ويحسن بالدعاة ألا يتأثروا من قلة زيارة إخوانهم ت٢م؛ إذ ات١عيار ىو الأخوّة وتقارب القلوب، وليس الدليل على المحبة كثرة الزيارة ، فقد جاء يوسف القاضي(1) إلذ الإماـ إبراىيم اتٟربي (2) فقاؿ لو: يا أبا إسحاؽ، لو جئناؾ على مقدار واجب حقِّك لكانت أوقاتنا كلها عندؾ . فقاؿ: ((ليس كل غيبة جفوة ، ولا كل لقاء مودة ، وإنما ىو تقارب القلوب ))(3) . خامساً: التوازن في الحرص على الناس: بعض الدعاة بسبب كثرة ت٥الطتو للناس ومعرفتو تٔشاكلهم قد يضعف شعوره تٔشاكلهم وتٕاوبو معها، وبعض الدعاة على العكس من ذلك يكاد يتمزؽ كلما تٝع مشكلة أو رأى منكراً ، وات١طلوب التوازف . فقد حث الله سبحانو وتعالذ رسولو الأعظم على ألا يهلك نفسو حسرة على قومو فقاؿ: ((لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنتُ*)(1) . وقاؿ سبحانو: ((فلعلك باخع نفسك على ءاثارىم إف لد يؤمنوا بهذا اتٟديث أسفاً *))(2) . (1) لعله يوسؾ بن يعقوب بن إسماعيل، الإمام الحافظ المتوفى سنة 297 كما في((سير أعلام النبلاء)): 14/86 . (2) الشيخ الإمام، الحافظ العلامة، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم البؽدادر الحربي، صاحب التصانيؾ، ولد سنة 198 .كان إماماً في العلم، رأساً في الزهد، عارفاً بالفقه، بصيراً بالأحكام، حافظاً للحديث، مميزاً للعلة، صنؾ كتباً كثيرة، توفي سنة 258 رحمه الله تعالى.= انظر ((سير أعلام النبلاء)): 13/356. (3) المصدر السابق: 2/982. (1) سورة الشعراء: [3.] (2) سورة الكهؾ: [6.]
عدد الصفحات ٣٣والبَخْع: ات٢لاؾ. ولكنو قد غلب الناس في ىذه الأزمنة تبلد شعورىم تٔشاكل ات١سلمتُ ، فيا حبّذا أف يتوازف ىذا الأمر في الداعية ، فلا يتأثر تأثراً يفضي بو إلذ عدـ القدرة على العمل وإلذ الإحباط واليأس، ولا يضعف ىذا الشعور في نفسو فيتبلد حسو . كاف أويس القَرَلشّ (3) ((إذا أمسى تصدّؽ تٔا في بيتو من الفضل من الطعاـ والشراب، ثمّ قاؿ: اللهم من مات جوعاً فلا تؤاخذلش بو، ومن مات عُرياً فلا تؤاخذلش بو))(4) . وىذا الزاىد أبو عثماف اتٟتَي (5) ((طلب في ت٣لسو مالاً لبعض الثُّغور فتأخر، فتألدّ وبكى على رؤوس النّاس فجاءه ابن ت٧ُيْد (6) بألفي درىم فدعا لو ))(7) . سادساً: التوازن بين كره التصدي والشهرة وبين وجوب قيادة الناس : الداعية يكره التصدر والشهرة بطبعو لإخلاصو وبعده عن الرياء ، ولكن ماذا يفعل إف تعتُّ عليو نصح اتٞمهور وإرشادىم للحق ، فإنو لا ينبغي لو الفرار من ات١يداف بدعوى كراىية الشهرة والتصدر ، كما أنو لا ينبغي لو طلب الشهرة وإرادة التصدر لئلا يجرح إخلاصو . قاؿ تعالذ: (وأجعلنا للمتقتُ إماماً *)(1) . (3) القدوة الزاهد، سيد التابعين في زمانه، المرادر اليماني. من أولياء الله المتقين وعباده المخلصين. أثنى عليه النبي في أحاديث صحيحه. وانظر ((سير أعلام النبلاء)): 4/19-33. (4) ((نزهة الفضلاء)): 1/324. (5) الشيخ الإمام، المحدث الواعظ، القدوة، شيخ الإسلام، الأستاذ سعيد بن إسماعيل بن سعيد النيسابورر الصوفي. ولد بالرر سنة230 .وكان مجاب الدعوة، مجمع العباد والزهاد، وله مواعظ حسنة وحكم رائعة وكرامات جليلة. توفي سنة 298 رحمه تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 16/146-148. (6) الشيخ الإمام القدوة، المحدث، الرباني، شيخ نيسابور إسماعيل بن نجيد السلمي الصوفي. ولد سنة 272 .وتوفي سنة365 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 16/146-148. (7) ((نزهة الفضلاء)): 2/1158.
عدد الصفحات ٣٤وقاؿ سبحانو قاصاً كلاـ سيدنا يوسف عليو الصلاة والسلاـ: (أجعلتٍ على خزائن الأرض إلش حفيظ عليم *)(2) . فهاتاف الآيتاف توضحاف أف ات١سلم ىو الرائد والدليل ، بل قد ينبغي لو طلب ىذه الوظيفة الشريفة . وقد يكوف في قلب ات١تصدر ات١خلص حبٌ للشهرة وىو لا يشعر بو ولا يريده، ولكنو نازع من نوازع النفس الإنسانية لا يؤخذ عليو إف شاء الله ، فهذا إبراىيم بن أدىم (3) يقوؿ: ((ما صدؽ الله عبدٌ أحب الشهرة)) . فيعلق الذىبيّ قائلاً : ((علامة ات١خلص الذي قد يحب شهرةً ولا يشعر بها أنو إذا عُوتب في ذلك لا يحَْرد ولا يبْىء نفسو، بل يعتًؼ ويقوؿ: رحم الله من أىدى إلرّ عيوبي، ولا يكن معجباً بنفسو لا يشعر بعيوبها، بل لا يشعر أنو لا يشعر، فإف ىذا داءٌ مزمن))(1) . وقد أكثر السلف من التحذير من طلب التصدر وحب الشهرة ، فهذا شيخ ات١الكية أبو عثماف ابن اتٟدّاد(2) يقوؿ: ((ما صد عن الله مثل طلب المحامد وطلب الرفعة ))(3) . (1) سورة الفرقان: [74.] (2) سورة يوسؾ: [55.] (3) القدوة الإمام العارؾ، سيد الزهاد، أبو إسحاق العجلي الخراساني البلخي، نزيل الشام. ولد في حدود المائة. له = كلام رائق جميل وكرامات. توفي رحمه الله سنة 162 .انظر((سير أعلام النبلاء)): 7/387-396. (1) ((نزهة الفضلاء)): 1/596. (2) الإمام شيخ المالكية سعيد بن محمد بن صبيي المؽربي. أحد المجتهدين، وكان بحراً في فروع الفقه، رأساً في لسان العرب، بصيراً بالسنن كريماً حليماً . توفي سنة 302 عن83 سنة رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 14/205-214. (3) ((نزهة الفضلاء)): 2/1034.
عدد الصفحات ٣٥ويقوؿ الذىبي رتٛو الله ت٤ذراً من حب الشهرة: ((فرتٔا أعجبتو نفسو وأحب الظهور فيعاقب... فكم رجل نطق باتٟق وأمر بات١عروؼ فيسلط الله عليو من يؤذيو لسوء قصده وحبو للرئاسة الدينية ، فهذا داء خفيٌ سارٍ في نفوس الفقهاء، كما أنو سارٍ في نفوس ات١نفقتُ من الأغنياء... وىو داء خفيّ يسري في نفوس اتٞند والأمراء والمجاىدين، فتًاىم يلقوف العدو ويصطدـ اتٞمعاف وفي نفوس المجاىدين ت٥بآت وكمائن من الاختياؿ وإظهار الشجاعة ليُقاؿ(4) ... يضاؼ إلذ ذلك إخلاؿ بالصلاة وظلم للرعيّة وشرب للمسكر فألس ينصروف؟ وكيف لا يخذلوف؟ ... فمن طلب العلم للعمل كسره العلم ، وبكى على نفسو، ومن طلب العلم للمدارس والإفتاء والفخر والرياء تٖامق واختاؿ وازدرى بالناس وأىلكو العجب ومقتتو الأنفس))(5) . والذي يحب الصدارة معرّض للذؿ، كما قاؿ أبو الطيب سهل الصعلوكي: (1) ((من تَصدّر قبل أوانو فقد تصدّى ت٢وانو))(2) . وكما قاؿ زُفَر بن ات٢ذيل(3) : ((من قعد قبل وقتو ذَؿّ))(4) . (4) أر ليقال عنهم إنهم شجعان. (5) ((نزهة الفضلاء)): 3/1277-1278. (1) العلامة شيخ الشافعية بخراسان، الإمام الطيب سهل بن محمد العجلي الحنفي ثم الصُعلوكي النيسابورر الفقيه الشافعي. وبعده بعض العلماء مجدد المائة الرابعة. توفي رحمه الله تعالى سنة 404 وهو في عشر الثمانين. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 17/207-209. (2) ((نزهة الفضلاء)): 3/1277-1278. (3) العنبرر، الفقيه المجتهد، الرباني، العلامة، أبو الهذيل. ولد سنة 110 كان ثقة مأموناً. توفي سنة 158 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 8/46-48. (4) ((نزهة الفضلاء)): 2/612.
عدد الصفحات ٣٦وىذه الأقواؿ إف انطبقت على ت٤ب التصدر والشهرة وعدلص الإخلاص فلا تنطبق – إف شاء الله – على داعية تصدّر لإرجاع قومو إلذ اتٟق وإلذ طريق مستقيم حتى لو شُهر وعرؼ فلا بأس عليو – إف شاء الله تعالذ – ولو أسوة بالرسل الكراـ، فهم أعظم الناس شهرة، وكذلك ات١صلحوف والدعاة من بعدىم. وما أتٚلَ قوؿ الفُضَيْل رتٛو الله: ((من أحب أف يُذكر لد يذكر، ومن كره أف يُذكر ذُكر))(5) . وقد وازف الفُضَيْل– أيضاً – ىذا الأمر قائلاً : ((إف استطعت ألا تكوف ت٤دثاً ولا قارئاً ولا متكلماً (6)، إف كنت بليغاً قالوا: ما أبلغَو وأحسنَ حديثو وأحسنَ صوتو فيعجبك ذلك فتنتفخ، وإف لد تكن بليغاً ولا حسن الصوت قالوا: ليس يحسن يحدّث وليس صوتو تْسن، أحزنك ذلك وشق عليك فتكوف مرائياً، وإذا جلست فتكلمت لد تباؿ من ذمك ومن مدحك فتكلم))(1) . وقد يكوف ات١رء كارىاً للشهرة من باب التواضع الكاذب الذي سوؿ لصاحبو أنو أضعف وأصغر من أف يشتهر ويعرؼ ، وىذا داء سارٍ في كثتَ من الصاتٟتُ ولولاه لتمكنوا من ارتياد آفاؽ أعظم لدعوتهم ودينهم. النازع الرابع : الجهاد في سبيل الله: يطتَ ات١سلم شوقاً إلذ اتٞهاد، وكلما دعاه الداعي إليو رغب فيو وحنّ إليو، واتٞهاد – لا شك – من أعظم القُرب وأفػْعَلها في النفس وأشدىا تأثتَاً ، استمع إلذ قولو تعالذ: (5) المصدر السابق: 2/665. (6) أر فافعل إن كنت ممن يحب التصدر. (1) ((نزهة الفضلاء)): 2/665.
عدد الصفحات ٣٧(( *إف الله أشتًى من ات١ؤمنتُ أنفسهم وأموات٢م بأف ت٢م اتٞنة يقاتلوف في سبيل الله فيقتلوف ويقتلوف وعداً عليو حقاً في التوراة والات٧يل والقرءاف ومن أوفى بعهده من الله فأستبشروا ببيعكم الذي بايعتم بو وذلك ىو الفوز العظيم*))(2) . فالذي يسمع ىذا النداء العلويّ اتٞليل لا بد أف يستجيب إف كاف في قلبو إيداف قويّ. جوانب التوازن في الجهاد: قد يكوف العلم والتعليم والدعوة أفضل من اتٞهاد الكفائي في بعض الأحياف، وخاصة في ىذا الزماف الذي قد يتصدر فيو للجهاد كثتَ ، ولكن ات١تصدر اتٟكيم للتعليم والدعوة نادر أشبو بات١فقود، فات١تصدر – الصادؽ اتٟكيم – للدعوة يفعل في الأمة – أحياناً – ما لا يفعلو تٚع من المجاىدين. يقوؿ يحتِ بن معتُ(1) رتٛو الله تعا : ((الذب عن السنة أفضل من اتٞهاد في سبيل الله)). فقاؿ لو ت٤مد بن يحتِ الذىلي(2) . ((الرجل ينفق مالو ويتعب نفسو ويجاىد فهذا أفضل منو؟ قاؿ: نعم، بكثتَ))(3) . (2) سورة التوبة: [111.] (1) الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، أبو زكريا يحيى بن معين الؽطفاني ثم المرر بالولاء البؽدادر، أحد الأعلام، ولد سنة 158 . وكان رأساً في الجرح والتعديل. توفي بالمدينة في طريقه للحج سنة 233،رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 11/71- 96. (2) الإمام العلامة الحافظ البارع، شيخ الإسلام وعالم أهل المشرق وإمام أهل الحديث بخراسان، أبو عبدالله الذهلي- بالولاء – النيسابورر . ولد سنة بضع وسبعين ومائة وتوفي سنة 258 رحمه الله تعالى. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 12/273 – 285.
عدد الصفحات ٣٨فهذا رأي يحتِ بن معتُ في ذلك الزماف؟ فكيف في ىذا العصر الذي قلّ فيو من ينشر العلم ويدعو بصدؽ وحكمة . انياً : وجوب اوستعداد للجهاد: من كاف اتٞهاد مفضولاً في حقّو فليس معتٌ ىذا أنو ينسى الاستعداد لو نفسيّاً وعقلياً وبدنياً ، بل ينبغي لو أف يكثر من ذكره ويتمتٌّ الشهادة ويرغب فيها ، بل يجعلها أتٝى أمانيو، ويتحسّر على اتٞهاد إذا فاتو، فهذا يونس بن عبيد(4) الإماـ التابعيّ((نظر إلذ قدميو عند ات١وت وبكى، فقيل: ما يبكيك أبا عبدالله؟ قاؿ: قدماي لد تغبَّْ في سبيل الله))(5) . ولقد كاف الكثتَ من السلف مستعدين للجهاد ، فهذا الإماـ البخاري (1) رتٛو الله تعالذ كاف يركب إلذ الرمي كثتَاً ، وكاف لا يُسبق في إصابتو ات٢دؼ(2) . وىذا السلطاف الصالح نور الدين ت٤مود الشهيد(3) ((كاف يكثر اللعب بالكرة فأنكر عليو فق (4) فكتب إليو: والله ما أقصد اللعب، وإنما ت٨ن في ثغر فرتّٔا وقع الصوت(5) فتكوف ات٠يل قد أدمنت على الانعطاؼ والكرِّ والفرّ))(6) . (3) ((نزهة الفضلاء)): 2/778. (4) الإمام القدوة الحجة، من صؽار التابعين وفضلائهم، العبدر – بالولاء – ثقة، ورع. توفي سنة 140 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 6/288-296 . (5) ((نزهة الفضلاء)): 2/903. (1) الإمام الحافظ العلم محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخارر الجعفي– بالولاء – توفي سنة 256 بقرية خَرْتَنْك ، رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 12/391-471. (2) ((نزهة الفضلاء)): 2/904. (3) صاحب الشام، الملك العادل، ليث الإسلام، أبو القاسم محمود بن زنكي. ولد سنة 511 .كان حامل رايتي العدل والجهاد، قلّ أن ترى العيون مثله. وكان بطلاً شجاعاً ، وافر الهيبة، حسن الرمي، ذا تعبد وخوؾ وورع، وكان يتعرض للشهادة في ؼزوات كثيرة ؼزاها مع الإفرنج. توفي رحمه الله تعالى سنة 569 .انظر((سير أعلام النبلاء)): 20/531-539. (4) أر صوفي. (5) أر جاء العدوّ . (6) ((نزهة الفضلاء)): 3/1454.
عدد الصفحات ٣٩وىذا سلطاف ات١وحِّدين يوسف بن عبدات١ؤمن(7) ((أمر العلماء أف يجمعوا أحاديث في اتٞهاد تُ٘لى على اتٞند، وكاف ىو يدلي بنفسو وكبار ات١وحِّدين يكتبوف في ألواحهم))(8) . وىذا العالد الصالح حَيْوة بن شُريح(9) إماـ ات١صريتُ قد قاؿ مرّة لبعض نواب مصر: ((يا ىذا، لا تٗلتَُّ بلادنا من السلاح، فنحن بتُ قبط لا ندري متى ينقضّ ، وبتُ حبشي لا ندري متى يغشانا ، وبتُ رومي لا ندري متى يحلّ بساحتنا، وبربري لا ندري متى يثور ))(10) . وأمّا سؤاؿ الله الشهادة فقد كاف الصاتٟوف يكثروف منو، فهذا عتبة الغلاـ بات عند رياح القيسيّ (1) فسمعو يقوؿ في سجوده: ((اللهم احشر عتبة من حواصل الطتَ وبطوف السِّباع))(2) . أي أف يستشهد في معركة ويُتًؾ حتى تأكل الطتَ والسباع من تٟمو. وقد غفل كثتَ من الصاتٟتُ عن الاستعداد للجهاد ، فهم إذ نادى مناديو لا أدري كيف سيستجيبوف ولساف حات٢م الناطق بالعجز أفصح من مقات٢م. الثاً : معرفة أنواع الجهاد : (7) صاحب المؽرب. كان حلو الكلام فصيحاً ، حلو المفاكهة، عارفاً باللؽة والأخبار والفقه، متفنناً ، جواداً ، شجاعاً ، استشهد بالأندلس الذر دخلها للدفاع عنها سنة 580 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 21/98-103. (8) ((نزهة الفضلاء)): 3/1473. (9) الإمام الرباني، أبو زرعة، التجيبي المصرر، من البكائين، وكان ضيق الحال جداً ، وصاحب كرامات. توفي رحمه الله تعالى سنة 158 .انظر((سير أعلام النبلاء)): 6/404-406. (10) ((نزهة الفضلاء)): 1/553. (1) رياح بن عمرو القيسي العابد، أبو المهاصر، بصرر زاهد، متألِّه، كبير القدر، وهو قليل الحديث، كثير الخشية والمراقبة. انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)): 8/174-175. (2) ((نزهة الفضلاء)): 1/564.
عدد الصفحات ٤٠ىناؾ جهاد بالنفس وىو أعلاىا مرتبةً، وىناؾ جهاد بات١اؿ وىو من أعظم الأمور خاصةً في ىذا العصر، وىناؾ جهاد بالقلم، وىناؾ جهاد بالدعوة، وىناؾ جهاد للنفس، وغتَ ذلك، فمن لد يوفق للجهاد بالبدف فليس أقل من أف يجاىد تٔالو أو بلسانو؛ لأف ىناؾ قوماً من الصاتٟتُ إذا تٗلف عن اتٞهاد بالنفس صار إلذ حبّ الدنيا والتشبث بها ، كأنو لا منزلة بتُ ات١نزلتتُ ، فهو إمّا أف يجاىد بنفسو أو يركن إلذ الدنيا، وىذا غتَ صحيح، فهو إف لد يجاىد بنفسو فلا بدّ أف تكوف حياتو بتُ قومو جهاداً حقيقياً باللساف وباتٟاؿ وبالدعوة وغتَ ذلك. وقد غفل كثتَ من إخواننا الصاتٟتُ عن ىذا ات١عتٌ ، فهم في ترؼ ودَعَة، وكأنهم بعدـ خروجهم للجهاد البدلش لعذر ما قد سقطت عنهم تٚيع أنواع اتٞهاد الأخرى . النازع الخامس : طلب المال: أىمية المال: المجتمع الإسلاميّ - اليوـ – في أمسِّ اتٟاجة إلذ ات١اؿ ليقيم بو حياة إسلامية كريدة، وات١اؿ عصب لكثتَ من ات١شاريع الإسلامية النافعة ، وكل مناحي العمل الإسلامي في حاجة إليو ، إذ ىو أساسٌ في اتٞهاد، والدعوة، والإعلاـ الإسلاميّ ، واللجاف ات٠تَية، وىيئات الإغاثة إلخ... باختصار ىو أساس لا غتٌ عنو، فهل يلاـ ات١سلم ات١لتزـ إف تْث عنو وجدّ في طلبو للأغراض ات١ذكورة آنفاً ، لا ليس عليو لوـ، فقد قاؿ سعيد بن ات١سيَّب(1) . ((لا ختَ فيمن لا يريد تٚع ات١اؿ من حلو يعطي منو حقّو ويكفّ بو وجهو عن الناس ))(2) . وقاؿ ابن ات١نكدر(3) : (1) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، اتفقوا على أن مرسلاته أصي المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علماً منه، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. انظر ((التقريب)): 241. (2) ((نزهة الفضلاء)): 1/376. (3) الإمام الحافظ القدوة شيخ الإسلام أبو عبدالله القرشي المدني. ولد سنة بضع وثلاثين. كان من سادات القراء بكاءً .
عدد الصفحات ٤١((نعم العوف على تقوى الله الغ))(4) . وقاؿ وىب بن منبِّو: ((الدرىم خواتيم الله في الأرض ، فمن ذىب تٓاتم الله قضيت حاجتو))(5) . وقيل للإماـ أبي الزِّناد(6) . ((لد تٖب الدراىم وىي تدنيك من الدنيا؟ فقاؿ : لأنها وإف أدنتتٍ منها فقد صانتتٍ عنها))(1) . وقاؿ الثوري (2) : ((كاف ات١اؿ فيما مضى يُكره، فأمّا اليوـ فهو تُرس ات١ؤمن))(3) . ((ونظر إليو رجل وفي يده [أي سفياف] دنان، فقاؿ: يا أبا عبدالله، ت٘سك ىذه الدنانتَ؟ قاؿ: اسكت، فلولاىا لتمندؿ بنا ات١لوؾ ))(4) . ولتحقيق التوازف في طلبو لا بد من تدبر ا : أووً : وجوب كون المال في اليد و في القلب : له كلام حسن رائق، وأخبار جميلة. توفي سنة 130 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 5/353-361. (4) ((نزهة الفضلاء)): 1/496. (5) المصدر السابق: 1/441. (6) عبدالله بن ذكوان، الإمام الفقيه الحافظ المفتي، أبو عبدالرحمن القرشي المدني، ويلقب بأبي الزِّناد. ولد نحو سنة 65،وكان من علماء الإسلام وأئمة الاجتهاد. توفي سنة 130 رحمه الله تعالى. انظر ((سير أعلام النبلاء)): 5/445-451. (1) ((نزهة الفضلاء)): 1/508. (2) سفيان بن سعيد بن مسروق الثورر الكوفي، أبو عبدالله، ثقة، حافظ، فقيه عابد، إمام حجة، مات سنة 161 وله أربع وستون سنة. انظر ((التقريب)): 244. (3) ((نزهة الفضلاء)): 1/584. (4) المصدر السابق.
عدد الصفحات ٤٢فإف حب ات١اؿ للماؿ إذا ت٘كّن في القلب أىلك صاحبو، فقد قاؿ ىشاـ بن حسّاف(5) : ((تٝعت اتٟسن(6) يحلف با: ما أعز أحدٌ الدرىم إلا أذلو الله))(7) . ولكي يضمن الأخ الداعية عدـ تغتَ نفسو بكثرة ات١اؿ فإف عليو أف يستكثر من قراءة س الصاتٟتُ الذين تٚعوا بتُ الغتٌ والأمواؿ الطائلة وبتُ الزىد والتطلع إلذ الآخرة وما عند الله تبارؾ وتعالذ ، ومن أعظم من تٚع بتُ الأمرين عثماف بن عفاف وعبدالرتٛن بن عوؼ رضي الله عنهما؛ إذ أف كثرة مات٢ما معروفة ، وكانا – مع ذلك – مبشريْن باتٞنة. انياً : عدم الإغراق في طلب المال: وىذا أمر خطتَ؛ إذ في غمرة تٛاس الأخ وتطلعو إلذ تٚع ات١اؿ قد ينسى دعوتو وعبادتو فيقسو قلبو وتٕف روحو ، وإذا رأيتو فكأنك ترى أحد أبناء الدنيا ات١تكالبتُ عليها والذين لا يبالوف بأمر آخر غتَ حبها وتفضيلها. فكم من نفوس زكية خربت ، وكم من صلات أخوية متينة تقطعت بسبب التهافت على تٚع ات١اؿ ونسياف الآخرة ، واتٟوادث أكثر من أف تٖصر، ولكتٍ أضرب – ت١ا أقولو – ثلاثة أمثلة: أعرؼ أخاً صاتٟاً داعية ثقة دخل مضمار الدنيا ففتح عليو قليلاً فظن أنو قد فاز، فابتلاه الله تعالذ بأمور متعددة نتج عنها قطع صلاتو بإخوانو، وخسرت الدعوة أخاً كاف من ات١أموؿ أف يرتقي بها ويعلي من شأنها ، وخسر ىو إخوانو الذين ىم رأتٝالو اتٟقيقي . (5) هشام بن حسّان الأزدررّ القُرْدُسي، أبو عبدالله البصررّ . ثقة. مات سنة 147 أو التي تليها، وانظر ((التقريب)): 572. (6) هو الحسن البصرر التابعي الكبير. توفي سنة 110 .وفي((التقريب)): 72 كلام عن سماع بن هشام من الحسن، ولعل هذا النص هنا – إن صي – يثبت سماعه منه، والله أعلم. (7) ((نزهة الفضلاء)): 1/449.
عدد الصفحات ٤٣وأعرؼ آخر ، ليس كسابقو ، ولكنو مسلم مستقيم، ترؾ وظيفتو لأجل طلب الدنيا التي استدرجتو حتى وقع في حبائلها ، فأصبح الآف يُرثى تٟالو؛ إذ ىو بعيد عن الله تعالذ، مكروه من الناس، ت٦قوت حتى من أقرب أىلو إليو ، ىذا تٓلاؼ ما اعتاده- الآف – من كذب وغش وخداع . وأختم بثالث كاف نشيطاً في الدعوة ت٤باً ت٢ا حينما كاف موظفاً ، فسوّؿ لو الشيطاف ترؾ الوظيفة والالتحاؽ بركب التجار ، وكانت لو أعذار في ىذا - كالعادة – فغرؽ في تْر التجارة شيئاً فشيئاً حتى نسي ات١عالش العليّة التي كاف يدعو ت٢ا، وتقهقر نشاطو، وفتً عزمو، وتشوش بالو، وتفرؽ قلبو . ىذه بعض أمثلة توضح ما يدكن أف يصيب الأخ الداعية إذا جرى في ات١ضمار بغتَ فرس جيد وبغتَ تٞاـ. وقد قاؿ أبو الدرداء رضي الله عنو موضحاً ذلك: ((أعوذ بالله من تفرقة القلب . قيل: وما تفرقة القلب؟ قاؿ: أف يجُعل لر في كل واد ماؿ ))(1) . الثاً: المسارعة في إنفاقو لوجو الله تعالى: قد يسوَؿ الشيطاف لأصحب الأمواؿ تٚعها وعدـ الإنفاؽ منها بدعوى استعدادىم ت١شاريع آخرَ، وىذا ات١نطق قد يجر صاحبو إلذ أف يكتنز الأمواؿ فلا يراىا المحتاجوف الذين كاف تْٚعُ ىذا ات١اؿ من أجلهم، كما ىو الظاىر . (1) المصدر السابق: 1/160.
عدد الصفحات ٤٤نعم قد يقاؿ إف ىذا أمر نفسي لا يُطلع عليو، ولكتٍ أردت أف أحذر إخوالش حتى لا يكونوا مثل ذلك الداعية الواعظ الذي كاف لو جلالة عجيبة وأتباع وأنصار، ولكنو ت١ا مات وجودا لو أربعتُ وعاء ت٥تومة مليئة بالأمواؿ لد يفك ختمها، فقاؿ الذىبي : ((كاف من كبار ات١ذكِّرين، لكن ما أقبح بالعالد الداعي إلذ الله اتٟرص وتٚع ات١اؿ))(2) . رابعاً: وجوب التخصص في ىذا الباب: وأعتٍ بذلك أنو ليس لكل داعية أو مسلم ملتزـ ات٠وض في تٚع ات١اؿ بغرض الإكثار منو للإنفاؽ في سبيل الله تعالذ؛ إذ لابدّ من ضوابط في ىذا الباب، باب التجارة، تٖكمو وتوجو العاملتُ فيو، فلا يصلح للتفرغ ت٢ذا الأمر داعية قدوة، ولا غرٌ ضعيف لا يفقو حيل الدنيا غرؽ فيها، إلخ ... وأقوؿ ىذا حتى لا يطغى تٚع ات١اؿ – بدعوى الإنفاؽ منو في سبيل الله – على غتَه من اتٞوانب ات١همة في حياة ات١سلم، فيضيع في تلك الأودية. (2) المصدر السابق: 3/1231.
عدد الصفحات ٤٥المبحث الثالث التوازن والتنازع واقعية ىذا البحث: قد عرضت في الصفحات ات١اضية النوازع ات١ختلفة التي تتأجّج في نفس ات١سلم الغيور، وأَوضحُ بأف تٖقيق الاتستجابة لنازع أو اثنتُ أمر قد يكوف ميسوراً، ولكن كيف السبيل لتحقيقها كلها أو غالبها فيصتَ الإنساف قدوة؟ وقبل أف أجيب على ىذا السؤاؿ ىناؾ سؤاؿ آخر يدور تٓلد الكثتَين، وىو مدى واقعية ىذا ات١بحث وإمكانية تٖققو في ىذه اتٟياة ات١عقدة كثتَة ات١طالب .
عدد الصفحات ٤٦ولابدّ قبل الإجابة على ىذا السؤاؿ التوضيح بأف ىذا الكتاب كلو لد يصنف لقاعدي ات٢مّة، أو للمحبَطتُ اليائستُ الذين من صميم عملهم إحباط أي فكرة متفائلة أو عل الأقل الغضّ من شأنها، إنما وضع ىذا الكتاب ت١ن ىو عالر ات٢مة، قويّ الإرادة، ترى بريق العزـ في عينيو، ويفصح لسانو عن ت٥بوء صدره وعقلو، فإف كنت من ىذا الفريق، أو ت٦ن يطمح لأف يكوف منهم فواصل القراءة مستعيناً بالله، وإف كنت من فريق ات١ثبطتُ فاعزـ على فراقهم، والاستئناس تٔا ورد في ىذا الكتاب في مستَتك اتٞديدة: (والله معكم ولن يتركم (1) أعمالكم)(2) . إذاً قد يسأؿ سائل مستغرباً مستنكراً: ىل ىذا تْث واقعي يدكن إيجاد أو تٖقيق ما يصبو إليو كاتبو من كتابتو؟ ! أو ىو مثاليات وكلاـ مُرسل لا قيد لو ولا ضابط؟ وللإجابة على ىذا السؤاؿ لابد من بياف أنو حتى يُتحقق من واقعية ىذا الأمر وإمكانية تطبيقو يُنظر إلذ جانبتُ اثنتُ: الأمر الأول: ىل حدث مثل ىذا التوازف بتُ ات١تنازعات في عصور السلف الذين فهموا الإسلاـ وطبقوه أو حتى فيمن جاء بعدىم؟! وأما الأمر الآخر: ىل يدكن أف يحدث ىذا التوازف في ىذا الزماف؟ سواء أحدث في العصر الأوؿ أـ لد يحدث؟ أما الأمر الأوؿ فقد تٖقق جزماً فيستَة سيد ات١رسلتُ ،فقد كاف قويَّ الإيداف، راسخ اليقتُ، بل أعظم الناس في ىذا ، وكاف سيد العابدين الزاىدين، وكاف ت٣اىداً عظيماً، وقائداً بطلاً شجاعاً، كما كاف ختَ الناس لأىلو وأقاربو، وىو - كذلك– أعظم (1) قال صاحب: ((مختار الصحاح)): وَتَرَهُ يَتره – بالكسر – وتراً، بالكسر أيضاً : نفصه، وقوله تعالى (ولن يتركم أعمالكم) أر في أعمالكم)) انظر ((مختار الصحاح)) (وتر). (2) سورة محمد [ :35.]
عدد الصفحات ٤٧الناس تربية لصحبو وأزواجو وأولاده، وىكذا لا تكاد تٕد جانباً من جوانب التفوؽ إلا وقد حازه رسوؿ الله على الوجو الأعظم (1) . وىناؾ أمثلة أخرى لبعض صحابة رسوؿ ا تتفاوت في تٖقيق اتٞمع بتُ الفضائل وات١وازنة بينها، ولكتٍ أحب بياف حاؿ من جاء بعدىم لشهرة الصحابة ولقلة من يَعرؼ مَنْ جاء بعدىم. وىناؾ مثل مضيء من عصور السلف وىو الإماـ بقيّ بن ت٥لد ت٤دث الأندلس وعات١ها وزاىدىا، وأعرض عليكم ستَتو لتعرفوا ما أقصده، قاؿ الذىبيّ رتٛو الله تعالذ: ((كاف بَقيّ يختم القرآف كل ليلة، في ثلاثَ عشرةَ ركعة، وكاف يصلي بالنَّهار مئة ركعة، ويصوـ الدىر. كاف كثتََ اتٞهاد، فاضلاً، يذكر عنو أنو رابط اثنتتُ وسبعتُ غَزْوة. ونقل بعض العلماء من كتاب تٟفيد بَقيٍّ عبدالرتٛن ابن أتٛد: كاف جدِّي قد قسَّم أيامَو على أعماؿ البِّْ : فكاف إذا صلى الصُّبح قرأ حزبو من القرآف في ات١صحف، سُدسَ القرآف، وكاف أيضاً يخَْتم القرآف في الصلاة في كل يوـ وليلة، ويخَْرج كل ليلة في الثلث الأختَ إلذ مسجده فيختم قُرب انصداع الفجر، وكاف يُصلي بعد حزبو من ات١صحف صلاةً طويلةً جداً، ثم ينقلب إلذ داره – وقد اجتمع في مسجده الطلبة – فيجدِّد الوضوء، ويخرج إليو، فإذا انقضت الدُّوؿ (1)، صار إلذ صومعة ات١سجد، فيصلي إلذ الظهر، يكوف ىو ات١بتدئ بالأذاف، ثم يهبط، ثم يُسمعُ (2) إلذ العصر، ويصلي ويُسمع، ورتٔا خرج (1) هناك كتب كثيرة تكفلت بإبراز جوانب العظمة والتفوق في شخصية رسولنا الكريم مثل كتب السيرة، وكتب فقه السيرة، وهنك كتب تكفلت بإبراز صفاته وتقريرها على الوجه الأتم وهي كثيرة فليرجع إليها للتوسع، ومن هذه الكتب((زاد المعاد))، و ((بطل الأبطال)) لعبد الرحمن عزّام، و ((الرحيق المختوم)) للمباركفورر، وؼيرها كثير. (1) النُّوَب، وهي أوقات الطلبة التي يتداولونها بينهم . (2) أر يُسمع الطلبة.
عدد الصفحات ٤٨