المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام

قذلة بنت محمد القحطاني

صفحة ٢٥ من ٣٩

366 أصول الاعتقاد في سورة يونس خامساً: من الأدلة على ثبوت نبوته، بعثته في زمن كان الناس بأشد الحاجة إلى رسول: ومن يتأمل حال المجتمع الجاهلي آنذاك، يعلم علماً يقيناً أن الناس كانوا بأمس الحاجة إلى من يهديهم ويبصرهم سواء السبيل فكانت عبادة الأوثان والأحجار، والنار، والكواكب، قال تعالى:                                 [18] . علاوة على ما فشا من انحلال خلقي، كالزنى ووأد البنات، وقتل النفس التي حرم الله، وقطيعة الأرحام، والربا .. الخ. فجاء النبي الخاتم لينقذ الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى:                         [2] . فرحمة الله بعباده تقتضي أ ي ك الناس هملاً بلا دين، وهذا من رحمته وليس واجباً عليه كما يزعم المعتزلة (1) . (1) يزعم المعتزلة أن بعثة الرسل علـيهم صـلوات الله وسـلامه واجـب علـى الله تعـالى كمـا ذكر القاضي عبدالجبار في شرح الأصول الخمسة: "قد تقرر في كل عاقل وجـوب دفـع الضرر عـن الـنفس، وثبـت أيضـاً أن مـا يـ دعو إلى الواجـب ويصـرف عـن القبـيح فإنـه واجب لا محالة، وما يصرف عن الواجب ويدعو إلى القبيح فهو قبيح لا محالـة إذ صـح هــذا، وكنــا نجــوز أن يكــون في الأفعــال مــا إذا فعلنــاه كنــا عنــد ذلــك أقــرب إلى أداء الواجبات واجتناب المقبحات، وفيها ما إذا فعلناه كنـا بـالعكس مـن ذلـك ولم يكـ ن في قوة العقـل مـا يعـرف بـه ذلـك ويفصـل بـين مـا هـو مصـلحة ولطـف وبـين مـا لا يكـون كذلك، فلابد من أن يعرفنا الله تعالى حال هـذه الأفعـال كـي لا يكـون عائـداً بـالنقص ==

عدد الصفحات ٣٨٨

367 أصول الاعتقاد في سورة يونس سادساً: البشارة بنبوة محمد  في الكتب السابقة قال الله تعالى:                                                   [93-94]. وفي هذه الآيات الكريمة من سورة يونس عليه السلام الإشارة إ التبشير بنبوة محمد  عند أهل الكتاب، وهم يعرفون ذلك ويقرّبه المنصفون منهم. قال ابن جرير – رحمه الله – عند تفسير هذه الآية: "فإن كنت يا محمد في شك من حقيقة ما أخبرناك وأُنزل إليك من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في نبوتك قبل أن تبعث رسولاً إلى خلقه، لأنهم يجدون عندهم مكتوباً ويعرفونك بالصفة التي أنت بها موصوف في كتابهم في التوراة والإنجيل" ا.هـ (1) . وقال ابن كث– رحمه الله – عند تفسير هذه الآية: "وهذا فيه تثبيت للأمة وإعلام لهم أن صفة نبيهم – صلى الله عليه وسلم – موجودة في الكتب المتقدمة التي بأيدي أهل الكتاب" ا.هـ (2) . == على غرضه بالتكيف، ولهذه الجملة قال مشايخنا: إن البعثة متى حسنت وجبت، على معنى أنها متى لم تجب قبحت لا محالـ ة" ا.هــ، ص 564. وهـذا باطـل، لأن إيجـاب أمـر على الرب تعالى ينافي مشيئته وقدرتـه وهـو المالـك لكـل شـيء، وانظـر الـرد علـيهم في كتاب المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منها، ص205. (1) جامع البيان11/167.) (2) تفسير ابن كث3/529.)

عدد الصفحات ٣٨٩

368 أصول الاعتقاد في سورة يونس وفي النص على ذكره يقول تعالى:                                               [157] . وفي إسلام كثير من الأحبار والرهبان، دليل على صدق نبوته إذا قد أيقنوا بصدقه، وصحة ما جاء به، روى البخاري في إسلام عبدالله بن سلام عن أنس - رضي الله عنه - قال: بلغ عبدالله بن سلام مقدم رسول الله  المدينة فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إ نبي: ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أيَّ شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال رسول الله  : "خبرني بهن آنفاً جبريل" قال: فقال عبدالله: ذلك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله  : "أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أوَّلُ طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد: فإن الرَّجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها" قال: أشهد أنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله، إنَّ اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فجاءت اليهود ودخل عبدالله البيت، فقال رسول الله  : "أيُّ رجل فيكم عبدالسلام بن سلام قال أعلمنا وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا، فقال رسول الله  : "أفرأيتم إن أسلم عبدالله" قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبدا إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله،

عدد الصفحات ٣٩٠

369 أصول الاعتقاد في سورة يونس فقالوا: شرنا، وابن شرنا، ووقعوا فيه" (1) . ولأن إثبات نبوته مع من ينكر هذه الروايات ولا يثق بصحتها فكان لزاماً عليَّ أن أُبين ذلك من كتبهم، ففيها نصوص صريحة على البشارة بنبوته  على الرغم من تحريفهما وكتمانهم للحق الذي فيها، وهذا يتضح من خلال ما كتب عن علمائهم الذين أسلموا حيث إنهم عرفوا النبي  بصفته واسمه الصريح، مما لا يوجد في كتبهم المتوافرة الآن. قال أبو نعيم (2) في الدلائل: "ونعوته وصفاته في الكتب المنزلة، وعند الرهابنة والأساقفة والأحبار من أهل الكتابين مستفيض، وكانوا يرجعون في أمر بعثته وإرساله إلى علم متيقن كالضروري لتبشير الأنبياء في أمر بعثته وإرساله إلى علم متيقن كالضروري لتبشير الأنبياء صلوات الله عليهم به وبإرساله، وإيصائهم أمتهم بتصديقه إن أدركته وما كانت في أيديهم من الكتب والعهود المتقدمة المتواترة عن آبائهم" ا.هـ (3) . ومما يثبت ذكره في كتبهم (1) رواه البخــاري في كتــاب الأنبيــاء بــاب قولـــه تعــالى:            [30] رقــم3151 (ج3/1211-1212)، ورواه في كتاب فضائل الصحابة باب هجـرة الـنبي – صـلى الله عليـه وسـلم – وأصـحابه إلى المدينة رقم: 3699 (3/1423-1424هـ) بأطول منه، ورواه في الكتاب نفسه باب كيف آخى النبي – صلى الله عليه وسلم – رقـم: 3723 (3/1423) بنحـوه، ورواه البيهقي في الدلائل (2/526-527) وغيرهما (2) أحمد بن عبدالله بن أحمد الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، أحد الأعـلام، صـدوق تكلـم فيه بلا حجة، ولد ومات في أصبهان، من تصانيفه "حلية الأولياء وطبقـات الأصـفياء" وغيره مات سنة 430هـ، انظر ميزان الاعتدال1/111)، الأعلام1/157.) (3) دلائل النبوة1/89.)

عدد الصفحات ٣٩١

370 أصول الاعتقاد في سورة يونس 1- إن كثيراً من أنبياء بني إسرائيل كعيسى وإشعيا ودانيال، وغيرهم قد أخبروا عن حوادث صغيرة كحوادث أرض آدوم ومصر نينوى، وحادثة بخت نصر، وغيرها، وهم إذا ذكروا مثل هذه الحوادث الصغيرة، فهل يعقل ألا يذكروا خروج محمد  وهو النبي العظيم الذي أحيا الله عز وجل على يديه أمماً كانوا أشبه بالبهائم الضّالة فأصبحوا قادة وعظماء ؟! 2- إن أهل الكتاب عند ترجمتهم لنص ما يعمدون إلى الاسم في جمونه، ويضعون مكانه معناه، وهذا يوهم ويوقع في لبس شديد، والأمثلة على ذلك من كتبهم كثيرة (1) ، وكذلك فعلوا في اسم النبي  . 3- إنهم أخذوا أكثر عقائدهم من بولس النصراني(2) ، وهم يعتمدون عليه في أقوالهم ويعدونه أحد الحواريين، وهو عند معاشر المسلمين رجل مخادع، غَيَّر دين الله، ودعا إلى التثليث، فأقواله عندنا مردودة (3) . ومن النصوص التي وردت في كتبهم ما يلي: عند اليهود: الأول: ما جاء في سفر التثنية، الإصحاح الثالث والثلاثون. (1) أوردها رحمت الله الهندي في إظهار الحق4/1097-1108.) (2 )اسمه الأصلي شاول، ولد في طرطوس وتربى في أورشليم، وجاء عنه أنـه مـن الفريسـيين يهودي اعتنق النصرانية نفاقاً، حيث كان في بداية حياته من أشد الناس عداوة للمسيحيين وقد حاول الاتصال بتلاميذ المسيح عليه السلام، ثم أخذ في إنشاء الكنائس وإلقاء الخطب والمواعظ، وتأليف الرسائل التي اعتمد عليها النصارى بعده، وهي مليئة بالكفر والشـرك والدعوة إلى التثليث، انظر محاضرات في النصرانية، ص70-76. (3) انظر إظهار الحق4/1000-1115.)

عدد الصفحات ٣٩٢

371 أصول الاعتقاد في سورة يونس 2- جاء الرب من سيناء وأشرق لهم من ساعير وتلألأ من جبل فاران واتى من ربوات القدس وعن يمينه نار شريعة لهم (1) . ومعنى "مجيء الله من طور سيناء إنزاله التوراة علىموسى من طور سيناء وكذلك يجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على المسيح. وكان المسيح من ساعير – أرض الخليل بقرية تدعى "الناصرة" وباسمها سمي من اتبعه نصارى" (2) ، وأما استعلانه من جبال فاران فالمراد به إنزال القرآن على محمد  في جبال فاران، وهي مكة، وهذا ما يعتقده المسلمون وأهل الكتاب بلا خلاف في ذلك (3) . وإثبات ذلك أيضاً ما جاء في سفر التكوين الإصحاح الحادي والثلاثين عند ذكر قصة إسماعيل عليه السلام. "20 وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية وكان ينمو رامي قوس. 21- وسكن في برية فاران، وأخذت له أمّهزوجة من أرض مصر" (4) . ومعلوم قطعاً بأن إسماعيل عليه الصلاة والسلام نشأ في مكة، وهذا دليل واضح لا يستطيع أهل الكتاب رده. وأما الاستعلاء فهو بمعنى الظهور، والارتفاع مأخوذ من علا يعلو علواً (1) . والله عز وجل قد أظهر دين الإسلام، ومكنّ لنبيه من العلو والرفعة ما لم يحصل لنبي قبله. (1) سفر التثنية الإصحاح الثالث والثلاثون الفقرة2.) (2) الجواب الصحيح2/300)، وانظر نبوة محمد– صلى الله عليـه وسـلم – في الكتـاب المقدس ص62-63. (3) انظر الجواب الصحيح2/300.) (4) سفر التكوين الإصحاح الحادي والثلاثون الفقرة20-21.)

عدد الصفحات ٣٩٣

372 أصول الاعتقاد في سورة يونس ومن هنا فتكون الإشارة بالتلألؤ من فاران، يعني ظهور نبي من ولد إسماعيل في (فاران) جبل في مكة وفي هذا بشارة بنبوة محمد  . يقول ابن كث– رحمه الله – : "واستعلى أي ظهر وعلا أمره من جبال فاران، وهي جبال الحجاز بلا خلاف، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد  . فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على ال تيب الوقوعي .. ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضل أولاً، ثم الأفضل منه، ثم الأفضل منه، فقال تعالى:      [1] والمراد بها محلة بيت المقدس، حيث كان عيسى عليه السلام:     وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى       وهو البلد الذي ابتعث منه محمداً  " ا.هـ(2). الثاني: ما جاء في سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر17- قال لي الرب قد أحسنوا في ما تكلموا. 18- أقيم لهم نبياً من وسطر إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به. 19- ويكون إن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه. 20- وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه إن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى يموت ذلك النبي. 21- وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب 22- فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل بطغيان تكلم به النبي فلا تخف منه" (3) . == (1) انظر الصحاح6/2434-2439.) (2) شمائل الرسول، ص347، وانظر جامع البيـان30/238 ومـا بعـدها، وانظـر تفسـ ابن كثير (7/323-324.) (3) سفر التثنية الإصحاح الثامن عشر الفقرة 17-22.

عدد الصفحات ٣٩٤

373 أصول الاعتقاد في سورة يونس والنص السابق فيه دلالة على أن النبي الآتي هو مثل موسى – عليه السلام – ولم يأت في بني إسرائيل نبي مثل موسى (1) والنص على ذلك في سفر التثنية في الإصحاح الرابع والثلاثين حيث فيه ما نصه "10- ولم يقم نبي في إسرائيل مثل موسى الذي عرفه الرب وجهاً لوجه. 11- في جميع الآيات والعجائب التي أرسله الرب ليعملها الأرض مصر بفرعون وبجميع عبيده وكل أرضه. 12- وفي كل اليد الشديدة وكل المخاوف العظيمة التي صنعها موسى أمام أعين جميع إسرائيل (2) . وبهذا يبطل القول: إنها بشارة بيوشع– عليه السلام – أو عيسى – عليه السلام – . وأما الدلالة الثانية من النص فهي قولـه "مثلك" ومشابهة الرسول  لموسى عليه السلام واضحة من حيث: 1- كون كل منهما عبدالله ورسوله، وكون كل منهما صاح شريعة مشتملة على الشرائع والأحكام ولكل منهما والدان وأزواج وذرية .. وأمرا بالجهاد (3) . 2- إن كل منهما قد أتى بمعجزات باهرة، وتحدى طواغيت الكفر، ومع هذا حفظهما الله، ونجاهما من القوم الكافرين. 3- حارب كل منهما أعداءه فنجاه الله منهم (1) انظر نبوة محمد في الكتاب المقدس، ص50. (2) سفر التثنية الإصحاح الرابع والثلاثون الفقرة10-12. (3) انظر إظهار الحق4/1122-1123، وماذا يقول الكتاب المقدس عـن محمـد لأحمـد ديدات، ص18-29.

عدد الصفحات ٣٩٥

374 أصول الاعتقاد في سورة يونس الدلالة الثالثة: قولـه: "من وسط إخوتهم"، وإخوة بني إسرائيل، هم أولاد إسماعيل، ولا يصح أن يقال إنهم بنو إسرائيل حيث لو كان هذا المراد لقال من أنفسهم (1) . الدلالة الرابعة: قولـه: "اجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به" وهذا دليل على إنزال القرآن، الذي هو كلام الله، على نبينا محمد  فبلغه أكمل تبليغ ولم يكتم منه شيئاً، وهذا يبطل قول اليهود إنها بشارة بيوشع عليه السلام لأنه لم يكن صاحب شريعة مستقلة بل كان تابعاً لشريعة موسى عليه السلام. الدلالة الخامسة: قولـه: "وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاماً لم أوصه أن يتكلم به أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي .."الخ وفي هذا بيان لحال المتنبل على الله بما لم يقله، وأنه يقتل، وبيَّن علامة النبي الصادق من الكاذب، فلو لم يكن محمد  صادقاً هل كان سيبقى دينه، ويعلو على الأديان مدة أربعة عشر قرناً وأربعمائة وألف عام، مع صدق ما أخبر به من أخبار الغيب التي وقعت بعد وفاته بسنين؟! وقد سلّم الكثير من علماء اليهود لعلمهم بصدقه وأعرض البعض بغياً وحسداً (2) . الثالثة: في الزبور الخامس والأربع1- فاض قلبي بكم صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك لساني قلم كاتب ماهر، 2- أنت أبرع جمالاً من بني البشر. (1) انظــر الوَفَــا بــأحوال المصــطفى صــلى الله عليــه وســلم، والإعــلام للقــرطبي (3/264 ) وإظهار الحق4/1118-1120.) (2) انظر إظهار الحق4/1124-1125.)

عدد الصفحات ٣٩٦

375 أصول الاعتقاد في سورة يونس انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الأبد. 3- تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار جلالك وبهاءك. 4- وبجلالك اقتحم، اركب من أجل الحق والدعة والبرف يك يمينك مخاوف نبلك المسنونة في قلب أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون. 6- كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيب استقامة قضيب ملكك. 7- احببت البر وأبغضت الإثم من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك. 8- كل ثيابك مروعود وسليخه، من قصور العاج سرتك الأوتار9- بنات ملوك بين حظايتك، جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير" (1) . ومن الأمور المسلمة عند أهل الكتاب، إن داود عليه السلام، بشّر بنبي يأتي من بعده وذكر أوصافه المتقدمة، وزعم النصارى أنه المسيح عيسى عليه السلام، وهي في الحقيقة والواقع منطبقة على نبينا محمد  (2) وبيان ذلك ما يلي: أولاً: ما ورد من ذكر صفاته  فقد كان من أحسن الناس وجهاً كما في الصحيحين عن البراء قال: "كان رسول الله  أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خلقاً ليس بالطويل البائن ولا بالقصير" (3) . (1) الزبور الخامس والأربعون الفقرة1-9. (2) انظر إظهار الحق4/1144.) (3 )رواه البخــاري في كتــاب المناقــب بــاب: صــفة الــن– صــلى الله عليــه وســلم، رقــم: 3356(3/1303)، ورواه مسلم في كتـاب الفضـائل بـاب صـفة الـن– صـلى الله عليـه وسلم رقم 2337(4/1818-1819) عن إسحاق بن منصور به بلفظ (الذاهب) بن لـ (البائن).

عدد الصفحات ٣٩٧

376 أصول الاعتقاد في سورة يونس وكذلك تقلد السيف فلا أحد تقلد السيف وجاهد بعد داود عليه السلام سوى محمد  وهو الذي تهاوت الأمم تحت قدميه ودخلت دينه أفواجاً (1) . وكذلك قولـه: "أحببت البر وأبغضت الإثم" فهذه من صفات رسول الله  . أيضاً قولـه "بنات الملوك بين حظايتك"، وبالفعل فقد صارت بنات الملوك خادمات للمسلمين وذلك بعد انهيار فارس والروم ومن هؤلاء شهر بانوبنت يزدجر (2 )كسرى، فارس، فقد كانت تحت الحسن بن علي – رضي الله عنهما. وهذه الأوصاف كلها لا تنطبق على عيسى عليه السلام كما يزعم النصارى حيث إنه لم يؤمر بالجهاد بل أمر بإغماد السيف في إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن عشر: "11- فقال يسوع البطرس اجعل سيفك في الغمد(3) . ولم تصر إليه بنات الملوك، ولم تحمل إليه الهدايا، بل صلب على زعم النصارى، وأهانوه (4) . الرابعة: في الإصحاح الرابع والخمسين من كتاب أشعياء ونصها "1- ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد أشيدي بال نم أيتها ال تمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب. 2- لإنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أمما ويعمر مدناً ضرباً (1) انظر الجواب الصحيح3/318-319.) (2 )"يزدجر آخر ملوك الأكاسرة وفي أيامه فتح العرب بلاده وقتل يزدجر سـنة11) في خلافـة عثمـان بن عفان وفتح المسلمون بلاد العجم" دائرة معارف القرن العشرين (7/180.) (3) إنجيل يوحنا الإصحاح الثامن عشر الفقرة11.) (4) انظر إظهار الحق4/1150-1153.)

عدد الصفحات ٣٩٨

377 أصول الاعتقاد في سورة يونس 4- لا تخافي لأنك لا تخزين– ولا تخجلي لأنك لا تستحين، فإنك تنسين خزي صباك وعار ترملك لا تذكرينه بعد" (1) . والدلالة في النص على عدة أوجه الوجه الأول: قولـه "ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد"، والعاقر هي مكة المكرمة، وليست (أورشليم) على زعم أهل الكتاب، لأن مكة لم يظهر فيها نبي من بعد إسماعيل – عليه السلام – بخلاف أورشليم التي ظهر فيها عدة أنبياء، وتشبيه مكة بالمرأة العاقر وهي التي لم يولد لها لهذا السبب (2) . الوجه الثاني: قوله "لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل". فأهل الكتاب يطلقون لفظ بني المستوحشة على أولاد هاجر – عليها السلام – لأنها سكنت في البر وأخرجت، أما ذات البعل فيقصدون بها سارة عليها السلام. وهذا النص وجد في كتبهم كما هو في سفر التكوين الإصحاح السادس عشر. "11- وقال لها ملاك الرب هاأنت حبلى فتلدين ابناً، وتدع اسمه إسماعيل لأن الرب قد سمع لمذلتك. 12- وأنه يكون إنساناً وحشياً، يده على كل واحد ويد كل واحد عليه، وأمام جميع إخوته يسكن"(3) . (1) كتاب: إشعياء الإصحاح الرابع والخمسون الفقرات1-4. (2) انظر الإعلام للقـرط3/278-279)، والجـواب الصـحيح3/327)، وإظهـار الحق (4/1160)، وانظر نبوة محمد في الكتاب المقدس، ص77. (3) سفر التكوين الإصحاح السادس عشر الفقرة11-12.

عدد الصفحات ٣٩٩

378 أصول الاعتقاد في سورة يونس فهذا خطاب لمكة المكرمة، بأنها ستحوذ على الفضيلة، والشرف، وسيكون خروج خاتم النبيين منها (1) . الخامسة(2) : ما جاء في إنجيل يوحنا في الإصحاح الرابع عشر (15- إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي16- وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. 17- روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم" (3) . وفي الإصحاح الخامس عشر 26- ومتى جاء المعزي الذي سأُرسِله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب فهو يشهد لي. 27- وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء(4) . وفي الإصحاح الرابع عشر من إنجيل يوحنا26- وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم" (5) . وفي الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنا7- لكني أقول لكم الحق إنه خير لكم أن انطلق لأنه إن لم انطلق يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. (1) انظر إظهار الحق4/1160-1161.) (2) وهذه من بشارات العهد الجديد والمراد به الأناجيل الأربعة (متى– مـر قس – ولوقـا – ويوحنا) والأسفار الملحقة بهـا أمـا مـا سـبق فهـو مـن العهـد القـديم عنـد أهـل الكتـاب (التوراة) وأسفار الأنبياء. (3) إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع عشر الفقرات15-17. (4) إنجيل يوحنا الإصحاح الخامس عشر الفقرة26-27. (5) إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع عشر الفقرة 26.

عدد الصفحات ٤٠٠

379 أصول الاعتقاد في سورة يونس 8- ومتى جاء ذلك يبكت العا على خطيه وعلى برٍ وعلى دينونه" (1) . وفي طبعات أخرى جاء بدل لفظ (المعزي) لفظ (فار قليط(2) . وجميع هذه النصوص تبشر برسول يأتي من بعد المسيح، والنصارى يزعمون أنه قد جاء ولهم تفسيرات باطلة حيث يقولون الأقانيم ثلاثة الأب، والابن والروح القدس، وهذا المعزي الذي أتى هو الأقنوم الثالث (3) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية– رحمه الله – : "وقد اختلف فيه، فمن النصارى من قال: هو روح نزلت على الحواريين، وقد يقولون: إنه ألسن نارية نزلت من السماء على التلاميذ، ولهذا يقول من خبر أحوال النصارى:أنه لم ير أحد منهم يحسن تحقيق مجيء هذا الفار قليط الموعود به. منهم من يزعم أنه المسيح نفسه، لكونه جاء بعد الصلب بأربعين يوماً .." ا.هـ (4) . والذي عليه المسلمون أنه بشارة ببعثة خاتم الأنبياء محمد والأدلة على صحة هذا ما يلي: 1- أن روح القدس لم تنزل على الأنبياء قبل المسيح وبعده، وهذه الصفات لا تنطبق عليها، ولم تسم بهذا الاسم، كما أنَّ ما بشر به المسيح أمر عظيم. (1) إنجيل يوحنا الإصحاح السادس عشر الفقرات7-8. (2) انظر إظهار الحق4/1185) أما الطبعة الـتي اعتمـدت علـى النقـل منهـا فكـان اللفـظ (المعزي) وهذا يعود إلى ما سبق بيانه من ترجمة النصارى للأسماء. (3) انظر نبوة محمد– صلى الله عليه وسلم – في الكتاب المقدس، ص98-99. (4) الجواب الصحيح4/9.)

عدد الصفحات ٤٠١

380 أصول الاعتقاد في سورة يونس 2- إن قولـه: "فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد فكلمة (آخر) تدل على أن هناك آخر قد سبقه مثله، وهذه الصفات تنطبق على رجل مشاهد للعيان، وليست روحاً لا ترى. كما أن قولـه "ليمكث معكم إلى الأبد" معلوم أنه لم يرد ذاته، بل هذا ينطبق على من يبقى ويدوم وتكون رسالته خاتمة الشرائع. 3- قولـه: "إن لم أنطلق لا يأتيكم" وهذا يدل على أنه لا يأتي إ بعد المسيح عيسى – عليه السلام – وهذا يبطل قول من قال: إنه المسيح نفسه. 4- قولـه: "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية" والرسول محمد  قد وبخ العالم على الخطيئة من كفر وشرك وعصيان، وأنكر التثليث، ودعا إلى التوحيد، وبيّن ما لله عز وجل من أسماء وصفات تليق بذاته، لا كما يقول أهل الكتاب، وبيّن ما يجب له من أنواع العبادة وفصَّلَ أمور الآخرة، بشكل لم يسبق إليه نبي قبله. 5- قولـه: "فهو يشهد لي، وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الابتداء". وتصديق ذلك في قوله تعالى:                                   [6] . والرسول– صلى الله عليه وسلم – قد صدق المسيح، ونزهه عما اف ى عليه أهل الباطل وما نسبت إليه اليهود، كما إنه نزهه من غلو النصارى، وقال فيه الحق الذي وصفه الله عز وجل به (1) . (1) انظر الجواب الصحيح4/9/17)، وإظهار الحق4/1191-1198.)

عدد الصفحات ٤٠٢

381 أصول الاعتقاد في سورة يونس 6- أما ما جاء في معنى (الفار قليط) و(المعزي) فجميع المصادر فسرته بأن معناه يدور حول الحمد فقال القرطبي – رحمه الله – (البار قليط) بالرومية: هو محمد بالعربية ا.هـ (1) . وقيل هو الحامد والحماد وهو أحمد، وهو محمد وكلها مشتقة من الحمد (2) لأن "اسم أحمد .. ينطق "بيركليت" في اللغة العبرانية "بيركليتوس" في اللغة اليونانية، والمسيح عليه السلام نطق اسم أحمد  بالعبرانية واليونانية(3) ، فحولت إلى فار قليط، وقيل معناه المخلص وادعى النصارى إن اللفظ اليوناني هو "باراكلي طوس" ومعناه: المعزي، والوكيل المعين، وهي على كلا المعنيين دليل على الإشارة بنبوة نبينا محمد  فعلى الأول: معناها محمد وأمته الحمادون الذين يحمدون الله في السراء والضراء. وعلى المعنى الثاني:هو المعز الذي أعز الله به أهل التوحيد والإيمان، وهو المخلص الذي جاء بشريعة الهدى والاستقامة، فخلص الناس من ربقة الشرك والعبودية لغير الله (4) . السادسة: ما جاء في الإصحاح الرابع من إنجيل متّى17- من ذلك الزمان ابتدأ يسوع يكرر ويقول توبوا لأنه قد اق ب ملكوت السماوات) وقولـه: (23- وكان يسوع يطوف كل الجليل يعلم مجامعهم ويكرز ببشارة الملكوت ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب) (5) . (1) الإعلام2/255.) (2) انظر الجواب الصحيح4/16.) (3) نبوة محمد– صلى الله عليه وسلم – في الكتاب المقدس، ص98. (4) انظر الجواب الصحيح4/16) وإظهار الحق (4/1190.) (5) إنجيل متّى الإصحاح الرابع الفقرة17.)

عدد الصفحات ٤٠٣