469 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال ابن كثير – رحمه الله – : "والجنة والنار موجودتان الآن، معدتان لأصحابهما، كما نطق بذلك القرآن؟ وتواترت بذلك الأخبار عن رسول الله وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهي السنة المثلى إلى قيام الساعة" (2) . 3- أبدية الجنة والنار: قال تعالى في سورة يونس في بيان خلود الجنة: [26] . وفي خلود النار يقول تعالى: [27] . وقولـه [52] . أي ذوقوا العذاب الدائم الذي لا ينقطع جزاء كفركم وعنادكم. وفي أبدية الجنة والنار عدة أقوال منها ما يتعلق بالجنة والنار معاً، ومنها ما يختص بالنار، فأما ما يتعلق بهما ففيه أربعة أقوال. الأول: ما اتفق (3) عليه سلف الأمة، من أهل السنة والجماعة، وهو == (1) انظر مقالات الإسـلاميين ص296، والشـريعة387-395 وانظـر حـادي الأرواح، ص11، والحجـــة في بيـــان ا جـــة1/472-474) والنهايـــة في الفـــح والملاحـــم (2/416)، وشرح العقيدة الطحاوية، ص484 واللآلـ البهيـة في شـرح لاميـة شـي الإسلام، ص80، ومشكاة اصابي (3/1586) وما بعدها (2) النهاية في الفح والملاحم2/416.) (3 )انظـر الفصـل في الملــل والنحـل4/145) وانظـر مجمــول الفتـاوى18/307)، وانظـر شــرح الطحاوية، ص490، وانظر رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار، ص86.
عدد الصفحات ٥٠١470 أصول الاعتقاد في سورة يونس القول بخلود الجنة والنار، وأبديتهما، وأن نعيم الجنة دائم لا ينقطع. وكذا عذاب النار دائم، وأن أهل النار من الكفار والمشركين خالدون فيها أبداً، وأما أهل الكبائر من عصاة المؤمنين ممن دخلها، فهم يخرجون منها إذا شاء الله، ويدخلون الجنة برحمة أرحم الراحمين. الثاني: القول بفناء الجنة والنار، وفناء أهلهما، وهذا القول تفرد به الجهم بن صفوان، ودليله أن ما ثبت حدوثه استحال بقاؤه، وأبديته(1) ، ولقوله تعا [88] . الثالث: القول بفناء حركات أهل الجنة، وأهل النار، وأنهم يأتي عليهم زمان يصبحون بمنزلة الجماد، الذي لا حركة له، ولا استلذاذ له بالنعيم، ولا إحساس له بالعذاب، وهو قول محمد بن الهذيل العلاف (2) ، وهذا بناء على قولهم "بامتنال حوادث لا نهاية لها الرابع: القول بخروج أهل الجنة، وأهل النار ونسبه ابن حزم – رحمه الله – إلى بعض الروافض. وأما ما يختص بالنار فقط ففيه – علاوة على ما سبق – أربعة أقوال: (1) انظر مقالات الإسلاميين، ص279، وانظر الفـرق بـين الفـرق ص199، وانظـر الملـل والنحل (1/87-88.) (2) محمــد بــن الهــذيل بــن عبــدالله بــن مكحــول البصــري أبــو الهــذيل العــلاف، مــن شــيو المعتزلة، فارق إجمال المسلمين ورد نص كتاب الله وجحد صفات الله، له مقـالات في الاعتــزال ومجــالس ومنــاترات، تــوفي ســنة 235هـــ، انظــر ترجمتــه في تــاري بغــداد (3/366)، لسان الميزان5/413-414)، الأعلام7/131.)
عدد الصفحات ٥٠٢471 أصول الاعتقاد في سورة يونس الأول: القول بخلود النار، فمن دخلها لا يخرج منها، حتى ولو كان من عصاة الموحدين، وهو قول ا وارج (1) ، والمعتزلة قال القاضي عبدالجبار الهمذاني: "الفاسق يخلد في النار، ويعذب فيها أبد الآبدين ودهر الداهرين" ا.هـ (2) . واستدلوا بعموم الوعيد (3) . الثاني: قول الاتحادية(4) ، وزعيمهم ابن عربي الطائي وهو أن أصحاب النار تنقلب طبيعتهم إلى طبيعة نارية تتلذذ بالعذاب. الثالث: قول من يقول، أن أهل النار يتعذبون فيها مدة معينة ثم يخرجون، ويخلفهم آخرون، وهذا القول حكاه الله جل وعلا عن اليهود في قوله تعالى: . [80] . الرابع: القول بفناء النار، ومال إلى هذا القول ابن القيم – رحمه الله – ونُسب إلى شي الإسلام ابن تيمية – رحمه الله، وسيأتي بيان صحة نسبة هذا القول إليهما (5) . (1) انظر مقالات الإسلاميين ص96، وقد استثنى أبو الحسن الأشعري، فرقـة النجـدات، أصحاب نجدة بن عامر الحنفي. (2) شرح الأصول ا مسة، ص666. (3) انظر رسائل العدل والتوحيد1/154.) (4) الاتحادية: هم أصحاب القـول بوحـدة الوجـود، وأن الله تعـالى هـو عـين هـذا العـالم، وزعيم هؤلاء ابن عربي الضال وقد سبقت ترجمتـه، وابـن الفـارض ت 576، وانظـر لسان الميزان (4/317)، وانظـر شـذرات الـذهب5/190-202) وانظـر الأعـلام (6/281-282) وانظر مصرل التصوف، ص150 وما بعدها. (5) انظر فيمـا سـبق الفصـل في الملـل والنحـل4/145-148)، وانظـر حـادي الأرواح (323-331.)
عدد الصفحات ٥٠٣472 أصول الاعتقاد في سورة يونس واستدلوا: بالآيات التي فيها تعليق بقائهم في النار بالمشيئة كقوله تعالى: [106-107] . واستدلوا أيضاً بقوله تعا [23] . قالوا: "فهذا صري في وعيد الكفار المكذبين بآياته، ولا يقدر الأبد بهذه الأحقاب ولا غيرها، كما لا يقدر به القديم" (1) . واستدلوا أيضاً ببعض الآثار عن عمر بن ا طاب– رضي الله عنه – قال: "لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج (2) ، لكان لهم على ذلك وقت يخرجون فيه" (3) . ونحو ذلك روي عن ابن مسعود وأبي هريرة، وأبي سعيد ا دري وغيرهم – رضي الله عنهم أجمعين – وسيأتي بيان ما فيها (4) . واستدلوا من العقل أيضاً فقالوا: "الجنة موجب رحمته ورضاه والنار من غضبه وسخطه، ورحمته تعالى تغلب غضبه، وتسبقه كما جاء في الصحي من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي أنه قال: "لما قضى الله ا لق كتب في كتاب فهو عنده موضول على العرش أن رحمتي تغلب غضبي" (5) وإذا كان رضاه قد سبق غضبه، (1) حادي الأرواح ص337. (2) "جمع عالج، وهو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض" النهاية في غريب الحديث (3/287.) (3) قال الألباني– رحمه الله – : "ضعيف لأنه من رواية الحسن قال: قال عمر: والحسن لم يــدرك عمــر – رضــي الله عنــه – " ا.هـــ، حاشــية شــرح الطحاويــة، ص 428 ط، المكتب الإسلامي. (4) انظر، ص419 وما بعدها (5) سبق تخريجه
عدد الصفحات ٥٠٤473 أصول الاعتقاد في سورة يونس وهو يغلبه كان التسوية بين ما هو من موجب رضاه، وما هو من موجب غضبه ممتنعاً" (1) . ولهم أدلة أخرى(2) . والقول الحق هو القول الأول وهو ما عليه أهل السنة، والأدلة على ذلك من الإجمال، ومن الكتاب، والسنة. قال ابن حزم – رحمه الله – : "اتفقت الأمة كلها برها وفاجرها – حاشا ابن صفوان وأبي الهذيل محمد بن الهذيل العلاف العبدي البصري – على أن الجنة لا فناء لنعيمها، والنار لا فناء لعذابها، وأن أهلها خالدون أبد الأبد فيها إلى ما لا نهاية .." ا.هـ (3) . وقال السبكي– رحمه الله – : "أجمع المسلمون على اعتقاد ذلك "أي خلود أهل النار وتلقوه خلفاً عن سلف عن نبيهم وهو مركوز في فطرة المسلمين معلوم من الدين بالضرورة بل وسائر الملل غير المسلمين .." ا.هـ (4) . ونقل الإجمال– أيضاً – ابن تيمية (5) ، والسفاري(6) ، وغيرهم(7) . وأما الكتاب فالآيات قطعية الدلالة على ذلك، كثيرة يصعب حصرها منها ما سبق ذكره في سورة يونس، ومنها أيضاً قوله تعالى: (1) حادي الأرواح، ص343. (2) انظر المرجع السابق، ص331-363)، وانظر شفاء العليل423-436) وانظـر تصر الصواعق (1/3550) وما بعدها (3) الأصول والفرول، ص43. (4) الاعتبار ببقاء الجنة والنار، ص67. (5) انظر مجمول الفتاوى18/307.) (6) انظر لوامع الأنوار2/234.) (7 )انظر يقظة أولي الاعتبار لصديق حسن خان، ص39، وانظر روح المعاني12/146.)
عدد الصفحات ٥٠٥474 أصول الاعتقاد في سورة يونس [64-65] ، وقوله أي غير مقطول وأما السنة المتواترة، فمنها حديث ذب الموت، كما في الصحيحين عن أبي سعيد ا دري – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : "يؤتى بالموت كهيئة كبش أمل ، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون؟ فيقولون نعم، وكلهم قد رآه فيذب ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: [39 ](1) . وكذا العقل دلَّ على ذلك، إذ إن النار جزاء الكفر، وهذا الكفر دائم لا نهاية له، فناسب أن يكون العذاب دائماً بلا انقطال. والنار لا تطهرهم إذ قد أخبر الله عز وجل بأنهم لو ردوا إلى هذه الحياة لعادوا لكفرهم وعنادهم، فهم إذن لدون في النار أبد الآباد، وكذلك أهل الجنة خالدون في الجنة أبد الآباد (2) . أما قول الجهم بن صفوان، وقول أبي الهذيل العلاف، فهما قولان مردودان لما سبق من الأدلة، ولهذا حكم السلف بكفر الجهمية (3) . (1) رواه البخاري في كتاب التفسير، باب "وأنذرهم يوم الحسرة" رقم 4453(4/1760)، ورواه مســلم في كتــاب الجنــة وصــفة نعيمهــا، بــاب: النــار يدخلــها الجبــارون ..، رقــم 2849 (4/2188) عن الأعمش به، بنحوه (2) انظر حادي الأرواح، ص339. (3) انظر السنة للإمام عبدالله بن أحمد، ص20، وانظر ص212.
عدد الصفحات ٥٠٦475 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقول العلاف أشنع من قول الجهم، لأن مؤدى قول الجهم أن الله يفني الجنة والنار، ولكنه لا يزال قادراً على خلق مثلهما، أما قول العلاف فمؤداه أن الله عز وجل في تلك الحال، لا يقدر على تحريك ساكن ولا تسكين متحرك، ولا إماتة، ولا إحياء تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً (1) . وأما الاستدلال بقوله تعا [88] . فلا دليل فيه إذ هو إما من العام المراد به ا صوص، أو من العام المخصوص وهو محتج به بالإجمال (2) ، وقد اتفق العلماء على أن هناك ثمانية أشياء مستثناة من هذا العموم وهي الجنة، والنار والعرش، والكرسي، واللوح، والقلم، وعجب الذنب والأرواح (3) . ومثل هذا القول قول من يقول بخروج أهل الجنة وأهل النار وأما ما عليه ا وارج والمعتزلة، من القول بتخليد العصاة في النار(4)، فهو قول باطل لقولـه تعا [النساء48] وغيرها من الآيات، فقد خص الله تعالى الشرك بعدم المغفرة وعلق ما سواه من الذنوب بالمشيئة، فما شاء تعالى غفره، وما شاء تعالى عذّب عليه. (1) انظر الفرق بين الفرق102-103. (2) انظر تصر الصواعق المرسلة2/60.) (3) انظر مجمول الفتاوى18/307.) (4) مع اختلافهمـا في الحكـم عليـه في الـدنيا، فهـو عنـد ا ـوارج كـافر، وأمـا المعتزلـة فهـو عندهم في منزلة بين منزلتين، انظر مجمول الفتاوى (7/484.)
عدد الصفحات ٥٠٧476 أصول الاعتقاد في سورة يونس ولما ثبت من الأحاديث المتواترة (1) في خروجهم من النار، ودخولهم الجنة، كأحاديث الشفاعة (2) ، وغيرها وآيات الوعيد قد يتخلف موجبها، لعدة أسباب منها: 1- التوبة الصادقة، وهذا لا خلاف فيه 2- الحسنات الكثيرة، والاستغفار 3- وقول المصائب المكفرة 4- العذاب في القبر، وشدة أهوال يوم القيامة 5- الشفاعة للمذنبين، ممن رضي الله عنه، وأذن له بالشفاعة. 6- مغفرة الله تعالى للعبد وتجاوزه عنه برحمته، بلا سبب من العبد(3) . وأما قول الاتحادية– قبحهم الله – فتصوره كافٍ في بطلانه، إذ هو إنكار للحس ومكابرة للعقل. وكذلك قول اليهود فهو قول بلا دليل ولا برهان وقد كذّبهم الله في دعواهم هذه، وطالبهم بالبرهان على ذلك. قال تعالى: . [80] . (1 )انظر التخويف من النار، ص165، وانظر مجمول الفتاوى7/484)، وانظر11/184.) (2) انظر في الشفاعة النهاية في الفح والملاحم2/312) وما بعدها، وانظر شـرح العقيـدة الطحاوية 223-231، وانظر فت الباري11/433-436.) (3) انظر مجمول الفتاوى7/487-501)، و11/185)،24/375.)
عدد الصفحات ٥٠٨477 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقال تعالى: [111] . وجميع هذه الأقوال منسوبة إلى المبتدعة، وأهل الكفر والضلال، وعندهم من البدل غيرها كثير الذي يهمنا من هذه الأقوال من القول الأخير، وهو القول بفناء النار، إذ قد نُسب إلى السلف، كما ذكر ذلك شارح الطحاوية (1) ، وغيره، وهم في الحقيقة منه براء، إذ هو من أقوال الجهمية، ولم يثبت عن أحد من السلف (2) كما سيأتي بيانه، وليس عندهم في هذه المسألة إلا قول واحد وهو أبدية النار وعدم فنائها كما سبق بيان ذلك. فأما ما استدل به من يقول بفناء النار فقوله تعالى: . [106-107] . فأما قولـه تعا [107] ، فيجاب عنه بأمرين: الأول: إن السماوات والأرض المذكورة، المقصود بها سماوات الآخرة وأرضها وهي أبدية باقية على الدوام، واختار هذا ابن كثير – رحمه الله – . (1) انظر شرح العقيدة الطحاوية، ص494. (2) انظر رفع الأستار في إبطال أدلة من قال بفناء النار ص116.
عدد الصفحات ٥٠٩478 أصول الاعتقاد في سورة يونس الثاني: إن هذا جار على أسلوب العرب، إذا أرادوا الإخبار عن شيء ودوامه، قالوا – على سبيل المثال – لا آتيك ما دامت السماوات والأرض أو ما اختلف الليل والنهار، وما سمر لنا سمير، ونحو ذلك(1). وأما الاستثناء المذكور في قوله تعالى: [128] . وقوله في الآية السابقة . فالجواب عنه من عدة أوجه الأول: إن هذا الاستثناء جاء أيضاً في حق أصحاب الجنة، ومع ذلك فلم يقل أحد من أهل السنة أن الجنة تفنى، وإنما حملوا المتشابه على الحكم، فمثل ذلك يقال في أصحاب النار. الثاني: إن هذا الاستثناء حقيقي، وواقع على طبقة من طبقات جهنم وهي طبقة العصاة، من الموحدين. الثالث: إن هذا الاستثناء واقع على المدة التي يكون فيها ا لق في الموقف، أو في البرز ، أو الحياة الدنيا، ورج هذا ابن جرير – رحمه الله – . الرابع: إن هذا الاستثناء استثناء، استثناه الله تعالى وهو لا يفعله كما يقال: "والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك"، مع الجزم على الضرب. ا امس: إن هذا الاستثناء إعلام لهم بأن خلودهم بمشيئة الله عز وجل، لا أنهم أصبحوا قابلين للخلود أو أن ذلك واجب على الله، وهذا نظير قولـه تعالى: [86] فالنبوة فضل وعطاء من الله، ولو شاء لسلبها ولكنه لم يشأ. (1) انظر جامع البيان12-117)، وانظر تفسير ابن كث3/587.)
عدد الصفحات ٥١٠479 أصول الاعتقاد في سورة يونس السادس: إن هذه الآية من المتشابه الذي لا نعلم بالمراد به، فيحمل المتشابه على ا كم، الصري بتخليدهم في النار. السابع: إن هذا الاستثناء على حقيقته، وهو واقع على الفترة التي تتبدل فيها جلودهم كما قال تعالى: [56] . الثامن: إن هذا الاستثناء بمعنى "سوى" فيصير المعنى "خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من العذاب"، وهو استثناء واقع على المدة. وقيل بمعنى "الواو"، وقيل بمعنى "لكن" فيكون الاستثناء منقطعاً وقيل لمعنى "مَنْ" ويكون المعنى "خالدين فيها .. إلا من شاء ربك عدم خلودهم" فيكون الاستثناء واقعاً على الأعيان (1) . وأما استدلالهم بقوله تعا [23] . فلا دليل فيها– أيضاً – على انقضاء عذاب أهل النار، ويجاب عنها بعدة أوجه: الأول: إن المراد بالأحقاب المدد الطويلة، التي لا نهاية لها. الثاني: إن ذلك جار على أسلوب العرب في ا طاب، كما سبق بيان ذلك (2) . الثالث: إن هذه الآية من قبيل المتشابه، فتحمل على ا كم (1) انظر فيما سبق جـامع البيـان12/118-122)، وانظـر الاعتبـار ببقـاء انـة والنـار ص70-71، وانظر شرح العقيدة الطحاوية491-492)، وانظـر رفـع الأسـتار لإبطــال أدلــة القــائلين بفنــاء النــار ص 92، وانظــر روح المعــاني12/144-145 ) وانظر جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، ص480 وانظر دفع إيهام الاضـطراب عـن آيات الكتاب ص122-123. (2) انظر ص415.
عدد الصفحات ٥١١480 أصول الاعتقاد في سورة يونس الرابع: إن قولـه تعالى عقب هذه الآية: [30] يرد استدلالهم بالآية قال الإمام ا لصنعاني – رحمه الله – : "فزيادة العذاب بعد الأحقاب، بل خص تعالى الزيادة على العذاب، وأنه تعالى لا يزيدهم بعد لبث الأحقاب إلا عذاباً فانتفى مفهوم العذاب الذي أفاده الجمع"(1). ا امس: إن قولهم استدلال بمفهوم العدد، وهو أضعف أنوال المفاهيم، فلو خالف مفهوم آخر لقدم عليه ذلك المفهوم الآخر، فكيف وقد خالف المنطوق الصري في آيات تخليد الكافرين في النار. السادس: إن مدة الأحقاب واقعة على تعذيبهم، بالحميم والغساق فإذا انقضت هذه الأحقاب، عُذبوا بنول آخر من العذاب، ومال إلى هذا القول ابن جرير والإمام الشنقيطي – رحمهما الله – (2) . ويقال لهم إجمالاً، إن القول بفناء النار لا يخلو من خمسة وجوه الوجه الأول: القول بفنائها، وفناء عذابها تبعاً. الوجه الثاني: موت من فيها، وبقاؤها على حالها. الوجه الثالث: خروج من فيها، وبقاؤها على حالها. الوجه الرابع: أن يقال ببقائهم فيها مع تخفيف العذاب أو زواله. الوجه ا امس: بقاء النار ودوامها أبداً. فأما الأربعة الأولى، فقد أبطلها القرآن ونص على فسادها، فالأول في قوله تعالى: (1) رفع الأستار، ص88. (2) انظر جامع البيـان30/9-12)، وانظـر الاعتبـار ببقـاء الجنـة والنـار68-69)، وانظر رفع الأستار (88-89)، وانظر جـلاء العيـنين، ص485، وانظـر دفـع إيهـام الاضطراب عن آيات الكتاب (307-308.)
عدد الصفحات ٥١٢481 أصول الاعتقاد في سورة يونس [97] . ومعلوم أنه "كلما يقتضي التكرار بتكرار الفعل الذي بعدها. وأما الثاني: فباطل أيضاً بقولـه تعالى: [36] . وقولـه [13] . وأما الثالث: فبطلانه في قوله تعالى: [167] . وقولـه [22] . وأما الرابع: ففي قوله تعالى: [36] وإذا انتفى التخفيف، انتفى من باب أولى زوال العذاب بالكلية أو استحالته عليهم لذة. وببطلان الأربعة الوجوه، يتعين بطريق السبر والتقسيم، الوجه ا امس (1) . وأما الآثار التي استدلوا بها، ففيها مسلكان: الأول: من حيث ثبوتها: فهي لم تثبت، وهي ضعيفة كما ذكر ذلك العلماء، بل وفيها الموضول، وأحسن ما فيها أثر عمر بن ا طاب – رضي الله عنه – عن الحسن – رحمه الله – وقد تبين أنه منقطع، حيث لم يثبت لقاء الحسن بعمر، والأئمة لا يعملون بمراسيل الحسن – رحمه الله – في أحكام الطهارة فكيف بهذه المسألة العظيمة من مسائل العقيدة، قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في هذا الأثر: "فهو (1) انظر دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب124-127.)
عدد الصفحات ٥١٣482 أصول الاعتقاد في سورة يونس منقطع، ومراسيل الحسن عندهم واهية، لأنه كان يأخذ من كل أحد"(1). الثاني: على فرض ثبوتها فهي محمولة على أمرين: الأول: أن المراد بها، نار العصاة من الموحدين، إذ قد عُلم قطعاً خروجهم من النار، ودخولهم الجنة، وفناء نارهم. الثاني: إن هذه الآثار في غير محل النزال، إذ هي تدور حول خروج أهل النار من النار، وليس فناء النار، وا روج من النار لا يعني خلوها وفناءها، بل يحتمل وجود بقية باقية، وعليه فالاستدلال بها في غير محل النزال، فلا يص نسبة القول بفناء النار إلى أحد من الصحابة (2) . وأما استدلالهم بالعقل، فهم في الحقيقة قد وقعوا فيما حذروا منه أهل البدل والتأويل، وبطلان هذا الاستدلال يتبين بما يلي: 1- لو كفر كافر بالله تعالى طول عمره، وعندما أدركه الموت تاب وأناب في الغرغرة، فحكمنا عليه بالكفر إجماعاً، لأن التوبة لا تقبل حينئذ، فكيف بمن مات مصراً على كفره، وعناده، لاشك أنه أسوأ منه، فهل يعقل أن تفنى ناره، ويدخل الجنة، لاشك أن هذا محال (3) . 2- إن الرحمة المذكورة في الآياتوالأحاديث، إنما هي خاصة للمؤمنين لا يستحقها غيرهم (4) . (1) نقلاً من السلسلة الضعيفة2/73)، وانظر رفع الأستار للصنعاني65-67) وانظر أيضاً ص (70-81-82)، وانظر السلسلة الضعيفة2/70-75.) (2) انظر رفع الأستار37-38. (3) انظر مقدمة المرجع السابق للألباني ص23. (4) انظر المرجع السابق، ص24-25.
عدد الصفحات ٥١٤483 أصول الاعتقاد في سورة يونس 3- إن هذا القول يلزم منه دخول فرعون وهامان، وسائر الكفرة إلى الجنة بعد فناء نارهم، وهذا لم يقل به مسلم ولا يهودي، ولا نصراني (1) . وأما ما نسب إلى شي الإسلام– ابن تيمية – رحمه الله – وما ورد عن تلميذه ابن القيم – رحمه الله – مع جلالة قدرهما، وسعة علمهما(2) ، فالجواب عن ذلك بما يلي أولاً: إنه قد ورد عنهما خلاف ذلك كما جاء عن ابن تيمية في الفتاوى وغيرها (3) ، وكما جاء في كتب ابن القيم(4) – رحمهما ا–. ومن حسن الظن بهذين الإمامين القول إن ذلك القول متأخر، لما لهما من العلم والفضل، ولما لهما من الجهود في إبطال البدل، والرد على أصحابها، مما لا يزال أثره إلى اليوم قائماً، وإصرارهما على هذا القول بما يستبعد. ثانياً: أن يحمل قولهما على نار العصاة. ثالثاً: إنه لم يوجد نقل صحي صري من كتب شي الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – وكل ما في هذه المسألة هو ما نقله عنه تلميذه (1) انظر الاعتبار ببقاء الجنة والنار، ص76-77. (2) ألف أحد المعاصرين رسالة في إبطال هذا الادعاء سماها "كشف الأستار لإبطال ادعـاء فناء النار المنسوب إلى شي الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم". (3) انظــر الفتــاوى18/307)، وانظــر تلبــيس الجهميــة1/157) وانظــر مــا نقــلعنــه صاحب كتاب كشف الأستار ص58-76. وقـال الألبـاني في مقدمـة رفـع الأسـتار، ولشي الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – قاعدة في الرد على من قال بفنـاء الجنـة والنــار، لم نقــف عليهــا، وإنمــا ذكرهــا الشــي يوســف بــن عبــدالهادي في فهرســته (ق/26/1) ا.هـ السلسلة الضعيفة2/75.) (4) انظر الوابل الصـيب، ص34، وانظـر اسـتدلاله بـأقوال السـلف دون معارضـة كمـا حادي الأرواح، ص385.
عدد الصفحات ٥١٥484 أصول الاعتقاد في سورة يونس ابن القيم – رحمه الله – . أما ابن القيم فلعل إيراده للأدلة، لبيان أوجه تأويل الآية،ويؤيد ذلك قولـه بعد سرد الأدلة: "فإن قيل: فإلى أين انتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن، التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟ (1) . قيل: إلى قولـه تبارك وتعا . [107] .. ا.هـ(2) . ويؤيد ذلك أيضاً، استدلاله بأقوال السلف في تلك المسألة– كما سبق الإشارة إلى ذلك – من تعليق منه، ولو كان يعتقد خلاف ذلك لبينه (3) . رابعاً: لعل ذلك القول صدر في أول حياتهما، وقبل تمرسهما العلم، ثم تبين لهما بطلان ذلك فرجعا عنه، وهذا كثير في حياة العلماء، فالعالم قد يكون له قولان أو ثلاثة في المسألة، ومع ذلك لا ينكر عليهم (4) . خامساً: ويقال أيضاً ربما حملهما على هذا القول، توهمهما أن هذا القول لبعض الصحابة فتابعوهم عليه، وساعد على ذلك شدة ا وف من الله، مع عظيم الرجاء بسعة عفوه ومغفرته، مع ما تأولا من تواهر النصوص السابقة، وهما بشر والبشر ليس معصوماً (5) . (1) انظر كشف الأستار، ص24-34. (2) حادي الأرواح، ص363. (3) انظر كشف الأستار ص24-34، وانظر55-56. (4) انظر جلاء العينين ص488، وانظر مقدمة رفع الأستار ص25-28. (5) انظر مقدمة رفع الأستار، ص21-22.
عدد الصفحات ٥١٦