124 أصول الاعتقاد في سورة يونس المبل الأول: في بيان الأسماء اللسنى الواردة في السورة إن الإيمان بأسماء الله وصفاته هو القسم الثالث من أقسام التوحيد، وهو ضمن التوحيد العلمي، الاعتقادي، الخبري. ومعرفة هذا التوحيد والإيمان به من أكبر عوامل محبة الله عز وجل في القلوب وزيادتها، وكذلك من عوامل زيادة الإيمان (1) . ومعنى الإيمان بهذاالتوحيد: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله فيما ثبت عنه، على الحقيقة من غ تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، ولا تحريف. وأسماء الله تعالى كلها حسنى، قال تعالى: [180] . ومعنى كونها حسنى أن "كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى. فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علماً محضاً، لم تكن حسنى. وكذلك لو دلت على غير صفة، ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح، لم تكن حسنى" (2) . وأبدأ بعون الله وتوفيقه في بيان الأسماء الحسنى الواردة في السورة 1- اللّـه (1) انظر مدارج السالك3/17.) (2) تيسير الكريم الرحمن3/120.)
عدد الصفحات ١٣٠125 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقد ورد ذكره في سورة يونس – عليه السلام – في واحد وستين موطناً منها قولـه تعالى: [3]. الآية وقوله تعالى: [3]. وقوله تعا [4]. وقولـه تعالى: [5]. وقولـه تعا [6] .إلى آخر ما ورد في السورة . ورو ابن جرير عن ابن عباس في معناه قال: "الله ذو الألوهية والمعبودية على خلقه أجمعين" (1) . وقال شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب– رحمه الله – : "الله عَلَمٌ على ربنا تبارك وتعالى معناه الإله أي المعبود" (2) ا.هـ وقال معناه: "واجب الوجود الذي لم يزل ولا يزال" (3) . واختلف العلماء في هذا الاسم هل هو مشتق أم غير مشتق ويجر ور الأعلام ا ضة على قولين: الأول: أنه مشتق، وعزاه القرطبي إلى الأكثرين (4) . (1) رواه ابن جريـر في تفسـيره ( 1/54) وفي إسـناده (بشـر بـن عمـارة) ضـعفه ابـن حجـر، والنســائي، وقــال البخــاري: يعــرف وينكــر، انظــر ميــزان الاعتــدال ( 321.1) رقــم 1209، وانظر التقريب، رقم697. (2) مؤلفات محمد بن عبدالوهاب4/11.) (3) الجامع لأحكام القرآن1/102.) (4) انظر المرجع السابق ونفس الجزء والصفحة وانظر المفردات في غريب القرآن، ص21.
عدد الصفحات ١٣١126 أصول الاعتقاد في سورة يونس ثم اختلفوا في مادة أصله، واشتقاقه، فقيل: إنه مشتق من "لاه يليه إذا ارتفع .. (1) وقيل من "لاه يلوه إذا احتجب(2) . وقيل من "إلاهم على فعال بمعنى مفعول، لأنه مألوه أي معبود(3) وذكر العلماء له اشتقاقات أخر(4) . القول الثاني: أنه علم مرتجل غير مشتق، ورجحه الخطابي(5) ، والغزالي (6) ، وغيرهما(7) واستدلوا بأنه لو كان مشتقاً، لكان له معنى كلياً يشترك معه غيره، وحيث انعقد الإجماع على أن لا إله إلا الله توجب التوحيد الخالص، فكان هذا ينفي كونه مشتقاً، ولأننا إذا أردنا أن نصف ذاتاً، نذكر الاسم أولاً، ثم نتبع ذلك الصفات كقولك: زيد عالم زاهد (8) . قال ابن القيم– رحمه الله – : "إن أريد بالاشتقاق .. أنه مستمد من أصل آخر فهو باطل، ولكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ولا ألم بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير والغفور والرحيم والسميع (1) بصائر ذوي التمييز2/13.) (2) المرجع السابق ونفس الجزء والصفحة (3) الصـــحاح2/2222)، وانظـــر لســـان العـــرب13/467)، وانظـــر كتـــاب ســـيبويه (2/195.) (4) انظر تفسير ابن كث1/36-37) وانظر بصـائرذوي التمييـز ( 2/12 ومـا بعـدها)، وانظـــر البحـــر ا ـــيط وهوامشـــه ( 1/41)، وانظـــر معنـــى لا إلـــه إلا الله للزركشـــي، ص118-121. (5) انظر الأسماء والصفات للبيهقي1/47-49.) (6) انظر المقصد الأسنى شرح أسماء الله الحسنى، ص48. (7) انظر الإرشاد للجويني، ص138، وانظر بصائرذي التمييز (2/12.) (8) انظر بصائر ذوي التمييز2/12-13.)
عدد الصفحات ١٣٢127 أصول الاعتقاد في سورة يونس والبصير، فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهي قديمة والقديم لا مادة له" (1) ا.هـ ولهذا الاسم العظيم خواص ليست لغيره من الأسماء: 1- دلالته على جميع الأسماء والصفات بسائر الدلالات 2- إضافة سائر الأسماء الحسنى إليه، كقوله تعا [24] وقوله تعا . [180]. 3- الابتداء به في جميع الأمور وتعليق حتى الذبائح بذكره عليها 4- من قال "لا إله إلا الله .." عصم دمه، وماله، وحسابه على الله تعالى. 5- اختصاصه بالقسم 6- افتتاح الصلاة به 7- إنه خاص بالله تعالى، فلا يتسمى به غيره، فلذلك لا يمـثَـنَّى ولا يمجْمَع (2) . ولهذا عده بعض العلماء اسم الله الأعظم، وقد نسب ذلك إ بعض السلف. رو ابن أبي حاتم عن جابر بن زيد في قوله تعالى: "بسم الله" قال: "اسم الله الأعظم هو الله، ألا تر أنه في جميع القرآن يبدأ به قبل كل اسم (1) . (1) بدائع الفوائد1/22.) (2) انظر التوحيد لابن مندة2/21 وما بعدها)، ومدارج السالك1/32)، ومعنـى إله إلا الله ص135 وما بعدها، وبصائر ذوي التمييز2/20.)
عدد الصفحات ١٣٣128 أصول الاعتقاد في سورة يونس ورجح ذلك ابن كثير (2) ، وابن العربي(3) - رحمهما الله تعا 2- الـرب وقد ورد في سورة يونس عليه السلام مضافاً في عدة مواطن: منها قوله تعالى: [10]. وقوله [2] . وقوله تعا [3] . وقوله تعا [15] . .. إلى آخر ما ورد في هذه السورة الكريمة في أربعة وعشرين موضعاً(4). ومعناه "السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلح أمر خلقه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر" (5) . 3- الشهيد == (1 )رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (1/11) وإسناده حسن، في سنده أبو هلال الراسبي قـال عنه ابن حجر: "صدوق فيه لين" ا.هـ التقريب رقم 5923 ص481، وذكـره السـيوطي في الدر المنثور (1/23) وعزاه إلى ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخـه وابـن الضـريس فضائله. (2) انظر تفسير ابن كث1/35.) (3) انظــر عارضــة الأحــوذي ( 13/34)، والاخــتلاف في تحديــد الاســم الأعظــم في فــتح الباري (11/227-228.) (4) انظر المعجم المفهرس، ص363-380. (5) جامع البيان1/61.)
عدد الصفحات ١٣٤129 أصول الاعتقاد في سورة يونس ومن أسمائه جل وعلا الواردة في السورة "الشهيد" وقد جاء في قوله تعالى: [29] . وقوله [46] . وقولـه [61] الآية وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله : "أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل، سأل بعض ب إسرائيل أن يسلفه ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء، أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيداً، قال: فأتني بالكفيل، قال:كفى بالله كفيلا، قال: صدقت، فدفعها إليه إلى أجل مسمى .." الحديث (1) . "والشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة إمَّا بالبصر أو البصيرة وقد يقال للحضور مفرداً قال تعالى: [94] ".(2) . ومعنى الشهيد من أسماء الله تعالى: "الشهيد على العباد بأعمالهم وأحوالهم" (3) . وقال شارح الطحاوية– رحمه الله – : "الشهيد الذي لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه، بل مطلع على كل شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله" (1) . (1 )رواه البخاري كتاب الكفالة باب: الكفالة والقرض والديون بالأبدان وغيرها رقم2169 (ج2/802) ورواه مختصــراً في كتــاب الزكــاة بــاب مــا يســتخرج مــن البحــر رقــم 1427 (ج2/545)، ورواه في كتاب البيوع بـاب: التجـارة في البحـر رقـم1957 (ج2/727)، وفي كتاب الاستقراض: باب: إذا أقرضه إلى أجل مسمى رقم 2274 (ج2/847.) (2) المفردات، ص267-268. (3) الحجة في بيان ا جة1/148.
عدد الصفحات ١٣٥130 أصول الاعتقاد في سورة يونس 4- الحَـق ومن أسماء الله الحسنى الواردة في السورة (الحق) وهو سبحانه الحق ومعناه "المتحقق كونه ووجوده وكل شيء صح وجوده وكونه فهو حق"(2) . قال تعا [30] وقوله [32]. ويقول تعالى في سورة الكهف [44]، وقوله تعالى في سورة الحج: [6] . وفي الحديث عن ابن عباس– رضي الله عنهما – قال: كان النبي إذا قام من الليل يتهجد قال: "اللهم لكالحمد، أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولله الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق ، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنجت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك" (3) . == (1) شرح الطحاوية، ص38، وانظر تيسير الكريم الرحمن5/628.) (2) الحجة في بيان ا جة1/135. (3) رواه البخاري في كتاب التهجد باب التهجد بالليل رقم1069 (ج1/377)، ورواه كتاب التوحيـد بـاب قولـه تعـالى: "وهـو الـذي خلـق السـماوات والأرض بـالحق" رقـم 6950 (ج6/2689) عن سليمان به بنحوه. ==
عدد الصفحات ١٣٦131 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال ابن العربي – رحمه الله – : "والوجود على قسمين: وجود حقيقي، ووجود شرعي، فأما الوجود الحقيقي فليس إلا لله وصفاته وعليه جاء قولـه : "أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق .."، فأما الله وصفاته فوجودها هو حق، لأنه لم يسبقها عدم، ولا يعقبها فناء .. ا.هـ (1) . والحق يقال على أوجه الأول: يقال لموجد الشيء بسبب ما تقتضيه الحكمة، ولهذا قيل في الله تعالى هو الحق. الثاني: يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة ولهذا يقال فعل الله تعالى كله حق. الثالث: في الاعتقاد للشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه. الرابع: للفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وبقدر ما يجب كقولنا وذلك حق وقولك حق (2) . وقال القرط– رحمه الله – في تفسير هذا الاسم: "أي الواجب الوجود، واصله من حقَّ الشيء أي ثبت وجوده لنفسه لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم .." ا.هـ (3) . == ورواه أيضاً في باب "وجوه يومئذ نـاظرة" رقـم7005 عـن سـليمان بـه بنحـوه ورواه بــاب: قولـــه تعــالى: رقــم7060 (ج6/2724 ) عن سليمان به بنحوه، وأخرجه مسـلم في صـلاة المسـافرين وقصـرها: بـاب الـدعاء صلاة الليل وقيامه رقم 769 (ج1/533) عن طاووس به نحوه (1) أحكام القرآن (ج3/8 .) (2) المفردات، ص125 (باختصار (3) الجامع لأحكام القرآن8/336، وانظر تيسير الكريم الرحمن5/632.)
عدد الصفحات ١٣٧132 أصول الاعتقاد في سورة يونس 5- العليـم ومن أسماء الله الحسنى التي وردت في السورة (العليم) وهو من أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة قال تعالى: [36] وقوله [65] . والعليم والعالم صفتان مشتقتان من العلم، فالعالم اسم الفاعل من علم يعلم فهو عليم، والعليم من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم وهو بمنزلة قدير من القادر" (1) . فالله جل وعلا هو العالم والعليم الذي لا تخفى عليه خافية الأرض ولا في السماء علم الخلق قبل أن يخلقهم ويعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون. وقد ذكر ذلك الرب جل وعلا في قولـه تعالى – من سورة يونس عليه السلام – : [61] . والعلم من الصفات الذاتية التي لا تنفك ولا تفارق الرب جل وعلا. والعليم من صيغ المبالغة لإثبات كمال العلم. قال تعالى: [215] (1) اشتقاق أسماء الله، ص50.
عدد الصفحات ١٣٨133 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقال تعالى: [176] . 6- ذو الفضـل ومن أسماء الله الحسنى المضافة إلى صفاته، وأفعاله سبحانه (ذو الفضل) قال تعالى: [60] . وقولـه [58] . وقد جاء هذا الاسم في حديث أبي هريرة– رضي الله عنه – في المستدرك وعند ابن مندة – رحمه الله – في سياق أسماء الله جل جلاله(1) . (1 )رواه الحاكم في كتاب الإيمان1/63-64) وقال: "هذاحديث محفوظ من حديث أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة مختصراً دون ذكر الأسامي الزائدة فيهـا كلـها في القــرآن، وعبــدالعزيز بــن الحصــين بــن الترجمــان ثقــة وإن لم يخرجــاه وإنمــا جعلتــه شــاهداً للحديث الأول" ا.هـ المستدرك 1/63-64. ورواه الترمذي في الـدعوات بـاب أسمـاء الله الحسـنى رقـم: 3502 (9/173) مـن طريـق أخر عن أبي هريرة – رضي الله عنه – وقال: "هذا حديث غريـب حـدثنا بـه غـير واحـد عن صفوان ابن صالح وهو ثقة عند أهل الحـديث، وقـد روي هـذا الحـديث مـن غـير وجـه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعلم في كبير شيء من الروايات له إسـناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث .. ا.هـ. ورواه ابـن ماجــة مــن طريــق أخــر عــن الأعــرج بــه مــع تقــديم وزيــادة ونقصــان في كتــاب الدعاء: باب: أسماء الله عز وجل، رقم: 3861 (2/1269-1270.) والحديث ضعفه جماعة من العلماء منهم الذهبي في التخليص1/63) حاشية المستدرك. والمناوي في فيض القـدير ( 1/63) حاشـية المسـتدرك وصـححه بعضـهم، وحسـنه النـووي وجمع طرقه أبو نعيم الأصبهاني في رسالة مطبوعة، وخرجـه ابـن حجـر في رسـالة بعنـوان ==
عدد الصفحات ١٣٩134 أصول الاعتقاد في سورة يونس فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي قال: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة: الله الرحمن، الرحيم، الإله، الرب، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الحليم، العالم، السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان، البديع، الودود، الغفور، الشكور، المجيد، المبدئ، المعيد، النور، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الغفار، الوهاب، القادر، الأحد، الصمد، الكافي، الباقي، الوكيل، المجيد، المغيث، الدائم، المتعال .." الحديث إلى قولـه "ذو الطول، ذو المعارج، ذو الفضل الخلاق، الكفيل، الجليل، الكريم" (1) . وفي حديث الاستخارة "واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم .." (2) الحديث 7- السميع ومن أسماء الله عز وجل الثابتة في هذه السورة (السميع) وقد ورد في قوله تعالى: [65]. == تخــريج الأسمــاء الحســنى وانظــر عارضــة الأحــوذي13/34 وومــوع الفتــاو6/379 ) وفتح الباري11/219 وتفسير ابن كث3/257) وتحفة الذاكرين للشوكاني، ص74. (1) انظر التوحيد لابن منده2/203.) (2) رواه البخــاري في كتــاب التوحيــد، بــاب قولــه تعــالى: "قــل هــو القــادر" رقــم6955 (6/2690)، ورواه في كتـاب التطـوع، بـاب: مـا جـاء في التطـوع مثنـى رقـم1109 (1/391) عن عبدالرحمن بن أبي المواليبه.
عدد الصفحات ١٤٠135 أصول الاعتقاد في سورة يونس وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: "كنا مع رسول الله فكنا إذا أشرفنا على وادٍ، هللنا وكبّرنا ارتفعت أصواتنا فقال النبي : "يا أيها الناس أربعوا على أنفسكمفإنكم لا تدعون أصمَّاً ولا غائباً، إنه معكم إنه معكم سميع قريب تبارك اسمه وتعالى جده" (1) . والرب جل شأنه سميع بسمع، يسمع الأصوات، مهما اختلفت اللغات، وتعددت اللهجات، لا كما يقول المبتدعة سميع بلا سمع تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً، بل نثبتها على الوجه اللائق به سبحانه. 8- الغـ ومن أسماء الله الحسنى الواردة في السورة (الغني) وقد ورد في قولـه تعالى: [68] . ويقول تعالى في سورة فاطر [15]، وقوله في سورة التغابن: (1) رواه البخاري في كتاب الجهاد، باب: ما يكره من رفع الصوت بالتكبير، رقم2830 (3/1091)، ورواه في كتـــاب التوحيـــد، بـــاب: قولــــه تعـــا رقم6952 (6/2690) عن أبي عثمان به، بنحوه وزاد في آخره، "ثم أتـى علي وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: يا عبدالله بـن قـيس قـل لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة". ورواه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفـض الصـوت بالـذكر رقـم: 2704 (4/2067) عن عاصم به بنحوه وفيه زيادة نحو زيادة البخاري السابقة
عدد الصفحات ١٤١136 أصول الاعتقاد في سورة يونس [5-6] . وعن عائشة– رضي الله عنها – في حديث الاستسقاء وفيه ثم قال: "الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين" لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين"الحديث(1) . "(و) الغني في كلام العرب: الذي ليس بمحتاج إلى غيره(2) . والله جل شأنه– هو الغني بذاته، الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، فلا يحتاج إلى أحد، بل هو الذي أغنى خلقه، وأعطاهم، ورزقهم وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. وليس ثَمَّ مخلوق إلا وهو محتاج إلى غيره مهما اتسع ملكه وسلطانه، ومهما ملك من الأموال، فهو محتاج إلى من يساعده، ويعينه في أمور معاشه، أما الرب تعالى وتقدس فلا حاجة إليه إلى خلقه فغناه من لوازم ذاته سبحانه. 9- الغفـور ومن أسماء الله الحسنى الواردة في السورة (الغفور) وقد جاء في قوله تعالى: (1 ) رواه أبو داود في كتاب صـلاة الاستسـقاء بـاب رفـع اليـدين في الاستسـقاء رقـم1173 (ج1/375) والحديث قال عنه أبو داود: "هذا حـديث غريـب إسـناده جيـد"، وحسـنه الألباني انظر صحيح أبي داود رقم: 1040 (1/217.) (2) اشتقاق أسماء الله، ص117.
عدد الصفحات ١٤٢137 أصول الاعتقاد في سورة يونس [107] . واشتقاقه في اللغة من الستر والتغطية(1) . ومعناه: أن الله جل وعلا هو غفار الذنوب الذي يستر على عباده ويتجاوز عن سيئاتهم، وآثامهم. وفي حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه قال لرسول الله : علمني دعاء أدعو في صلاتي، قال: "قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (2) . 10- الرحيـم ومن أسماء الله الحسنى الواردة في السورة (الرحيم) في قوله تعالى: [107] .. وفي فاتحة الكتاب يقول تعا [3] . قال ابن جرير– رحمه الله – : "إن بالتسمية بالرحمن موصوف بعموم الرحمة جميع خلقه، وأنه بالتسمية بالرحيم موصوف بخصوص الرحمة بعض خلقه، إما في كل الأحوال وإما في بعض الأحوال .." (3) . ا.هـ (1) انظر تفسير غريب القرآن لابن قتيبة، ص14. (2 )رواه البخاري في كتاب صفة الصلاة باب الدعاء قبل السـلام رقـم799 (ج1/286- 287)، وفي كتاب التوحيد وكان الله سميعاً بصيراً رقم6953 (6/2690) عن يزيد به (3) جامع البيان1/56.)
عدد الصفحات ١٤٣138 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقيل في الفرق بينه وبين الرحمن: إن الرحمن لا يطلق إلا على الله تعالى اسماً وصفةً، وأما الرحيم فيطلق على الله تعالى وعلى غيره قال تعالى: [:128] . وقيل الرحمن أشد مبالغة من الرحيم لدلالة الرحمن على عموم الرحمة، وخصوص الرحمن للمؤمنين، ولأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى (1) . وقال ابن القيم– رحمه الله – : "الرحمن من صفته الرحمة، والرحيم من يرحم بالفعل" (2) ا.هـ المبل الثاني: صفات ا واالى الواردة في السورة إن الرب جل وعلا كما قد تسمى بأسماء، فقد وصف نفسه جل شأنه بصفات، كما لا تليق إلا به، وباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فقد يتصف الله عز وجل بصفة لا يتسمى بها، على سبيل المثال: الاستواء صفة له لكن لا نسميه مستوٍ، وكذلك الكلام من صفاته جل وعلا لكن لا نطلق عليه اسم (متكلم) فلا يقول الداعي مثلاً: يا متكلم اغفر لي، وقس على هذا. أما الأسماء فهي تدل على معانيها من الصفات فكل اسم نثبت له ما يدل عليه من صفات الكمال بخلاف المخلوق الذي قد يسمى سعيداً (1 )انظر بدائع الفوائد1/24)، وانظر تفسير ابن كث1/38)،وانظر لوامع الأنوار (1/31.) (2) مختصر الصواعق2/110.)
عدد الصفحات ١٤٤139 أصول الاعتقاد في سورة يونس وهو شقي،ويسمى أميناً وهو خائن .. لأن أسماء المخلوقين أعلام محضة. وصفات الله تعالى تنقسم إلى قسمين: أولاً: صفات ثبوتية كالسميع، والعليم، والقدير، والحي، .. وهي كلها صفات كمال، وتنقسم الثبوتية إلى ثلاثة أقسام: 1- صفات ذاتية: وهي الصفات الملازمة لذاته سبحانه لم يزل ولا يزال متصفاً بها كالعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والقدرة، والوجه واليدين. 2- صفات فعلية تتعلق بإرادته ومشيئته كالكلام والنزول، والمجيء، الخ. 3- صفات ذاتية فعلية: أي أن الله تعالى متصف بها أزلاً وأبداً، وأنها في الوقت نفسه تحدث آحادها بمشيئته وإرادته، كالكلام. ثانياً: صفات سلبية: وهي ما نفاها الله عز وجل عن نفسه كقوله تعالى: [49]. وهي قليلة، ولا تقتضي النفي المطلق بل النفي فيها، لإثبات ضده من الكمال لأن النفي ا ض لا كمال فيه ولا مدح، ويوصف به الجماد كما يقال الجدار لا يظلم، لعجزه وعدم قدرته وهذا نقص ينزه الرب عنه فلا يظلم لكمال عدله، وكقوله تعالى: [3] لكمال علمه(1) . (1) انظر التدمريـة، ص57-59، وانظـر الحـق الواضـح المـبين، ص6 ومـا بعـدها مكتبـة المعارف، الرياض، وانظر القواعد المثلى، ص21 وما بعدها
عدد الصفحات ١٤٥