501 أصول الاعتقاد في سورة يونس ا امس: في قوله تعالى: [31] فالمشركون مقرون، بأن الله رازقهم، ولم يؤثر عنهم إنكار ذلك، مع كفرهم وعنادهم، فأصبحت المعتزلة شراً منهم من هذا الوجه. السادس: إن احتجاجهم بقوله تعالى: [59] . الآية فلا دليل فيه إذ الآية نزلت في المشركين، الذين يحرمون السوايب والحام والوصيل على ما سبق بيانه (1)، وإن كان العبرة بعموم اللفظ بخصوص السبب كما هو مقرر في الأصول، فلا دليل لهم في الآية إذ هي ذم لكل من حرم الحلال، وأحل الحلال، فالاستدلال بها في غير محل النــزال. السابع: أن تخصيصهم الرزق بما يص تملكه (2) ، باطل إذ يلزم منه أنه طعام البهيمة، والطفل من ثدي أمه، لا يسمى رزقاً، لأنهما لا يملكانه، فلا يكون رزقاً لهما وهذا خلاف قوله تعالى: [6] الآية كما أنه لا يلزم أن من رزقه تعالى للحرام، أن يباح تملكه (3) كما سبق بيان ذلك (4) وأما زعمهم أن في هذا نسبة الرب تعالى للظلم (1) انظر ص وما بعدها (2) انظر شرح الأصول ا مسة ص784. (3) انظر الإبانة186-187، وانظر الاعتقـاد للبيهقـي ص96، وانظـر الفقـه الأكـبر مـع شرحه ص114. (4) انظر ص وما بعدها
عدد الصفحات ٥٣٣502 أصول الاعتقاد في سورة يونس والعدوان – فسيأتي الرد عليه إن شاء الله تعالى في الفصل القادم (1) . وبهذا يتبين بطلان قولهم هذا(2) . (1) انظر ص وما بعدها (2 )قال ملا على القاري في شرحه للفقه الأكبر ص114 "وللشي أبو الحسن الرستغني، وأبو إسحاق الإسفرايني ما حققا ا لاف في هذه المسألة، وقالا ا لاف لفظي لا حقيقـي قيـل وهو الصواب" ا.هـ، والصواب إن هذا غير صحي وا لاف ليس لفظياً، إذ هو يعـود إلى فســاد اعتقــاد الم عتزلــة وقــولهم بوجــوب فعــل الأصــل علــى الله، ومســألة التحســين، والتقبي ، بناء على أصولهم المنهجية في تقديم العقل علـى النقـل، فـا لاف بيـنهم وبـين أهل السنة خلاف في المنهج، مما كان سبب ضلالهم وبعدهم عن الحق والعياذ بالله.
عدد الصفحات ٥٣٤503 أصول الاعتقاد في سورة يونس زيادة الرزق ونقصانه: إن الرزق الذي قدره الله تعالى وكتبه في اللوح ا فوت، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتغير، وفي الحديث عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – عن النبي قال: "إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكاً، يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة، فإذا أراد أن يقضي خلقه قال:أذكر أم أنثى، شقي أم سعيد فما الرزق والأجل، فيكتب في بطن أمه" (1) . وهذا التقدير العمري عند خلق النطفة، وهو تفصيل لما سبق كتابته في اللوح ا فوت. أما ما كتبه الله تعالى، وأطلع عليه الملائكة في الصحف التي بأيديهم فيزيد بالأسباب التي يطرقها العبد، وهي نوعان: الأول: أسباب دينية كصلة الرحم كما في الحديث عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله يقول: "من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه" (2) . ومن الأسباب أيضاً الدعاء والبر وتقوى الله قال تعا [2-3] . الآية واجتناب البغي، وتلم العباد، والربا، وأكل مال اليتيم. الثاني: أسباب طبيعية، ومادية، كالسعي للرزق، وبذل الجهد، واختيار الأزمان المناسبة، وحسن اختيار المكاسب النافعة .. ونحو ذلك. (1) سبق تخريجه (2) رواه البخــاري في كتــاب البيــول، بــاب: مــن أحــب البســط في الــرزق، رقــم 1961 (2/728-729) ورواه أيضاً في كتاب الأدب، باب: من بسـط لـه في الـرزق بصـلة الرحم رقم 5639 (5/2232) عن أبي هريرة– رضي الله عنه – به بلفـظ (وينسـأ)، ورواه مسلم في كتاب البر والصلة، بـاب: صـلة الـرحم وتحـريم قطيعتهـا رقـم 2557 (4/1982) بعدة روايات
عدد الصفحات ٥٣٥504 أصول الاعتقاد في سورة يونس وهذه الأسباب والمسببات كلها بقدر الله تعالى، ومشيئته، فقد علم تعالى أن هذا العبد يصل رحمه فزاد رزقه وأجله، وعلم أن آخر يقطع رحمه فنقص في رزقه وأجله، وهذا مما لا تعلمه الملائكة، فالزيادة والنقصان في صحفهم، دون ما سبق كتابته في اللوح ا فوت (1) . ومع تقدير الله للعبد الرزق، فيجب عليه طرق الأسباب في طلب الرزق وهذا لا ينافي التوكل، بل من تن فهو ضال، ومثله كمن رجا أن يولد له من غير نكاح ولا وطء قال بعض العلماء: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب المأمور بها قدح في الشرل" (2) . وقال بعض العلماء إن الزيادة في الرزق، إنما هي البركة فيه، لأن الصلة صدقة والصدقة تنمي المال، وتباركه، وقيل إن رزقه يكتب مقيداً بشرط صلة الرحم، ونحو ذلك من أسباب الرزق (3) ، وسيأتي الجمع بين هذه الأقوال في الأجل (4) إن شاء ا ثانياً: الأجل الأجل في اللغة: "مدة الشيء" (5) سواء كان هذا الشيء موتاً، أو حلول دين، أو عدة طلاق .. أو نحوه (6) . (1) انظر مجمول الفتاوى8/540-541)، وانظر الدرة البهية شرح تائية شي الإسـلام ص70-72. (2) مجمول الفتاوى8/528.) (3) انظر فت الباري11/353-354.) (4) انظر ص441. (5) الصحاح4/1621.) (6) انظــر النهايــة في غريــب الحــديث1/26)، وانظــر لســان العــرب، وانظــر بصــائر ذوي التمييز (2/108.)
عدد الصفحات ٥٣٦505 أصول الاعتقاد في سورة يونس وأما في الاصطلاح: فالمراد "بالأجل المضاف زمان تبطل فيه الحياة قطعاً من غير تقدم ولا تأخر" (1) . فلكل إنسان أجلمحدود لا يتقدمه، ولا يتأخر عنه، سواء مات حتف أنفه (2) أو مات قتيلاً، أو هدما، أو هرماً، أو غرقاً، وهذه الأمور جعلها الله تعالى أسباباً للموت، مع علم الرب تعالى بما كان، وما يكون من تلك الأسباب إذ قد كتبها في اللوح ا فوت، وشاءها، وخلقها، ومع ذلك من قتل مسلماً بغير حق عوقب لقتله، ويجب القصاص منه، إلا أن يعفو أولياء المقتول ومن قتل كافراً محارباً فله الأجر والثواب من عند الله تعالى. ودليل هذا من سورة يونس – عليه السلام – في قولـه تعالى: [49] وقوله [104]. وفي الحديث عن أم حبيبة زوج الن قالت: "اللهم أمتعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال فقال الن : لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأيام معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يعجل شيئاً قبل حله، أو يؤخر شيئاً عن حله، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار، أو عذاب القبر، كان خيراً وأفضل" (3) . (1) لوامع الأنوار1/349.) (2) أي على فراشه من غير قتل ولا غرق ولا حرق "القاموس ا يط ص1032. (3) رواه مسلم في كتاب القدر، باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيـد ولا تـنقص عما سبق به القدر رقـم 2663 (4/2050-2051) ورواه الإمـام أحمـد في مسـنده (1/390) عن وكيع به بلفظه (أنك سألت ..) الحديث
عدد الصفحات ٥٣٧506 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال الإمام النووي – رحمه الله – : "وهذا الحديث صري في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك .." ا.هـ (1) . وخالف بعض المعتزلة في ذلك قال القاضي عبدالجبار الهمذاني "ا لاف في المقتول لو لم يقتل كيف كان يكون حاله في الحياة والموت؟ فعند شيخنا أبي الهذيل أنه كان يموت قطعاً لولاه وإلا يكون القاتل قاطعاً لأجله وذلك غير ممكن، وعند البغدادية أنه كان يعيش قطعاً، والذي عندنا أنه كان يجوز أن يحيا ويجوز أن يموت، ولا يقطع على واحد من الأمرين فليس إلا التجويز" ا.هـ (2) . ثم ذكر ما استدل به البغداديون، ومن الأدلة التي ذكرها– ما يلي: 1- قالوا: "إنا نعلم من حيث العادة أن الجماعة الكبيرة، لا تموت دفعة واحدة، وإن كنا نجوز أن يقتلوه دفعة واحدة" (3) . 2- إنه يعيش قطعاً، لأن لو لم يعش لكان يكون القاتل تالماً له (4). ومعلوم إن هذا القول خلاف ما اجتمعت عليه أهل السنة والجماعة، والدليل على بطلان هذا القول واض ، وبيان ذلك من أوجه: الأول: ما تظاهرت عليه النصوص القطعية، من القرآن والسنة على إثبات أن الأجل بقدر الله، وأنه لا يتقدم ولا يتأخر، وقد سبق (1) شرح مسلم16/213.) (2) شرح الأصول ا مسة، ص782. (3) المرجع السابق، ص783. (4 )المرجع السابق ونفس الصفحة، وانظر أصول الدين142-143، وانظر المواقف ص320.
عدد الصفحات ٥٣٨507 أصول الاعتقاد في سورة يونس بعضها (1) ومنها أيضاً قوله تعا [34] وقولـه [11] . الثاني: إن قولهم هذا يلزم منه أن يكون القاتل قادراً على قطع أجل المقتول، وهو قادر على تأخيره، فصار الأجل بيد الإنسان، وهذا باطل (2) . الثالث: لو فرضنا أن الله علم أنه لا يقتل، أمكن أن يكون قدر موته في هذا الوقت، وأمكن أن يكون قدر حياته إلى وقت آخر، فالجزم بأحد هذين على التقدير الذي لا يكون جهل (3) . الرابع: ومن بطلان هذا القول، فساد القول: إنه يجب أن تكون المرأة التي لو عاش لتزوجها زوجة له، والقول: إن النار مثوى هذا المقتول لأنه لو عاش لكفر، أو العكس، فدل المنع من ذلك على بطلان قولهم لو لم يقتل لعاش (4) . أما زعمهم بأن العادة جرت على عدم موت الجماعة في وقت واحد، فهذا يرد عليه بأمرين: الأول: إن هذا الف للحس والواقع، فالعادة جرت بذلك، وقد يموت الآلاف دفعة واحدة بمرض كالطاعون أو غيره (5) . الثاني: إن الكلام هنا على قدرة الله تعالى ومشيئته، فلو شاء أن يموت من في الأرض كلهم جميعاً دفعة واحدة لماتوا. (1) انظر ص (2) انظر الإبانة ص184-185. (3) مجمول الفتاوى8/517-518.) (4) انظر الإبانة ص184، وانظر التمهيد، ص375-376. (5) انظر شرح الأصول ا مسة ص783-784، وانظر المواقف ص320.
عدد الصفحات ٥٣٩508 أصول الاعتقاد في سورة يونس أما عن تلم القاتل للمقتول، ولو مات بأجله لم يكن تالماً، فهذا مرجعه عدم تفريقهم بين الإرادة والمشيئة، وبين ا بة والرضا، وهذا من أسباب ضلالهم كما سيأتي (1) – إن شاء ا– فالقتل هنا بمشيئة الله تعالى، وهو لا يحبه ولا يرضاه بل نهى عنه، ولا يص أن يقال إنه بغير مشيئته تعالى، إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد، فلا تعارض إذن والحمد لله. زيادة الأجل ونقصانه: وردت بعض النصوص التي تدل على زيادة الأجل ونقصانه كما في قوله تعالى: [11] وقوله [3-4] . وحديث "من سره أن يبسط له في رزقه أو ينسأ له في أثره، فليصل رحمه" (2) وتحقيق القول في ذلك كما سبق في زيادة الرزق ونقصانه، فالأجل أجلان: 1- مطلق، وهذا لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو لا يتغير، و يتبدل بل هو كما أثبت في اللوح ا فوت. 2- أجل مقيد: وهو ما اطلعت عليه الملائكة في صحفهم، فإذا وصل المرء رحمه أمر الله تعالى الملائكة بزيادة أجله، وإذا قطعها أمر الله (1) انظر ص452 وما بعدها (2) سبق تخريجه
عدد الصفحات ٥٤٠509 أصول الاعتقاد في سورة يونس تعالى بنقص أجله، فهذه زيادة الأجل ونقصانه، مع ثبوته عند الله تعالى وفي سابق علمه (1) . وقيل: إن نقصان الأجل وزيادته، إنما هو ما يطرحه الله تعا العمر من البركة، بحيث يهي له أسباب التوفيق، فيعمل العمل الكبير في الزمن القليل (2) . وقيل: إن نقصان العمر بالمعاصي، إنما هو في تأثيرها على القلب، لأن الحياة الحقيقية حياة القلب، فإذا عصى الله تأثر قلبه بهذه المعصية، فحرم من الحياة بقدر معصيته، ولهذا سمى الله تعالى الكافر ميتا (3) قال تعالى: [122] الآية ولا تنافي بين هذه الأقوال بل يمكن الجمع بينها فيقال: إن الزيادة والنقصان في صحف الملائكة التي بأيديهم، دون ما ثبت في أم الكتاب، وهذا الشخص الذي فعل الأسباب الموصلة لرضا الله من صلة الرحم، وتقوى الله تعالى، وغير ذلك لاشك أن الله تعالى يجعل في رزقه وفي عمره البركة، ويزيده من الإيمان، وانشراح الصدر بقدر طاعته، والله أعلم. (1) انظر شرح مسلم للنووي (16/213)، وانظر مجمـول الفتـاوى8/517) وانظـر فـت الباري (10/430)، وانظر لوامع الأنوار1/349.) (2) انظر الداء والدواء ص77، وانظر فت الباري10/30.) (3) انظر الداء والدواء، ص77.
عدد الصفحات ٥٤١510 أصول الاعتقاد في سورة يونس الفصل الثالث في الهدايــة والإضــلال إن مسألة هداية الله تعالى للعبد وإضلاله له هي قلب أبواب القدر، ومسائله – كما سماها ابن القيم رحمه الله – لأن أعظم نعمة الهداية، وأعظم مصيبة هي مصيبة الضلال (1) . الهدى لغة: ضد الضلال، وهو الرشاد والدلالة(2) ، ويأتي بمعنى الاقتداء بالشيء كما يقال هَدَى هَديه (3) ، وبمعنى التعريف والبيان كقولهم "هديته الطريق والبيت هدايةً، أي عرفته" (4) . وأما تعريفها شرعاً فالهداية في كتاب الله تعالى أربع مراتب كما ذكرها ا ققون من العلماء: الأولى: الهداية العامة: وهي هداية كل لوق لما يصل أمور معاشه، وهي أعم المراتب، وهي شاملة لجميع المخلوقات ودليلها قوله تعالى: [50]. قال ابن جرير– رحمه الله – عند تفسير هذه الآية: "يعني نظير خلقه في الصورة والهيئة كالذكور من بني آدم، أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجاً، وكالذكور من البهائم، أعطاها نظير خلقها، وفي (1) انظر شفاء العليل ص117. (2) الصـحاح6/2533)، وانظــر تهــذيب الأسمـاء واللغــات للنــوبي ( 3/180)، وانظــر لسان العرب (15/353)، وانظر القاموس ا يط، ص1733. (3) انظر الصحاح6/2534)، وانظر لسان العرب15/356.) (4) المرجع السابق6/2533)، وانظر لسان العرب15/354-355.)
عدد الصفحات ٥٤٢511 أصول الاعتقاد في سورة يونس صورتها وهيئتها من الإناث أزواجاً، فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هداهم للمأتى الذي منه النسل والنماء كيف يأتيه، ولسائر منافعه من المطاعم والمشارب" ا.هـ (1) . وجمال القول: إن هذه الهداية تعم جميع المخلوقات، وتعم سائر أمور المعاش من نكاح، وطعام وشراب، وجميع السلوك التي يهدي الله تعالى لوقاته لعملها من غير تعليم سابق كهداية النمل إلى تنظيم طرق المعاش وخزن الطعام وغير ذلك مما يحار العقل البشري فيه فسبحان من خلق فسوى ثم قدر فهدى (2) . الثانية: هداية الإرشاد والدعوة والبيان، وهي أخص من التي قبلها حيث إنها تصة بالمكلفين من ا لق، والمراد بها دعوة ا لق وبيان الحق لهم، وهي حجة الله على خلقه، فلا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسلُ وإنزال الكتب قال تعالى: [165] ، ويقول تعالى في سورة يونس: [47] . وهذه الهداية هي التي أثبتها الله عز وجل لنبيه في قوله تعا [52] . وهي ثابتة من بعده للعلماء، والدعاة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ولكن تحقق الهداية ا اصة ليس موجباً، ولكنها شرط في حصولها أي هداية البيان والإرشاد، وتخلف الهداية ا اصة، إما لوجود (1) جامع البيان16/171.) (2) انظر شفاءالعليل، ص117-139.
عدد الصفحات ٥٤٣512 أصول الاعتقاد في سورة يونس مانع، أو لعدم كمال السبب، ولكن حجة الله قائمة بهذه الهداية بعدة أمور – كما سبق – وهي: 1- في الآيات السمعية وهي متمثلة فيما يلي أ- إرسال الرسل. ب- إنزال الكتب، بما فيها من الحق والبيان. 2- البيان بالآيات الكونية والنظر في الآفاق، قال تعا [101] . وقد سبق تفصيل ذلك في الباب الأول(1) . 3- بيان الصراط المستقيم، وإقامة أسباب الهداية، باطناً وتاهراً،ومن لم تكتمل عنده هذه الأسباب لصغر أو لزوال عقل، أو نحو ذلك فهؤلاء رفع عنهم التكليف، ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما في وسعهم. ودليل هذه المرتبة من سورة يونس – عليه السلام – في قوله تعالى: [25] فاشتملت هذه الآية الكريمة على هداية البيان والإرشاد في قوله تعالى: "والله يدعو إلى دار السلام"، وعلى الهداية ا اصة وهي هداية التوفيق والإلهام في قولـه تعالى: "ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" وكذلك جاءت في قوله تعالى: [13] في قوله (1) انظر ص وما بعدها
عدد الصفحات ٥٤٤513 أصول الاعتقاد في سورة يونس [74] . فهاتان الآيتان اشتملتا على نوعي الهداية– أيضاً – ففي بيان الرسل، ومجيئهم إلى أقوامهم بالبينات هداية إرشاد وبيان، وفي قوله: . وقولـه نفي لهداية التوفيق عنهم لظلمهم وهذا كما في قوله تعالى: [17] . فهداهم في الهداية الأولى هداية البيان والإرشاد، فأعرضوا عنها لم يقبلوها فعاقبهم الله تعالى بالضلال جزاء إعراضهم وردهم الحق (1) . المرتبة الثالثة: هداية التوفيق والإلهام وخلق المشيئة المستلزمة للفعل(2) . وهذه لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فمن شاء هدايته اهتدى، ومن شاء ضلاله ضل، وهي أخص مما قبلها إذ هي خاصة للمهتدين من المكلفين، وهي حتمية الوقول، وهي التي نفاها الله تعالى عن رسوله في قوله تعا [56] ودليلها من سورة يونس – عليه السلام – في آيات كثيرة كما في قوله تعالى: (1) انظــر فيمــا ســبق أصــول الــدين141-142) وانظــر المفــردات538، وانظــر شــفاء العليل (139-141)، وانظر مدارج السالك1/42-43.) (2) شفاء العليل، ص141.
عدد الصفحات ٥٤٥514 أصول الاعتقاد في سورة يونس [19] وقوله كما سبق بيان ذلك [25] وقوله [33] وقوله [35] وقوله [40] وقوله [74] وقوله [88] . وقوله [99-100] . وهذه المرتبة ضل فيها القدرية ايوسية، والجبرية(1) . وسيأتي بيان ضلالهم قريباً – إن شاء الله – . (1) انظر شفاء العليل ص141، وانظر مدارج السـالك1/43)، وانظـر المفـردات 538 والجبرية: هم مثبتة القدر وينقسمون إلى قسم1- الجبريـة ا ضـة أتبـال الجهـم بـن رضوان حيث قالوا: إن العبد ليست له إرادة ولا قدرة وإنما تنسب إليه الأفعال مجازاً، وإلا فالفاعــل الحقيقــي لهــا هــو الله، ومــا العبــد إلا كالريشــة في مهــب الــري ، وكــان تهورهم بعد تهور القدرية، وذلك في أواخر دولـة بـني أميـة. 2- الجبريـة المتوسـطة من الأشـاعرة والماتريديـة ونحـوهم القـائلين إن الله تعـالى خلـق أفعـال العبـاد، وقـدرها وشاءها ثم أثبتوا للعبد قدرة غير مـؤثرة في الفعـل وهـي مـا يسـمى عنـدهم بالكسـب، انظــر المقــالات ص 279، وانظــر الفــرق ص199،وانظــر الملــل والنحــل ( 1/87)، وانظر اعتقادات فرق المسلمين والمشركين وما بعدها.
عدد الصفحات ٥٤٦515 أصول الاعتقاد في سورة يونس المرتبة الرابعة: الهداية إلى طريق الجنة أو طريق النار – والعياذ بالله – وهذه الهداية تكون في الآخرة بعد الحساب والجزاء. ودليلهما من السورة في قولـه تعالى: [9] . فالباء هنا (بإيمانهم) يحتمل أن تكون سببية، فيكون المعنى يهديهم ربهم بسبب إيمانهم إلى اجتياز الصراط، ودخول جنات النعيم، ويحتمل أن تكون للاستعانة، فيصب العمل قائداً ودليلاً إلى الجنة، أو يهي الله تعالى لهم نوراً يقودهم إلى الجنة، كما جاء في بعض الأحاديث والآثار(1) ، وقال تعا [4-5] . وهذه الهداية حاصلة لهم بعد قتلهم، فدل على أن المراد بها هداية إلى طريق الجنة على القول الراج (2) . وفي هداية أهل النار إلى النار يقول تعا [22-23 ](3) . وأما الضلال فهو ضد الرشاد والهدى "ضل الشيء يضل ضلالاً، أي ضال وهلك " (4) . وإضلال الله تعالى للعبد نوعان (1) انظر جامع البيان11/88-89)، وانظر ابن كث3/486.) (2) انظر شفاء العليل، ص148. (3) انظر فيما سبق شفاء العليل، ص148، بدائع الفوائد2/37.) (4) الصحاح5/1748)، وانظر بصائر ذوي التمييز (3/481-485.)
عدد الصفحات ٥٤٧516 أصول الاعتقاد في سورة يونس الأول: ضلال على الصراط المستقيم، وهذا ضلال في العلم، فلا يهتدي إليه، ويكون هذا نتيجة إعراضه وصده عن الحق، فعاقبه الله تعالى بالضلال لأنه لا يصل إلا للضلال وليس أهلاً للهداية، فمن رحمة الله تعالى بعباده أنه لا يعذب العباد بموجب علمه السابق، وإنما يرسل الرسل وينزل الكتب، ثم بعد ذلك يحاسب العباد على أعمالهم، وما اقترفته أيديهم فيجازيهم به. الثاني: ضلال في الصراط، ويسمى ضلال القصد والعمل، فيهتدي إلى طريق الهداية، ولكنه يضل في كثير من تفاصيلها، أو يضل في جميع تفاصيلها فلا يهتدي إلى شيء من ذلك، وهذا النول دون ما قبله (1) . قال الإمام الطحاوي– رحمه الله – : "يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً" (2) وقال شي الإسلامابن تيمية – رحمه الله – : "مما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء وأن العباد لهم مشيئة وقدرة يفعلون بمشيئتهم وقدرهم ما أقدرهم الله عليه، مع ولهم: إن العباد لا يشاؤون إلا أن يشاء الله (3) . وقد خالف القدرية أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فقالوا:"إن الهدى على وجهين: هدى دليل وبيان، فقد هدى الله بهذا الهدى كل (1) انظر شفاء العليل ص71، ص143. (2) شرح العقيدة الطحاوية، ص108. (3) مجمول الفتاوى8/459.)
عدد الصفحات ٥٤٨