المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التنازع والتوازن في حياة المسلم

محمد موسى الشريف

صفحة ٤ من ٧

بقية النهار، فيقعد بتُ القبور يبكي ويعتبْ،فإذا غربت الشمس أتى مسجده، ثم يصلي، ويرجع إلذ بيتو فيفطر، وكاف يسردُ الصوـَ إلا يوـ اتٞمعة، ويخرج إلذ ات١سجد، فيخرُج إلذ جتَانو، فيتكلَّم معهم في دينهم ودنياىم، ثم يصلي العشاء، ويدخل بيتو، فيحدِّث أىلو، ثم يناـ نومو قد أخذتهْا نفسُو، ثم يقوـ. ىذا دَأبُو إلذ أف توفي. وكن جَلْداً، قويّاً على ات١شي، قد مشى مع ضعيف في مَظْلَمة إلذ إشبيلية، ومشى آخر إلذ إلبتَْة، ومع امرأة ضعيفة إلذ جَيَّاف))(3) . ىذه ىي ستَة الإماـ بَقيّ بن ت٥لد، يراىا كثتَ من الناس من ضروب ات٠ياؿ، ويراىا الصاتٟوف العاملوف فيعلموف أنها ترتٚة علمية تٟياة بعضهم ولأشواؽ كثتَ منهم . فهو رتٛة الله قد عبد الله أحد ما تكوف العبادة . ولد ينس تلاميذه وأصحابو، فكاف يعلمهم ويرشدىم ويوجههم . ولد يُغفل جتَانو، فقد كاف يتعهدىم بالنصح والإرشاد. وكاف يتعهد أىلو ويحدثهم ويؤانسهم . ولد يدنعو ذلك كلو من الانتصار للمظلومتُ والسفر من أجلهم، حتى لو كاف ذلك ات١ظلوـ امرأة ضعيفة . وقد توّج أعمالو الصاتٟة باتٞهاد، فقد ((كاف كثتَ اتٞهاد، رابط اثنتتُ وسبعتُ غزوة )). ثمّ إنو قد فهم الشرط الأساسي وات١هم لكل تلك الأعماؿ الصاتٟة حتى تدخل سجلات ات٠الدين ألا وىو الدواـ والدأب عليو. رتٛو الله تعالذ، فقد كاف شخصيتو ات١ثاؿ ات١طلوب ات١فقود . (3) مدن أندلسية، انظر((نزهة الفضلاء)): 2/975.

عدد الصفحات ٤٩

وبهذا ات١ثل– وىناؾ عشرات غتَه في التاريخ الإسلامي، وإنما ضربتو مثالاً لقلة من يعرفو في عصرنا – نتبتُ، أف ىذا الأمر – أمر التوازف – قد حدث في عصور سلفنا رتٛهم الله، فحدوثو في ىذا الزماف ت٦كن، وليس تٔستغرب . وليس على الله تٔستغرب أف يجمع العالد في واحد وأما الأمر الآخر وىو إمكانية حدوثو في ىذا الزماف ففيو توضيح وضوابط : أما التوضيح في ىذا الأمر فهو أف ىذا الزماف أصبح من الصعوبة والتعقيد تٔكاف، وقد تداعت الأعداء علينا من كل جانب، وأصبحنا نفاجأ كل يوـ تّديد، وقد قلّت بركة الزماف، وكثرت فيو ات٢موـ اليومية وات١طالب الدنيوية كثرة عظيمة، وتباعدت الأمكنة والديار، وكثرت شواغل اتٟياة كثرة قد يعصب معها فعل ىذا الأمر، ولكن ىناؾ ضوابط إف استقامت للشخص يستطيع أف يفكر في مثل ىذا ويوفقو الله في تٖقيقو. وإليك – أخي القارئ – مناقشة لطيفة متوهمة بتُ ات١رء وبعض نوازعو، كتبها أحد الأفاضل، ورأيت أف أثبتها بنصها ت١لائمتها موضوع الكتاب ولطرافتها، فقد كتب تٖت عنواف ((حسم الصراع )) ما يلي: ((إف تعدد الأجزاء في داخل نفسك ىو أمر طبيعي، ولكن يحصل في كثتَ من الأحياف – كما أشرنا من قبل – أف يكوف ىناؾ صراع بتُ ىذه الأجزاء، وقد يخف ىذا الصراع حتى يتلاشى في أوقات معينة، أو ظروؼ معينة، فتكوف في حالة عدـ انسجاـ، وتتوقف النتيجة على المحصلة النهائية لانسجاـ الأجزاء، وتأثتَ ذلك على حياتك وأدائك . وفي حالة احتداـ الصراع واشتداده يكوف من الضروري حسمو، وإنهاء النزاع بتُ الأجزاء، وتٖقيق السلاـ بينهما.

عدد الصفحات ٥٠

وفيما يلي وصف لعملية حسم الصراع لدى شخصية رمزية (عبدالله) الذي توجد بداخلو ستة أجزاء، أو ست شخصيات، فعبدالله رجل متدين، وىو موظف لدى الدولة، ومتزوج ولو تٜسة أولاد، وىو يحب رياضة ات١شي ويزاوت٢ا، كما أنو يكتب بعض ات١قالات في الصحف والمجلات، وحيث أف دخل عبدالله ت٤دود فهو يفكر بعمل إضافي (تٕاري ) يدر عليو مالاً إضافياً . وقد نشأت عند عبدالله حالة من الصراع بتُ ىذه الأجزاء ات١ختلفة، فوقتو لا يسمح بالقياـ بها كلها، وكثتَاً ما يشعر بالتقصتَ وتأنيب الضمتَ تٕاه واحد أو أكثر من ىذه الأجزاء. وقد استشارنا عبدالله فيما يدكن فعلو تٟسم ىذا الصراع الداخلي في نفسو بتُ ىذه الأجزاء الستة، فأخبْناه بأف يتخيل ىذه الأجزاء الستة وكأنها أشخاص لكل منهم اىتمامو ورغباتو، وأف يدعوىم إلذ اجتماع ت١ناقشة النزاع بينهم، وطلبنا أف يقدـ لنا تقريراً عن عملية حسم الصراع لديو لنشره على القراء لعلهم يفيدوا منو، فاستجاب عبدالله، وبعد أياـ وافانا مشكوراً بتقديره التالر : يقوؿ عبدالله: وجهت الدعوة إلذ الشخصيات الست لعقد اجتماع طارئ ت١ناقشة موضوع الصراع وإيجاد طريقة تٟلو، فحضر اتٞميع إلذ غرفة الاجتماعات في الوقت المحدد، وىو : ات١وظف، والأب، والرياضي، والكاتب، والعابد، والتاجر، فأخذوا أماكنهم حوؿ طاولة الاجتماعات، وطلب عبدالله من العابد أف يتًأس اتٞلسة ويدير الاجتماع، فقاـ العابد وجلس في ات١كاف ات١خصص لرئاسة الاجتماع، فحمد الله وأثتٌ عليو، وذكّر المجتمعتُ بوجوب التعاوف على البْ والتقوى، والانتهاء عن الإثم والعدواف، وسأؿ: ىل اتٟضور مكتمل؟ فقالوا: إف اتٞميع موجودوف وليس ىناؾ غائب، فقاؿ : أريد أولاً أف أذكَّركم تّدوؿ الأعماؿ ت٢ذا الاجتماع، فحسب ماىو موجود في الورقة التي أمامي، حوؿ توزيع أوقات السيد عبدالله

عدد الصفحات ٥١

بهدؼ التوصيل إلذ صيغة تعطي كل ذي حق حقو بالعدؿ والقسطاس ات١ستقيم، من أجل أف يستطيع السيد عبدالله القياـ بأعمالو وواجباتو، على أحسن ما يكوف القياـ بو. وأود أف أوضح لكم أيها السادة أف للسيد عبدالله أربعاً وعشرين ساعة في اليوـ، منها سبع ساعات للنوـ، وسبع وسبعة عشرة ساعة لكم، وسوؼ تدور مداولات ىذا الاجتماع حوؿ ساعات اليقظة فقط، إذ لا سبيل إلذ ساعات النوـ؛ لأنها من حق السيد عبدالله، كما أرجو أف يكوف الكلاـ مقتصراً على ىذا الأمر، وعدـ إقحاـ أمور أخرى لا علاقة ت٢ا بات٢دؼ من ىذا الاجتماع، كذلك أرجو أف يكوف الكلاـ واضحاً وت٥تصراً، وأف تستأذنوا من رئيس اتٞلسة عند طلب الكلاـ، وألا يقاطع أحد منكم أحداً أثناء حديثو، وسيقوـ السيد الكاتب بتدوين ت٤ضر اتٞلسو فلنبدأ بسم الله. وىنا رفع التاجر يده طالباً الكلاـ. الرئيس : تفضل. التاجر: إف شعوري بات١سؤولية جعلتٍ أفكر في الظروؼ التي تٖيط بالسيد عبدالله، والتبعات ات١لقاة على عاتقو، وقد توصلت إلذ أنو من الأفضل لر ولزملائي المحتًمتُ أف أنسحب من اتٞلسة عن قناعة ورضى، إذا أنتٍ تأكدت بألش لا أستطيع أف أقوـ بعملي التجاري في ىذه الظروؼ، لذلك فلا أرغب في ىذا الاجتماع، ولا أريد تٗصيص أي شيء لر من وقت السيد عبدالله الآف، إف قراري ىذا لا يعتٍ إلغاء وجودي بينكم، إنما يعتٍ تعليق مطالبي في الوقت الراىن وت١دة سنة واحدة على الأقل، على أف أحتفظ تْق ات١طالبة لتخصيص جزء من الوقت لر متى رأيت أف الظروؼ ملائمة لذلك، وشكراً . الرئيس : شكراً للسيد التاجر، لقد تٝعتم ما قالو زميلكم، والأمر مفتوح للمناقشة. ات١وظف: لقد فوجئت بقرار السيد التاجر، ولا أعلم الدوافع اتٟقيقية لو، ولكتٍ أود التوضيح بأف ات١سؤوليات ات١الية تقع كلها على عاتقي، وليس لر غتَ الراتب الذي أتقاضاه في نهاية كل شهر، وأشعر بأف السيد عبدالله يحتاج إلذ مورد مالر إضافي، وخاصة أف لو زوجة وأولاد، وأف

عدد الصفحات ٥٢

ىؤلاء الأولاد سيكبْوف وسيحتاجوف إلذ مزيد من النفقات، ولا أعلم إف كنت أستطيع القياـ بذلك لوحدي، لذا أرجو من السيد التاجر أف يعيد النظر في قراره . الأب: إنتٍ أتفهم موقف السيد ات١وظف، كما ألش أشعر بشعوره أيضاً، فأنا زوج وأب ت٠مسة أطفاؿ، وأنا ات١سؤوؿ ات١باشر عن إعالتهم، كما ألش أتوقع ازدياد النفقات في السنوات القادمة، وكذلك اتٟاجة إلذ ات١اؿ في اتٟالات الطارئة، ولكتٍ من ناحية أخرى أقدر ات١وقف الصريح للسيد التاجر في أنو لا يتوقع حصولو على وقت كاؼ ت١زاولة عمل إضافي في الوقت الراىن، لذلك أرجو التأكيد من أف قرار السيد التاجر ىو تعليق للأمر ت١دة سنة، وليس إلغآؤه على أف يطرح ات١وضوع في اجتماع خاص بعد مرور السنة، كما أقتًح أف يبقى السيد التاجر معنا ىنا بصفة مراقب دوف أف يكوف لو حق التصويت . الرئيس : شكراً للسيد الأب، ىل ىناؾ من لديو ما يقوؿ بشأف موضوع السيد التاجر. الكاتب: يعلم اتٞميع أف طلباتي متواضعة، وقد يؤيدلش في ذلك السيد الرياضي؛ لأف طلباتو متواضعة كذلك . الرياضي : ىذا صحيح. الكاتب: لذلك فإلش أؤيد اقتًاح السيد التاجر في تعليق مشاريعو، وأرجو أف يتاح لر مزيد من الوقت ت١مارسة الكتابة، وخاصة ألش أتوقع أف يتضاءؿ نصيبي إذا ما قرر التاجر البدء بأعمالو. الرئيس : يبدو أف اتٞميع موافقوف على اقتًاح السيد التاجر، وىذه علامة جيدة على اتٞو الودي الذي يسود الاجتماع، وإلش أضم صوتي إليكم ليكوف قراراً بالإتٚاع، أرجو من سكرتتَ اتٞلسة السيد الكاتب تدوين ىذا القرار في المحضر .

عدد الصفحات ٥٣

ات١وظف: ليسمح لر السيد الرئيس ببياف موقفي، فإف لر الآف تٙاف ساعات في اليوـ للقياـ بأعبا وظيفتي، وأشعر بألش تْاجة إلذ أمرين اثنتُ، الأوؿ : ىو إلغاء إجازتي السنوية ليتستٌ لر إت٧از بعض الأعماؿ ات١تًاكمة في مكتب؛ لأف ذلك يساعد على ترقيتي في السلم الوظيفي . والأمر الثالش: ىو رجائي لرئيس اتٞلسة والزملاء المحتًمتُ أف يوافقوا على تٗصيص ثلاث ساعات من وقت السيد عبدالله لأستطيع القياـ بعمل إ ضافي خارج ساعات العمل الرتٝية، وذلك لزيارة دخل السيد عبدالله، وخاصة وأف السيد التاجر قد انسحب من ات١شاركة في الوقت اتٟاضر. الكاتب: ىذا ليس عدلاً، ولا إنصافاً، فإنك تستأثر بنصف الوقت ات١تاح، وأنك... الرياضي : وأنا اعتًض على إلغاء الإجازة، لأنتٍ أنتظرىا ساعة بساعة، وقد وضعت برنات٣اً للإفادة من وقتها، وأظن... الرئيس (مقاطعاً ): أرجو من الزميل الرياضي أف لا يقاطع ات١تحدث حتى يكمل حديثو، ثم يطلب التحدث. الرياضي : أرجو ات١عذرة . الرئيس : تفضل أيها الكاتب، أكمل حديثك. الكاتب: ما أردت قولو للسيد ات١وظف ىو أننا وافقنا السيد التاجر على تعليق طلباتو نظراً لعدـ وجود وقت كاؼ لو، فكيف يطلب السيد ات١وظف سلخ ثلاث ساعات في اليوـ من وقت السيد عبدالله، إف ىذا ليس إنصافاً، كاف الأجدر أف تعطى ىذه الساعات الثلاث، إف توفرت للسيد التاجر، أما وأنو قد علق طلبو فإلش أرجو أف تؤخذ وضعي بنظر الاعتبار، ذلك بألش أشعر بالغبن، فليس لدي إلا بضع ساعات في الأسبوع ت١زاولة ىوايتي في الكتابة،

عدد الصفحات ٥٤

والكتابة كما يعلم حضراتكم تٖتاج إلذ القراءة، وبالتالر فإلش أحتاج إلذ أربع ساعات في اليوـ ت١واصلة الكتابة. الرياضي : إنتٍ أشعر بضيف بسبب الطلبات الكثتَة وات١تزايدة للزملاء، ويجب أف تعلموا – أيها السادة - بأف العقل السليم في اتٞسم السليم، وإذا كاف السيد الكاتب يطالب بأربع ساعات فلن أرضى بأقل منو، ولكتٍ سأقتنع بساعة في اليوـ لأداء مهمتي . الأب: مهلاً مهلاً – أيها الزملاء – يبدو كل واحد منكم يتحدث وكأنو ليس ىناؾ أحد غتَه، ىل نسيتم أف لر زوجة وأولاداً تٜسة يحتاجوف إلذ رعاية، وتربية، وتوجيو، فما فائدة الكتابة والرياضة إذا ساءت أمور العائلة، وضعفت العلاقات بتُ أفرادىا، إف أمر العائلة ورعايتها يحتاج إلذ مالا يقل عن اثنتي عشرة ساعة في اليوـ، كذلك أود تنبيو الزملاء إلذ أمر يبدو أنهم نسوه، وىو حقوؽ السيد العابد رئيس اتٞلسة، فلديو واجبات يومية ت٨و ربو تٜس صلوات في اليوـ والليلة، وقراءة جزء من القرآف، إضافة إلذ خلوة مع نفسو بتُ فتًة وأخرى، فإذا أخذنا ىذا الأمر نظر الاعتبار فلن يبقى ىناؾ وقت للكاتب ولا للرياضي، وأظن أف ما يقوماف بو ىو ترؼ لا حاجة لنا بو . الرئيس : أشكر السيد الأب على تطرقو تٟقوقي، في الواقع ىي حقوؽ الله، وكنت على وشك أف أنبو الزملاء إليها، وقد كفالش السيد الأب ذلك فجزاه الله ختَاً، إننا ىنا – أيها الزملاء – لإيجاد صيغة عادلة ترضي اتٞميع، ولا نريد إلغاء حق أحد، ولكن يجب أف يتذكر اتٞميع أف لدينا سبع عشرة ساعة فقط، فلننظر إلذ ت٣موع الساعات ات١طلوبة تٟد الآف، ولكن قبل ذلك أود إخباركم بألش احتاج إلذ ساعة واحدة في اليوـ لأداء الصلوات ات٠مس، أما قراءة القرآف والنوافل فقد اتفقت مع السيد عبدالله على أخذ ساعة إضافية من نومو، وىذا كما تعلموف اتفاؽ خاص لا شأف لكم بو، كما أنو لا يؤثر على الأوقات الأخرى، على ألش لابد أف أبوح لكم برغبتي في أخذ مزيد من الوقت، وأرجو أف تضعوا ىذا الأمر في حسابكم، وخاصة وأف

عدد الصفحات ٥٥

الدنيا ليست بدار قرار، والباقيات الصاتٟات ختَ عند ربك ثواباً وختَ أملاً، وأملي كب أف يعطيتٍ كل واحد منكم جزءاً من وقتو لأستطيع التقرب إلذ الله بالنوافل، وىو ختَ للجميع إف شاء الله، (ملتفتاً إلذ الكاتب): ما ىو ت٣موع الساعات الآف : الكاتب: لدي الآف طلبات بالأوقات كما يلي ات١وظف 11 ساعة(8 ساعات+ 3 ساعات إضافية). الكاتب 4 سعات. الرياضي ساعة واحدة . الأب 12 ساعة. العابد ساعة واحدة . المجموع 29 ساعة. سيدي الرئيس، لدينا 29 ساعة، بينما الوقت ات١تاح لنا ىو17 ساعة فقط. الرياضي : لقد أثر كلاـ السيد العابد في نفسي، وفكرت في أف ىذا اتٞسم الصحيح الذي أريده لن ينفعها غداً يوـ يقوـ اتٟساب، وأف الله الذي يحي ويديت ويدنح الصحة والقوة، لذلك أرجو إعطائي نصف ساعة في اليوـ للمحافظة على اللياقة البدنية للسيد عبدالله، كما أرجو إعطائي بضع ساعات أخرى في أياـ العطل والإجازات للاستمتاع بلعبة كرة ات١نضدة التي أحبها. ات١وظف: لد أكن أعلم أف ىناؾ واجبات وأعباء كثتَة بتعتُ على السيد عبدالله القياـ بها، كما ألش أعتذر للسيد التاجر عن عدـ مراعاتي لتضحيتو، لذلك فأورد أف أعلن عن تنازلر

عدد الصفحات ٥٦

عن مطالبتي بالساعات الإضافية الثلاث، إلا ألش أرجو من الزملاء ات١وافقة على إلغاء إجاز السنوية، وىو ت١دة ستة أسابيع. الأب: وأنا كذلك أظنتٍ أسرفت في أمر العائلة وسوؼ أبذلك جهدي لأف أكتفي بست ساعات فقط، من ضمنها زيارات لبعض الأقارب والأصدقاء، ولكتٍ لا أوافق على طلب السيد ات١وظف بإلغاء إجازتو، إذ أنها ليست حقاً لو، وإنما ىي للجميع. الكاتب: يبدو أف الأنظار تتوجو إلر، فاتٞميع قد بادر بالتضحية ولد يبق غتَي، لذا أعلن عن عزمي على الاكتفاء بساعتتُ في اليوـ، كذلك أود التنسيق والتعاوف مع السيد العابد؛ لأف أوقاتنا متجاورة، وغالباً ما تكوف في الليل أو في أوقات ات٠لوة. الرئيس : على الرحب والسعة، وأود إخبارؾ بألش على علاقة جيدة بالسيد عبدالله، وىو لا يبخل علي تّزء من ساعات نومو كلما احتجت ذلك للصلاة وللقياـ . الرياضي : سيادة الرئيس، أرجو الانتباه إلذ أف السهر يضر بالصحة . الرئيس : أعلم ذلك، وليس الغرض ىو تٕاوز اتٟقوؽ، فإف رسوؿ الله  يقوؿ: ((إف لبدنك عليك حقاً ...))، والآف يقرأ علينا السيد الكاتب الأوقات اتٞديدة ات١خصصة لكل زميل . الكاتب: لدينا الآف: ات١وظف 8 ساعات. الكاتب ساعتاف. الرياضي 0,5 ساعة. العابد ساعة واحدة، مع وعد من الكاتب بالتعاوف. المجموع 17,5 ساعة.

عدد الصفحات ٥٧

الأب: يبدو أف المجموع ىو 17,5 ساعة، أرجو من الزميل الرياضي أف يتعاوف معي، وسوؼ أجد لو الوقت اللازـ ت٦ا ىو ت٥صص لر، وخاصة وأنتٍ أشرؾ الأولاد في بعض الألعاب الرياضية، فهم يحبوف كرة القدـ . الرياضي : فكرة ت٦تازة، سوؼ أعمل على تدريبهم على كرة ات١نضدة أيضاً، وسأجري مباريات معهم. ات١وظف: بقيت قضية الإجازة وىي ستة أسابيع . الرئيس : إلش أقتًح أف تأخذ أسبوعتُ وتدع أربعة لزملائك الآخرين . ما ىو رأيكم؟ اتٞميع (يهزوف رؤوسهم): موافقوف. الرئيس : ىل ىناؾ شيء آخر يود أحد منكم قولو؟ الصمت علامة الرضا، أرجو أف يكوف كل منكم سعيداً تٔا كتب الله لو، وأدعو الله تعالذ أف يوفقكم ويبارؾ لك في أوقاتكم . (يلتفت إلذ الكاتب): سجّل، تم الاتفاؽ بالإتٚاع شكراً لكم، وفي رعاية الله)(1) . (1) ((آفاق بلا حدود)): 86-94.

عدد الصفحات ٥٨

أسس وضوابط لحقيق التوازن: تنقسم ىذه الأسس والضوابط إلى قسمين: أ - صفات لا بد من توفرىا في الشخص . ب - وصفات أخرى لابد من توفرىا في بيئتو . الأسس والضوابط اللازم توفرىا في بيئة الشخص: أووً : الطمأنينة والأمن: وجود ات١سلم في دولة يقل فيها النزاع بتُ الناس بعضهم بعضاً، وبتُ الناس وولاتهم، تْيث يغلب على أىل البلد الطمأنينة والأمن والاستقرار، وجود مثل ىذا عامل مهم لتحقيق التوازف ات١ذكور .

عدد الصفحات ٥٩

قيل ت٠ُرلص ات١ُرِّيّ: ((ما النعمة؟ قاؿ: الأمن؛ فإف ليس ت٠ائف عيش والغتٌ؛ فإنو ليس لفقتَ عيش، والصحة؛ فإنو ليس لسقيم عيش، ثم لا مزيد على ىذا ))(1) . انياً: الخلوّ من الكدورات والهموم: لابد من إيجاد مناخ نفسيِّ ملائم لطالب ىذا الأمر، تْيث تكوف الشواغل عنو تٔنأى، أما من ابتلي بزوجة عَسرة كثتَة ات١طالب وات٢موـ، أو من أبتلي بوالدة أو بوالد لا يريداف فراقو، أو من كاف همّو توفتَ لقمة العيش حيث إنو في بلد فقتَ كادح، فهذا لا يستطيع أف يحقق ات١طلوب من ىذا البحث ولا بعضو، وقد سبق قوؿ خُرلص في الفقرة السابقة ((ليس لفقتَ عيش)): أي عيش حسن. ثالثاً : انتشار العلم والثقافة: فمن شروط تٖصيل ىذا ات١طلوب العزيز وجود الشخص في بيئة علمية وثقافية قوية؛ لأف قلة العلم والثقافة قتل للإبداع، وحصر للفكر، وتسبب الرتابة في العمل، والانزواء في الأفكار، وليس أدؿّ على ذلك من أف علماء الأمة ات١بدعتُ كانوا يعيشوف في ات١راكز العلمية والثقافية الكبْى على امتداد التاريخ الإسلامي، وذلك في ات١دينة ودمشق والقاىرة وبغداد ونيسابور وغتَىا من ات١دف. (1) ((الممتع)): 101.

عدد الصفحات ٦٠

الأسس والضوابط اللازم توفرىا في الشخص: أووً : الإعداد المبكر والعناية الإلهية: اىتماـ الشخص منذ الصغر ببعض اتٞوانب ات١ذكورة في ات١باحث السابقة أمر مهم، فلا يعقل أف يبلغ الشخص مبلغ الرجاؿ ثم يفكر في تٖقيق ىذه الأمور، فقد كاف أئمتنا منذ حداثة أسنانهم يطلبوف الكماؿ في كثتَ من اتٞوانب الشرعية وغتَىا، قد أعدّىم الله للتصدر والرفعة والإمامة منذ صغرىم .

عدد الصفحات ٦١

ذكر الإماـ السخاوي(1) أف الإماـ النووي(2) ((نشأ... ستً وختَ، وت١ا بلغ من العمر سبع سنتُ كاف نائماً ليلة السابع والعشرين من رمضاف تّانب والده.. فانتبو ت٨و نصف الليل... وقاؿ: يا أبتي ما ىذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ فاستيقظ أىلو تٚيعاً فلم نر كلنا شيئاً، قاؿ والده: فعرفت أنها ليلة القدر (3) . وذكر ولر الله الشيخ ياستُ بن يوسف ات١راكشي قاؿ : رأيت الشيخ وىو ابن عشر سنتُ بػ (نػَوَى) والصبياف يُكرىونو على اللعب معهم، وىو يهرب منهم، ويبكي لإكراىهم، ويقرأ القرآف في تلك اتٟاؿ، قاؿ: فوقع في قلبي ت٤بتو، وكاف قد جعلو أبوه في دكاف، فجعل لا يشتغل بالبيع والشراء عن القرآف، قاؿ : فأتيت معلمو فوصيتو بو، وقلت لو: إنو يُرجى أف يكوف أعلم أىل زمانو وأزىدىم وينتفع الناس بو، فقاؿ لر : أمنجمٌ أنت؟ فقلت: لا، وإنمّا أنطقتٍ الله بذلك. قاؿ: فذكر ات١علم ذلك لوالده فحرص عليو إلذ أف ختم القرآف وقد ناىز اتٟلم))(1) . وىذا الإماـ ابن اتٞوزي رتٛو الله تعالذ يحكي عن نفسو قائلاً: ((أذكر نفسي ولر همّة عالية وأنا في ات١كتب ابن ست سنتُ وأنا قرين الصبياف الكبار، قد رزقت عقلاً وافراً في الصغر يزيد على عقل الشيوخ، فما أذكر ألش لعبت في طريق مع الصبياف قط، ولا ضحكت ضحكاً خارجاً، حتى ألش كنت ولر سبع سنتُ أو ت٨وىا أحضر رحبة اتٞامع، فلا أتٗتَ حلقة مشعبذ، بل أطلب المحدث فيتحدث بالستَ فأحفظ تٚيع ما أتٝعو، (1) الشيخ الإمام، العلامة، الرُحَلة، الحافظ محمد بن عبدالرحمن القاهرر الشافعي، أبو عبد . ولد سنة 831، وحفظ القرآن وهو صؽير وحفظ عدة متون. وأخذ عن أكثر من 400 شيخ واختص بشيخ الإسلام الحافظ ابن حجر. وله مصنفات كثيرة. توفي بالمدنية سنة 902 بعد مجاورته فيها زماناً رحمه الله تعالى. انظر ((النور السافر)): 16-21. (2) مفتي الأمة، شيخ الإسلام يحيى بن شرؾ بن مُرِّر، محيي الدين أبو زكريا النوور، الحافظ الفقيه الشافعي الزاهد، ولد سنة631 بـ(نوى) إحدى قوى حوران ببلاد الشام. وقدم إلى دمشق واجتهد في طلب العلم والتعبد، وألؾ مصنفات نفع الله تعالى بها المسلمين، توفي بـ (نوى) نسة 676، رحمه الله تعالى. انظر ((الوافي بالوفيات)): 4/264 -268. (3) هذا يدل على عناية الله به، منذ صؽره. (1) ((المنهل العذب الرورّ)):36-37.

عدد الصفحات ٦٢

وأذىب إلذ البيت وأكتبو، ولقد رفق بي شيخنا أبو الفضل ابن ناصر (2) رتٛو الله وكاف يحمل إلذ الشيوخ، فأتٝعتٍ ات١سند وغتَه من الكتب الكبار، وأنا لا أعلم ما يراد متٍ (3) ...ولقد كاف الصبياف ينزلوف إلذ دجلة ويفتًجوف على اتٞسر وأنا في زمن الصغر آخذ جزءاً وأقعد حُجزة(4) من الناس إلذ جانب الرِّقة فأتشاغل بالعلم، ثم أت٢مت الزىد فسردت الصوـ وتشاغلت بالتقليل من الطعاـ، وألزمت نفسي الصبْ ... وعاتٞت السهر، ولد أقنع بفنٍّ من العلوـ، بل كنت أتٝع الفقو والوعظ واتٟديث وأتبع الزىّاد))(5) . وقاؿ- أيضاً – رتٛو الله تعالذ : ((كمنت في زماف الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج إلذ طلب اتٟديث، وأقع على نهر عيسى(1)، فلا أقدر على أكلها إلا عند ات١اء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها وع ترى إلا لذّة تٖصيل العلم))(2) . وىذا الإماـ الكبتَ سفياف بن عيينة يحدث عن أبيو أنو قاؿ لو عندما بلغ سنو تٜسة عشرة سنة: ((إنو قد انقضت عنك شرائع الصّبا فاتبع ات٠تَ تكن من أىلو، فجعلت وصية أبي قبلةً أميل إليها ولا أميل عنها ))(3) . (2) الإمام المحدث الحافظ، مفيد العراق، أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد السَلاميّ البؽدادر، ولد سنة467، وقرأ ما لا يوصؾ كثرة، وحصل الأصول، وجمع وألّؾ، وبَعُد صيته، وكان فصيحاً مليي القراءة، قور العربية، جم الفضائل، توفي سنة 550، رحمه تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 20/265-271. (3) أر لصؽره. (4) أر بعيداً عن الناس. (5) ((لفتة الكبد إلى نصيحة الولد)): 61-67 بتصرؾ. (1) قال المحقق: في ضواحي بؽداد. (2) ((صدر الخاطر)): 213. (3) المصدر السابق: 160.

عدد الصفحات ٦٣

وىكذا ىي أحواؿ من أراد اتٞمع بتُ فضائل متعددة؛ إذ أنو أقدر على تٖصيلها منذ الصغر، ولا يعتٍ ىذا أف الكبتَ قد فاتو تٚع الفضائل، ولكنو يثقل عليو، ولقد نبغ تٚاعات من السلف تعلموا على كبْ مثل العز بن عبدالسلاـ والقفّاؿ وغتَهما. انياً : النجابة والذكاء : ظهور لوئح النجابة والذكاء على الشخص عامل مهم في تٖقيق ىذا الأمر، أمّا من علم من صفاتو العقلية ات٠َلْقية قصوراً فلا ينبغي لو ات٠وض في مثل ىذا، فرحم الله امرءاً قدر نفسو. الثاً : توفر صفات خَلقية وخُلقية في الشخص تعينو على ىذا المطلوب: فلا بد من ات٢مّة، وقوة الإرادة، وكثرة اتٟركة الفعالة ات١نتجة، والتفاؤؿ، وانشراح الصدر، وسعة الأفق، والقدرة على استجماع الفكرة، ونسياف الكدورات والأحزاف، وكرـ ات٠ُلُق. يقوؿ الإماـ ابن اتٞوزي رتٛة الله : ((أوؿ أسباب الكماؿ تناسب أعضاء البدف وحسن صورة الباطن، فصورة البدف تسمى خَلقاً، وصورة الباطن تسمى خُلُقاً، ودليل كماؿ صورة البدف حسن السمت واستعماؿ الأدب، ودليل كماؿ صورة البدف حسن السمت واستعماؿ الأدب، ودليل [كماؿ] صورة الباطن حسن الطبائع والأخلاؽ، فالطبائع: العفة، والنزاىة، والأنفة من اتٞهل، ومباعدة الشره . والأخلاؽ: الكرـ، والإيثار، وستً العيوب، وابتداء ات١عروؼ، واتٟلم عن اتٞاىل. فمن رزؽ ىذه الأشياء رقتو إلذ الكماؿ، وظهر عنو أشرؼ ات٠لاؿ، وإف نقصت خلة أوجبت النقص))(1) . (1) ((صيد الخاطر)): 255.

عدد الصفحات ٦٤