للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 19 وقال ابنُ رجب (1)« :أهل صدق وحفظ ي ندر الخطأ والوهم في حديثهم أو يَقِلُّ، وهؤلاء هم الثقاتُ المتفقُ على الاحتجاجِ بهم » وقال الذّ هبيُّ (2)« :فأرني إماماً من الكبار سلم من الخطأ والوهم، فهذا شعبة، وهو في الذروة له أوهام، وكذلك معمر والأوزاعي ومالك» فالشّذوذُ بأن يُُالف الثقة الثقات، والعلّةُ ب أن يظهر قادح يؤثِّرُ في الرِّواية، وهذا عند المحدِّثين. المطلب الثاني: الشذوذ عند الفقهاء: إنَّ معنى الشذوذ عند فقهاء الحنفية قريب من معناه عند المحدثين، لكن بالنظر إلى المعنى والعمل فعدم القبول للرواية من قبل مجتهدي الصحابة والتابعين يجعلها شاذة، وتركهم للعمل بها يعتبر علَّة قادحة مؤثرة في الرِّواية. فإذا كان مُالفةُ الثقةِ للثقات سبباً لشذوذِ الرِّوايةِ والطَّعنِ فيها، فلا شَكَّ أنَّ مُالفةَ الرّاوي لمَن هو أَعلى درجةً من الثقات من كبارِ الصحابةِ (1) في: ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ)، شرح علل ال ترمذي، الأردن، الزرقاء، مكتبة المنار، (ط1)، ج1: ص38 . (2) في: الذهبي،سير أعلام النبلاء، ج6: ص36.
عدد الصفحات ١٨20 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم والتابعين الذين لم يقبلوا هذه الرِّواية أَكثر تأثيراً في الطَّعن بها، وكذلك إن كانت وجوهُ العللِ المُختلفةِ في الأسانيدِ والمتونِ سبباً لردِّ الرِّواية وتضعيفِها، فلا شَكَّ أَنَّ عدمَ عملِ مجتهدي الصحابة والتابعين فيها أَقوى في رَدِّها، فهم غيرُ متهمين أَبداً، وهذا ظاهر وقوفِهم على أمرٍ من نسخٍ أو تخصي صٍ أو تأويلٍ يمنعُ الأخذ بها رغم روايتها عنهم. ويُفصحُ عن هذا الطحاوي (1) عند مناقشته لأحد الأحاديث، فيقول: «إنَّ هذا الحديث قد جاء عن رسول ا مُتواتراً من هذه الوجوه الصحاح التي تقبلها العلماء، وفي تركها لما فيه بعد تناهيه إليهم واستعمالهم خلافه ما قد دَلَّ على نسخه؛ لأنََّّم مأمونون على نسخِهِ كما هم مأمونون على ما رووه، ولمََّا كانوا كذلك كان تركهم لما رَووه من هذه الوجوه المحمودة عندهم على أنََّّم تركوا ذلك لما يوجب لهم تركه وصاروا إلى ما هو أولى بهم منه ممَّا قد نسخه، ولولا أنَّ ذلك كذلك لكان قد سقط عدلهم، وفي سقوط عدلهم سقوط رواياتهم، وحاشَ لله أن تكون حقيقةُ أُمورهم كذلك » (1) فيأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي (ت321هـ)، مشكل الآثار، الهند، مجلس دائرة النظامية، (ط1) ر963.
عدد الصفحات ١٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 21 وما ذكرته هاهنا واضح جدّاً في استدلال فقهاء الحنفية بالأحاديث التي يحتجُّون بها في كتبهم، وسأذكر طرفاً من ذلك يكون مُرشداً لغيره ومُبيِّناً لاصطلاحهم المماثل في ظاهره للمحدِّثين والمختلف عنه في منهج التثبت بما نُقِل عن النبيِّ ، ومن ذلك 1.حديث«خرج النبي يستسقي فتوجّه إلى القبلة يدعو وحوّل رداءه، ثُمَّ صلىّ ركعتين جهرَ فيهما بالقراءة »(1)، فذهب أبو حنيفة إ عدم سنيةِ صلاة الاستسقاء؛ لأنَّ النبيَّ لمََّا شُكِي إليه القحط رفعَ يديه يستسقي ولم يذكر فيه صلاة ولا قلب رداء، فلم يدلّ على السنيّة؛ إذ لم توجد المواظبة في أَغلبِ الأَحوال، فالإمامُ مُُيرَّ إن شاء فعلَها، وإن شاءَ تركها(2)؛ فعن أنس « :إنَّ رجلاً دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله قائم يُطب فاستقبل رسول الله قائماً، ثُمَّ قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا، (1) فعن عبد الله بن زيد ، محمد بن إسماعيل الجعفي البخار ي (ت 256هـ)، صحيح البخاري، بيروت، دارابن كثير واليمامة، 1407هـ، (ط3)، ج1: ص347. وعن ابن عباس ،سليمان بن أشعث السجستاني (ت275هـ)، سنن أبي داود، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، بيروت، دارالفكر، 1 :372، وأحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي الكبرى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ، (ط1)، ج1: ص556. (2) ينظرأحمد بن محمد الطحطاوي، (ت 1231هـ)، حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح، ت: محمد عبد العزيز الخالدي، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ، (ط 1)، ج2: ص176عن غاية البيان.
عدد الصفحات ٢٠22 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم فرفع رسول الله يديه، ثُمَّ قال: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا...»(1)، وعن الشعبي : قال«خرج عمر بن الخطاب يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى ر جع، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما رأيناك استسقيت، قال: لقد طلبت المطر بمَجَاديح السماء التي تستنزل بها المطر، فقلت: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ، يُرْسِلِ السَّمََء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا } نوح10 - 12، استغفروا ربكم ثُمَّ توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدراراً ويزدكم قوة إلى قوتكم»(2) . وعند مناقشة محمد بن الحسن الشيبانيّ : حديث صلاة الاستسقاء جعله شاذاً، فقال(3)« :بلغنا عن رسول ا أنَّه خرج فدعا وبلغنا عن (1) في: البخاري، صحيح البُخاري، ج 1: ص 344، و مسلم بن الحجاج القُشَيرْيّ النَّيْسَابوريّ (ت 261هـ)، صحيح مسلم، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج2: ص613. (2) :فيعبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت 211هـ)، المصنف، ت: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، 1403هـ، (ط2)، ج3: ص87، وعبد الله بن محمد ابن أبي شيبة (ت: 235هـ)، المصنف في الآحاديث والآثار، الرياض، مكتبة الرشيد، 1409هـ، (ط 1)، ج 6: ص 61، وأحمد بن الحسين بن علي البيهقي (ت 458هـ)، وسنن البيهقي الكبير، مكة المكرمة، مكتبة دار الباز، ج3: ص352، وعبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعي (ت: 762هـ)، تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزمُشري، ت: عبد الله بن عبد الرحمن السعد، الرياض، دار ابن خزيمة، 1414هـ، (ط1)، ر1404: قال النووي في الخلاصة: «إسناده صحيح لكنَّه مرسل، فإنَّ الشعبيّ لم يدرك عمر ». (3) محمد بن الحسن الشيباني (ت189هـ)، المبسوط، ت: أبو الوفاء الأفغاني، عالم الكتب، 1410هـ، (ط1)، ج1: ص228
عدد الصفحات ٢١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 23 عمر بن الخطاب أنَّه صَعَدَ المنبر فدعا واستسقى ولم يبلغنا في ذلك صلاة إلا حديثاً واحداً »، قال ابنُ الهُمام (1)« :ووجه الشذوذ: أنَّ فعلَه لو كان ثابتاًََ لاشتهر نقلُه اشتهاراً واسعاً، ولفعله عمر ح استسقى، ولأنكروا عليه إذا لم يفعل; لأنََّّا كانت بحضرة جميع الصحابة ; لتوافر الكلّ في الخروج معه للاستسقاء, فلَماَّ لم يفعل لم ينكروا ولم يشتهر روايتها في الصدر الأول، بل هو عن ابنِ عبّاس وعبدِ الله بن زيد على اضطراب في كيفيتِها عن ابن عباس وأنس م كان ذلك شذوذاً فيما حضره الخاصّ والعامّ والصغير والكبير » 2.حديث«لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن يجد أحدكم إلا عود عنبة أو لحاء شجرة فليمضغها»(2)، قال الطحاوي(1) : (2) ينظر: محمد بن عبد الواحد ابن الهمام (ت 861هـ)، فتح القدير للعاجز الفقير على الهداية، بيروت، دارإحياء التراث العربي، ج2: ص93. (2) في: محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي (ت311هـ)، صحيح ابن خزيمة، ت: د. محمد مصطفى الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، 1390هـ، ج3: ص317، ومحمد بن عبد الله الحاكم (ت: 405هـ)، المستدرك على الصحيحين، ت: مصطفى عبد القادر، بيروت، دار الكتب العلمية ،1411هـ، (ط1)، ج1: ص601. وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يُرجاه، وله معارض بإسناد صحيح وقد أخرجاه من حديث همام عن قتادة عن أبي أيوب العتكي عن جويرية بنت الحارث: «أنَّ النبي دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة، فقال: صمت أمس؟ قالت: لا، قال: فتريدين أن تصومي غداً …»الحديث، وعن ابن شهاب أنَّه كان إذا ذكر له أنَّه نَّى عن صيام يوم السبت، قال: هذا حديث حمصي، وله معارض بإسناد صحيح. وفي: محمد بن عيسى الترمذي (ت:279هـ)، جامع الترمذي، ت
عدد الصفحات ٢٢24 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم «ففي هذه الآثار المروية في هذا إباحة صوم يوم السبت تطوعاً، وهي أشهر وأظهر في أيدى العلماء(2) من هذا الحديث الشاذ الذي قد خالفها، وقد أَذن رسول الله في صوم عاشوراء(3)، وحَضَّ عليه ولم يقل إن كان يوم السبت فلا تصوموه، ففي ذلك دليل على دخول كلّ الأيام فيه، وقد أحمد شاكر، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج3: ص120، وقال: حديث حسن، ومعنى كراهته في هذا أن يُص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأنَّ اليهود تعظم يوم ال سبت، وفي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (ت: 255هـ)، سنن الدارمي، ت: فواز أحمد وخالد العلمي، بيروت، دار التراث العربي ، 1407هـ، (ط1)، ج2: ص62، البيهقي، سنن البيهقي الكبير، ج4 :302، أبي داود، السنن، ج 2: ص 320، قال: وهذا حديث منسوخ، ثم ذكر حديث جويرية السابق وكلام ابن شهاب، وأعقبه بقول مالك: هذا كذب. والنسائي، سنن النسائي، ج2: ص144 محمد بن يزيد بن ماجة القزويني (ت273هـ)، سنن ابن ماجه ، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار الفكر، ج 1: ص 550. وغيرها، والكراهة تنزيهية؛ لأنَّ هذا الحديث تكلم الحفاظ فيه فأنكره ابن شهاب وكذبه مالك، وقال أبو داود والحاكم بنسخه. (1) :فيمحمد بن سلامة الطحاوي (ت 321هـ)، شرح معاني الآثار، ت: محمد زهري النجار، بيروت، دار الكتب العلمية، 1399هـ، (ط1)، ج2: ص81 . (2) ومنهاعن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: «أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، وكان يقول: إنََّّما عيدان للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم »في صحيح ابن حبان8 : 381،407، والسلمي، صحيح ابن خزيمة ج 3،ص318، والحاكم، المستدرك، ج 1، ص602، البيهقي، السنن الكبير، ج4، ص303، وعن ابن عبّاس م بعث إلى أم سلمة وإ عائشة يسألهما ما كان رسول الله يحب أن يصوم من الأيام؟ فقالتا«ما مات رسول ا حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد، ويقول: هما عيدان لأهل الكتاب فنحن نحب أن نخالفهم»في: النسائي، السنن، ج2، ص146. (3) في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج2، ص797، وغيره
عدد الصفحات ٢٣للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 25 قال رسول ا « :أحبُّ الصيام إلى ا صيام داود ، كان يصوم يوماً ويُفطر يوماً »(1) .» 3.حديث عبد الله بن يحيى الأنصاري عن أبيه عن جده « :أن جدّتَه أتت إلى رسول الله بحليٍّ لها، فقالت: إنيّ تصدقت بهذا، فقال رسول الله : إنَّه لا يجوز للمرأة في مالها أمر إلا بإذن زوجها، فهل استأذنت زوجك؟ فقالت: نعم، فبعث رسول الله ، فقال: هل أذنت لامرأتك أن تتصدَّق بحليها هذا؟ فقال: نعم، فقبله منها رسول الله »(2)، قال الطحاوي(3)« :كيف يجوز لأحدٍ تركَ آيتين من كتاب ا لله وسننٍ ثابتةٍ عن رسولِ ا متفق على صحّةِ مجيئها إلى حديث شاذ يثبت مثله...، يقول الله :{وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتهِِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شََْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا } النساء4، فأباح الله للزوج ما طابت له به نفس امرأته، وبقوله :{وَقَدْ فَرَضْتُمْ لََُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ }البقرة237، فأجاز عفوهن عن مالهن بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد، فدَلَّ ذلك على جواز أَمرُ المرأة في مالها، وعلى أنََّّا في مالها كالرج ل في ماله...» (1) بلفظ قريبفي: البخاري، صحيح البخاري، ج3، ص1256، وغيره (2) بألفاظ قريبة في: القزويني، سنن ابن ماجة، ج2، ص2799، وغيره (3) في: الطحاوي، شرح معاني الآثار، ج4، ص352ـ354.
عدد الصفحات ٢٤26 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم ويوضح عيسى بن أبان : المقصود بالشاذِّ عند الحنفية، فيقول: « لا يُقبل خبر خاص في رَدِّ شيء من القرآن ظاهر المعنى أن يصيرَ خاصّاً أو منسوخاً حتى يجيء ذلك مجيئاً ظاهراً يعرفه الناس ويعلمون به، مثل: ما جاء عن النَّ بيِّ أن«لا وصية لوارث »(1)،«ولا تُ نكح المرأةُ على عمَّ تِ ها»(2)، فإذا جاء هذا المجيء فهو مقبول؛ لأنَّ مثله لا يكون وهماً، وأما إذا رُوِي عن رسول الله حديث خاصّ وكان ظاهرُ معناه بيان السنن والأحكام أو كان ينقض سنةً مجمعاً عليها أو يُُالف شيئاً من ظاهر القرآن، فكان للحديث وجه ومعنى يحُمَل عليه لا يُُالف ذلك، حمُل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن، فإن لم يكن معنى يحمل ذلك فهو شاذ» ويُستفاد من كلامه أنَّ الشذوذَ متعلِّق بخبرٍ مَرويٍّ بطريق الآحاد ـ خاص ـ وجاء بمعنى مُالفٍ لما هو أَثبت وأَقوى منه من قرآن أو سنة ثابتة، فإن كان له معنى لا يُُالف الأقوى، فيُحمل على ما يتوافق مع السنن وظواهر القرآن، ولا يَكون شاذّاً إن تلقته الأمة بالقبول وعملت به؛ لأنَّ قبولَ العلماء له يرفع احتمال الوهم الحاصل في روايةِ الثقات، ويؤكِّدُ ثبوته عن النبيّ . (1 )وسيأتي تخريجه (2 )وسيأتي تخريجه
عدد الصفحات ٢٥للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 27 فمدارُ الشذوذِ عندهم على آحا دية نقله، وعدم القبول له، ومُُالفته لما هو أقوى منه. وهذا الكلام في غايةِ الدقّةِ والضبطِ والتمكنِ في تنقيحِ الثابتِ من حديثِ المصطفى ؛ لما سيترتب عليه من بناء الأحكام ـ كما سيأتي ـ المطلب الثالث: العلة في الحديث عند الفقهاء: وكما استخدم الفقهاءُ مصطلح الشاذ كذلك كان لهم استعمال واسع لمصطلح العلّة، وردوا كثيراً من الأحاديث لكونَّا معلولة، ولكن وصف العلَّة عندهم مُتلف عن المحدِّثين في أنَّ مداره على المعنى والقبول والعمل والمخالفة والمعارضة التي هي محلُّ اهتمام الفقهاء دون المحدِّثين. وعدم الانتباه لهذه الحقيقة عند الحنفيّة جعل البعض يسيء الظنَّ بهم، قال الحارثي(1)« :الحقيقة أنَّ معظمَ الأحاديث التي اتهم المحدثون أبا حنيفة : بردِّها إنَّما هي من هذا القبيل، مع أنََّّم في نفسِ الوقت لم يقبلوا أحاديث؛ لوجود علل في إسنادِها أو متنها، كما فعل مالك وأحمد والثوري والأوزاعي والشافعي وكل العلماء؛ لأنََّّم اتفقوا على وضع ضوابط وإن اختلفوا في ماهيتها، فإذا جاء حديث مُالف لتلك الضوابط (1) في الدكتور محمد قاسم عبده الحارثي ، مكانة الإمام أبي حنيفة بين المحدثين، طبعة باكستان، 1413هـ، ص326.
عدد الصفحات ٢٦28 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم أَعلُّوه واعتذروا عن قبوله وبَيَّنوا ما فيه من علل، ولم يكتفوا ببيان العلل في الحديث، وإنَّما بَيَّنوا قُوّة الحديث الذي معهم أو قُوّ ةَ القياس الذي عَمِلوا به دون ذلك الحديث... » وفَصَّلَ الفقهاءُ العِلَلَ التي تُرَدُّ بها الأحاديث في أُصول الفقه ب يتسع استقصائه في هذا البحث، وإنَّما نكتفي بوصفٍ عام يُتَعَرَّفُ به إثباتُ هذا الطريق عندهم ومنهجهم فيه بصورة مجملة من كلام الجصاص :، إذ قال(1) تحتباب القول في قبول شرائط أخبار الآحاد: «طريق إثبات ـ أي خبر الآحاد ـ والعمل بموجبه الاجتهاد، فيجوز ردُّها لعلل, إذا كان طريق قبولها من قوم بأعيانَّم الاجتهاد وغالب الظنّ, على جهة حسن الظن بالرواة. فمن العلل التي يردُّ بها أخبار الآحاد عند أصحابن ا: ما قاله عيسى ابن أبان: «ذكر أنَّ خبر الواحد يُرَدُّ لمعارضةِ السنة الثابتة إيّاه، أو أن يَتَعلَّق القرآن بخلافه فيما لا يحتمل المعاني، أو يكون من الأمور العامّة, فيجيء خبر خاصٌّ لا تعرفه العامّة، أو يكون شاذّاً قد رواه الناس وعملوا بخلافه»حديث«إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه»(2) ظاهره (1 :في )أحمد بن علي الرازي الجصاص، الفصول في الأصول، (ط 2) لوزارة الأوقاف الكويتية، ج2، ص117 ـ120. (2) في: البخاري، صحيح البخاري، ج 1، ص 435، والنيسابوري، صحيح مسلم، ج 2، ص640.
عدد الصفحات ٢٧للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 29 مُالف لقوله :{وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } الأنعام164 ... وكذلك معارضةُ السنةُ الثابتةُ إيّاه ، علة تردُّ هذا المعنى بعينه؛ لأنَّ السنة الثابتة من طريق التواتر توجب العلم كنص الكتاب. وأمّا حكمه فيما تعمّ البلوى به فإنَّما كان علّةً لرده من توقيف من النبي الكافة على حكمه, فيما كان فيه إيجاب أو حظر نعلمه, بأنََّّم يَصِلون إلى علمه إلا بتوقيفه ، وإذا أشاعه في الكافّة ورَد نقله بحسب استفاضته فيهم، فإذا لم نجده كذلك، علمنا أنَّه لا يُلو من أن يكون منسوخاً, أو غيرَ صحيح في الأصل ، ولا يجوز فيما كان هذا وصفُه أن يُتصَّ بنقله الأفراد دون الجماعة... وممّا وردَ خاصّاً ممّا سبيله أن تعرفه الكافة: «لا وضوء لمَن لم يذكر اسم الله عليه»(1). فهذا الخبر إن حمل على ظاهره اقتضى بطلان الطهارة إلا مع وجود التسمية عليها, ولو كان ذلك من حكمها تعرفه الكافة, كما عرفت سائر (1) فعن أبي هريرة في: الحاكم، المستدرك ج 1، ص 246، وصححه، ومحمد بن عيسى الترمذي (ت: 279هـ)، السنن، ت: أحمد شاكر وآخرون، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج1، ص38، وعن أبي سعيد الخدري، الدارمي، السنن، ج1، ص187، وعبد بن حميد بن نصر الكسي (ت: 249هـ)، مسند عبد بن حميد، ت: صبحي السامرائي ومحمود الصعيدي، القاهرة، مكتبة السنة، 1408هـ، (ط 1)، ج 1، ص 285، وغيرها، والمراد نفي الفضيلة والكمال، كما في: محمود بن أحمد بدر الدين العيني، (ت: 855هـ)، منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، ت: ياسين علي البدري، بإشراف: د. محمود رجب، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، 1421هـ، ج1، ص84.
عدد الصفحات ٢٨30 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم فروضها؛ لعموم الحاجة في الجميع على وجهٍ واحدٍ... وممّا يدلُّ على صحّةِ هذا الاعتبار: أَنَّ النبيَّ لم يقتصر على خبر ذي اليدين في قوله «أقصرت الصلاة أم نسيت»حتى سأل أبا بكر وعمر م, فقال«أحق ما يقول ذو اليدين؟ فقالا: نعم »(1)؛ لأنَّه يمتنع في العادة أن يُتصَّ هو بعلم ذلك من بين الجماعة...» وفيما ذُكِرَ تنبيه على أنّ للفقهاء طريقةً في بيانِ أنَّ للأحاديث شذوذاً وعلّةً على منهجِهم كما هو الحال عن المحدِّثين، وأنَّ من الأسباب الرئيسية لهذا الشذوذ والعلّة هو عدم قبول وعمل السلف به. * * * (1) بألفاظ قريبة في: النيسابوري، صحيح مسلم، ج 1: ص 404، والبخاري، صحيح البخاري، ج1، ص252.
عدد الصفحات ٢٩للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 31 المبحث الأول حقيقةُ السن ة المشهورة عند الحنفية ومعرفة حقيقة المشهور تقتضي منا الإطلاع على المطالب الآتية: المطلب الأول: مدارُ الشهرةِ على القَبول والعَمل من السلف: ممّا سبق تبين لنا أنَّ من العلل التي يُرَدُّ بها الحديث عملُ العلماء بخلافه، وهذا هو محََلُّ بحثنا، فما كان من الأحاديث موافقاً للعملِ فهو في أَعلى درجاتِ الصحّة، كما صرَّح به الكشميري بقوله (1)« :أن يكون رواته ثقات وعدولاً ويساعده تعامل السلف»، ولكنَّ هذا الكلام محل نظر؛ لأنَّ الحديثَ الذي صار هذ ا وصفه تجاوز مراحل التصحيح والتّ ضعيف المعتمدة على الاجتهادِ إلى إفادةِ العلمِ الثابتِ بالمتواتر، إلا أن (1)في :محمد أنور شاه الكشميري، العرف الشذي شرح الترمذي، ت: محمود شاكر، مؤسسة ضحى، (ط1)، ج1، ص41.
عدد الصفحات ٣٠32 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم يحُمل كلامُه على هذا، وسيظهر هذا جلياً في الجانبِ التطبيقيِّ للبحث؛ لذلك نقتصر هاهنا على نقل كلام الجصاص والكوثري في تحقق ذلك. قال الجَصاص (1)« :إنَّ ما ت لقاه الناسُ بالقبول وإن كان من أخبار الآحاد فهو عندنا يجري مجرى التواتر، وهو يوجب العلم، فجاز تخصيص القرآن به»، وقال أيضاً(2)« :وإن كان ورودُه من طريقِ الآحاد فصار في حيزِ التواتر ; لأنَّ ما تلقاه الناسُ بالقبولِ من أَخبار الآحاد فهو عندنا في معنى المتواتر». وقال الكوثري(3)« :واحتجاج الأئمة بحديث تصحيح له منهم، بل جمهورُ أهل العلم من جميع الطوائف على أنَّ خبرَ الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له أو عملاً به أنَّه يوجب العلم» ومعاملة الأخبار التي تلقتها الأمة بالقبول معاملة المتواتر إجمالاً لأمور منها: «أحدهما: أنَّه إذا ظهر في السلف استعماله والقول به مع اختلافهم في شرائط قبول الأخبار وتسويغ الاجتهاد في قبولها وردّها، فلولا أنََّّم (1) في: فصول الأصول، ج1، ص175. (2) في: أحمد بن علي الرازي الجصاصت: 370هـ)،أحكام القرآن، بيروت، دار الفكر، ج2، ص526 . (3) :فيمحمد زاهد الكوثري، المقالات، المكتبة الأزهرية للتراث،1414هـ، ص163.
عدد الصفحات ٣١للأستاذ الدكتور صلاح أبو الحاج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 33 قد علموا صحّتَه واستقامتَه لمََا ظَهَرَ منهم الاتفاق على قَبوله واستعماله، وهذا وجه يوجب العلم بصحّة النقل. والثاني: أنَّ مثلَهم إذا اتفقوا على شيء ثبت به الإجماع، وإن انفرد عنهم بعضُهم كان شاذّاً لا يقدح خلافه في صحّةِ الإجماع، ولا يُلتفت بعد ذلك إلى خلافِ مَن خالف فيه، فلذلك جاز تخصيصُ ظاهر القرآن بما كان هذا وصفُه»(1) من الأخبار وعَبرَّوا عن تلقي الأُمّة وعَمِلها بالإجم اع، فما تلقته لَزِم العملُ به، وما تركته نزلت مرتبتُه وأَمْكَنَ رَدُّه، وهذه بعضُ أَمثلة أسوقها للتوضيح من كلامِ الجصاص في بيان القدر الكبير للعمل والقَبول، فيقول : (2)« :أ ترى إلى ما روى أبو هريرة عن النبي « :مَن غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ »(3)، وأنَّه قال « :لا وضوء لمَن لم يذكر اسم ا (1) ينظر: الجصاص، الفصول، ج1، ص175. (2) في: الجصاص، فصول الأصول، ج1، ص179. (3) فبلغ ذلك عائشة ل فردت حديثه بالقياس، فقالت: «أوينجس موتى المسلمين، وما ع رجل لو حمل عوداً »، في: اللكنوي، (ت 1304هـ)، التعليق الممجد على موطأ محمد، ت الدكتور تقي الدين الندوي، دمشق، دار القلم، بومباي، دار السنة والسيرة ، 1991م، (ط1)، ج 2، ص 84. ذكره السيوطي في رسالته «عين الإصابة في استدراك ع ائشة على الصحابة»، وأخرجه أبو منصور البغدادي في كتابه. ينظر: عمر بن محمد الخبازي (ت 691هـ)، المغني في أصول الفقه، ت: د. محمد مظهر بقا، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، (ط1)، ص120.
عدد الصفحات ٣٢34 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السنة المشهورة عند الحنفية وتطبيقاتها في كتبهم عليه»(1)، وأجمع الفقهاء على خلافه، فقضى إجماعهم على الخبر وكان أو منه، وكما روى البراء بن عازب عن النبي « :أنَّه قنت المغرب»(2)، وأجمع الناس على تركه، فكان أولى من ا وكما روى سلمةُ بن المحبق « :أنَّ النبيّ قضى فيمن وطئ جارية امرأته، فقال النبي : إن كانت طاوعته فعليه مثلُها وهي له، وإن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها »(3)، ونظائرها من الأخبار التي ق الإجماع بخلافها أكثر من أن يحصى. وأيضاً: فإنَّ الإجماعَ لا يجوز وقوع الخطأ فيه، ويجوز وقوعُ الخطأ في خبرِ الواحد، فعلمنا أنَّ الإجماعَ إذا وافق خبرَ الواحد كان هو الموجب للعمل بصحّة الخبر لا الخبر بانفراده، ويصير الإجماعُ قاضياً باستقامتِه وصحّةِ مُرجه. (1) في: الحاكم، المستدرك، ج1، ص246، والترمذي، السنن، ج1، ص38، وغيرها (2) في: السلمي، صحيح ابن خزيمة، ج 1، ص 313، والبيهقي، معرفة السنن والآثار، موقع جامع الحديث ، http://www.alsunnah.com، الموسوعة الشاملة، ج 3، ص183، وأحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، مصر، مؤسسة قرطبة ، ر 17493. قال أحمد: ليس يروى عن النبي أنَّه قنت في المغرب الا في هذا الحديث (3) في: النسائي، السنن الكبرى، ج3، ص331، وأبي داود، السنن، ج2، ص563، وابن حنبل، المسند، ر20075، وقال الأرنؤوط: ضعيف لانقطاعه
عدد الصفحات ٣٣