82 أصول الاعتقاد في سورة يونس وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، لآل ذي الكلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت) (1) . وأخرج الفكاهي(2) عن عبيدالله بن عبيد بن عم(3) قال: (أول ما حدثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجل منهم فجزع عليه؟ فجعل لا يصبر عنه، فاتخذوا مثالاً على صورته، فكلما اشتاق إليه نظره، ثم مات ففعل به كما فعل، حتى تتابعوا على ذلك، فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ آباؤنا هذه إلا أنها كانت آلهتهم، فعبدوها) (4) . وروى ابن جرير عن محمد بن قيس(5) (ويعوق ونسرا) قال: كانوا أقواماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا (1) رواه البخمماري في كتمماب التفسممير بمماب: (وداً ولا سممواعاً ولا يغمموث ويعمموق) رقممم 4636 (4/1873.) (2) محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي: مؤرخ. من أهل مكة، كمان معاصمراً للأزرقمي، متأخراً عنه في الوفاة، ولم تحدد سمنة وفاتمه، ممن مؤلفاتمه (أخبمار مكمة) انظمر الأعملام (6/28) وانظر مقدمة أخبار مكة1/5-32 .) (3) عبيدالله بن عبيد أبمو وهمب الكلاعمي الدمشمقي، صمدوق، ممن السادسمة، ممات سمنة اثنتين وثلاثين، (التقريب رقم 4319) ص373، وانظر تهذيب التهذيب7/32. (4) أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (5/162) ولم يذكر بقية إسناده، ونقله عمن السميوطي في الدر المنثور (ج8/294)، ونقله الحافظ في الفتح8/537.) (5) محمد بن قيس المدني أبو أيوب، قال ابن سعد كان كثير الحديث عالماً، ذكره ابمن حبمان في الثقات، وقال أبو داود ثقة، وضعفه ابن معين قيل توفي أيمام الوليمد بمن يزيمد (انظمر تهذيب التهذيب 9/367)، وانظر التقريب رقم245 ص503.
عدد الصفحات ٨١83 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصورهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر فعبدوهم (1) . ومن مجموع الروايات يتبين لنا أن أول شرك وقع في الأرض كان قوم نوح – عليه السلام – ومن أسبابه: 1- اندراس العلم، وانتشار الجهل 2- الغلو في الصا 3- اتخاذ التماثيل والصور، ثم عبادتها، بتسويل وتزيين من إبليس - لعنه الله. أما عن انتقالها إلى الجزيرة العرب، وعبادتها هناك ففيها رأيان: الأول: ما ورد في أكثر الروايات الصحيحة، إن أول من نصب الأوثان في جزيرة العرب ودعا إلى عبادتها عمرو بن لُحي الخزاعي (2) ، وهو من قبيلة خزاعة (3) . (1) رواه ابممن جريممر في تفسمميره 29/98-99) وإسممناده فيممه موسممى بممن عبيممدة قممال عنممه الحافظ ابن حجر في التقريب (ضعيف لاسيما في عبدالله بن دينار) انظر ص522، وفيه أيضاً محمد بن حميد وهو ضعيف انظر التقريب ص 475، وباقي إسناده ثقمات ومحمتج بهم. (2) عمرو بن لحي بن حارثة بن عمر بمن عمامر الأزدي، وهمو جمد خزاعمة، تمولى الحجابمة بمكة، وزار بلاد الشام فلمما وصمل مممب ممن أرض البلقماء وجمدهم يعبمدون الأصمنام فأعجبه ذلك فطلب منهم أن يهبوه صنما فأعطوه "هبل" فقدم به إلى مكة ونصبه للعبادة والتعظميم، فكمان أول ممن فعمل ذلمك ممن العمرب، انظمر السمميرة ( 1/121-123)، وانظر البداية والنهاية (2/174)، وانظر الأعلام5/84.) (3) "سميت خزاعة لأنهم تخزعوا من ولد عمرو بن عامر، حين أقبلموا ممن الميمن يريمدون الشام فنزلوا بمر الظهران فأقاموا بها" السيرة: (1/136.)
عدد الصفحات ٨٢84 أصول الاعتقاد في سورة يونس روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب" (1) . الثاني: ذكره ابن إسحاق في قولمه: (ويزعمون أن أول من كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل، أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم، حين ضاقت علي هم، إلا حمل معه حجراً من حجارة الحرم تعظيماً للحرم، فحيثما نزلوا وضعوه، فطافوا به .. حتى خلف الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره فعبدوا الأوثان (2) ا.هم. وهذا الرأي ضعيف والجواب عليه من أوجه: الأول: إنه لا ينافي القول السابق، إذ يمكن الجمع بينهما بالقول: إن العرب فعلت ذلك في بداية الأمر، فلما رأى ذلك عمرو بن لحي أعجبه، فجلب الأصنام من الشام ودعا إلى عبادتها، وتعظيمها ولم تكن كذلك(3) . الثا إنه لا يقوى على معارضة القول الأول لصحة دليله. الثالث: تصدير ابن إسحاق له بلفظ "ويزعمون" مما يدل على تضعيفه له. (1) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة) رقم4347 (4/1690) ورواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب: النار يدخلها الجبارون، رقم: 51 (4/2192) عن صالح به (2) السيرة النبوية1/122.) (3) انظر الأعلام5/84.)
عدد الصفحات ٨٣85 أصول الاعتقاد في سورة يونس وحديث ابن عباس المتقدم يبين أن كل قبيلة من العرب اتخذت صنماً تعبده، فود كانت لكلب بدومة الجندل، وسواع لهذيل، ويغوث لمراد، ويعوق لهمدان، ونسر لحمير آل ذي الكلاع، واستحدثوا أصناماً أخرى كمناة،واللات، والعزى، ونائلة وإساف (1) . ولم تكن عبادتهم قاصرة على عبادة الأصنام، بل عبدوا الملائكة، والأنبياء، والكواكب والشمس، والقمر، والنار، والجن (2) . قال تعا [100]. وكانوا ينحتون أصنامهم على شكل من يعظمونه من بشر، أو كوكب، أو ملك، ثم يعكفون عليها ويعبدونها، وكانت الشياطين تدخل في هذه الأصنام وتخاطبهم، وتخبرهم ببعض المغيبات،وهم مع ذلك يبذلون أموالهم، وأبناءهم دونها، بل ويبذلون دماءهم في سبيلها - نعوذ بالله من الضلال - (3) . ومن أسباب ضلالهم وكفرهم القياس الفاسد، حيث قاسوا الخالق بالمخلوق وقالوا كيف يسمع حاجاتنا جميعاً في وقت واحد، وهذا ما ذكره الله تعالى في قوله: [4-5]. (1) انظر السيرة1/120-132)، وانظر أخبار مكة5/162 وما بعدها)، وانظر تاريخ الأمم والملوك (1/169) وانظر الملل والنحمل2/237)، وانظمر إغاثمة اللمهفان لابمن القيم (2/294) وما بعدها، وانظر فتح الباري3/584-585 .) (2) انظر إغاثة اللهفان2/317-318.) (3 ) انظر إغاثة اللهفان2/314 وما بعدها
عدد الصفحات ٨٤86 أصول الاعتقاد في سورة يونس ومن أسباب ضلالهم - أيضاً - الغلو في الصالحين كما وقع لقوم نوح. ومن أسباب ضلالهم زعمهم أن هذه الأصنام تقربهم إلى الله زلفى، ثم صرفوا العبادة كلها لها من دون الله. ومع الإصرار والعناد فقد دعاهم – عليه الصلاة والسلام – إلى توحيد الله، وأفنى في ذلك عمره، وصبر على أذاهم، وما كادوا له حتى أظهر الله دينه وأعلى كلمته: [81]. وقد أخ– عليه الصلاة والسلام – بأن عبادة الأصنام ستظهر في آخر الزمان كما جاء في الحديث عن عائشة - رضي الله عنها - قالمت: سمعت رسول الله يقول: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى" فقلت: يا رسول الله: إن كنت لأظن حين أنزل الله [33] . إن ذلك تام قال: "إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ث م يبعث الله ريحاً طيبة، فتوفي من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم" (1) . وعن أبي هريرة– رضي الله عنه – قال: قال رسول الله لا" : تقوم الساعة حتى تضطرب اليات نساء دوس حول ذي الخلصة(2) "(1) . (1) رواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة رقم2907 (4/2230)، ورواه البيهقي السنن الكبرى (9/181) عن عبدالحميد بن جعفر به، ورواه الحاكم في المسمتدرك عمن عبدالحميد بن جعفر به (4/494) رقم8381. (2) ذو الخلصة: (بيتكان فيه صنم كان يسمى الخلصة لمدوس وخمثعم وبجيلمة ) الأمكنمة والمياه والجبال للزمخشري ص99، وانظر السيرة1/130.) ==
عدد الصفحات ٨٥87 أصول الاعتقاد في سورة يونس وهذا يشكل من ح ديث جابر – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله يقول: "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم" (2) . وللعلماء آراء في الجمع بين هذه الأحاديث فقال بعضهم: المراد بهم أصحابه فمن بعدهم، بأنهم لا يعودون إلى عبادة الشيطان ذكر ذلك البيهقي في الدلائل بقول: "باب ما جاء في إخباره بأن المسلمين لا يعبدون الشيطان في جزيرة العرب – يريد أصحابه فمن بعدهم فكان كما قال – ثم كان ما أخبر به من التحريش بينهم في آخر أيامه" (3) . وقيل: بل المراد المنع من ارتداد من أسلم، وعودته إلى عبادة الأصنام، وأجابوا عن ارتداد مانعي الزكاة وغيرهم، بأنهم لم يعبدوا الأصنام (4) . وقيل: إن المراد بحديث جابر – رضي الله عنه – "إن المصلين لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى" (5) . == قال سماحة الشميخ عبمدالعزيز بمن بماز– رحممه الله – عنمد شمرحه لكتماب التوحيمد في دروسه المسجلة على أشرطة كاسيت "وقد وقع ذلك بأن أعيد هذا وعبد في عهد قريمب قبل قيام هذه الدولة وطافوا به" ا.هم. (1) رواه البخمماري في كتمماب الفممتن، بمماب تغمميير الزمممان رقممم 6699 (6/26.4)، ورواه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة رقم 2906 (4/2230) عن الزهري به (2) رواه مسلم في كتاب صفات المنافقين، وأحكامهم باب: تحريش الشيطان وبعثه سراياه لفتنة الناس .. رقم: 2812 (4/2166)، ورواه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في التباغض رقم: 1937 (4/330)،ورواه الإمام أحمد في المسند3/313.) (3) دلائل النبوة6/363.) (4) انظر تحفة الأحوذي6/67.) (5) المرجع السابق6/68.)
عدد الصفحات ٨٦88 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقيل: إن الشيطان يئس، وهذا اليأس لا يمنع من وقوع الشرك، فقد يقع ما يئس منه، أو لعل يأسه عندما رأى قوة الإسلام وانتشاره فلما ذهب ذلك الجيل، ذهب يأسه ووقع الشرك (1) . والقول الراجح من هذه الأقوال– والله أعلم – القول الأخير، لأن حديث جابر ليس فيه تخصيص بالصحابة. والردة قد وقعت في عهد أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ولا يمنع وقوعها عودتهم إلى عبادة الأصنام كما كانوا. والقول الثالث لا دليل عليه. كما أن القول الأخير أمكن فيه الجمع بين النصوص. ثانياً: شرك الشفاعة: وقد ورد في قوله تعالى: [18]. وفي نفيها قال جل وع [3]. والشفاعة في اللغة مأخوذة من "شفع وهي خلاف الوتر، وهو الزوج نقول: كان وتراً فشفعته شفعاً، وشفع لي يشفع شفاعة وتشفع: (1) انظر عقيدة المؤمن للشيخ أبي بكر الجزائري، ص342.
عدد الصفحات ٨٧89 أصول الاعتقاد في سورة يونس طلب. والشفيع: الشافع، والجامع شفعاء، واستشفع بفلان على فلان وتشفع له إليه فشفعه فيه" (1) . إذن فالشفاعة بمعنى ضم شيء إلى آخر مساوياً له أو دونه لإعانته أو التوصل إلى محبوب عنده. وهي تعني عند المشركين دعاء غير الله والتوجه إليه بالعبادة والتضرع والرغبة والرهبة والمحبة وسؤاله الحاجات، ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل (2) . والشفاعة نوعان الأولمى: شفاعة منفية. والثانية: شفاعة مثبتة. أولاً: الشفاعة المنفية: وهي المذكورة في قوله تعالى: [18]. وقوله [51]. وهؤلاء المشركون يقولون: إن الله تعالى لعظمته لا نسأله إ بالوسائط والشفعاء كحال الملوك، ومعلوم بطلا ن قولهم هذا من عدة أوجه منها: (1) لسان العرب ج8/183-184 مادة (شفع) وانظر الصمحاح3/1238) والقماموس المحيط 947. (2) انظر جامع البيان11/98.)
عدد الصفحات ٨٨90 أصول الاعتقاد في سورة يونس إن من يتقرب إليه بالوسائط إما أن يكون قادراً على سماع الحوائج بدون واسطة أو يكون قادراً على سماعها بواسطة. فإن كان الأول فلا داعي لهذه الوساطة، وإن كان الثاني كان الوسيط أفضل منه، والله تعالى له الكمال المطلق. ومنها: إن الله تعالى أمر بسؤاله بلا واسطة، فيجب اتباع أمره، وعدم مخالفته. ومنها:إن هذه الوسائط تكون على أحد وجوه ثلاثة وهي: الأول: أن تخبر الملك بأحوال خفيت عليه في الرعية لم يعلمها، والله تعالى يعلم السر وأخفى. الثاني: أن يكون الملك عاجزاً عن تدبير أمور الرعية فهو محتاج إلى أعوان وأنصار يعينونه ويساعدونه ويقضون حاجات الرعية ومعلوم قطعاً وجزماً بأن الله الواحد جل وعلا لا يكرثه ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء لا تخفى عليه خافية، خالق كل شيء، ليس له ولي ولا ظهير من الذل، ولهذا لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فأصبحت الشفاعة له وحده لا شريك له. الثالث:إن الملك قد لا يكون مريداً للإحسان للرعية ولكن إذا جاء الوسيط فكلمه ونصحه ووعظه قام بالأمر وحصلت الشفاعة، أما الرب جل وعلا فهو الرحيم بعباده المحسن إليهم.
عدد الصفحات ٨٩91 أصول الاعتقاد في سورة يونس إن الملوك قد تُكره على الشفاعة إما لحاجتها إلى الشافع وإما خوف الضرر إذا لم تحصل الشفاعة، أما الرب جل وعلا فهو الغني سبحانه، بل العباد كلهم يرجون رحمته ويخافون عذابه (1) . ولهذا فطالبو الشفاعة من غير الله مشركون، لا تنفعهم شفاعتهم يوم القيامة، قال تعالى: [43- 44]. ومن ذلك ما حصل ويحصل من التمسح بقبور الأولياء والصالحين، أو غيرهم ممن يعتقدون ولايته، ودعاءهم وسؤالهم الحاجات والشفاعة مما عمَّ شره، وزاد خطره (2) . قال شيخ الإسلام– رحمه الله – : "لا يجوز أن يقول لملك ولا نبي ولا شيخ – سواء كان حياً أو ميتاً – اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ومن سأل ذلك مخلوقاً، فهو مشرك بربه من جنس المشركين الذين يعبدون الملائكة والأنبياء والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى للمسيح وأمه .. " (3) . (1) انظمممر كتممماب الزيمممارة لابمممن تيميمممة، ص 77-84، والرسمممالة الأكمليمممة لابمممن تيميمممة ص66-67 وهمممي في الفتممماوى6/133) واديمممة السمممنية جممممع بمممن سمممحمان، ص51-52. (2) كممما يفعممل اليمموم عنممد القبممور كقممبر عبممدالقادر الجيلانممي، والبممدوي في مصممر والمميمن، ومشهد الحسين – رضي الله عنه – ومشهد هود – عليه السلام – على حد زعمهمم في جامع دمشق، وقبر بهاء الدين بباكستان، وقبر حواء كما يزعممون في جمدة، وقمبر ابمن عباس – رضي الله عنه – في الطائف، وغيرها. انظر اقتضاء الصراط المستقيم، ص316، وكشف الشمبهات ممع الهمامش، ص11- 19. (3) كتاب الزيارة، ص78-79.
عدد الصفحات ٩٠92 أصول الاعتقاد في سورة يونس ثانياً: الشفاعة المثبتة: فهي المذكورة في قوله تعالى: [3]. وقولمه تعا [255] . وقولمه [زمر43-44]. وقولمه [26-28]. وقولمه [86]. وقولمه [26]. وهي ثابتة أيضاً في السنة – كما سيأتي – وبإجماع أهل السنة والجماعة (1) بشروط هي (1) انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص223.
عدد الصفحات ٩١87 أصول الاعتقاد في سورة يونس 1- الرضا عن الشافع وكونه أهلاً للشفاعة والرضا عن الشافع يعني أن يكون من أولياء الله المقربين، فلا شفاعة لمن ليس الله راضياً عنه، وكونه أهلاً له، وهذا يخرج شفاعة الأصنام والأشجار والموتى والزنادقة، فهؤلاء ليسوا أهلاً للشفاعة ولا يملكون نفعاً ولا ضراً قال تعــــالى: [18]. 2- الإذن من الله عز وجل في الشفاعة كما قال عز وجل [255] وقولـه [3]. 3- الرضا عن المشفوع له قال تعا [28]. فهؤلاء المشركون محرومون من شفاعة الشافعين لأن الله عز وجل ليس راضياً عنهم جزاء كفرهم وتكذيبهم، والله عز وجل لا يرضى إلا عن أهل التوحيد (1) . ومن هنا يتبين ا لفرق بين الشفاعة عند الخالق والشفاعة عند المخلوقين فالشفاعة عند الخالق لا تكون إلا بإذنه ولا تكون إلا لمن يحب وممن رضي عنه، وأما عند الخلق فقد تكون بغير إذنه ورغماً عنه، وقد يجيب إليها مكرهاً خوفاً من إلحاق الضرر به نتيجة غضب الشافع، ممن قد يكون وزيراً أو زوجة أو ولداً. وقد تكون لمن يحب ولمن لا يحب، ثم إن الشافع قد شفع المشفوع (1) انظــر ومــوع الفتــاو14/380-382) وانظــر14/414)، ومــدارج الســالك (1/340-341.)
عدد الصفحات ٩٣88 أصول الاعتقاد في سورة يونس إليه، وشفع المشفوع له، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد (1) . وهذه الشفاعة المثبتة، تثبت لأهل التوحيد من الأنبياء– عليهم صلوات الله وسلامه – والملائكة، وصالح المؤمنين. ونبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – أول شافع كما جاءت بذلك الأحاديث المتواترة فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : "أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعاً"(2) . ولـه الشفاعة العظمى وهي شفاعته لأهل الموقف لفصل لقضاء وله ثبتت أنواع كثيرة من الشفاعة يطول ذكرها (3) . ومن هنا يتبين بطلان دعو المشركين شفاعة الأصنام لهم وأنه ينالها إلا أهل التوحيد والإخلاص كما في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – أنه قال قيل: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله : "لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه"(4) . (1) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص235-236. (2) رواه مسلم في كتاب الإيمان باب: قوله صلى الله عليه وسلم (أنا أول النـاس يشـفع الجنة) رقم: 332 (1/188.) (3) انظر النهاية في الفتن والملاحم لابن كث2/312 وما بعدها، وشرح العقيدة الطحاوية 223-231، وفتح الباري11/433-436) والشفاعة لمقبل الوادعي (4) رواه البخاري في كتاب العلم بـاب: الحـرص علـى الحـديث رقـم99 (1/49)، و كتاب الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، رقم: 6201 (5/2402) عن عمـرو بـه وزاد في آخره (خالصاً من نفسه)، ورواه أحمد في مسنده من طريـق آخـر عـن أبـي هريـرة – رضي الله عنه – بلفظ "نفسه (5/373). ورواه الآجري في الشريعة من طريق آخر عـن أبي هريرة بنحوه ص 340.
عدد الصفحات ٩٤89 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال ابن القيم – رحمه الله – معلقاً على هذا الحديث: "وتأمل قول النبي كيف جعل أعظم الأسباب التي تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين: أن الشفاعة تنال باتخاذهم أولياء شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي ما زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة: هو تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع" (1) . ا.هـ ثالثاً: شرك الطاعة والاتباع: إن من أعظم الذنوب، وأشدها عند الله عز وجل، الاعتداء على خصائص الربوبية، من قبل بشر لا يستطيعون لأنفسهم نفعاً ولا رشداً، زاعمين أن لهم سلطان التشريع، وتحليل ما حرمه الرب عز وجل، وتحريم ما أحله الله عز وجل، وهم في هذا الزعم يظنون أن زمام الأمور بأيديهم، وأن لهم سلطاناً ينبغي اتباعه، وقد غفلوا عن بشريتهم وضعفهم، لأن من كاد مشرعاً لابد أن يكون عالماً بالماضي، والحاضر والمستقبل وهم بلا شك لا يعلمون الماضي، وهم مدركون لشيء من الحاضر، جاهلون قطعاً بالمستقبل ومن كان هذا شأنه فلا يصلح أن يكون مشرعاً مع الله عز وجل، لهذا عاب الله عليهم هذا الزعم، وفنده، وأبطل ادعاءاتهم فيه، بل وجعله شركاً لا يغفر لصاحبه قال تعالى: [21]. (1) مدارك السالك1/341.)
عدد الصفحات ٩٥90 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقال تعالى في سورة يونس – عليه السلام – : [59-60]. وهؤلاء المشركون كانوا يحرمون على أنفسهم أنواعاً من الرزق، ويحللون أنواعاً أخر ، من تلقاء أنفسهم، مما تمليه عليهم شياطينهم، وقد ذكر الله عز وجل وذلك في الكتاب العظيم قال جل وعلا: [138-139]. وقال تعا . [143-144] . وقوله: [136].
عدد الصفحات ٩٦91 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقال جل وعلا: [103-104]. رو ابن جرير– رحمه الله – بسنده عن ابن عباس، في قولـه: قال: جعلوا لله من ثمراتهم ومالهم نصيباً، وللشيطان والأوثان نصيباً، فإن سقط من ثمره ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله التقطوه وحفظوه وردوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سقي ما جعلوا لله في نصيب الشيطان تركوه، وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله سدوه، فهذا ما جعلوا من الروث وسقي الماء، وأما ما جعلوا للشيطان من الأنعام، فهو قول الله تعالى: (1) . وقد قيل إن المراد ترك التسمية(2) وقد رجح ابن جرير– رحمه الله – القول الأول، والذي يظهر لي والعلم عند الله أنه لا منافاة بين القولين، فالمشركون يعلمون هذا وذاك فهم قد يجعلون لأصنامهم نصيباً، وهم في الوقت نفسه لا يذكرون اسم الله تعالى إلا مقروناً بأسماء آلهتهم عند ذبح هذه الأنعام مما هو نصيب الله عز وجل – (1 ) رواه ابــن جريــر في تفســير (ج 8/40)، وفي إســناده مــن تمكفلــم فيــه وقــد ذكــره ابــن كــث تفسيره(3/106) عن ابن عباس بمعناه وقال "وهكذا قال واهد وقتادة والسدي وغير واحد (2) انظر جامع البيان8/42)، وتفسير ابن كث3/106.)
عدد الصفحات ٩٧