48 من قال (مُطِ رنا بفضل الله ورحمته) ؛ فذلك إيمان بالله ، لْنه يعلم أنه لا يمُ طِ ر ولا يُ عطي إلا الله عز وجل ، وأما من قال (مُ طِ رنا بنوء كذا وكذا) على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا ؛ فذلك كفرٌ كما قال رسول الله ، لْن النوء وقت ، والوقت مخلوق ، لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا ، ولا يمطر ولا يصنع شيئا . فأما من قال (مطرنا بنوء كذا) على مع و (مطرنا بوقت كذا) فإن ـما ذلك ك ـقوله (مطرنا في شهر كذا) ، ولا يكون هذا كفرا ، وغيره من الكلام أحب إلي منه. قال الشافعي رحمة الله عليه : أحب أن يقول (مُ طِ رنا في وقت كذا) .3 قوله (ولا غَول) ؛الغَولَ هو جنس الجن والشياطين ، وقد كانت العرب تظن أن الغول تتراءى للناس في الطريق وتضلهم وتهلكهم ، فنفى النبي هذا الاعتقاد وأبطله ، وبيَّ ـن أن الغَ ولَ لا تستطيع أن تُ ضِ لَّ أحدا. وفي قوله (ولا غَ ول) نهي عن العمل به ضِمنا ، إذ أن الْمر الباطل منهي عن العمل به في الإسلام. الثامن: ومما جاء في ذم الطيرة من الآثار عن الصحابة رضوان الله عنهم ما رواه البيهقي عن قتادة أن كعبا قال: قال الله عز وجل: ليس من عبادي من سَ حَ رَ أو سُحِ رَ له ، أو كَـهَن أو كُـهِن له ، أو تطيَّـر أو تُطُــيـِّرَ له 2 ، لكن مِنْ عبادي من آمن وتوكل علي. 1 3 انتهى النقل من كتاب «الْم»، كتاب الاستسقاء ، كراهية الاستمطار بالْنواء 2 أي: طلب من أحد أن يتطير بالنيابة عنه ثم يخبره بالنتيجة. 1 انظر«شعب الإيمان»3390.)
عدد الصفحات ٤٩49 فصل فإن قال قائل : كيف أعرف أني تط ـيرت ، وأني تركت الْمر الفلاني أو فعلته معتمدا على التطير؟ فالجواب: إن الطيرة ما أمضاك فيما عزمت عليه أو ردك ، فإذا أردتَ سفرا فرأيتَ أو سمعتَ ما تكرهُ فرجعتَ عن سفرك الذي عزمتَ عليه فهذا من التطير ، وقد ورد في هذا حديث ضعيف ، ولكن معناه صحيح ، وهو قول النبي : إنَّا الطيرة ما أمضاك أو ردك. وقد روى البيهقي في «شعب الإيمان» عن قتادة قال: قال ابن عبـاس: إن مضيتَ فمتوكلٌ ، وإن نكصْ تَ فمتطير.3 تنبيه إلى الفرق بين التطير وبين التفاؤل كان رسول الله لا يتطير من شيء ، ومع هذا كان يعجبه الفأل ، ولذا كان إذا خرج لحاجة يحب أن يسمع: يا نجيح ، يا راشد.2 وإذا أراد أن يأي أرضا سأل عن اسمها ، فإن كان حسنا رُ ؤي البشر في وجه ه ، وإن كان قبيحا رؤي ذلك في وجهه ، ولِ يكن يثنيه ذلك عن اتيان تلك الْرض أو يمُضيه. وكذلك كان إذا بعث رجلا سأل عن اسمه ، فإن كان حسن الاسم رؤي البشر في وجهه ، وإن كان قبيحا رؤي ذلك في وجهه .1 3 «شعب الإيمان»3390.) 2 رواه الترمذي3030) ، وصححه الْلباني رحمه الله. 1 ذكر ذلك عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة رضي الله عنه ، انظر «المسند»0/149-148.)
عدد الصفحات ٥٠51 فإذاأراد الإنسان فِ علَ أمرٍ و سمِ ع اسما طيبا ، أو رأى ما يحب ، وا نشرح صدره لذلك ؛ فهذا من التفاؤ ل ، وعليه أن يمضي في أمره ، و لا يُعدُّ هذا من التطير ، بل من التفاؤل المحمود ، وهو دليل على حسن الظن بالله ، كما أنه موافق لطبيعة الإنسان. وكذلك إذا رأى خلاف ذلك من شيء يكرهه ، فعليه أن يمضي في أمره ، ولا يتشاءم من المضي فيه ، ولا يردَّنَّه ذلك. والتطير من أسباب فساد الدين ونكد العيش وضيق الصدر ، ودليل على سوء الظن بالله ، وقد كانت العرب في الجاهلية يتشاءمون بعقد النكاح في شوال ، فأبطل النبي هذا ،إذ كان نكاحه بعائشة رضي الله عنه في شوال ، فكانت أسعد النساء حظا! ويكفي في ذم التطير أنه من عادات الْمم الجاهلية ممن كان قبلنا ، فقد كانوا يستعملونه مع أنبيائهم لرد دعوتهم عياذا بالله ، ومن هذا ما قصه الله عن قوم صـالح أنهم قالوا لصالح كما في سورة النمل ﴿اطَّ ـــيرنا بك ومان معك﴾ ، وكذا قال قوم فرعون لموسى ﴿وإن تصبهم سيئة يطيروا ماوسى ومن معه ألا إنَّا طائرهم عند الله﴾ ، أي أن ما قدَّره الله من خير وشر هو من عنده سبحانه ، كما قال تعالى ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾. ومِ ن تطيُّ ـــر الجاهليين ما قصه الله تعالى عن أصحاب القرية أنهم قالوا لمن جاءهم من المرسلين ﴿قالوا إنا تطيرنا بكم﴾3. ومن المنتشر بين الناس اليوم عبارة (خير يا ط ، فهذه تدل على وجود شيء من عادة التطير في النفوس وإن لِ يقصد أكثر الناس مرادها ، فينبغي تركها والحذر منها . 3 سورة يـٰس38 .
عدد الصفحات ٥١50 فالحاصل أن الإنسان إذا تطير فرجع عما عزم القيام به فقد قرع باب الشرك وولجه ، وبرِءَ من التوكل على الله تعالى ، وفتح على نفسه باب الوساوس والتعلق بغير الله ، فالواجب الحذر من ذلك ، والله أعلم. فائدة تتعلق بموضوع التطير ذكرها ابن القيم رحمه الله قال ابن القيم3 رحمه ا : مخالطة المجذوم2 من أسباب العدوى ، وهذا السـبب يعارضه أسباب أُخر تَنع اقتضاءه ، فمِن أقواها التوكل على الله والثقة به ، فإنه يمنع تأثير ذلك السبب المكروه ، ولكن لا يقدِر كل واحد من الأمة على هذا ، فأرش ـدهم إلى مجانبة سبب المكروه والفرار والبعد منه ، ولذلك أرسل إلى ذلك المجذوم الآخر بال ــبَ ــيعةِ 1 تشريعا منه للفرار من أسباب الْذى والمكروه ، وأن لا يتعرض العبد لْسباب البلاء ، ثم وَ ضَ عَ يده معه في القصعة4 ، فإنَّا هو سبب التوكل على 3 هو محمد بن أبي بكر بن سعد الزُّرعي ثم الدمشقي ، المعروف بابن قيم الجوزية ، من علماء المائة الثامنة ، لازم شيخه ابن تيمية إلى أن مات سنة 928 ، فكان من كبار تلامذته ، ثم حمل بعده لواء الدعوة والجهاد العلمي إلى أن مات سنة 903 ، كان واسع المعرفة ، قوي الحجة ، دقيق الاستنباط ، كثير المصنفات ، ومؤلفاته مقبولة عند جميع الناس ، حتى صار من بعده عيالا عليه ، نصر العقيدة الإسلامية نصرا مؤزرا ، ورد عل ى المبتدعة نظما ونثرا ، لاسيما المتفلسفة والقبورية والمؤولة والمتصوفة ، رحمه الله رحمة واسعة ، فقد جدد هو وشيخه دين الله ، فكانا منعطفا في حياة الْمة الإسلامية. انظر ترجمته في «شذرات الذهب »لابن العماد و «ذيل طبقات الحنابلة»لابن رجب ، ومن أجمع من ترجم له الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله في كتابه «ابن قيم الـجوزية ، حياته وآثاره » 2 الـجُذام مرض يصيب أصابع اليد فتتآكل ، والغالب أنها تسبب قطع اليد ، وهو مرض معد ، وكانت العرب تتطير منه. انظر «لسان العرب » 1 القصة باختصار أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبي (إنا قد بايعناك فارجع) ، والشاهد أنه لا يريده أن يأ إليهم لئلا يُعدِيهم بِـجُذامه ، والقصة رواها مسلم (2213) عن عمرو بن الشريد عن أبيه 4 القصعة وعاء يؤكل فيه. انظر «النهاية».
عدد الصفحات ٥٢52 الله والثقة به الذي هو من أعظم الْسباب التي يُدفع بها المكروه والمحذور ، تعليما منه للأمة دفعَ الْسباب المكروهة ماا هو أقوى منها ، وإعلاما بأن الضرر والنفع بيد الله عز وجل ، فإن شاء أن يَ ـــضُ رَّ عبده ضَ ـــرَّ هُ ، وإن شاء أن يصرف عنه الضر صرفه ، بل إن شاء أن ينفعه ماا هو من أسباب الضرر ويضره ماا هو من أسباب النفع فَعل ، ليتبين للعباد أنه وحده الضار النافع ، وأن أسباب الضر والنفع بيديه ، وهو الذي جعـلها أسبابا ، وإن شاء خلع منها سبَ ــبِ ــيَّ ــتَ ها ، وإن شاء جَ عَ لَ ما تقتضيه بخلاف المعهود منها ، لِـيُعلم أنه الفاعل المختار ، وأنه لا يضر شيء ولا ينفع إلا بإذنه ، وأن التوكل عليه والثقة به تحُيل الْسباب المكروهة إلى خلاف موجِ ـباتها ، وتَ ـتبين مرتبتها ، وأنها مَ ـحالٌّ لمجاري مشيئة الله وحكمته ، وأنه سبحانه هو الذي يضر بها وينفع ، ليس إليها ولا لها من الْمر شيء ، وأن الْمر كله لله ، وأنها إنَّا يَـنال ضررها من علَّ ق قلبه بها ووقف عندها وتطير ماا يتطير به منها ، فذلك الذي يصيبه مكروهُ الطيرة. والطيرة سبب للمكروه على المتطير3 ، فإذا توكل على الله ووثَ ق به واستعان به لِ يصُ دَّ هُ التطير عن حاجته ، وقال: (اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا خير إلا خيرك ، ولا إلـٰه غيرك ، اللهم لا يأي بالحسنات إلا أنت ، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بك) ؛ فإنه لا يضره ما يتطير منه شيئا. فالطيرة إنَّا تصيب المتطير لشركه ، والخوف دائما مع الشرك ، والْمن دائما مع التوحيد ، قال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال في محاجته لقومه وكيف أخاف ما أشركتم به ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لِ ي نـز ل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أ حق بالْمن إن كنتم تعلمون ، فحَ كَ مَ الله 3 أي سبب لحصول المكروه على المتطير عقوبة له من الله كما ت قدم وكما سيأي قريبا في كلام المؤلف.
عدد الصفحات ٥٣53 عز وجل بين الفريقين بحكمٍ فقال الذين آمنوا ولِ يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الْمن وهم مهتدون. وقد صح عن رسول ا تفسير الظلم فيها بالشرك ، وقال: ألِ تسمعوا قول العبد الصالح إن الشرك لظلم عظيم ؟3 فالتوحيد من أ قوى أسباب الْمن من المخاوِف ، والشرك من أعظم أسباب حصول المخاوف ، ولذلك من خاف شيئا غيرَ الله سُـلِّط عليه ، وكان خوفه منه هو سبب تسليطه عليه ، ولو خاف الله دونه ولِ يَ ـخَ فْ هُ لكان عدمُ خوفِـه منه وتوكله على الله من أعظم أسباب نجاته منه ، وكذلك من رجا شيئا غير الله حُرِ مَ ما رجاه منه ، وكان رجاؤه غير الله من أقوى أسباب حرمانه ، فإذا رجا الله وحده كان توحيد رجائه أقوى أسباب الفوز به أو بنظيره أو ماا هو أنفع له منه ، والله الموفق للصواب.2 فائدة أخرى من رحمة الله بعب اده أن أغناهم عن التعلق بالخراف ات والخزعبلات ماا شرعه من صلاة الاستخارة ، والتي تشرع إذا أرد الإنسان فعل شيء ذي بال وتردَّ د فيه ، كأن يريد سفرا أو دخولا 3 الحديث في الصحيحعن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَِْ يـَلْبِسُواْ إِيمَانـَهُم بِظُلْم﴾ قلنا: يا رسول الله ، أيُّـــنا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس كما تقولون ، ﴿لَِْ يـَلْبِسُواْ إِيمَ انـَهُم بِظُلْم﴾ بشركٍ ، أولِ تسمعوا إلى قول لقمان لابنه ﴿ يَا بـُنََِّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم﴾؟ رواه البخاري ( 1106) ومسلم324) ، واللفظ للبخاري 2 «مفتاح دار السعادة»1/180-188) ، باختصار يس
عدد الصفحات ٥٤54 في تجارة أو زواجٍ بامرأة وشعر بشيء من الحيرة أو التردد ، هل يُ ــقبِ لُ على هذا الْمر أو يَ دَ عْ هُ ، فحينئذ يُ شرع له أن يصلي صلاة الاستخارة ، ثم يسأل ربه الخيرة في الْمر الذي يريده ، و أن يختار له ما هو خير ، بذكر الدعاء الوارد فيها بعد السلام . وحديث الاستخارة رواه البخاري رحمه الله عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الْمور كما يعلمنا السورة من القرآن ، يقول : إذا همَّ أحدكم بالْمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل : اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ، وأسألك من فضلك العظيم ، فإنك تقدر ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام الغيوب ، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الْمر خير لي في دينِ ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : عاجل أمري وآجله ؛ فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم أن هذا الْمر شر لي في دينِ ومعاشي وعاقبة أمري ، أو قال : في عاجل أمري وآجله ، فاصرفه عنِ واصرفنِ عنه ، واقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضنِ به . قال: ويُ سمي حاجته.3 فالإنسان إذا كان غير عالٍِ ماصلحته ، ولا قادر عليها ؛ فعل يه أن يتوجه إلى ربه ، ويسأله أن يهديه إلى ما فيه خير له ، ليُ علِّ مه مِ نْ عِ لمه ، ويُـقَدِّ رَ هُ بقدرته على فعل ذلك الْمر ، ويُ عطيهُ من فضله العظيم ، لا أن يتوجه إلى الحيوانات والطيور ، أو يتعلق بأسباب ظنية ، لِ يجعلها الله أسبا با ، ولِ يرشد إليها بل نهى عنها ، فإذا استخار الله كان ما شُ رِ حَ صدرُ ه له هو الذي اختاره الله له .2 3 رواه البخاري 3302.) 2 انظرللفائدة في هذا الباب «مجموع الفتاوى »0/209) ،36/015) ،3/11) ،4/342.)
عدد الصفحات ٥٥55 قال القرطبي رحمه ا كتابه «الجامع لْحكام القرآن » فيتفسير قوله تعاوربك يخلق ما يشاء ويختار3 : قال العلماء: وينبغي له أن يفرغ قلبه من جميع الخواطر ح تى لا يكون مائلا إلى أمر من الْمور ، فعند ذلك ما يسبق إلى قلبه يعمل عليه ، فإن الخير فيه إن شاء الله. انتهى. 3 سورة القصص ، آية 08 .
عدد الصفحات ٥٦56 ممنيستعين بالشياطين: السَّ حرة السحر ، تعريفه وأنواعه السحر في اللغة هو ما خَ فِ يَ ولَ طُ فَ سببه ، قال ابن منظور في «لسان العرب»: السحر عمل تُـقُـرِّ ب فيه إلى الشيطان وماعونة منه ، كل ذلك الْمر كينونة للسحر . وقال الْزهري : وأصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق وخَ يَّ ـــل الشيء على غير حقيقته ؛ قد سحر الشيء عن وجهه ، أي صرفه . انتهى. وسمي الساحر بذلك لْنه يؤثر في الخفاء. و اسم الساحر معروف في جميع الْمم3 ، قال تعاكذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إ قالوا ساحر أو مجنون. والسحر عبارة عن عزائم ورقى وعقد أو أدوية وتدخينات ، تؤثر في القل ـــــــــوب أو الْبدان أو الْبصار ، فتُ مرِ ض أو تقتل أو تؤثر في الفكر والتصور أو تفرق بين المرء وزوجه .2 والسحر نوعان ؛ حقيقي وتخييلي ، فأما الحقيقي فثلاثة أنواع : الأول: نوع يؤثر في الْبدان مارض أو موت . الثاني: نوع يؤثر في القلوب بحب أو كره ، كتحبيب الزوج إلى زوجته التي يكرهها ، أو العكس ، فيراها أو تراه في صورة حسنة ، وهو المعروف بالعطف ، أو تبغيض الزوجة إلى زوجها الذي يحبها ، أو العـكس ، فيراها أو تراه في صورة قبيحة ، وهو ال ـمعروف بالصَّ رف. 3 قاله ابن تيمية رحمه ا «النبوات»، ص3645 . 2 انظر«المغ»، كتاب المرتد ، فصل في السحر ، 5/255.)
عدد الصفحات ٥٧57 الثالث: نوع يؤثر في الفكر والتصور ، فيظن المسحور أنه فعل شيئا وهو لِ يفعله ، كالسحر الذي فعله لبيد بن الْعصم اليهودي بالنبي ، فصار يخُيَّ ـل إليه أنه يفعل الشيء وهو لِ يفعله ، وبقي السحر فيه عدة شهور. والساحر يستعين بالشياطين لعمل سحره ، وذلك أن الساحر إذا أراد عمل السحر تكيَّ فت نفسه بالـخُ بْ ثِ والشر الذي يريد إيقاعه بالمسحور ، واستعان على ذلك بأرواح الشياطين الخبيثة ، ثم ينفخ في عُ ــقَ دٍ نفخاً معه ريق ، وهو الذي يعرف بالنفث ، وهو المذكور في قوله تعالى وَمِن شَرِّ النـَّفَّاثَاتِ فيِ العُقَد ، والمقصود بالنفاثات أي الْرواح والْنفس اللاي ينفثن في العقد ، لا النساء النفاثات ، لْن تأثير السحر إنَّا هو من جهة الْنفس الخبيثة والْرواح الشريرة ، وتأثيره إنَّا يظهر منها ، فيخرج من هذه الْنفس الخبيثة نـَفَسٌ ممازجٌ للشر والْذى ، مقترن بالريق الممازج لذلك ، وقد تَ ساعَد هو – أي النَّ ــفَسُ - والروح الشيطانية على أذى ذلك المسحور ، فيصيبه السحر بإذن الله الكوني القدري ، كما قال تعالى وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّه3.2 وأما السحر التخييلي فبابه واحد ، وهو التأثير في الْبصار ، فيرى المسحور الشيء على خلاف ما هو عليه ، مع كون الشيء لِ يتغير في حـقيقته ، وهو من جنس ما فعله سحرة فرعون مع موسى عليه السلام ، وهو من عمل الشيطان. ومن السحر التخييلي ما يحصل فيما يسمى بالسِّ يرك أو الْلعاب البهلوانية والتي يخُيِّل فيها السحرة للناس فيروا الْمور مختلفة عما هي عليه ، وهم لا يُ سمُّ ون فعلهم بالسحر لئلا ينفر الناس منهم ، بل ماا تقدم كالْلعاب البهلوانية ونحوها ، وهذا لا يُ غير من الحكم شيئا ، لْن العبرة بالحقائق وليس 3 سورة البقرة 362 . 2 انظر«بدائع الفوائد»، ص910 – 919 .
عدد الصفحات ٥٨58 بالمسميات ، ومن سحرهم أن بعضهم يجر السيارة بشعره ، والآخر تَشي السيارة على بطنه و تضره ، والثالث يأكل النار ، والرابع يطعن نفسه بأسياخ من حديد ، وهناك من يطعن نفسه بالخناجر ، أو يقـطع لسانه ، أو يدخل من دبر الدابة ويخرج من فمها ، أو يخ رج بعض الطيور من باطن ثوبه ونحو ذلك ، فهـذا كله من السـحر التخييلي ، وهو من جنس ما كان يفعله سحرة فرعون الذي قال الله فيه ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾. و من اللطائف ما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله في كتابه «سير أعلام النبلاء»في ترجمة جندب بن جنادة الْزدي رضي الله عنه أن ساحرا كان يلعب عند الْمير الوليد بن عقبة ، فكان يأخذ سيفه فيذبح نفسه ولا يضُ رُّ هُ ، فقام جندب فأخذ السيف فضرب عنق الساحر ثم قرأ ﴿أفتأتون السحر وأنتم تبصرون﴾.3 حكم تعلم السحر وتعاطيهفي ضوء آية السحر آية السحر هي قوله تعالى ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون * واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنـزل على الملكين ببابل 3 نقل الشنقيطي رحمه ا «أضواء البيان»عند تفسيره لقوله تعالى ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى ﴾ عن الفخر الرازي من تفسيره أن للسحر أنواعا ثمانية ، ثم علق على كل نوع منها بحسبه أو نقل كلام الحافظ ابن كثير في ذلك النوع. ثم نقل رحمه الله عن الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي رحمه الله من نظمه «شرح الغافل »تقسيمات لعلوم الشر وذكر منها أنواعا عجيبة للسحر. واستطرد الشيخ رحمه الله فذكر مباحث عديدة تتعلق بالسحر وحكم فاعله وعقوبته الشرعية وحكم تعلمه من غير عمل به وغير ذلك ، فليرجع إليها من أراد الاستزادة ، والله أعلم.
عدد الصفحات ٥٩59 هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حيقولا إنَّا نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شَـروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون * ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثو بة من عند الله خير لو كانوا يعلمون﴾ . قال الشيخ عبد الرحمـٰن بن ناصر السَّ عدي3 رحمه ا : هؤلاء اليهود لما نبذوا كتاب الله اتبعوا ما تتلو الشياطين وتختلق من السحر على ملك سليمان ، حيث أخرجت الشياطين للناس السحر ، وزعموا أن سليمان عليه السلام كان يستعمله ، و به حصل له الملك العظيم ، وهم كذبة في ذلك ، فلم يستعمله سليمان ، بل نـزَّ هَ ــهُ الصادق في قوله ﴿وما كفر سليمان﴾ ، أي بتعلم السحر ، فلم يتعلمه ولكن الشـياطين كفروا بذلك ، ﴿يعلمون الناس السحر﴾. وكذلك اتَّ بع اليهود السحر الذي أُ نـزل على الملكين الكائنين بأرض بابل من أرض العراق ، أُ نـزل عليهما السحر امتحانا وابتلاء من الله لعباده فيعلمانهم السحر ، وما يعلمان من أحد حتى ينصحاه ويقولا ﴿إنَّا نحن فتنة فلا تكفر﴾ ، أي لا تتعلم السحر فإنه كفر ، فينهيانه عن السحر ويخبرانه عن مرتبته ، فتعليم الشياطين للسحر على وجه التدلي س والإضلال. فهؤلاء اليهود يتَّ ــبعون السحر الذي تُعلِّ ــــمُ هُ الشياطين والسحر الذي يُ علِّ مه الملكان ، فتركوا علم الْنبياء والمرسلين وأقبلوا على علم الشياطين ، وكلٌّ يصبو إلى ما يناسبه. 3 هو الشيخ العلامة المفسر الفقيه عبد الرحمـٰن بن ناصر السعدي ، من فحول علماء نجد ، استوطن بلدة عنيزة من مدن القصيم ، ولد عام 3169 وتوعام 3190 هجري ، تتلمذ على يده عــدد من الطلبة صاروا فيما بعد من علماء الـمسلمين ، كالشيـــــ ــــخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل ، والشيخ عبد الله بن عبد الرحمـٰن البسام ، والشيخ محمد بن صالح العثيمين وغيرهم ، رحمهم الله. انظر ترجمته في كتاب «علماء نجد خلالثمانية قرون»، للشيخ عبد الله بن عبد الرحمـٰن البسام رحمه ا
عدد الصفحات ٦٠61 ثم ذكر مفاسد السحر فقال ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾ ، مع أن محبة الزوجين لا تقاس ماحبة غيرهما لْن الله قال في حقهما ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ . وفي هذا دليل على أن السحر له حقيقة ، وأنه يضر بإذن الله ، أي بإرادة الله. وفي هذه الآية وما أشبهـها أن الْسباب مهما بلغت في قوة التأثير فإنها تابعة للقضاء والقدر ، ليست مستقلة في التأثير ، ولِ ي ـخالف في هذا الْصل أحد من فِرق الْمة غير القدرية في أفعال العباد ، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة ، فأخرَ جوها عن قدرة الله ، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين .3 ثم ذكر أن عِلم السحر مضرة محضة ، ليس فيه من فعة لا دينية ولا دنيوية ، كما يوجد بعض المنافع الدنيوية في بعض المعاصي كما قال تعالى في الخمر والميسر ﴿قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما﴾ ، فهذا السحر مضرة محضة فليس له داع أصلا ، فالمنهيات كلها إما مضرة محضة أو شرها أكبر من خيرها ، كما أن المأمورات إما مصلحة محضة أو خيرها أكثر من شرها . ﴿ولقد علموا﴾ ، أي اليهود. ﴿لَـمَنِ اشتراه﴾ ، أي رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة . ﴿ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، أي نصيب ، بل هو موجب للع ــــقوبة ، فلم يكن فعلهم إياه جهلا ، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة . ﴿ ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون﴾ ، علما يثمر العمل .2 انتهى. 3 وعليه فالواجب اعتقاد أن السحر وغيره من الْمور الكونية لا تقع إلا بإذن الله ، وليس يقع في الوجود شيء إلا بقضاء الله وقدره. 2 «تيسير الكريم الرحمـٰن في تفسير كلام المنان»، سورة البقرة ، آية 362 ، باختصار يس
عدد الصفحات ٦١60 دلالة آية السحرعلى ضلال الساحر وكُ ـفْ ـرِ ه دلت الآية الكريمة على ضلال الساحر وخطئه من وجوه: 3. قوله تعاوما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ، فأثبت الكفر للشياطين ، وقرن ذلك بتعليمهم السحر ، فدل على أن السحر كفر . 2. قوله تعالى عن الملكين ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنَّا نحن فتنة فلا تكفر﴾ : أي لا تَ ــكفُ رَ بتعلم السحر ، والـملكان هـما هـاروت وماروت ، وكانا لا يُعلِّ مان الناس السحر حتى يُ ـخبراهم أن ما يُ علِّ مانه ما هو إلا فتـنة وبلاء ، فينصحان من جاء لتعلم السحر بأن يترك تعلمه ، ويبينان له أن عمل السحر كفر ، فإن أصر علماه ، والحكمة من فعل الملكين هو امتحان الناس ، وليس لكونه مباحا ، فمن قبل نصيحتهما وأعرض عن تعلم السحـر نجا ، ومن أصر على التعلم علَّ ماه وكفر ، وليس مع و كون الله تعالى وكَّ ل الملكين بذلك أن هذا مباحٌ ، فإن الله خلق الخير وأمر به ، وخلق الشر ونهى عنه ، فمن أطاع فله الجنة ، ومن عصى فله النار ، قال تعالى ﴿ونبلوكم بالشر والـخير فتنة﴾ ، ومن هذا أن الله خلق الـخنـزير وحرَّ م أكله ، وخلق التمر وأباح أكله ، و خلق العمل الصالح وأمر بفعله ، وخلق العمل السيئ ونهى عن فعله ، وهكذا. 1. قوله ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق﴾ ، أي أن من تعلمه ما له في الآخرة من نصيب ، وهذا النص عام ، لْن النكرة في سياق النفي تفيد العموم ، فيعم كل نصيب ، وهذا الإفلاس من الخير لا يحصل إلا للكافر.
عدد الصفحات ٦٢62 4. قوله تعالى في الآية اللاحقة ﴿ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون﴾ ، أي لو تركوا السحر لبقوا على إيمانهم ، فدل ذلك على أن السحر ضد الإيمان والتقوى ، وليس ضد الإيمان والتقوى إلا الكفر عياذا بالله. 0. وللفائدة ؛ فقد جاء ذم السحرة في القرآن في آية أخرى في قوله تعالى ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾3 ، وقوله ﴿ولا يفلح الساحرون﴾ 2 ، فالآيتان دلتا على نفي الفلاح عن الساحر نفيا عاما ، وهذا لا يجتمع إلا في حق من وقع في الكفر.1 0. كما جاء ذم السحرة في قوله تعا على لسان موسى ﴿ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾4 ، فالآية نص في أن الساحر مفسد في الْرض. فدلت الآيات المتقدمة على كفر الساحر و تحريم تعاطي السحر وعِ ظَ مِ ضرره على الخلق ، ولهذا عدَّهُ النبي من المهلكات في الآخرة ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي قال: اجتنِبوا السَّبعَ الموبقات. قالوا: يا رسولَ اللهِ ، وما هن ؟ قال: الشِّركُ باللهِ ، والسِّحرُ ... الحديث.0 ووصفُ الن للسحر بأنه موبِـقٌ موافقٌ لقوله تعالى وَلاَ يـُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى . 3 سورة طـٰه05 . 2 سورة يونس 99 . 1 انظر ما قاله العلامة الشنقيطي ره الله في تقرير مسألة كفر الساحر استدلالا بهذه الآية عند تفسير قوله تعالى ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾ (سورة طـٰه: 05) 4 سورة يونس 83 . 0 رواه البخاري 2900) ، ومسلم85.)
عدد الصفحات ٦٣63 وعن عمران بن حصرضي الله عنه قال: قال رسول الله : ليس منا من تطير أو تُطِير له ، أو تكهن أو تكهن له ، أو سَحر أو سُحِر له ، ومن أتى كاهناً فصدقه ب ـما يقول فقد كفر ماا أنـزل على محمد .3 وروى البيهقي عن قتادة أن كعبا قال : قال الله عز وجل : ليس من عبادي من سحر أو سُحر له ، أو كَـهن أو كُـهن له ، أو تطير أو تُطير له ، لكن من عبادي من آمن وتوكل علي .2 وبناء على ما تقدم من الآيات والْحاديث ؛ فإن السحر محرم بالكتاب والسنة ، بل و بالإجماع ، كما سيأي في كلام العلماء قريبا إن شاء الله. فصل وهؤلاء السحرة الذين يتعاطون السحر التخييلي ويدَّ عون أن عندهم مقدرة على قلب الحقائق هم في الحقيقة قد جمعوا بفعلهم هذا بين ادعاء التصرف في الكون وبين الاستعانة بغير الله ، والْول شرك في الربوبية ، والثاني شرك في الْلوهية ، وحسبك بهما شركا وضلالا ، فأما شركهم في الربوبية فلأنهم يدَّ عون أنهم يغيرون الحقائق ، والحق أن تغيير الحقائق بيد الله وحده لا شريك له ، فإن الله هو المؤثر في الكون وحده ، وهو الخالق ، وهو الذي يغير خِ لقة الشيء من جنس إلى جنس ، بينما يدَّعي هؤلاء السحرة أنهم يش ـاركون الله في هذا ، مع أنهم كذبة في نفس الْمر ، فالْمور التي يدَّ عون تغييرها فإنها لا تتغير حقيقتها ، فإنه ماجرد زوال سحرهم يزول تأثيره عن الْعين ، ثم يتبين للناس رجوع الْمور إلى ما كانت عليه في أول الْمر . 3 تقدم تخريجه 2 تقدم تخريجه
عدد الصفحات ٦٤