المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التنازع والتوازن في حياة المسلم

محمد موسى الشريف

صفحة ٥ من ٧

رابعاً: توفر التوازن الذاتي: كل الضوابط ات١ذكورة مهمة لتحقيق التوازف بتُ النوازع ات١ختلفة، ولكنها لا تصلح للتطبيق إف لد يكوف عند الشخص توازف ذاتي في شخصيتهن تْيث يكوف مكتمل النضج العقلي والنفسي، وشخصيتو، مبنية على دعائم قوية وسليمة، تْيث ((يجابو أعباء حياتو بإرادة قوية، وعزيدة ثابتة ت٘كنو من حسن التكيف، والتفاعل والاستجابة، واتٗاذ ات١واقف والاتٕاىات الصحيحة حياؿ كل ات١شاكل وات١عوقات والعراقيل، فلا يفقد اتزانو العقلي، ولا يختل توازنو النفسي، ولا تنهار شخصيتو أماـ أبسط العقبات وات١صاعب ))(2) . وت٦ا يدؿ على التوازف في شخصية الفرد كذلك ((تٖمل مسؤولياتو في اتٟياة بقوة وصلابة، وتكوين مناعة ذاتية ضد الضعف وات٠َوَر، وصوف النفس من التقليد والانسياؽ الأعمى وراء الآخرين والتأثر بسلوكهم وأفعات٢م ))(3) . ((وكل خلل يلحق بها [أي بالشخصية] يسبب ت٢ا الاضطراب والاىتزاز وعدـ الاستقرار والثبات، وىو ما يجعلها غتَ قادر على التكيف مع مشاكل اتٟياة، وغتَ مستعدة لتحمل ات١صاعب والشدائد، وغتَ مؤىلة لمجابهة ات١تاعب والأزمات التي تكتنف ظروؼ حياة الكائن البشريّ منذ مهده إلذ تٟده، وىو ما يؤدي بالتالر إلذ أف تكوف شخصيتو سلبيّة ىروبيّة لا نفع يرجى منها للفرد أو اتٞماعة أو شخصية عدوانية مدمِّرة تلحق بالفرد واتٞماعة معاً أفدح الأضرار ))(1) . (2) ((أسس التربية الإسلامية)): 842-843. (3) المصدر السابق. (1) المصدر السابق.

عدد الصفحات ٦٥

وإف((من لوازـ ىذا الدين أف يكوف ات١سلم متوازناً في أموره كلها، معتدلاً في شئونو ات٠اصة والعامة، فلا غلو ولا تقصتَ، ولا إفراط ولا تفريط، ولا مبالغة ولا تهاوف، وإنما اعتداؿ وقصد وتوسط))(2) . وشخصية الإنساف ات١سلم((شخصية متوازنة تعطي للجسم حقو من العناية، وللمظهر ما يستوجبو من الرعاية، ولا يلهيها ىذا ات١ظهر عن ات١خبْ اللائق بالإنساف الذي كرمو الله وأسجد لو ملائكتو... بل تُعتٌ تٔا يكوّف فيها العقل الراجح والتفكتَ السديد، وات١نطق السليم، والفهم العميق تٟقائق الأشياء، والنظرة النافذة إلذ لبِّ ىذه اتٟقائق وجوىرىا، ولا يعزب عنها أف الإنساف ليس مكوناً من جسم وعقل فحسب، وإنما لو قلب يخفق، وروح ترفرؼ، ونفس تػَهْجسُ (3)، وأشواؽ عليا تدفعو إلذ الاستعلاء على ىذه اتٟياة ات١ادية وحطامها، والصعود في معارج ات٠تَ والفضيلة والنور، ومن ثمَّ تعتٍ بالتًبية الروحية كما تعتٌ بالتًبية اتٞسمية والعقلية سواء بسواء، في توازف ت٤كم دقيق تْيث لا يطغى جانب من ىذه اتٞوانب على آخر))(4) . خامساً: الحفاظ على الوقت وعلو الهمّة: ولا بد كذلك من معرفة القواعد ات١فصّلة للحفاظ على الوقت، وطلب علو ات٢مة، والاطلاع على تٕارب البارزين في ىذا اتٞانب كابن اتٞوزيّ ولنوويّ والسيوطيّ (1) وغتَىم، وقد ألف ىذا رسائل عديدة (2) . (2) ((بصائر تربوية)): 25. (3) ((هجس الشيء يهجس: خطر بباله، أو هو أن يحدث نفسه في صدره مثل الوَسْواس )) ((ترتيب القاموس المحيط)): (هـ ج س). (4) ((شخصية المسلم)): 334. (1) عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي الإمام الحافظ المحدث. ولد سنة 849 بالقاهرة. وحفظ القرآن وعدة متون في صؽره، وقرأ على مشايخ كثيرين وله مصنفات كثيرة جداً . توفي رحمه الله تعالى سنة 911 بالقاهرة. انظر ((الضوء اللامع)): 2/174-178. (2) انظر– مثلاً – ((قيمة الزمن عند العلماء)) للشيخ عبدالفتاح أبو ؼده، و ((الوقت في حياة المسلم)) للشيخ القرضاور، و ((الوقت عمار أو دمار)) للأستاذ جاسم المطوع.

عدد الصفحات ٦٦

سادساً: التنظيم والترتيب: لابد ت١ريد التوازف أف يكوف منظماً مرتباً في شئونو، بعيداً عن العشوائية والارتٕاؿ، يخطط ويفكر ثم ينفذ، أما من يػُقْدـ ولا يعرؼ ت١اذا أقدـ وكيف أقدـ فهذا لن يحقق شيئاً ذا باؿ. ويجب – كذلك – على ات١خطط ألا يكوف تٗطيطو استجابة لنصائح الآخرين أو ردّ فعل ت١ا يشاىده أو يسمعو، ولكن عليو أف يخطط طبقاً ت١ا يريد لنفسو أف تكوف، وىذه الإرادة تكوّنت ووضحت معات١ها نتيجة دراسة طويلة لقدراتو وما يناسبها، ودراسة الأحواؿ المحيطة وملائمتها. سابعاً : تنمية الأسس التفكيرية: فات١رونة الفكرية أو التفكتَ ات١نطقي – ويقصد بهما تكوين القدرة على حسن المحاكمة والاستدلاؿ – والتفكتَ قبل العمل، والاتساع في التفكتَ، والاستيعاب الكافي للمفاىيم والتصورات تْيث لا ينشأ الفكر مبتوراً أو مشوّىاً أو ناقصاً، كل ىذه أمور مهمة في الأسس التفكتَية كي لا يحدث الضعف في إصدار الأحكاـ والقرارات (3) . امناً: النظرة الشاملة للحياة: لابد لطالب ىذا الأمر من ((تٗليص العقل من التًكيز على النظرة اتٞزئية؛ لأف التًكيز عليها يؤدي إلذ آفات عقلية ليس أقلها العجز والات٨سار، كما يؤدي إلذ تضخيم دور بعض الفروع واتٞزئيات الأمر الذي يقتل الإبداع، ويصيب قدرة العطاء عند الإنساف، ويوقع في التقليد، ويحرـ صاحبو من الإفادة من جهود الآخرين، سواء أكاف ذلك بالتعامل مع التًاث، أو القدرة على استلهاـ الكتاب والسنة ت١واجهة حاجات العصر ات١تجددة ))(1) . (3) ((الأهداؾ الرئيسية للدعاة إلى)): 125-126 بتصرؾ يسير. (1) مقدمة الأستاذ عمر عبيد حسنة لكتاب((الأمة)) رقم4 :حول إعادة تشكيل العقل الملسم.

عدد الصفحات ٦٧

تاسعاً: معرفة الأوليات: معرفة الأوليات وتسلسلها في الأهمية، وإعادة تصنيف ات١شكلات ات٠اصة يحمي الإنساف من التشتت وينجيو من الإحباط. وكذلك يجب على طالب ىذا الأمر أف يوازف بتُ ىذه النوازع على حسب الأوليات وتْسب الزماف وات١كاف الذي ىو فيو؛ فات١سلم في فلسطتُ يختلف حالو ونوازعو عن ات١سلم في البوسنة، وىو ذو حاؿ ت٦يزة عن ات١سلم في أفريقية السوداء وىكذا ... فإف أذف الله لو باتٞهاد وتعتُّ فلابد من اتٞهاد، وإف كاف ات١سلم في بلد تٖتاج إلذ العلم الشرعي درس وعلم، أو إلذ الدعوة دعا، وىكذا الأمر في بقية النوازع، ىذا إف لد يستطع اتٞمع، أما إف استطاع فهذا الضابط مع بقية الضوابط يعينو إف شاء الله . عاارً : عدم الخلط بين الأمنيات والإمكانات: فالأمالش سلم للوصوؿ إلذ ات١طلوب ولكن بقدر، فأحلاـ الأمس حقائق اليوـ، وأحلاـ اليوـ حقائق الغد، فمن لا يتخيل ويتمتٌّ فكيف يطيق العيش في ىذه الدنيا ذات البلاء والأكدار والأحزاف وات١عوقات، ولكن الضابط ىو عدـ الإكثار من ىذه الأمالش حتى لا يصاب الشخص بات١ثالية ويُنعت بعدـ الواقعية. يقوؿ الأستاذ القرضاوي واصفاً ىذا الأمر وأهمية تٖققو في جيل النصر ات١نشود: ((جيل يحتكم إلذ اتٟقائق لا إلذ الأوىاـ، ولا ينسى وىو يتطلع إلذ السماء أنو واقف على الأرض، فلا يجري وراء خياؿ كاذب، أو حلم فارغ، أو أمالش موىومة فيسبح في غتَ ماء ويطتَ بغتَ جناح، جيل كبتَ الآماؿ ولكنو واقعي التفكتَ، يرنو إلذ شاطئ الأحلاـ ولكنو

عدد الصفحات ٦٨

يتوقع ىياج البحر وغضب ات١وج، ومفاجآت الأعاص ... لا يحرث في البحر، ولا يبذر في الصخر، ولا ينسخ خيوطاً من ات٠ياؿ، ولا يبتٍ قصوراً من الرماؿ))(1) حادي عشر: عدم اوستعجال: سلوؾ الطريق بغتَ استعجاؿ، واعتماد سياسة النفَس الطويل أساس مهم في تٖقيق التوازف ات١طلوب. فالطريق ذو الألف من الأمياؿ يبدأ تٓطوة، وأما ات١تعجل الذي يريد تٚع كل الفضائل ونفي الرذائل في مدة وجيزة فهذا لد يفهم السنن الكونية ولن يطيق الصبْ على الطريق الطويل . نعم إف ىناؾ فرقاً عظيماً بتُ العجلة وبتُ اتٟماس والإيجابية، فاتٟماس والإيجابية مطلوبات بالقدر الذي يُنفَّر بو من اتٞلة، ولكن ىناؾ كثتَ من الناس إف رآؾ متحمساً إيجابياً متحركاً بقوة رماؾ بالعجلة وعدـ التألش، وما أوتي إلا من قبَل رقوده وتٜولو، فلو ذاؽ عرؼ. اني عشر: التفرغ ولو بقدر : لابد من أف يكوف الشخص الذي يطلب تٖقيق مثل ىذا الأمر متفرِّغاً لو بقدر معقوؿ، فلا يكوف ىذا الأمر لشخص يعمل عملتُ في الصباح وات١ساء، أو يكوف ت٦ن ابتلاه الله تعالذ بأمر ات١اؿ فهو يجمعو آناء الليل وأطراؼ النهار، أو ت٦ن ىو ملزـ بعمل يومي طويل مثل من يعمل من السابعة إلذ ات٠امسة أو من الثامنة إلذ الرابعة أو ما شابههما، فمثل ىذه الأعماؿ لا تتيح لصاحبها تٖقيق مثل ىذا الأمر، بل قد لا يفكر فيو إنساف ابتلي بهذا أصلاً . (1) ((جيل النصر المنشود)): 22.

عدد الصفحات ٦٩

وانظر إلذ الصدِّيق رضي الله عنو كيف أنو عندما تسلم مهاـ ات٠لافة فرّغو الصحابة لإدارة شؤونها ولد يقبلوا أف يعمل أي عمل قد يقتطع من أوقاتو الغالية ما تفوت بو ات١صلحة على ات١سلمتُ، وكذلك ينبغي لأي متصدر ت١هاـ عظيمة أف يفرغ نفسو من الأعماؿ الدنيوية ولو بقدر(1) . الث عشر: الإقلال من اوجتماع بالناس ومخالطتهم : وىذا من أعظم أسس وضوابط تٖقق التوازف ات١طلوب، فمن يقضي عامة وقتو ت٥الطاً الناس بغتَ ىدؼ صحيح ولا غرض صريح فكيف يستطيع أف يحقق بعض ما يصبو إليو؟ ! وىذا مرض اجتماعي أصاب كثتَاً من ات١لتزمتُ والدعاة، فسرؽ الشيطاف أوقاتهم الغالية، وزيّن ت٢م ما يصنعونو بأسباب غالبها غتَ صحيح. وقد سبق لر ذكر ىذا في نازع الدعوة، ولكتٍ أعدت ذكره ىنا ت١ا لو من التعلق وات٠صوص بهذا ات١بحث، ولأهمية التًكيز عليو . رابع عشر: معرفة أن النوازع يترتب بعضها على بعض : يجب أف يعرؼ مريد التوازف أف النوازع ات١ختلفة يتًتب بعضها على بعض – غالباً -، فالدعوة لا بد ت٢ا من علم، وتٙرتها اتٞهاد ، وضابط اتٞهاد ىو العلم الشرعيّ ، واتٞهاد يحسن معو توفر ات١اؿ اللازـ ، وىكذا... فمعرفة ىذا تعتُ على طلب التوازف وترشِّده. *** (1) انظر((مطلب التفرغ)) في الصفحات الآتية قريباً إن شاء الله.

عدد الصفحات ٧٠

مطلب في التفرغ التفرغ أمنية كثتَ من العاملتُ الصاتٟتُ؛ إذ ىو مظنّة تٖقيق كثتَ من أىدافهم وتطلعاتهم، والتفرغ فرصة جيدة ت١راجعة الإنساف أحوالَو، وت٤اولة إقامتها على اتٞادّة؛ إذ داومة اتٟياة اليومية قد ت٘نع ات١رء الالتفات إلذ أحوالو وشؤونو وإصلاحها وتقويدها . قاؿ ابن جُزَيءْ (1) رتٛو الله تعا : (1) محمد بن أحمد بن محمد الكلبي الؽرناطي، أبو القاسم. عالم في فنون متعددة، وله تصانيؾ وفضل، عاكؾ على الاشتؽال بالعلم. توفي شهيداً بطريؾ سنة 741 رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في ((الدرر الكامنة)): 3/446-447.

عدد الصفحات ٧١

لكل بتٍ الدنيا مراد ومقصد وإف مرادي صحة وفراغُ لأبلغ في علم الشريعة مبلغاً يكوف بو لر في اتٟياة بلاغُ ففي مثل ىذا فلينافس أولو النُهى وحسبي من الدنيا الغَرور بلاغُ فما العيش إلا في نعيم مؤبد بو العيش رغد والشراب يُساغُ (2) وللتفرغ تعلق لا يخفى تٔوضوع الكتاب : التوازف عند التنازع؛ إذ لا يُتوصل لتحقيق التوازف ات١طلوب لإشباع النوازع ات١ختلفة إلا تْظ وافر من التفرغ أو بتفرغ كامل . والذين يدكن ت٢م أف يتفرّغوا للحصوؿ على مطلوبهم عدد قليل بلا شك؛ إذ تكاليف اتٟياة وكثرة شواغلها ومشاكلها ت٘نع من التفرغ الكلي أو اتٞزئي ، ولكنو لا بد ت٦ا ليس منو بُدُّ ، وما لا يدرؾ جُلّو لا يتًؾ كُلّو. والناظر إلذ أحواؿ الأئمة ات١ؤثرين في التاريخ الإسلامي يجدىم متفرغتُ ت٘اماً ت١ا وفقهم الله تعالذ إليو ومنقطعتُ لتحقيقو وإتقانو، فهؤلاء أئمة الفقو الأربعة : أبو حنيفة ومالك والشافعي (2) ((المختار المصون)): 1/179.

عدد الصفحات ٧٢

وأتٛد رتٛهم الله تٚيعاً لد يؤثر عنهم إلا الانقطاع للعلم دراسة وتدريساً، وكذلك أمثات٢م من الأئمة ت٨و النووي وابن تيمية(1) والسيوطي.. إلخ . ولا تنس – أخي – أنتٍ قد ذكرت أف حياتهم لد تكن كحياتنا ، فلم تكن الدنيا لتأخذ منهم ما أخذت منا، وليست هممهم كهممنا . إذا كاف الأمر كذلك فهل ىذا التفرغ ات١نشود أمر ميسور أـ ىو خياؿ طامح لا يعدو أف يكوف سراباً؟ لا، بل ىو أمر سهل ميسور على من يسره الله عليو ، وإليك – أخي القارىء – تٚلةً من الإرشادات في ىذا الباب تعتُ على تٖصيل التفرغ أو بعضو : 1- الحصول على عمل قريب من تطلعات المرء ورغباتو: كأف يكوف إماـَ مسجد مثلاً ، فهذا يساعده على التفوؽ في دراسة العلوـ الشرعية، وكذلك يشبع نازع التعبد ونازع الدعوة ... إلخ. أو يصبحَ مدرساً للعلوـ الشرعية، وىذا كسابقو، ويدكن – توفتَاً ت١تطلبات العيش – اتٞمع بينهما. أو يصبحَ صاحب مكتبو إسلامية تٖقق لو تٚلة من النوازع وتعطيو قدراً كافياً من التفرغ، وىكذا... 2- الحصول على إجازة طويلة من العمل: وىذا بوسع كل ات١وظفتُ – تقريباً – أف ينالوه؛ إذ يستطيعوف اتٟصوؿ على إجازة تبلغ سنة بدوف راتب ت٦ا يدكنهم أف يشبعوا تٚلة من النوازع وات١طالب . (1) شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام، ابن تيمية، سيرته مشهورة، توفي سنة 828 رحمه الله تعالى. انظر ((الدرر الكامنة)): 1/154-170.

عدد الصفحات ٧٣

وإف احتج أحد بضيق اتٟاؿ يقاؿ لو: اتٚع من راتبك بالقدر الذي يكفيك أثناء تفرغك، والقناعة كنز لا يفتٌ . والأكاديديوف يُسمح ت٢م كل عدد معتُ من سنوات العمل باتٟصوؿ على إجازة سنة كاملة للتفرغ للبحث . 3- استبدال العمل الخفيف بالعمل الشاق: يدكن عمل ىذا بالتضحية قليلاً ببعض ات١زايا ات١ادية مقابل اتٟصوؿ على تفرغ نسبيّ، فإلش أعرؼ – مثلاً – طبيباً يعمل في مستشفى حكومي من الساعة الثامنة إلذ ات٠امسة تقريباً، ويدكن لو أف يعمل في مستشفى خاص من الثامنة إلذ الواحدة وذلك بتنازؿ يستَ عن قليل من ات١زايا ات١ادية، فإذا أراد ىذا الطبيب الالتفات إلذ نوازعو ومتطلباتو وتٖقيقها بدرجة مُرْضية فليس عليو إلا أف يستبدؿ الوظيفة الثانية بالأولذ، مع مراعاة أف ىذا الطبيب ليست الأمة في حاجة ماسة لطبو، فإف كاف طبيباً متميزاً ماىراً فإنو لا يصح ولا ينبغي لو الالتفات إلا لطبو الذي يفيد بو أمتو ويرفع عنها الذؿ وات٢واف – بعد فروض الأعياف – وىكذا الشأف فيمن يعمل زمانتُ : صباحاً ومساء فليس عليو إلا أف يتًؾ أحدهما إلا أف تدفعو ضرورة ملحة للجمع بينهما . وكذلك حاؿ إخواننا التجار ت٦ن يعمل مدداً طويلة ويرغب في تٖقيق بعض النوازع والتطلعات، فليس أمامو إلا أف يتًيث قبل أف يعصر زماف شبابو لكسب مادي ت٣رد قد يزخرفو تٖت دعاوى كثتَة . 4- التقاعد المبكر: كثتَ من مزظفي الدولة يسمح ت٢م بالتقاعد ات١بكر بعد مضي عشرين سنة على بدء العمل، فيُعطى نصفَ راتبو شهرياً ت٦ا يدكنو – غالباً – من التفرغ مع دخل مادي

عدد الصفحات ٧٤

مناسب، وىذه فرصة عظيمة ت١ن تناوشو نوازعُ نفسو وتلح عليو أف يستجيب ت٢ا منذ أمد بعيد، ولا يلتفت إلذ وساوس الشيطاف ووعده لو بالفقر فالله تعالذ لن يضيع عبداً أقبل عليو وضحّى من أجلو. ىذه أفكار مطروحة لتحقيق التفرغ الكامل أو اتٞزئي . ولكن قد يقول قائل: إف دعوتك ىذه لتحقيق التفرغ قد تؤدي إلذ تعطيل قسم ناشط من المجتمع، وكبح طموحو الوظيفيّ، وتتدرج بات١وظف إلذ التبْـ من وظيفتو وتصورىا حجرَ عثرة في طريقو، وللإجابة على ىذا أحيل القارئ إلذ الفقرة التالية: ضوابط لمسألة التفرغ : أووً : التفرغ ليس مطلوباً لكل أحد وو من كل أحد: تٔعتٌ أف طالب التفرغ إنما يطلبو لتحقيق أمالشّ ونوازع ومطالب في نفسو لا يحققها إلا التفرغ الكلي أو اتٞزئي، فهو ت٢ذا يسعى لو ويجاىد للحصوؿ عليو، ثم إنو لا يسعى ت٢ذا إلا بعد التأكد من أف لديو قدرةً مالية يُستَّ بها شؤونو ومتطلبات حياتو. والتفرغ ليس مهماً إلا لعدد ت٤دود ذوي مواىبَ وقدرات واضحة بارزة، تْيث يكوف التفرغ لأمثات٢م على غاية من الأهمية والإيجابية . ولضرب ات١ثل على أهمية التفرغ لبعض الناس فإلش أذكر حاؿ واحد من إخوالش يعمل في وظيفة إدارية ىامشيّة منذ عشرين سنة، وعملو ىذا يدكن أف يقوـ بو موظف مبتدئ، ولأخي ىذا طموحاتٌ كثتَة وتشتعل في نفسو نوازع متعددة لا يحققها إلا تفرغ كامل، وىو قد بلغ الأربعتُ، فصرت أبتُ لو أهمية أف يحصل على تقاعد مبكر ويتخلصَ من ىذه الوظيفة التي سلبتو أتٙن أوقاتو وزىرة شبابو، ولكنو متًدد إلذ الآف على الرغم من وضوح الفائدة في تقاعده ات١بكر، والله أعلم .

عدد الصفحات ٧٥

فإذا لا يكوف التفرغ لكل أحد، بل لأمثاؿ أخي ىذا ومن شاكلو . انياً : وجوب تنسيق زمن التفرغ وترتيبو حتى تكمل اوستفادة منو : إذ اتٟاصل على التفرغ الكامل أو اتٞزئي لا بد لو من أف يضع لنفسو أىدافاً ت٤ددة لتحقيقها زمن تفرغو، فلا تضيع منو ىذه الفرصة الثمينة ىباءً، فكم من موظف تفرغ للدراسة ثم لد يُوفّق، وكم من مضيع لتفرغو في عمل مفضوؿ ليس من ورائو طائل. الثاً : وجوب التنسيق بين مريدي التفرغ : فلا يتفرغ اثناف في تٗصص واحد إلا تٟاجة ماسة، ولا يتفرغ اثناف لتأدية عمل معتُ يدكن أف يؤديو متفرغ واحد . وينبغي أف يحُرص على ((العمل تّد على أف يتفرغ عدد من الكفايات في ات١واقع الإستًاتيجية ات٢امة، وخصوصاً في ت٣اؿ العلم والفكر، وت٣اؿ التًبية والتكوين، وت٣اؿ الدعوة والإعلاـ... ))(1) . ((ومن الضروري أف يُراعى عند التفرغ التنوع والتكامل حتى تسد كل الثغرات، ولا يقع تركيز في جانب على حساب جانب أو جوانب أخرى، فلا يوجد إسراؼ إلا تّانبو حق مضيع))(1) . رابعاً: ضبط الإنفاؽ ات١اديّ على مريدي التفرغ: الإنفاؽ على مريدي التفرغ من ات١همات التي يشجع القادروف عليها؛ إذ أف التفرغ من ات١همات التي يشجع القادروف عليها؛ إذ أف التفرغ يعود على الفكر الإسلامي بفوائد إيجابية مهمة. (1) ((أولويات الحركة الإسلامية)): 192. (1) المصدر السابق.

عدد الصفحات ٧٦

((ولا يجوز أف يكوف ات١اؿ عقبة في سبيل ىذه الغاية، فإف بذلك ات١اؿ لذلك من أىم ما يتقرب بو إلذ الله، ويدكن أف يصرؼ فيو من أمواؿ الزكوات والصدقات والأوقات والوصايا وغتَىا... ولا يجوز للعاملتُ ات١خلصتُ أف يستنكفوا من أخذ الأجر الكافي ات١لائم لأمثات٢م لو عملوا في أي ت٣اؿ آخر حتى يستمروا في العمل ولا يتبْموا بو، ات١هم ىو العدؿ في غتَ إسراؼ ولا تقتتَ ))(2) . وفي نهاية ىذا ات١طلب أريد أف أبتُ أف التفرغ لابد أف يُضحى لو ببعض ات١زايا ات١ادية، والقناعةُ باليستَ أمر مهم في ىذا الباب، والعائد من التفرغ على الشخص أىم بكثتَ ت٦ا يدكن أف يفقده حاؿ تفرغو، والله أعلم . مطلب في الترويح واوستجمام وكلاهما تٔعتٌ طلب الراحة للجسد والفؤاد، ويقاؿ : ((إلش لاستجم قلبي بشيء من اللهو – أي ات١باح – لأقْوى بو على اتٟق))(1) . (2) المصدر السابق: 193. (1) راجع((لسان العرب)): (ج م م) و (ر و ح).

عدد الصفحات ٧٧

وت١ا كانت النوازع ات١ذكورة سابقاً كلها تُعدّ من اتٟق وأخذ النفس بالشدة وقسرىا على مكروىاتها، ت١ا كاف الأمر كذلك كاف لابد من ذكر ما تستًيح إليو النفس ونشده اتٞسد ت٦ا ىو من اللهو ات١باح أو ـ غتَه. ((وليس معتٌ ىذا أف يسرؼ الناس في اللهو ويػُفْرطوا في ات١زح، ولكن ات١قصود ألا يعيش الناس في جو ت٦لوء بالكآبة مشحوف بات١ضايقات حتى تٗتفي فيو معالد الفرح والبهجة، بل ينبغي كلما أحس الناس بذلك أف يلجأوا إلذ اللهو ات١باح الذي لا يخلّ بات١روءة ولا يخدش الكرامة، ويخرج بصاحبو عن حياة اتٞد والعمل الدائب النافع ))(2) . فوائد الترويح وعلاقتو بالمبحث: والتًويح يحقق عدداً من الأمور تٗدـ تٖقيق النوازع ات١ذكورة سابقاً، منها: أووً : سدُّ حاجة الأىل والأوود من جلوسهم مع عائلهم: إذ ات١رأة تٖتاج للجلوس مع زوجها بعض الوقت، والأولاد ت٤تاجوف للجلوس مع والدىم بعض الوقت أيضاً، فالتًويح ات١شتًؾ مع الأىل والأولاد ت٤قق ت٢ذا اتٞانب الاجتماعي ات١هم في حياة الإنساف. ويدكن أف يجمع ات١رء عدداً من أىلو أيضاً فيشركهم معو في ترويحو كأبيو وأمو وإخوتو فيقضي ت٢م حقاً ما كاف يجد لو وقتاً . وإذا روّح ات١رء نفسو بهذا ستً نفسو عن كثتَ من السهاـ اللائمة، والله أعلم. وقد كاف النبي  يجلس بتُ نسائو فيشهد غتَتهن ويضحك ت٢ا، وكاف يدكّن عائشة من رؤية اتٟبشة وىم يلعبوف، وكاف يحمل أحفاده ويُسرّ برؤيتهم، وىذا منو تعليم لنا  . (2) ((الترويي في المجتمع المسلم)): 7.

عدد الصفحات ٧٨

انياً: سدُّ حاجة الجسد من الحركة اللازمة لو: حيث إف التًويح أنواع، فمنو العقلي، ومنو اتٞسدي، ومنو ما ىو جامع بتُ الاثنتُ، والتًويح اتٞسدي مهم لتحقيق حاجة اتٞسم من اتٟركة اللازمة لإقامتو واستمرار نشاطو . ورسولنا  قد سابق عائشة مرتتُ، وكاف  يخرج إلذ الرمي ويحث الصحابة عليو . الثاً : الترويح عن النفس مدعاة وستزادتها من الخير: حيث إف طبيعة الإنساف اتٞاد ذي الأىداؼ ات٠تَِّة أنو متى ما استًاح إلذ شيء من اللهو ات١باح فإنو يشعر أثناءه بعظم التبعة ات١لقاة عليو وصعوبة تٖقيقها إف لد يػَهْرعْ إلذ ما كاف عليو قبل ت٢وه، ويحث مطاياه على الستَ في ركاب ات٠تَ . ىذا وليُعلم أف التًويح ليس لو حدٌّ معتُ، بل إف شعر ات١رء أنو قضى حاجتو منو فها حدّه. والتًويح ليس لو ضابط إلا اتٟل واتٟرمة، وما يخرـ ات١روءة، أمّا غتَ ذلك فلا، والله أعلم. وإذا كاف الأمر كذلك فالتًويح ميادينو كثتَة جداً، تتنوع حسَب ميوؿ الشخص وما يهواه، والعاقل السعيد من روّح عن نفسو وأىلو بنية التقوي على العبادة، وفي ات١يادين التي تٗدـ أىدافو وما يتطلع إليو، والله ات١وفق.

عدد الصفحات ٧٩

تنبيو مهم لتعلم – أخي القارئ – أف التًويح وات١ستًاحَ إليو أمر نسبيّ يختلف من شخص لآخر، فرُبّ شخص يستًيح إلذ قراءة القرآف وحفظو، وآخر يستًيح إلذ قراءة كتب السَّمر، وثالث يفزع إلذ إخوانو في الله فيستًيح إليهم، ورابعٌ راحتو في التسبيح والتهليل والتكبتَ والاستغفار، وىكذا... إذاً ليس من الضروريّ أف يكوف الشيء ات١ستًاحُ إليو وات١ستجمُّ بو ت٢واً أو ت٤َْضَ تضييع للأوقات، بل يدكن أف يكوف في الاستًواح فائدةٌ عظيمة.

عدد الصفحات ٨٠