المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم

غير معروف

صفحة ٣ من ٥

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 35 ألا ترى أنَّ خبرَ الواحد يسع الاجتهاد في مُالفتِه، ولا يسع الاجتهادُ في مُالفةِ الإجماع...، فالإجماعُ يُصحِّحُ خبرَ الواحد ويمنعُ الاعتراضَ عليه، كما يُصحِّحُ الرأي ويَمنعُ مُالفتَه، فإذا كان هذا هكذا جاز تخصيصُ ظاهر القرآن بخبرٍ قد تلقاه الناسُ بالقبول، وإن كان ورودُه من طريقِ الآحاد، ولا يَلزمنا على ذلك جواز تخصيصه بخبرِ الواحد إذا عَرِي من المعاني الت ي وصفنا» وهذا المعنى اللطيف والقاعدة المتينة من القبول والعمل التي راعاها فقهاء الحنفية في اعتبارهم لصحّة النقل عن النبي  وضعفه، جعلت عندهم تقسيماً مُتلفاً في ورود السنة، فالسنة عند المحدثين على قسمين: متواتر وآحاد، والآحاد: غريب وعزيز ومشهور، فالمشهور من أفراد الآحاد إذ يرويه عدد محصور يزيد على اثنين بخلاف العزيز الذي يرويه اثنان والغريب الذي يرويه واحد (1)، فتقسيمهم مردُّه إلى الرجال الرُّواة والنظر إلى عددهم فحسب. وأما الفقهاء فلاحظوا جانب العمل والقبول للرواية، فانقسمت السّ نة بحسب ورودها عندهم إلى ثلاثة أقسام: وهي المتواترُ والمشهورُ والآحاد، واثنان منهما متفق عليهما بين الفقهاء والمحدثين، والثالث وهو (1) ينظرعبد الحي اللكنوي، ظفر الأماني بشرح مُتصر الشريف الجرجاني، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية، 1416هـ، ص67ـ69.

عدد الصفحات ٣٤

36 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم المشهور نتيجة المعنى المذكور. قال الرّهاوي (1)« :اعلم أنَّه ليس المراد بالمشهور هنا باصطلاح المحدثين: وهو ما رواه ثلاثة فصاعداً؛ لأنَّ ذلك عندنا لا يُسمَّى مشهوراً...» وبهذا يَتَبَينَّ أَنَّ مَدارَ الشهرةِ عند الحنفيّةِ على العملِ والقَبول ـ الإجماع ـ من كبار الصحابة  والتابعين، وهي بمثابةِ الحكمِ بثبوتِ الحديثِ عن النبيِّ ، فكما أَنَّ المحدِّثين اعتبروا تصحيحَ الحفّاظ وتضعيفَهم للحديث بناءً على النّظرِ في الأسانيد وغيرها، فإنَّ السادةَ الحنفيّة اعتبروا هذا الوجه واعتبروا وجهاً آخر أَقوى منه في رفعِ الحديث إلى درجة المتواتر: وهو حكم كبار الصّ حابة  والتابعين على الحديث من خلال عملهم وقبولهم له، فهم مع اختلاف عقولهم وشروطهم إن قبلوا حديثاً دَلَّ على صحّةِ مَُ رجه، وإن ردَّوه دَلّ على ضعفه. قال الجصاص :(2)« :خبر الواحد إذا ساعده الإجماع كان ذلك دليلاً على صحّته, وموجباً للعلم بمخبره، فإنَّه نحو ما روي عن النبي  أنَّه قال: «لا وصية لوارث»(3) إنَّما رُوِي من طريق الآحاد, واتفق الفقهاء ع (1) في: يحيى الرهاوي، حاشية الرهاوي على شرح المنار، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315هـ، ج2، ص619. (2) في: الجصاص،الفصول ، ج2، ص68. (3) سيأتي تخريجه

عدد الصفحات ٣٥

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 37 العمل به فدلَّ على صحة مُرجه واستقامته... وقد اتفق السلف والخلف على استعمال هذه الأخبار حين سمعوها, فدلَّ ذلك من أمرها على صحة مُرجها وسلامتها, وإن كان قد خالف فيها قوم فإنََّّم عندنا شذوذ, لا يعتدُّ بهم في الإجماع. وإنَّما قلنا: إن ما كان هذا سبيله من الأخبار، فإنَّه يوجب العل م بصحّة مُُبره من قبل أنا إذا وجدنا السلف قد اتفقوا على قَبول خبر من هذا وصفه من غير تثبت فيه ولا معارضة بالأصول أو بخبر مثله, مع علمنا بمذاهبهم في التثبت في قَبول الأخبار والنظر فيها وعرضها على الأصول، دلَّنا ذلك من أَمرهم على أنََّّم لم يصيروا إلى حكمِه إ لاّ من حيث ثبتت عندهم صحته واستقامته, فأوجب ذلك لنا العلم بصحّته » المطلب الثاني: معنى المشهور سُمّ ي بذلك لوضوحه، ويُسمّى المستفيض، يقال: استفاض: أي شاع، وخبر مستفيض: أي منتشر بين الناس؛ لاشتهاره، من فاض الماء يفيض فيضاً (1). (1) ينظر: الرهاوي، الحاشية ،ج2، ص618.

عدد الصفحات ٣٦

38 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم واصطلاحاً: ما كان من الآح اد في الأصل، ثُمَّ انتشر فصار ينقلُه قوم لا يتوهم تواطؤهم على الكذب، وهم القرن الثاني بعد الصحابة ، ومَن بعدهم)1(. وإنَّما كان الاعتبار للاشتهار في القرن الثاني والثالث، ولا عبرة للاشتهار في القرون التي بعد القرون الثلاثة؛ لأنَّ عامّة أَخبار الآحاد اشتهرت بعد القرن الثالث، ولا تُسمّى بسبب ذلك مشهورة، فلا يجوز بها الزيادة على الكتاب، مثل: خبر الفاتحة والتسمية في الوضوء وغيرهما(2). وظاهرُ الكلام أنَّه ما كثر عدد رواته بعد الصّ حابة  إلى حد التواتر كان مشهوراً، فينبغي أن يُفهمَ هذا بمعنى قبولهم له وأخذهم به فشاعت روايته بينهم، وإلا فستكون أفرادُه قليلةً ويصعب ضبطها، وكذا سيخرج كثير من الأحاديث التي ذكروها من أفرادِ المشهور لكونَّا آحاداً. (1) ينظر: البزدوي، علي بنمد بن محمد البزدوي (ت: 482هـ)، أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي، ج2، ص368، وحافط الدين عبد الله بن أحمد النسفي (ت701هـ )، المنار في أصول الفقه، در سعادات، 1326هـ، ج2، ص618. (2) ينظر: عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت 730هـ)، كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، د ار الكتاب الإسلامي، ج 2، ص 368، ومحمد علاء الدين الحصني (ت 1088هـ )، إفاضة الأنوار على متن أصول المنار، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1399هـ، (ط1)، ص178، ومحمد بن إبراهيم الحلبي ابن ملك، أنوار الحلك على شرح المنار، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315، ج2، ص618-619 .

عدد الصفحات ٣٧

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 39 والذي يَترََجَّحُ عندي بعد استقرائي لما ذكروا من المشهورِ في كتبِ الفقهِ والأُصولِ في ضبطِ السّ نة المشهورة: أَنَّه سنة الآ حاد إذا تأيّدت بعمل الصّ حابة  والتابعين وقَبولهم، وبعبارة أُخرى هو حديث الآحاد الذي تلقاه الس لف بالقَبول. فما عرفته به ظاهر في عامّةِ الأحاديثِ التي اعتبروها مشهورةً، حيث بيّنوا أنََّّا تلقتها الأمةُ بالقَبول وإن كانت آحاداً في حقيقتِها، وهذا التلقي بالقبو ل والعمل ليس خاصّاً بمَن بعد الصحابة  كما يفيدُه تعريفُهم السابق، وإنَّما تتحقَّق الشهرةُ بقبولِ الصحابة  وتلقيهم لها، وهو الأَقوى في شهرتها. وبهذا لا يتمكن أَحد من الإنكارِ على الفقهاءِ في عَدِّهم لأحاديث الآحاد مشهورةً أثناء استدلالهم؛ لأنَّ كلامهم في رفعها إلى هذه الدرجة غير راجع إلى طرقِ الرِّواية، وإنَّما إلى العمل والقبول. وهذا الاعتبار للعمل والقبول في تقوية الحديث غير خاصّ بالحنفية، وإنَّما مشهور عند المالكية بـ «عمل أهل المدينة»، وأيضاً وجدنا كبار الحفاظ من أهل الحديث يعتبرونه ويعتمدونه، فها هو الخطيب البغداديُّ عند كلامه على حديث معاذ  في الاجتهاد الآتي ذكره

عدد الصفحات ٣٨

40 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم يقول(1)« :إنَّ أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحَّته عندهم، كما وقفنا على صحّة قول رسول الله « :لا وصية لوارث»(2)، وقوله  في البحر «هو الطهور ماؤه الحل ميتته »(3)، وقوله « :إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمةً تحالفا وترادا »(4)، وقوله  : «الدية على العاقلة »(5)، وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد لكن لمَّا تلقتها الكافّة عن الكافّة غنوا بصحتها عندهم عن طلبِ الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ  لمَّا احتجوا بهيعاً غنوا عن طلب الإسناد له» وهذا يؤيِّدُ ما رَجَّحناه من تعريفٍ للمشهور في حصولِ الغنى عن البحثِ في الأسانيد بسبب حصول هذا القبول، قال الكوثري : (6) عند مناقشته لشهرة حديث: «لا وصية لوارث « :»ولا يضرُّ الكلام في سندِ خاصٍّ من أسانيد الحديث بعد أن ورد بأسا نيد لا تحصى، وأخذت به (1) في: أحمد بن علي الخطيب (ت463هـ)، الفقيه والمتفقه، بيروت، دار الكتب العلمية، 1395هـ، ج1، ص188 (2 )سيأتي تخريجه (3) سيأتي تخريجه (4) سيأتي تخريجه (5 )سيأتي تخريجه (6) في: الكوثري، اقالات، ص161.

عدد الصفحات ٣٩

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 41 الأمة جمعاء خلفاً عن سلف، ع لى أنَّ الكلام في الأسانيد إنّ ما يكون عند أهل النقد فيما لم يستفض هذه الاستفاضة، ولم تُأخذ هذا الأخذ» المطلب الثالث: حكم المشهور إنَّ هذا الخبر وإن كان من الآحاد في أصلِه، إلا أنَّ هؤلاء القوم أئمة ثقات لا يتهمون، فصار الخبر بشهادتهم وتصديقهم بمنزلة المتواتر حجة من حجج الله)1( ، لكن للأصوليين في حكمه قولان مشهوران، وهما 1. إنَّه مثل المتواتر، فيثبت به علم اليقين لكن بطريق الاستدلال بطريق الضرورة؛ لأنَّ التابعين لمَّا أَجمعوا على قبوله والعمل به ثبت صدقه؛ لأنَّه لا يتوهم اتفاقَهم على القَبول إلا بجامعٍ جمعَهم عليه، وليس ذلك إلا تعيينُ جانبِ الصدقِ في الرّواة، ولهذا سمينا العلم الثابت به استدلالياً لا ضرورياً فلا يَكفر جاحدُه؛ لأنَّ إنكارَه وجحودَه لا يؤدي إلى تكذيب الرسول ؛ لعدم سماع عدد لا يتصوَّر تواطؤهم على الكذب من رسول الله ، بل هو خبر واحد قبله العلماء، بخلاف إنكار المتواتر، فإنَّه يؤدِّي إلى تكذيبِ النبيِّ ؛ إذ المتواترُ بمنزلةِ المسموع منه، وتكذيبُ رسول الله  كفر ، وبه قال أبو بكر الجصاص وجماعة (1) ينظر: البزدوي، الأصول، ج2، ص368.

عدد الصفحات ٤٠

42 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم 2. إنَّه يوجب علم طمأنينة لا علم يقين، والطمأنينة(1): زيادة توط وتسكين يحصل للنفس على ما أدركته، فإن كان المدركُ يقينياً فاطمئنانَّا زيادة اليقين وكماله، كما يحصل للمتيقّن بوجود مكّة بعدما يشاهدُها، وإليه الإشارةُ بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم  :{وَلَـكِن لِّيَطْمَئِن قَلْبِي} البقرة: 260،وإن كان ظنيّاً فاطمئنانَّا رُجحان جانب الظنّ بحيث يكاد يدخل في حدّ اليقين، وهو المراد هاهنا. وحاصله سكون النفس عن الاضطراب بشبهة إلا عند ملاحظة كونه آحاد الأصل(2)، فكان دون المتواتر وفوق خبر الواحد، حتى جازت الزيادة به على كتاب الله  التي هي تعدل النسخ، وإنز النسخ به مطلقاً (3)، وبه قال عيسى بن أبان :، وهو اختيارُ القاضي الإمام أبي زيد، والشيخين، وعامّة المتأخرين، وصَحَّحه فخرُ الإسلام البَزْدويّ )4(؛ لأن ((1 وأول من فصَّل وصرح أنَّ المتواتر يفيد علم اليقين وأنَََّّ المشهور يفيد علم الطمأنينة هو الإمام الدبوسي، كما في تقسيم الأخبار ودلالتها عند السادة الحنفية، ص 60، دار المنهاج للنشر والتوزيع، جدة، ط1،2014م (2) ينظر: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (ت792هـ )، 1324هـ، التلويح في حل غوامض التنقيح، مصر، المطبعة الخيرية، ومطبعة صبيح، 1324هـ، (ط1)، ج2، ص5. (3) لكن سيأتي في المطلب الثاني عن الكاساني إثبات النسخ به، وسبق في نصوص عن الطحاوي والجصاص تحقيق التخصيص للقرآن به، والتخصيص نوع نسخ، والله أعلم. (4) في: الأصول، ج2، ص368: ومشت عليه المتون، والنسفي، المنار، ص178، وعبيد الله بن مسعود المحبوبي صدر الشريعة (ت: 747هـ)، التنقيح، دار الكتب العربية الكبرى، مطبوع مع شرحه التوضيح،1327هـ، ج2، ص5.

عدد الصفحات ٤١

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 43 المشهورَ بشهادةِ السلف صار حجة للعمل به كالمتواتر، فصحت الزيادة به على كتاب الله ، إلا أنَّ فيه شبهة ا نفصال وتوهم الكذب باعتبار أنَّ رواته في الأصل لم يبلغوا حَدّ التواتر، فيسقط به علم اليقين؛ ولهذا لم يكفر جاحده؛ لأنَّه لا يثبت إلا بإنكار اليقين، ولكنَّه يُضلَّل. قال أبو اليسر: وحاصل الاختلاف راجع إلى الإكفار، فعند الفريق الأوّل ـ يعني من أَصحابنا ـ يَ كفر جاحدُه، وعند الفريق الثاني لا يكفر. ونصّ شمسُ الأئمة السرََّخسيّ على أنَّ جاحدَه لا يَكفر بالاتفاق، وإليه أشير في «الميزان»أيضاً، وعلى هذا لا يظهر أثر الخلاف في الأحكام على الصحيح)1(. وقال محيي الدين بن محمد عوامة«تقسيم الأخبار ودلالتها عند السّ ادة الحنفية»بعد تنقيحه لهذه المسألة«لم يُتلف حكم الجصاص : عن حكم ابن أبان في المتواتر والمشهور، حيث صرحا في المتواتر أنَّه يوجب (1) ينظر: البخاري، كشف الأسرار 2 :369، والرهاوي، الحاشية، ج 2، ص 619، ومصطفى بن بير علي عزمي زاده، حاشية عزمي زاده على شرح المنار، در سعادات، مطبعة عثمانية، 1315هـ، ج2، ص619، وأحمد بن علي بن تغلب بن الساعاتي (ت694هـ)، نَّاية الوصول إلى علم الأصول المعروف ببديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والأحكام، ت: سعد السلمي، السعودية، أم القرى، 1418هـ، ج1، ص390-394، وخواجه محمد أوليا أفندي النقشبندي القسطموني، خلاصة الأفكار على مُتصر المنار، بدون مطبعة أو تاريخ طبع، ص 47-56.

عدد الصفحات ٤٢

44 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم علم الاضطرار، أما في المشهور فصرحا أيضاً أنَّه لا يوجب علم الاضطرار، ولم يُكفر الإمام الجصاص جاحد المشهور أبداً »(1). وتفصيل انفية السنة إلى هذه الأقسام الثلاثة من متواتر ومشهور وآحاد في غايةِ الدقّةِ والضبط والتمكن في تنقيح الثابت من حديث المصطفى  الذي يصلح لأن يبنى عليه الشروط والأركان عن مَن تنزل مرتبتُه إلى إثبات السنن والمستحبّات على قدرِ درجته وورودِه، وعن ما لا يصلح الاحتجاج به. قال الكشميريُّ (2)« :يجوز الزيادةُ بخبرِ الواحد عندنا لكن مرتبة الرُّكن والشرط، فيثبت الوجوبُ والسنيةُ بالخبر الواحد، ولا نَُّمل خبر الواحد عن الأصل كما زعمه بعضُ مَن لا حظّ له في العلم...، وليعلم أنَّ الثابت بالظنيِّ يجوز إثبات ركنه وشرطه بالظ نيّ وخبر الواحد، والكلام فيما ثبت بالقاطع، ونقول: إنَّ خبر الواحد لا يُفيد إلا الظنّ، فعملنا به معاملة الظنّ، ولم نثبت به الركن والشرط، وأما الشافعية فعاملوا بالظنيّ معاملة القاطع، فجوزوا زيادة ركن أو شرط بخبر الواحد، والأقربُ إلى الضوابط مذهبنا » (1) محيي الدين بن محمد عوامة، تقسيم الأخبار ودلالتها عند السادة الحنفية، ص 59-60. (2) في: الكشميري، العرف الشذي، ج1، ص45.

عدد الصفحات ٤٣

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 45 وقال الكاساني(1)« :نحن نفرق بين الفرض والواجب كفرق ما ب السماء والأرض، وهو أنَّ الفرضَ: اسم لما ثبت وجوبه بدليل مقطوع به, والواجب: اسم لما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة العدم ـ على ما عرف في أصول الفقه ـ، وأصل الوقوف ـ أي بعرفة ـ ثبت بدليل مقطوع به، وهو النصُّ المف سر من الكتاب والسنة المتواترة والمشهورة والإجماع. فأما الوقوف إلى جزء من الليل فلم يقم عليه دليل قاطع بل مع شبهة العدم ـ أعني: خبر الواحد ـ, وهو ما روي عن النبي  أنَّه قال «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج»(2)، أو غير ذلك من الآحاد التي تثبت بمثلها الفرائض فضلاً عن الأركان...» وقال السرّخسي(3)« :إثبات الاسم ـ أي اسم من أسماء الله تعالى ـ يكون بالآحاد وإنَّما يكون بالمتواتر والمشاهير» (1) :فيالكاساني، أبي بكربن مسعود الكاساني (ت 587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، بيروت، دار الكتب العلمية، ج2، ص127. (2) بألفاظ متقاربة في: الترمذي، السنن، ج 2، ص 237، والسلمي، صحيح ابن خزيمة،ج4، ص257، والحاكم، المستدرك، ج1، ص653، والبيهقي، السنن الكبير، ج5، ص 173، وغيرها (3) في: محمد بن أبي سهل السرخسي (ت بحدود500هـ)، المبسوط، بيروت، دار المعرفة، 1406هـ، ج3، ص55.

عدد الصفحات ٤٤

46 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم فمراعاة الحنفية لمراتب الأدلّة في الثبوت والدلالة يُظهر اعتناءهم في إخراجِ المشهور، حتى يَتَمَكَّنوا من بيان الحكم ا لمبنيّ عليه، ونذكر لهم مثالاً يوضح ذلك. فحديث: «إنَّما الأعمال بالنيات »(1) ذكروا إفادته للسنية فحسب، وذكروا وجوهاً عديدة لعدم اعتبار النيّة من شروط الوضوء اعتماداً عليه وليس هنا محلّ ذكرها، وإنَّما أقتصر على وجهٍ منها الذي يتناسب مع بحثنا، وهو أنَّه لا يجو ز الزيادة به على القرآن بإضافة النيّة إلى أركان الوضوء؛ لأنَّه من أخبار الآحاد(2). ويوضح آحاديته الكتانيُّ، فيقول (3)« :وجعله بعضهم مثالاً للمتواتر، ورَدَّه ابنُ الصلاح والنووي، وحاصل ما للأئمة فيه: أنَّه حديث فرد غريب باعتبار أوّله، بل تكرَّرت الغرابة ف يه أربع مرّات باعتبار آخره؛ لأنَّه لم يصحّ عن النبي  كما قاله غير واحد من الحفاظ إلا من حديث عمرو لا عن عمر إلا من رواية علقمة، ولا عن علقمة (1) في: البخاري، الصحيح، ج 1، ص 3، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج 3،1515، والتميمي، صحيح ابن حبان، ج 2، ص 223، والسلمي، صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 73، وغيرهم 2)) ينظر: الجصاص، أحكام القرآن، ج2، ص447 . (3) في: محمد بن جعفرالكتاني، نظم المتناثر من الحديث المتواتر، مصر، دار الكتب السلفية، (ط2)،ص24ـ25.

عدد الصفحات ٤٥

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 47 إلا من رواية محمد بن إبراهيم التيمي، ولا عن التيمي إلا من رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، ومداره عليه، وأما بعد يحيى فقد رواه عنه أكثر من مئتي إنسان أكثرهم أئمة» * * *

عدد الصفحات ٤٦

48 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم

عدد الصفحات ٤٧

للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 49 المبحث الثا تطبيقات للسنة المشهورة في كتب الحنفية نقتصر في هذا المبحث على ذكر مجموعة أحاديث بينّ الحنفية أنََّّا من المشاهير التي تلقتها الأمة بالقبول، تكون موضحاً لمسلكهم، ومرشدةً لما لم نذكره؛ لأنَّ حصرها من الصعب بمكان، ولكن نريد بذكرها تبصرة لحسن طريقهم وصحة منهجهم، وكيفية تعاملهم معها، وإليك بيانَّا كالآتي: 1. الأحاديث المشهورة في رجم ماعز(1) والغامدية(2) وغيرها كحديث (1) فعن بريدة« :كنت جالساً عند النبيّ إذ جاء ماعز بن مالك فقال: إنيّ زنيت، وأن ا أريد أن تطهّرني، فقال له : ارجع، فلماّ كان من الغدِ أتاهُ أيضاً فاعترفَ عنده بالزنا، فقال له ارجع، ثمَّ عادَ الثالثةَ فاعترفَ بالزنا، ثمَّ رجعَ الرابعةَ فاعترف، فحفرَ له حفرةً فجعلَ فيها إلى صدره، ثمَّ أمرَ الناس فرجموه » في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج3،ص1323، ونص ع تواتره: الكتاني، صاحب نظم المتناثر، ص163. (2) فعن سليمان بن بريدة عن أبيه  قال« :ويحك ارجعي فاستغفري الله، وتوبي إليه،

عدد الصفحات ٤٨

50 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم عبادة بن الصامت ، قال« :خذوا عنّي خذوا عنّي، قد جَعَلَ اللهُ لهَُنّ سبيلا، البكرُ بالبكر جلدُ مئة ونفي سنة، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مئةٍ والرَّجم »)1(، جاز الزّيادة بها على عمومِ قوله  :{ فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ م ِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ }النور2؛ إذ يتناول الحديث المحصن كما يتناول غيره، فبزيادة الرجم انتسخ حكم الجلد في حقّه. 2. الحديث المشهور عن المغيرة« :أنَّ النبي  مسحَ على خُفّيه »)2(، جاز الزيادة به على عموم قوله  :{وَأَرْجُلَكُمْ إِلََ الْكَعْبَينِ } المائدة6، الذي يوجب الغَسل، فبزيادة المسح انتسخ الحكم في هذه حالة المسح على الخُفَّين، ولم يجوزوا الزيادة على القرآن بحديث المغيرة بن شعبة  : «أنَّ رسولَ ا  توضأ ومسح على الجوربين والنعل»(3)؛ لكونه حديث قالت: أراكَ تريدُ أن تردني كما رددت ماعزاً، قال: وما ذاك، قالت: إنَّّا حبلى من الزنا، قال: أنت، قالت: نعم، فقال لها: اذهبي حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار، ثمّ أتى النبيّ  فقال: قد وضعتِ الغامدية، قال: إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له مَن يرضعه، فقام رجل من الأنصار، فقال: إليّ رضاعه، قال: فرجمها »في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص1324. (1) :في النيسابوري، صحيح مسلم، ج3، ص1316، وأبي داود، السنن، ج2، ص542، والترمذي، السنن، ج4، ص41. (2) في: البخاري، الصحيح، ج1، ص85، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج1، ص228. (3) في: السلمي، صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 99، التميمي، صحيح ابن حبان، ج 4، ص167، والترمذي، الجامع،ج1، ص167، وصححه، وأبي داود، السنن، ج1، ص41، والنسائي، السنن الكبرى، ج1، ص92، القزويني، سنن ابن ماجة، ج1، ص185، وغيرها،

عدد الصفحات ٤٩