المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام

قذلة بنت محمد القحطاني

صفحة ٣٥ من ٣٩

517 أصول الاعتقاد في سورة يونس مكلف بالغ، الكافر منهم والمؤمن (1) ، وهدى هو الثواب والنجاة، ف يفعل الله هذا الهدى إلا با لمؤمنين المطيعين القائلين عن الله وعن رسوله  (2) . وأما الضلال ففسروه بأمور 1- العقاب والهلاك عقوبة لكفرهم حيث قالوا: "إن قيل أفتقولون: إن الله أضل الكافرين؟ قيل له: نقول: إن الله أضلهم، بأن عاقبهم وأهلكهم عقوبة لهم على كفرهم، ولم يضلهم عن الحق ولا أضلهم بأن أفسدهم، جل وعز عن ذلك" (3) . 2- إنَّ معنى أضل الله، سماه ضالاً(4) . 3- وفسروه أيضاً بترك التوفيق والسداد وهو ما يسمى عندهم ا ذلان (5) . وقال بعض المعاصرين من القدرية: "لقد ثبت بالدليل القاطع إن الإنسان يعيش في هذه الحياة ضمن دائرتين اثنتين لا ثالث لهما، أما الدائرة الأولى: فهي التي تنفذ فيها إرادة الله تبارك وتعالى ومشيئته الكونية، وفيها جعل الله تعالى الإنسان يسير بحسبها وعلى مقتضاها سيراً مجبراً لا إرادة له فيها ولا اختيار .. وأما الدائرة الثانية: فهي التي (1) هذه لا تخالفهم فيها، وهي المرتبة الثانية من مراتب الهداية (2) رسالة إنقاذ البشر من الجبر والقدر للشريف المرتضي11/323 )ضمن رسائل العـدل والتوحيد وانظر المقالات ص 227،259-261.) (3) رسالة إنقاذ البشر من الجبر والقدر1/325.) (4) انظر رسالة الـرد علـى ايـبرة القدريـة ليحـي بـن الحسـين الرسـي ضـمن رسـائل العـدل والتوحيد (2/81-82) وانظر2/84-85.) (5) انظــر المرجــع الســابق2/82)، وانظــر المقــالات 260، وانظــر الكشــاف2/22)، (2/372-373.)

عدد الصفحات ٥٤٩

518 أصول الاعتقاد في سورة يونس تنفذ فيها إرادته ومشيئته الشرعية، وفيها جعل الله تعالى الإنسان يسير فيها سيراً اختيارياً، بحيث لا مكره له فيها ولا مجبر" (1) ثم قال "فالإنسان في أفعاله الاختيارية ضمن هذه الدائرة التي يسيطر عليها لا علاقة لأفعاله فيما يتعلق بالقضاء ولا دخل للقضاء بها، وذلك لأن الأفعال الاختيارية لا تدخل تحت بحث القضاء أو القدر، وإنما تدخل تحت بحث الأحكام الشرعية" (2) . فتأمل قولـه هذا وما فيه من الضلال، إذ جعل أفعال العباد كلها علاقة لها بالقضاء والقدر، ومما يعجب له عنوان كتابه فقد سماه "مسألة القضاء والقدر ونشأتها لدى الفلاسفة والمتكلمين، بحثها على مقتضى منهج السلف"!! فأي سلف يريد؟! هل يريد أسلافه من القدرية النفاة؟ أم يريد سلف الأمة وأئمتها؟! وحاشاهم عن هذا القول الباطل الذي يخرج أفعال العباد عن دائرة إرادة الله ومشيئته فيجري في ملكه ما لا يريد.. وبطلان هذا القول وغيره من أقوال القدرية سيأتي إن شاء الله. واستدلوا بأدلة كثيرة من النقل والعقل، ومن أدلتهم: 1- قولـه تعا          [17] فقالوا: "فقد خبر الله أنه هدى ثمود الكفار فلم يهتدوا، فأخذتهم الصاعقة بكفرهم" (3) . 2- استدلوابالآيات التي فيها إثبات مشيئة العباد كقوله تعالى:                    [29]. (1) مسألة القضاء والقدر لعبدالحليم محمد قنبس، ص139-140. (2) المرجع السابق، ص145. (3) رسالة إنقاذ البشر من الجبر والقدر، ضمن رسائل العدل والتوحيد1/324.)

عدد الصفحات ٥٥٠

519 أصول الاعتقاد في سورة يونس 3- استدلوا أيضاًبالآيات الدالة على أن العباد يصدر منهم الإيمان والكفر كقوله تعالى:                   [94] . فقالوا "فلو كان الإيمان من جهة الله تعالى وموقوفاً على اختياره، حتى إن خلق كان، وإن لم يخلق لم يكن، لكان لا يكون لهذا الكلام معنى، لأن للمكلف أن يقول: الذي منعني منه أنك تخلقه فيَّ، وخلقت فيَّ ضده الذي هو الكفر (1) . وهذه الأدلة النقلية استدلوا بها لأنها توافق العقل كما زعموا وإ فهذه المسألة لا يستدل بالسمع عليها على حد زعمهم (2) . وأما أدلتهم العقلية فكثيرة منها إن الله تعالى "لو أراد المعاصي، والقبائ والكفر لوجب أن يكونوا مطيعين لله تعالى بمعاصيهم، لأنهم فعلوا ما أراد الله تعالى" (3) . ومنها: أنه تعالى لو خلق الأفعال بما فيها منتلم وفسق، لوجب كونه تعالى تالماً جائراً (4) . ولما رأت الجبرية شناعة هذا القول وفظاعته فروا إلى شر منه فقالوا "إنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا الله وحده، وإنه هو الفاعل وإن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على اياز، كما يقال: تحركت الشجرة ودار (1) شرح الأصول ا مسة ص360، وانظر في سردأدلتهم النقلية رسالة الـرد علـى ايـبرة ضمن رسائل العدل والتوحيد (2/39)، وما بعدها (2) انظر شرح الأصول ا مسة، ص354-355. (3) المرجع السابق ص460، وانظر رسالة الرد على ايبرة2/58) وما بعدها (4) انظر المرجع السابق، ص345، وانظر أدلتهم العقلية في رسالة الرد على ايـبرة ضـمن رسائل العدل والتوحيد (2/54 وما بعدها

عدد الصفحات ٥٥١

520 أصول الاعتقاد في سورة يونس الفلك وزالت الشمس، وإنما فعل ذلك بالشجرة والفلك والشمس الله سبحانه .." (1) فعلى هذا فهداية المهتدي فعل الله، لا دخل للعبد فيها إطلاقاً، بل كما خلق له طولاً كان به طويلاً، ولونا ونحو ذلك (2) ، فيسلبون العبد القدرة تماماً على الفعل وهؤلاء الجبرية الغلاة أصحاب جهم بن صفوان. وأما الجبرية المتوسطة من الأشاعرة والماتريدية ونحوهم فقالوا: إن الله خلق أفعال العباد وقدرها، وشاءها، ثم أثبتوا للعبد قدرة غير مؤثرة في الفعل، وهو ما يسمى عندهم كسباً وهم تلفون في تعريفه اختلافاً كبيراً. فمنهم من عرفه بأنه "ما يقع به المقدور في محل قدرته" (3) وقيل الكسب: "ما وقع من الفاعل مقارناً لقدرة محدثه اختياراً" (4) وهذا التعريف لا فرق بينه وبين سابقه. وقيل: "هو ما خلقه الله تعالى في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه" (5) . ووجه المشابهة بين قولهم هذا وقول جهم إنهم يقولون: "إن العبد ليس بفاعل حقيقة، وإنما هو كاسب حقيقة، ويثبتون مع الكسب قدرة لا تأثير لها في الكسب .. ولكن قرنت به من غير تأثير، وزعموا أن كل ما في الوجود من القوى والطبائع والأسباب العلوية والسفلية كقدرة (1) مقالات الإسلاميين، ص279. (2) انظر المرجع السابق ونفس الصفحة، وانظر الفتاوى8/445.) (3) شرح جوهرة التوحيد ص104، وانظر أصول الدين133-134. (4) جلاء العيـنين ص265، وانظـر الإنصـاف للبـاقلاني، ص71، وانظـر كتـاب التوحيـد للماتريدي، ص256 وما بعدها (5) جلاء العينين، ص266.

عدد الصفحات ٥٥٢

521 أصول الاعتقاد في سورة يونس العبد لا تأثير لشيء منها، فيما اقترنت به من الحوادث والأفعال والمسببات بل قرن ا الق هذا بهذا لا لسبب ولا لحكمة أصلاً" (1) . وهم لم يميزوا بين الفعل والمفعول، ولا بين ا لق والمخلوق، ومما يؤسف له أن يحكى هذا المذهب عن أهل السنة والجماعة، وهم منه براء ومذهب أهل السنة كما سبق بيانه وسط بين القدرية والجبرية (2) . وكلا الطائفتين معهمحق وباطل، وهدى الله تعالى أهل السنة والجماعة للقول الوسط الذي يجمع بين الحق. وقبل سرد الأدلة من سورة يونس التي تبطل دعواهم أود بيان بعض الأسباب التي كانت سبب ضلالهم وانحرافهم عن الحق. فمنها: عدم استطاعتهم أن يجمعوا بين العدل والقدر، لأن القدر عندهم أن يعاقب العبد على ما قضاه الله وقدره عليه، والعدل ينافي ذلك – على زعمهم – فنفوا القدر ليثبوا العدل، فصار عدلهم تكذيباً بالقدر، كما أن توحيدهم نفي الصفات وتعطيل الكمال (3) . ومنها: اعتقادهم أن الإرادة تستلزم الأمر فما أراده الله تعالى فقد أمر به، ولم يفرقوا بين الإرادة الكونية القدرية، والإرادة الشرعية الدينية المستلزمة للأمر ويبطل قولهم هذا إجمال المسلمين على أن الله لم (1) مجمول الفتاوى8/467-468.) (2 )قــال الإمــام الســفاري– رحمــه الله – عنــد حكايتــه مــذاهب النــاس في القــدر: "وأمــا المتوسطون فهم أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا تفريط القدرية النفاة، ولم يفرطوا إفراط الجبرية ا تجين بالقدر على معاصـي الله، وهـؤلاء علـى مـذهبين مـذهب الأشـعري ومـن وافقه من ا لف، ومذهب سلف الأمـة وأئمـة السـنة .. ا.هــ" لوامـع الأنـوار ( 1/11) ثـم فصــل في ذكــر مــذاهبهم، وكــان الأولى ألا يقــرن مــذهب الأشــاعرة بمــذهب أهــل الســنة والجماعة، لأنه يخالف مـا عليـه أهـل السـنة والجماعـة كمـا سـيأتي، وانظـر كتـاب الشـي السوي في بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال (2/204.) (3) انظر الفوائد ص48.

عدد الصفحات ٥٥٣

522 أصول الاعتقاد في سورة يونس يأمر بالسرقة ومن قال بذلك كفر، ومع ذلك إذا سرق فلا يقال: إن الله تعالى لم يرد سرقته، ولكن نقول: علم الله تعالى ذلك وشاءه، ومع ذلك جعل للعبد قدرة واختياراً على الفعل، وهو مسؤول عن عمله ومعاقب عليه وإقامة الحد عليه بقدر الله (1) . ومنها: قولهم بنفي نسبة القبي إلى الله تعالى، وهو ضلال، لأن الفعل القبي ينسب إلى الله تعالى خلقاً لا فعلاً فا لق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، وإلا لزم إثبات خالق مع الله (2) . ومن أسباب ضلال الجبرية عدم تفريقهم بين نوعي فعل العبد وهي 1- ما يصدر منه من أفعال بغير إرادته ولا قدرته كحركة الارتعاش فهذا الفعل يوصف به ولا ينسب إليه. 2- ما يصدر منه من أفعال بمحض إرادته وقدرته، كجميع أفعاله الاختيارية، بما فيها الطاعات والمعاصي فهذه إليه صفة وفعلاً (3) . ومن أسباب ضلالهم نفي ا بة والبغض والحكمة(4) . وسبب ذلك كله أنهم بنوا عقيدتهم على أصل فاسد، فاضطرهم هذا إلى نفي لوازمه فوقعوا في أعظم مما فروا منه. الرد عليهم من خلال السورة: أولاً من خلال قولـه تعالى:              [33]. (1) انظــر منهــاج الســنة3/229-230)، وانظــر شــفاء العليــل ص465، وانظــر لمعــة الاعتقاد مع شرحه لفضيلة الشي محمد بن صالح العثيمين، ص95. (2) انظر مجمول الفتاوى8/511)، وانظر شفاء العليل، ص155. (3) انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص513-514. (4) انظر شفاء العليل، ص218 وما بعدها

عدد الصفحات ٥٥٤

523 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقوله:            [96] . وقوله                                  [99-100] . والرد عليهم من خلال هذه الآيات مجتمعة يتبين بما يلي: أولاً: أن هداية الله للعبد هداية التوفيق تلزم أمرين: الأول: فعل الرب تعالى، وهو الهدى. الثاني:فعل العبد وهو الاهتداء، وهو أثر فعله سبحانه فهو الهادي والعبد المهتدي، ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد (1) ولهذا قال تعا          [99] وفي هذا بيان أن الله تعا إذا أراد إضلال عبد لم يستطع أحد هدايته (2) وفي قولـه تعا            رد عليهم أيضاً إذ لو كان المراد هداية البيان والإرشاد، لما ص تقييدها بالمشيئة، إذ هي عامة لجميع ا لق، فدل تقييدها بالمشيئة أنها خاصة لمن آمن واتبع ما أمره الله(3) وقد نفى الله جل وعلا القدرة على الهداية عن الن فيقوله تعالى: الآية. (1) شفاء العليل، ص141. (2) انظر شفاء العليل، ص141، وعلى هذا يتفـق أهـل السـنة، انظـر درءتعـارض العقـل والنقل (8/379.) (3) انظر شرح العقيدة الطحاوية ص108-109، وانظر الإبانة ص191.

عدد الصفحات ٥٥٥

524 أصول الاعتقاد في سورة يونس فلو أعطاها الله لكان أحق بها رسول الله  ، فالعبد الفقير أعجز من باب أولى عن خلق أي عمل من أعماله بل هو لوق بعمله وقدرته وهو إرادته، فتبين أن الله تعالى هو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن قال: إن ذلك للعبد فقد جعل العبد قادراً على ما يقدر عليه الله تعالى من القدرة والسلطان، ونظيره قول من قال: إن الله أعطى العباد علم ما لم يعلمه، وهذا محال، فكذلك القدرة لا يقدرهم على ما لا يقدر عليه، فمن فرق بينهما فعليه الدليل (1) . وأما تأويلهم الهدى بأن المراد به الثواب والنجاة(2) . فيقال لهم: إذا جاز أن عندكم أن يثبت العبد على فعله الاختياري الذي هو بتوفيق الله له، فلم لا يجوز أن ينعم عليه ابتداء بتوفيقه لهذا العمل واختياره للهدى دون الضلال (3) . فلو سأل سائل هل يكون الإيمان مقدوراً للعبد الذي لم يشأ الله له الإيمان، فالجواب على ذلك أن يقال: إن القدرة التي هي شرط في الأمر موجودة لدى الكافر والمؤمن قبل الفعل، وهي مناط التكليف، وتكون موجودة مع المؤمن عند الفعل، وهو الصحي أن القدرة توجد قبل الفعل ومعه كما قرر ذلك شي الإسلام (4) ، وأما القدرة التي هي مستلزمة للفعل فلا توجد إلا مع الفعل وهي تصة بالمطيع وليست شرطاً في التكليف، فالقدرة الأولى عدله أعطاه تعالى جميع خلقه ولم يكلفهم بما لا يطيقون، والثانية (1) انظــر الإبانــة، ص167،209،210، وانظــر الحجــة في بيــان الحجــة2/414- 415.) (2) انظر ص448. (3) انظر منهاج السنة3/263-264.) (4) انظر الفتاوى8/371 وما بعدها

عدد الصفحات ٥٥٦

525 أصول الاعتقاد في سورة يونس فضله يختص به من يشاء، وعلى هذا اتفق علماء السلف والدليل على ذلك قوله تعالى:                    [7] فدل على أن الله تعالى اختص المؤمنين بمزيد فضل، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء(1) . وإضلال الله تعالى للعبد نوعان الأول: ما يكون جزاء للكافر على كفره وإعراضه عن الحق، كما في قوله تعالى:        [5] . الثاني: ما يفعله الله تعالى بالعبد ابتداء، لعلمه السابق أنه لا يقدر نعمة الهداية ولا يؤدي حق الله تعالى عليه في شكرها، فهو غير صالح للهداية أصلاً (2) كما في قوله تعا               [23] . ثانياً: في قوله تعا         [22]. فقولـه تعا    دليل على خلقه لأفعال العباد، فالتسيير فعل الله والسير فعل العبد، كذلك الهدى والضلال فعله، فهو الهادي وهو المضل، والعبد هو المهتدي وهو الضال، وهذه حقيقة لا مجازاً (3) . (1) انظـــر منهــــاج الســـنة3/44-45،54-72،118-119)، وانظــــر مجمــــول الفتاوى (8/371 وما بعدها) وانظر شفاء العليل، ص180. (2) انظــر الفوائــد ص48-49، وانظــر عقيــدة المســلمين والــرد علــى الملحــدين للبليهــي (2/297-300.) (3) انظر منهاج السنة3/111-112)، انظر شفاء العليل،ص106.

عدد الصفحات ٥٥٧

526 أصول الاعتقاد في سورة يونس ثالثاً: قولـه تعالى:              [44] وقولـه          [54] . وفي هاتين الآيتين نفي للظلم عن الله تعالى، فإذا أمر الله عباده بالفعل، وبين لهم الطريق، ومكنهم من الأسباب والشروط، فعصوه، ولم يعنهم على الطاعة عقوبة لهم، وعاقبهم على ذلك كان ذلك عدلاً منه، لأن العبد عوقب على فعله، ومثال ذلك – ولله المثل الأعلى – السارق إذا سرق فقطع الإمام يده فلا شك أن هذا الإمام عادل ويشكر على إقامته الحد، ولو احتج هذا السارق بالقدر لم يقبل منه، وكذلك الكافر لو احتج على الله بالقدر لم يكن هذا عذراً مقبولاً، فالقدر ليس حجة لأحد، والله تعالى قد أمره ونهاه، ثم عاقبه بعد ذلك على مقتضى عدله وحكمته، وعلمه (1) . ومن هنا فليس لأحد أن يزعم أن تعذيب الله تعالى للكافر على كفره مع إرادته لذلك، يعد تلماً ومزيد بيان ذلك في الأوجه التالية: الأول: إن الاحتجاج بالقدر على المعاصي حجة داحضة، فلو أن إنساناً طلب آخر ديناً عليه، فقال لا أعطيك حتى يخلق الله فيَّ قدره على رده لك، عُدُّ ذلك القول من أفسد القول، وكذلك هؤلاء القدرية لو تعدى شخص على أحدهم وأكل ماله، أو اعتدى على عرضه، ثم احتج عليه بالقدر، لم يقبل عذره، ولأصر على أخذ الحق منه. كما أن الله تعالى ذكر احتجاج المشركين بالقدر في قوله تعالى:                        [148] . (1) انظر منهاج السنة3/33-35.)

عدد الصفحات ٥٥٨

527 أصول الاعتقاد في سورة يونس وبيّن أن ذلك لم ينفعهم، بل عذبوا على كفرهم، ووصفهم بالجهل واتبال الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً، وطالبهم بالحجة والبرهان. كما أنه لو ص الاحتجاج بالقدر للزم من ذلك أن يكون فرعون، وقارون، وأقوام الرسل جميعاً الذين عصوا رسلهم، معذرون، لا لوم عليهم ولا عتب، وهذا الكفر الصري كما إنه يلزم من ذلك ألا يُفرق بين أولياء الله وبين أعدائه. كما أن ما قدره الله على العبد أمر مجهول لا يعلمه، فكيف يسلك سبيل الغواية ويحتج بالقدر؟ ولماذا لا يسلك سبيل الاستقامة، ويقول هذا قدري؟ لاشك أن هذه مغالطة: ولو كان القدر حجة للعصاة، لكان في إرسال الرسل عبث ينزه الرب جل وعلا عنه، فهو قد أخبر بأن هذه الرسل تقيم الحجة وتبين البرهان فلو كان القدر حجة للعصاة لما أقيمت هذه الحجة (1) . الثاني: إن الإعانة على الفعل ليست هي الفعل، فإذا أعان ا تعالى العبد على الطاعة فذلك فضله، وأما الطاعة ففعل العبد، والعبد لا يقول لا أفعل ذلك الفعل الذي هو من مصلحتي، ما لم يخلق الله فيَّ الفعل، ومثال ذلك لو أن سيلا انحدر على شخص من منحدر لم يكن له أن يقول اجلس في مكاني حتى يخلق الله في الهرب، بل تراه يبادر في الهرب سائلاً الله الإعانة. (1) انظر منهاج السنة3/54-72)، وانظر مجمول الفتـاوى8/262-265،288 ) وانظر الدرة البهية لابن سـعدي19-20)،51-52)، انظـر لمعـة الاعتقـاد مـع شرحه للشي ابن عثيمين ص93-95.

عدد الصفحات ٥٥٩

528 أصول الاعتقاد في سورة يونس الثالث: إن ما اعتقدته القدرية من نفي خلق الله تعالى لأفعال العباد، لأن خلقه لها ثم معاقبتهم على فعلها يعد تلماً، فنقول لهم: إن ما أثبتموه من خلق العبد لفعله، يقتضي وصف الله بالنقص، إذ هذا يلزم منه أن يكون الله تعالى قادراً على البعض غير قادر على البعض الآخر، مع أن الجميع داخل في ملكه، فشمول خلقه وقدرته على كل شيء، أكمل من شمولـه ا لق والقدرة لشيء دون شيء، والرب لا يوصف إلا بالكمال المطلق. الرابع: إن الظلم يراد به أمران: 1- تصرف غير المالك في ملك غيره بلا إذن 2- الفة الأمر الذي ينبغي طاعته، والله جل وعلا، لا تجب عليه طاعة لوق، وكلنا عبيده، وتحت تصرفه، والمالك يتصرف في ملكه كما يشاء، وكونه تعالى لا يظلم ليس عجزاً ولا امتناعاً وإنما لكمال عدله. ا امس: إن قولهم "لوجب أن يكون تالماً جائراً" (1) دعوى مجردة من الدليل ولا دليل لهم سوى القياس الفاسد الذي هو من أفسد القياس وهو قياس أفعال الرب على أفعال العباد، قال شي الإسلام: "لا نزال بين المسلمين أن الله عادل ليس بظالم، لكن ليس كل ما كان تلما من العبد يكون تلماً من الرب، ولا ما كان قبيحاً من العبد يكون قبيحاً من الرب" ا.هـ (2) ، فلهذا صاروا مشبهة الأفعال السادس: إن علم البشر قاصر، وهم لا يعلمون من حكمة الله وعلمه إلا ما علمهم منها، فلا يكون عدم علمهم دليلاً على نفي الحكمة والعلم اللذين لم يعلماها. (1) كما سبق من أدلتهم، ص450. (2) منهاج السنة (2/151.)

عدد الصفحات ٥٦٠

529 أصول الاعتقاد في سورة يونس السابع: أنه قد تبين لنا أن الإنسان يفعل ما فيه إيلام وضرر بالحيوان كالذب مثلاً، لمصلحة راجحة عنده، ومعلوم أن ذلك لا يعد تلماً منه قبيحاً (1) . رابعاً: ومن الآيات أيضاً في الرد على القدرية قولـه تعا                          [74]. وقوله                 [88]. وقولـه            [96] ففي هذه الآيات دليل واض على أن الطبع على القلوب من فعل الله تعالى ومثله ا تم، والرين، والموت والغشاوة، والقساوة، والشدَّ .. وزعمت القدرية إن ذلك بمعنى التسمية أو الحكم كما سبق في أقوالهم، ومعنى الطبع وا تم "الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه، ولا يدخل فيه خارج عنه" (2) . قال الآجري– رحمه الله – بعد أن سرد الآيات الدالة على الطبع وا تم: "جميع ما تلوته من هذه الآيات يدل العقلاء على أن الله عز وجل ختم على قلوب قوم، وطبع عليها، ولم يردها لعبادته، وأرادها لمعصيته، فأعماها عن الحق فلم تبصره، وأصمها عن الحق فلم (1 )انظــر فيمــا ســبق الشــريعة، ص151، وانظــر مجمــول الفتــاوى6/125-130) وانظــر (8/262-265) وانظر جامع مع الوسـائل ص121 ومـا بعـدها، وانظـر منهـاج السـنة (3/33-38)،3/151) وانظر الفوائد48، وانظر شرح العقيدة الطحاوية521- 522، وانظر الدرة البهية شرح العقيدة التائية ص19-20،51-52. (2) أضواء البيان1/40) وانظر شرح السنة1/143.)

عدد الصفحات ٥٦١

530 أصول الاعتقاد في سورة يونس تسمعه، وأخزاها ولم يطهرها، يفعل بخلقه ما يريد" ا.هـ (1) وهذا الطبع جزاء كفرهم، وإعراضهم، قال ابن القيم – رحمه الله – : "القرآن من أولـه إلى آخره إنما يدل على أن الطبع، وا تم والغشاوة لم يفعلها الرب سبحانه بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان أو بيّنه له، وإنما فعله بعد تكرار الدعوة منه سبحانه والتأكيد في البيان والإرشاد وتكرار الإعراض منهم والمبالغة في الكفر والعناد فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع، بل كان اختياراً فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية" ا.هـ (2) . أما زعم القدرية أن المراد سماهم، أو أخبر عنهم أو حكم عليهم فهذا خلاف اللغة والإجمال (3) قال القرط– رحمه الله – "أجمعت الأمة على أن الطبع وا تم على قلوبهم من جهة النبي  والملائكة والمؤمنين ممتنع، فلو كان ا تم والطبع هو التسمية والحكم لما امتنع من ذلك الأنبياء والمؤمنون، لأنهم كلهم يسمون الكفار بأنهم مطبول على قلوبهم وأنهم توم عليها، وأنهم في ضلال لا يؤمنون؛ ويحكمون عليهم بذلك فتثبت أن ا تم والطبع هو معنى غير التسمية والحكم؛ وإنما هو معنى يخلقه الله في القلب يمنع من الإيمان به .." ا.هـ (4) . وكيف يص القول:إن معنى أضله الله وختم على قلبه،سماه ضالاً وهل يصب معنى قوله تعالى:     ..  [23] . أي سماه ضالاً؟ لاشك أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه ومما يبين فساد قولهم هذا، أن الله تعالى تمدح بأن الأمر كله له (1) الشريعة، ص154. (2) شفاء العليل، ص159. (3) انظر الإبانة ص193. (4) الجامع لأحكام القرآن1/187)، وانظر الإبانة ص194.

عدد الصفحات ٥٦٢

531 أصول الاعتقاد في سورة يونس وبيده، وتحت قهره وسلطانه، فهل يعقل أن يكون ذلك بمجرد التسمية، وأيُّ مدح وثناء في ذلك، والعباد كلهم قادرون على التسمية والإخبار..(1) . خامساً: الآيات ترد على الجبرية، وهي كثيرة، كما في قوله تعا وقوله:          [12] . وقولـه تعا              [14] . وقولـه تعا                 [52] . وقولـه تعا                 [70] . وقولـه تعا                    [72] . وقولـه                          [108] . وجميع هذه الآيات أثبتت للعبد كسباً، وأن العذاب الذي ينالهم جزاء كفرهم وفعلهم الذي هو بإرادتهم وقدرتهم، والله تعالى قد أثبت للعبد فعلاً. وأثبت له مشيئة كما في قوله تعالى:                         [29-30] وعلى هذا اتفق سلف الأمة وأئمتها (2) (1) انظر شفاء العليل ص141-148. (2) انظر مجمول الفتاوى (8/459-460.)

عدد الصفحات ٥٦٣

532 أصول الاعتقاد في سورة يونس وكان السلف ينكرون لفظ "الجبر" ويقولون "جبل" (1) . والجبر من الألفات ايملة فإن أريد بالجبر القهر والقدرة وهو معنى اسم الله تعالى "الجبار" أي بمعنى أنه قادر على كل شيء قاهر له، ومن قهره أن يجعل له قدرة وإرادة على الفعل فهذا صحي فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وإن أريد بالجبر الإكراه على الفعل، مع عدم القدرة على جعل الشخص مريداً لفعله، أو قادراً عليه فهذا باطل، ولا يطلق على الرب – تعالى الله عما يقولون علواً كبيرا – وهذا قد يفعله المخلوق مثله، والفرق بينه وبين ما قبله يتبين بما يلي: 1- عجز المخلوق عن جعل المُكرَه قادراً أو مريداً. 2- إن هذا قد يسمى تلماً والله تعالى منزه عن الظلم 3- إن المخلوق جاهل بالعاقبة، ولا يعلم الحكمة وقد يكون سفيها جاهلاً، أما الرب تعالى فأفعاله على مقتضى حكمته وعلمه سبحانه. 4- إن جبر المخلوق لمخلوق يكون لنقص في المُكر ه وعجز عن القيام بالعمل بمفرده والرب تعالى له الكمال المطلق (2) والقول بالجبر، من أشنع البدل، وأشدها قبحاً، قال العلامة عبدالرحمن السعدي – رحمه الله – : "وهذا القول من أشنع البدل وأنكرها وهو الف للكتاب والسنة، وإجمال الأئمة المهتدين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، و الف للعقول والفطر، و الف للمحسوس، وكل قول (1) انظــر الســنة للخــلال ص549-550، وانظــر مجمــول الفتــاوى8/103-104، 460-462) وانظر شفاء العليل ص220، وانظر شرح الطحاوية ص514. (2) انظر مجمول الفتاوى8/463-465) وانظر شفاء العليل ص220-222.

عدد الصفحات ٥٦٤