة و نزل بها على عثمان رضي الله عنه فضربه بها و رَكَسَ المصحف برجله فطار المصحف و استدار و رجع في حضن عثمان و سال الدم فنزل عند قوله تعالى :{فسيكفيكهمالله } (البقرة466 ), هنا أرادت نائلة زوجة عثمان أن تحميه فرفع سودان السيف يريد أن يضرب عثمان فوضعت يدها لتحميه فقطع أصابعها فولت صارخة تطلب النجدة فضربها في مؤخرتها , و ضرب عثمان على كتفه فشقه ثم نزل عليه بخنجر فضربه تسع ضربات و هو يقول : ثلاث لله و ست لما في الصدور , ثم قام قتيرة فوقف عليه بالسيف ثم اتكأ على السيف فأدخله في صدره ثم قام أشقاهم و أخذ يقفز على صدره حتى كسّر أضلاعه , هنا قام غلمان عثمان بالدفاع عنه و استطاعوا أن يقتلوا كل من سودان و قتيرة , لكن أهل الفتنة قتلوا الغلمان جميعاً و تركوا جثثهم داخل الدار , ثم قام جماعة من الصحابة و ذهبوا إلى داره و خرجوا به و دفنوه رضي الله عنه بليل في حش كوكب , وكانت مقبرة لليهود فاشتراها عثمان , و هي في ظهر البقيع فدفن فيها و لم يدفن في البقيع لعدم إذن أهل الفتنة , ثم إنه في عهد معاوية وسع البقيع و أدخل فيه المكان فصار قبر عثمان داخل البقيع . معجم البلدان (8/888 ), انظر هذا الخبر في الطبري (1/148 . )و انظر خبر دمه على المصحف في فضائل الصحابة عند أحمد(4/174-

عدد الصفحات ١٠٧