المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام

قذلة بنت محمد القحطاني

صفحة ٧ من ٣٩

92 أصول الاعتقاد في سورة يونس بزعمهم – وإن كان للآلهة. لم يذكروا اسم الله تعالى، تعالى الله عما يعملون ويقولون .. والله أعلم. وقد جاء في تفسير معنى البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام أقوال ذكرها المفسرون وغيرهم أذكر بعضاً منها ليظهر ضلال هؤلاء المشركين وسفههم: قيل: إن البحيرة: "الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن، والخامس ذكر بحروه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها، أي شقوها وكانت حراما على النساء، لحمها ولبنها، فإذا ماتت حلت للنساء" (1) . وقيل إنها ابنة السائبة وهي التي تابعت اثنتي عشرة إناثا ليس بينهن ذكر، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم خليت وتسمى البحيرة (2) . وقيل البحيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس (3) . وأما السائبة فهي: "البعير يمسيب بنذر يكن على الرجل إن سلّمه ا من مرض أو بلغه منزلة أن يفعل ذلك" (4) ، وقيل: إن السائبة هي الناقة إذا ولدت اثنتي عشرة إناثاً ليس فيها ذكر سيبت فلا تركب ولا يشرب لبنها ولا يؤخذ وبرها (5) . (1) تفســير غريــب القــرآن لابــن قتيبــة ص147، ورو عــن ابــن عبــاس (انظــر زاد المســير ج2/36. (2) انظــر جــامع البيــان ج7/88، ونقــل عــن عطــاء (انظــر زاد المســ2/436) وقالــه ابــن إسحاق السيرة 1/33. (3) روي عن سعيد بن المسـيب– رحمـه الله – كمـا رو ذلـك البخـاري بسـنده في كتـاب التفســـير "مـــا جعـــل الله مـــن بحـــيرة ولا ســـائبة ولا وصـــيلة ولا حـــام" رقـــم: 4347 (ج4/1690.) (4) تفسير غريب القرآن ص147. (5) انظر جامع البيان7/88.)

عدد الصفحات ٩٨

93 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقيل: "إن الرجل كان يسيب من ماله ما شاء فيأتي به خزنة الآلهة، فيطعمون ابن السبيل من ألبانه ولحومه إلا النساء، فلا يطعمونهن شيئاً منه إلا أن يموت فيشترك فيه الرجال والنساء رواه أبو صالح (1) عن ابن عباس (2) . وقال ابن إسحاق في تعريف السائبة هي "الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر، سيبت فلم يركب ظهرها (3) . وقال سعيد بن المسيب: "السائبة: كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء" (4) ا.هـ وأول من سيب السوائب عمرو بن عامر الخزاعي – عليه لعنة الله – كما رو البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله  : "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب" (5) . وأما الوصيلة: قيل "من الغنم، كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا: فإن كان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم وإن كان ذكراً وأنثى قالوا: قد وصلت أخاها. فلم (1) باذام ويقال بأذان أبو صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب رو عـن علـي وابـن عبـاس وأبي هريرة .. رو عنه الأعمش وإسماعيل السـدي وسمـاك بـن حـرب وغيرهـم قـال عنه ابن حجر "ضعيف يرسل من الثالثة" ا.هـ انظر تهذيب التهذيب (1/364-365 ) وتقريب التهذيب رقم634 ص120. (2) زاد المس2/437. (3) السيرة1/133. (4 )رواه البخاري (ج4 /1690) وقد تقدم، ورو نحوه ابن جرير عن ابن عباس7/90.) (5) سبق تخريجه ص58.

عدد الصفحات ٩٩

94 أصول الاعتقاد في سورة يونس تذبح لمكانها، وكانت لحومها حراماً على النساء، ولبن الأنثى حرام على النساء، إلا أن يموت منها شيء فيأكله الرجال والنساء" (1) . وقيل "الوصيلة:إن الشاة إذا نتجت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس فيهن ذكر، جعلت وصيلة، قالوا: وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك لذكورهم دون إناثهم، إلا أن يموت منها شيء، فيشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم (2) . وروي عن سعيد بن المسيب في قولـه تعالى "ولا وصيلة"، قال فالوصيلة من الإبل كانت الناقة تبتكر بالأنثى، ثم ثنت بأنثى فسموها الوصيلة، ويقولون: وصلت انثيين، ليس بينهما ذكر، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم، أو يذبحونها" (3) . وقال ابن كث– رحمه الله – وكذا روي عن الإمام مالك بن أنس – رحمه الله – (4) . وأما الحام: قيل إنه "الفحل الذي ركب ولد ولده، ويقال إذا نتج من صلبه عشرة أبطن. قالوا: قد حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء" (1) . (1) تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص147، وقـال ابـن الجـوزي رواه أبـو صـالح عـن ابـن عباس بنحوه انظر زاد المسير (2/438.) (2) جامع البيان (ج11/88) وقاله محمد بن إسحاق انظر السيرة1/133.) (3) رواه ابـن جريــر في تفسـيره (والشــك منــه) (ج7/91) وفي إسـناده الحســن بـن يحيــى بــن الجعد ابـن أبـي الربيـع الجرجـا ني أبـو علـي قـال فيـه الحـافظ في التقريـب صـدوق (انظـر التقريب ص164) وأما باقي رجال إسناده فثقات، وقد رواه أيضاً ابن كـثير في تفسـيره (2/665) قال: قال عبدالرزاق: أنبأنا معمر عـن الزهـري عـن سـعيد بـن المسـيب هـو الحسن بن يحيى بن الجعد أو الحسن بن يحيى بن كثير العنبري والأول قال فيه الحـافظ في التقريب صـدوق، والثـاني قـال فيـه لا بـأس بـه، (انظـر التقريـب ص 164) وأمـا بـاقي رجــال إســناده فثقــات، وقــد رواه أيضــاً ابــن كــثير في تفســيره ( 2/665) قــال: قــال عبدالرزاق: أنبأنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب. (4) انظر تفسير ابن كثير (ج2/665.)

عدد الصفحات ١٠٠

95 أصول الاعتقاد في سورة يونس ورو ابن جرير عن الشعبي نحو هذا القول ونقل عن ابن عباس أيضاً ومالك (2) – رحمهم ا– وقيل: "إنه الفحل يظهر من أولاده عشر إناث من بناته، وبنات بناته، قاله عطاء" (3) . فهذا التحريم والتحليل الذي يمارسه هؤلاء المشركون، من أك علامات الانحراف عندهم والضلال الذي يعتقدونه. وقد سماه الله شركاً كما سبق في قوله تعالى:               [21]. وفي الحديث عدي بن حاتم عندما أسلم وجاء إلى الن يقول "أتيت النبي  ،وفي عنقي صليب من ذهب فقال له رسول الله  يا عدي اطرح هذا الوثن، وسمعته يقرأ في سورة براءة:          [31] . قال: أما أنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوام شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه (4) . وعن عدي ابن حا– رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله  يقرأ سورة براءة فلما قرأ         قلت يا رسول الله، أما أنهم يكونوا يصلون لهم؟ == (1 )تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص148، وقاله ابن إسحاق انظر السيرة1/133.) (2) انظر جامع البيان ج7/89. (3) زاد المس2/89. (4) رواه الترمذي في سننه كتاب التفسير تفسير سورة التوبة رقم3094 (8/248) وقـال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حـديث عبدالسـلام بـن حـر ب، وغطيـف بـن أعـين ليس بمعروف في الحديث. ا.هـ. ورواه ابن جرير من طريق آخر عن عبدالسلام بن حرب به بنحوه (10/114.)

عدد الصفحات ١٠١

96 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال: (صدقت ولكن كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه ويحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه) (1) . ومثل هذا التحريم والتحليل الذي مارسه أهل الجاهلية الأولى، يمارسه الآن طواغيت الجاهلية المعاصرة، فيحلون ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله، تراهم يحلون الربا ويسمونه بغير اسمه ويزعمون أنه ضروري، وأنه عامل من عوامل انتعاش الاقتصاد!! ويحلون الزنى علناً، ويحرمون تعدد الزوجات!!. ويضعون القوانين التي يحكمون بها جميع المعاملات معرضين عن وحي رب الأرض والسماوات. يقول سيد قطب – رحمه الله – : "ولم يكن بد أن يكون "دين الله" هو الحكم بما أنزل الله دون سواه، فهذا هو مظهر سلطان الله، مظهر حاكمية الله. أن لا إله إلا الله وهذه الحتمية، لا تنشأ فحسب من أن ما أنزل الله خير مما يصنع البشر لأنفسهم من مناهج وشرائع، وأنظمة وأوضاع، فهذا سبب واحد من أسباب هذه الحتمية، وليس هو السبب الأول ولا الرئيسي، إنما السبب الأول والرئيسي، هي أن الحكم بما أنزل الله إقرار بألوهية الله، ونفي لهذه الألوهية وخصائصها عمن عداه وهذا هو الإسلام" ا.هـ (2) . ولهذا عده شيخ الإسلام– محمد بن عبدالوهاب – من نواقض الإسلام العشرة قال – رحمه الله – : "الرابع: من اعتقد أن غير هد (1) رواه ابن جرير في تفسيره10/114) وفي سنده غطيف بـن أعـين السـابق ذكـره، وقـد رو ابن جرير نحوه من عدة طرق، ورواه أيضاً موقوفـاً علـى حذيفـة بـن اليمـ ان وابـن عباس والحسن وابن البختري وغيرهم. (2) في ظلال القرآن2/828.)

عدد الصفحات ١٠٢

97 أصول الاعتقاد في سورة يونس النبي  أكمل من هديه أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطواغيت على حكمه فهو كافر" ا.هـ (1) . وعلى هذا فالعلمانية– التي تشدق بها المستغربون – ما هي إلا امتداد لجذور الوثنية منذ العصر الجاهلي، فهؤلاء المشركون يعترفون الربا وبأنه خالق السماوات والأرض، ومالك كل شيء، لكنهم يكتفون بهذا، وأما العبودية والتحليل والتحريم فلا يرون أنها له سبحانه، فما الفرق بينهم وبين من يدعي أن الدين في المسجد قط ولا دخل في سائر شئون الحياة. قال تعالى:           [193] . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية– رحمه الله – "فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله لله" (2) ا.هـ. ويقول أيضاً: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين واتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام أو اتباع شريعة غير شريعة محمد  فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب كما قال تعالى:                                   [150- 151](3)ا.هـ ويقول أيضاً: "كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلمت (1) وموعة التوحيد ص27. (2) الفتاو الك4/280.) (3) الفتاو الك4/286.)

عدد الصفحات ١٠٣

98 أصول الاعتقاد في سورة يونس بالشهادتين، فإذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا وإن امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة .. وكذلك إن امتنعوا عن الحكم في الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة .. ا.هـ (1) . والواقع أن دين الإسلام شامل لجميع جوانب الحياة فكيف وأنى لنا أن نلهث وراء القوانين البشرية والله سبحانه وتعالى يقول:              [3]. وهل لدين أكمله رب الأرباب أن يكمله البشر أو يدّعون ذلك؟ كبرت كلمة تخرج من أفواههم. ومن اطلع على أسباب ظهور العلمانية في أوربا علم علماً يقينياً أنه لا وال لها في ديار الإسلام، فأسباب ظهورها هناك لا وجود لها في بلاد الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله (2) . رابعاً: شرك الدعاء(3) : إن دعاء غير الله عز وجل من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل، فالدعاء هو العبادة كما جاء في الحديث (الدعاء هو العبادة) (4 ). (1) المرجع السابق4/279. (2) انظر في العلمانية وأسباب ظهورها كتاب العلمانية للشيخ سفر الحوالي وكتـاب تهافـت العلمانية لعماد الدين خليل. (3 )الشرك في الدعاء يتضمن الشرك في العبادة وقد سبق ولكن أفردته هنا لأهميته، ولكثرة وقوعه (4) رواه الترمذي في كتاب التفسير في تفسير سورة المؤمن من حديث النعمان بن بشير قال سمعت النبي صـلى الله عليـه وسـلم يقـول .. الحـ ديث وفي آخـره ثـم قـال "وقـال ربكـم ادعـوني اسـتجب لكـم" الآيـة 60 غــافر رقـم3244 (ج8/372) وقـال: هـذا حــديث==

عدد الصفحات ١٠٤

99 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقال جل وعلا:                 [60]. وجاء في الحديث (الدعاء مخ العبادة(1) ، وجاء في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه  قال"ليس شيء أكرم على الله من الدعاء"(2) . وهذه الأحاديث تبين أهمية الدعاء، ومكانته من العبادة وذلك لما يشتمل عليه من الخضوع، والتضرع، والذل للمسئول والاعتراف بالحاجة إليه، ولهذا ورد في الحديث أنه مخ العبادة "مخ الشيء: خالصه، وإنما كان مخاً لأمرين: أحدهما أنه امتثال أمر الله تعالى حيث قال: ادعوني. فهو محض العبادة وخالصها، والثاني أنه إذا رأ نجاح الأمور من الله قطع أمله عن سواه ودعاه لحاجته وحده، وهذا هو أصل العبادة" (3) . == حسن صحيح. وفي كتاب الدعوات باب مـا جـاء في فضـل الـدعاء مـن طريـق آخـر عـن النعمان بن بشير به رقم 3369 (9/92) ورواه الإمام أحمد عـن النعمـان بـن بشـير بـه (4/267،271،286)، ورواه ابــن ماجــة في كتــاب الــدعاء بــاب فضــل الــدعاء مــن طريق آخر عن النعمان بن بشـير بنحـوه رقـم 28 38 (2/1258) وعـزاه العجلـوني كشف الخفاء لمسلم (1/485) وهو وهم (1) رواه الترمذي عن أنس بن مالك في كتاب الدعوات باب ما جـاء في فضـل الـدعاء رقـم 3368 (ج9/92)، وقال: "هذا حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حـديث ابن لهيعة" ا.هـ. (2) رواه الترمذي في كتاب الدعوات باب ما جاء في فضل الدعاء عن أبـي هريـرة– رضـي الله عنه – رقم 3367 (ج9/91) وقال: هذا حديث حسن، ا.هـ، ورواه ابن ماجـة كتاب الدعاء باب فضل الدعاء عن محمد بن يحيى به رقـم 3829 (ج2/1258) ورواه البخاري في الأدب المفرد عن عمر بن مرزوق به رقم 712 ص249. (3) لسان العرب مادة مخخ3/52.)

عدد الصفحات ١٠٥

100 أصول الاعتقاد في سورة يونس ولهذا قال جل وعلا:                            [55-56]. والدعاء في اللغة بمعنى الرغبة إلى الله تعالى، ويأتي بمعنى الاستغاثة، كقولك للرجل إذا لقيت العدو خالياً فادع المسلمين، ومعناه استغث بهم، وقد يأتي بمعنى العبادة كما في قولـه تعالى:           [194] . وقال الله عز وجل    [صافات125] أي تدعون رباً سو الله (1) . والدعاء على نوع الأول: دعاء المسألة. الثاني: دعاء العبادة. وهما متلازمان فكل من دعا بكشف الضر، وسؤال الحاجات فقد عبده، وغالب ما جاء في القرآن ما ذكر ودعاء المشركين لآلهتهم، فالمراد به دعاء العبادة (2) . والمرء إذا دعا فلا يخلو الأمر من ثلاث حالات سواء دعا بنفسه أو دعا له غيره بطلب منه أو بغير طلب: الحالة الأولى: أن يدعو الله وحده لا شريك له. الحالة الثانية: أن يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. الحالة الثالثة: أن يدعو غير الله ويدعو الله معه. (1) انظر لسان العرب14/257 (مادة دعـا)، وانظـر القـاموس ا ـيط ص1655، وانظـر الصحاح 6/2336-2337. (2) انظر وموع الفتاو15/10-13.)

عدد الصفحات ١٠٦

101 أصول الاعتقاد في سورة يونس فأما الحالة الأولى: فلا خلاف في مشروعيتها، وفضلها وهي المراد بقوله تعالى:       [60]. ، وقوله              [186]. وجاء في سورة يونس في قوله تعا      [10] . وأما الحالة الثانية: فهي الشرك الأكبر الذي جاء التحذير منه والحالة الثالثة: تدخل معها في الحكم لأن الله أمر بدعائه وحده فمن دعا معه غيره، عد هذا شركاً والله غني عن الشرك (1) كما جاء الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال:قال رسول الله  : "قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (2) . وكان دعاء غير الله عز وجل متفشياً في الجاهلية وقد تعددت أساليب القرآن الكريم في إبطاله والرد على من فعله وذلك بعد طرق: منها: إرشادهم إلى دعائه عز وجل وحده لا شريك له. ومنها: بيان عجز وفقر من يدعون من الأصنام والأشجار، ونحوها. ومنها: تذكيرهم بما هو كامن في نفوسهم من الإيمان والتوحيد ودعاء الله وحده وظهور هذا الأمر عند اشتداد الخطب، وانقطاع المعين. (1) انظر كتاب الزيارة لابن تيمية75-86. (2) رواه مســلم في كتــاب الزهــد والرقــائق بــاب مــن أشــرك في عملــه غــير الله رقــم2985 (4/2289)، ورواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة– رضي الله عنـه – كتـاب الزهـد باب الرياء والسمعة رقم 4202 (2/1405) بنحوه، ورواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد بن فضالة الأنصاري بمعناه (3/466( )4/215.)

عدد الصفحات ١٠٧

102 أصول الاعتقاد في سورة يونس ومنها: ذكر بيان حالهم وتعاديهم يوم القيامة مع أوليائهم الذين يدعون من دون الله (1) . وإذا تأملنا سورة يونس عليه السلام رأينا أنها اشتملت على جميع هذه الأساليب، فأما دعوتهم وإرشادهم إلى دعاء الله وحده لا شريك له ففي قوله تعالى:                                                         [104-106] . وأما في بيان عجز وفقر من يدعوهم من دون الله وأنهم لا يملكون نفعاً ولا ضراً ففي قوله تعالى:                    [38]. وقوله تعا                             [66]. وقوله تعا                                             [106-107]. وأما في تذكيرهم بما هو كامن في نفوسهم من الإيمان والتوحيد ودعاء الله وحده، وظهور هذا الأمر عند اشتداد الخطب، وانقطاع المعين، فقوله تعالى:           (1) انظر رسالة الشرك ومظاهره لمبارك بن محمد علي، ص193.

عدد الصفحات ١٠٨

103 أصول الاعتقاد في سورة يونس                     [12]. وقوله تعا                                            [22]. وأما في ذكر بيان حالهم وتعاديهم يوم القيامة مع أوليائهم الذين يدعون من دون الله قوله تعالى:                                 [28-29] . وما يفعله الجهلة في زماننا من دعاء الأموات، وسؤالهم الحاجات، والتمسح بقبورهم – والعياذ بالله – من الشرك الأكبر. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – "ولقد قصد الصلاة عند قبور الأنبياء والصالحين من غير أن يقصد دعاءهم والدعاء عندهم مثل أن يتخذ قبورهم مساجد لكان ذلك محرماً منهياً عنه ولكان صاحبه متعرضاً لغضب الله ولعنته كما قال النبي  : "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد(1) . (1) رواه البخاري من حديث عائشة بلفظ (لعن الله اليهود والنصار اتخذوا قبور أنبيـائهم مســاجد) كتــاب الجنــائز بــاب مــا يكــره مــن اتخــاذ المســاجد علــى القبــور رقــم 1265 (1/447.) ورواه مسلم في كتاب المساجد باب النهي عن بنـاء المسـاجد علـى القبـور واتخـاذ الصـور فيهـا والنهي عن اتخاذ القبور مساجد عن عائشة – رضي الله عنها – بلفظ البخاري رقم 19 (1/376.)

عدد الصفحات ١٠٩

104 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقال "قاتل الله اليهود والنصار اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (1) . فإذا كان هذا محرماً وهو سبب لسخط الرب ولعنته، فكيف بمن يقصد دعاء الميت والدعاء عنده وبه واعتقد أن ذلك من أسباب إجابة الدعوات ونيل الطلبات وقضاء الحاجات، وهذا كان أول أسباب الشرك في قوم نوح وعبادة الأوثان في الناس .." ا.هـ (2) . وهذا الذي يفعله هؤلاء عند قبور الموتى، لم يفعله رسول ا ولا الصحابة من بعده– وحاشاهم – ولا فعلته القرون الثلاثة المفضلة، فهل يعقل أن يصرف عنه أولئك، ثم يوفق إليه هؤلاء؟ لاشك أن هذا من البدع ا دثة والشرك الأكبر (3) نسأل الله السلامة حتى قبر النبي محمد  وهو إمام الرسل، الشافع المشفع، عليه وعلى جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه، فكيف بقبر غيره ممن يزعمون أنهم أولياء، وقد لا يكون في القبر ميتٌ أصلاً؟!! يقول العلامة الشيخ حمد بن عتيق – رحمه الله – : "أما ما يفعله أكثر الناس عند قبر النبي  مندعائه، والتضرع إليه، وسؤاله، بأنواع السؤال، وكذلك ما يفعله عباد القبور من دعاء الأموات والاستغاثة بهم في الشدائد والملمات، والاستنجاد بهم في تفريج الكربات، وإغاثة اللهفان كل ذلك من أعظم ا دثات، وأكثر المنكرات لأنه من الدعاء الذي هو مخ العبادة" (4) . (1) رواه البخاري كتاب المساجد باب مـا يكـره مـن اتخـاذ المسـاجد علـى القبـور رقـم 426 (1/168) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه مسلم من طريـق آخـر عـن أبـي هريـرة رضي الله عنه به رقم (20( )1/376.) (2) وموع الفتاو1/166-167.) (3) انظر الهدية السنية، ص42. (4) وموعة رسائل الشيخ حمد بن عتيق، ص18.

عدد الصفحات ١١٠

105 أصول الاعتقاد في سورة يونس وسؤال الميت والاستغاثة به على ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يتوجه إليه مباشرة بطلب قضاء الحاجات، وكشف الملمات من شفاء مريض، ورد غائب، وقضاء دين ونحو ذلك، وهذا من الشرك الأكبر. الحالة الثانية: أن يطلب من صاحب هذا القبر، أن يدعو الله له، ليكون شفيعاً له عند الله، لكونه أقرب عند الله، وهذا من جنس قول الله عز وجل على لسان المشركين:         [3] . وقد بينت فساد هذا القول في شرك الشفاعة الحالة الثالثة: أن يسأله الدعاء له، كما يقال للحي: ادع الله لنا وطلب الدعاء من الحي مشروع ولا بأس به، وكان الصحابة – رضوان الله عليهم – يطلبون من النبي  أن يدعو لهم. وقال لعمر– رضي الله عنه – عندما استأذنه في العمرة فأذن له وقال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك" (1) . وأما أن يطلب الدعاء من الميت، فهذا غير مشروع ويفعله أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر به أحد من الأئمة، بل هو بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، والصحابة بعد موت النبي  طلبوا من العباس أن يستسقي لهم بدعاء الله عز وجل، فلو كان هذا مشروعاً لذهبوا إلى قبر النبي  وطلبوا منهم أن يدعو لهم كما ثبت الصحيح عن أنس – رضي الله عنه – أن عمر بن الخطاب – رضي الله (1) رواه أبو داود في كتابالصلاة باب الدعاء رقم 1498 (ج1/470). ورواه البيهقـي كتاب السنن الكبر كتاب الحج باب التوديع مـن طريـق آخـر عـن شـعبة بـه ( 5/251 ) وضعفه الشيخ الألباني رحمه الله، انظر ضعيف الجامع الصغير (رقم6278.)

عدد الصفحات ١١١

106 أصول الاعتقاد في سورة يونس عنه – : كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب. فقال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، قال فيسقون" (1) . وكان الصحابة– رضوان الله عليهم – إذا جاءوا إلى قبر النبي  سلم أحدهم عليه، ثم إذا أراد أن يدعو انحرف إلى جهة القبلة يدعو الله وحده (2) . (1) رواه البخاري في كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطـوا رقـم الحديث 964 (ج1/342-343) ورواه في كتاب فضائل الصحابة باب ذكر العبـاس بن عبدالمطلب رقم 357 (ج3/1360) عن أنس– رضي الله عنه – به. (2) انظــر فيمــا ســبق: كتــاب الزيــارة ص82 ومــا بعــدها، واقتضــاء الصــرام المســتقيم، ص320-321.

عدد الصفحات ١١٢

107 أصول الاعتقاد في سورة يونس الأدلة على بطلان الشرك في سورة يونس: لم تخل سورة من سور القرآن الكريم، من الرد على المشركين،وإبطال الشرك، وخاصة في المكي منه، وذلك لأهمية أمر العقيدة وبنائها البناء الصحيح، ولأن إنكار ألوهية الخالق أمر في غاية الشناعة والفحش، وكيف يكون رباً خالقاً رازقاً، ثم لا يكون معبوداً، وهذا من أعجب العجب. وسورة يونس عليه السلام تناولت أمر الشرك وأدلة بطلانه في كثير من الآيات بل تكاد لا تخلو آية منها من إثبات عقيدة التوحيد الخالصة ومن ذلك ما يلي: أولاً: إبطال الشرك عن طريق إثبات الربوبية فقد جعل الله عز وجل في هذا الكون من الآيات والدلائل ما تثبت وجوده وربوبيته مما لا يدع والاً للشك في وجود الله تعالى، واستحقاقه للعبودية، فالكون كله علويه وسفليه ينطق بالوحدانية لله سبحانه وتعالى(1) . ومن الآيات التي ذكرت في سورة يونس عليه السلام قوله تعالى:                                 [3]. وقوله تعا                                  (1) انظر مدارج السالك(ج1/59.)

عدد الصفحات ١١٣