المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام

قذلة بنت محمد القحطاني

صفحة ٢٤ من ٣٩

350 أصول الاعتقاد في سورة يونس الثالث: ما احتوى عليه من أخبار الأمم البائدة، وقصصهم مما لا يمكن العلم به، ولا يوجد منه إلا أخبار يسيرة، عند بعض علماء أهل الكتاب على ما فيها من تحريف، ونقص، ونسبة الأفعال المشينة إلى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه (1) قال تعا                    [3] . وقولـه تعا                  [102]. وقوله                           [111]. وقولـه                       [49] . الرابع: ما تضمنه من الإخبار بما تكنه الضمائر كما في قوله تعا         [122] . وقوله تعا                 [8] . وقوله تعا         [95] . الخامس: المهابة والخشية التي تلحق بالقلوب عند تلاوته، تأثيره في النفوس، وعدم الملل من ترداده وتكراره، لهذا كان السبب في إسلام عدد من الصحابة عندما سمعوه. (1) سبق بيان شـبهة بعـض استشـرقين بـزعمهم أن محمـداً - صـلى الله عليـه وسـلم - تعلم من أهل الكتاب، ص 220 وما بعدها

عدد الصفحات ٣٧٢

351 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال تعالى:               [21] ، وقوله                [23] . السادس: الإعجاز في تشريعاته، وأحكامه، التي فاقت جميع النظم والقوانين. السابع: حفظ الله تعالى له، فلا يمكن لبشر أن يزيد فيه أو ينقص ولو رام ذلك مخلوق، لانكشف ذلك للعيان من سائر الناس. الثامن: إعجازه العلمي، وهذا يظهر من خلال دعوته للإنسان بالنظر والتأمل، وحثه على التفكير في خلق الله، قال تعالى:                  [101]. وقولـه تعا             [20-21]. يقول موريس بوكاي: "لقد أذهلتني دقة بعض التفاصيل الخاصة بهذه "الظواهر" وهي تفاصيل لا يمكن أن تدرك إلا في النص الأصلي، أذهلتني مطابقتها للمفاهيم التي نملكها اليوم عن نفس هذه "الظواهر" والتي لم يكن ممكناً لأي إنسان في عصر محمد أن يكوّن عنها أدنى فكرة.." ا.هـ (1) ويقول أيضاً: "وبفضل الدراسة الواعية للنص العربي استطعت أن أحقق قائمة أدركت بعد الانتهاء منها أن القرآن لا يحتوي على أية مقولة قابلة للنقد من وجهة نظر العلم في العصر الحديث"ا.هـ(2). (1) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص144-145. (2) المرجع السابق، ص13.

عدد الصفحات ٣٧٣

352 أصول الاعتقاد في سورة يونس وعدَّ بعض العلماء (1) الصرفة نوعاً من الإعجاز، وهذا لا يصح حيث إن الصرفة ليست إعجازاً، أما القول بالصرفة فقد قال به بعض المتكلمين ومن أشهر من عرف عنه هذا القول النظام (2) من المعتزلة حيث زعم "أن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ليس بمعجزة للنبي  ولا دلالة على صدقه في دعواه النبوة، وإنما وجه الدلالة منه على صدقه ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف.."(3). وأبو المعالي الجوي(4) ، وبعض القدرية، وابن حزم الأندلسي(5) . ومعنى هذا القول إبطال الإعجاز في النظم والتأليف والفصاحة والبلاغة، والزعم بأن عجز العرب عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن لأن قُدَرهم سلبت، ولأنهم صرفوا عن ذلك الأمر والقائلين بهذا القول على رأيين: (1) كأبي القاسم التيمي في كتاب الحجة على تارك المحجة1/350)، وكذلك أبو الحسـ الزيدي في كتاب إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ص28، حيث قال: "ويكفي في آيــة واحــدة مــن آيــات التحــدي أن يقــرع أسمــاعهم فكيــف يصــح أن يقــال: إنهــا لم تبلغهم، إلا أن يكون الله تعالى صرفهم عن سماعهـا ولـئن جـاز ذلـك، فالصـرف مـن عظيم المعجزات" ا.هـ وكذلك الرماني كما نقله السيوطي في الإتقان (2/263.) (2) إبراهيم بن سيار بن هانل البصري، أبو إسحاق النظّام: من أئمة المعتزلة تبحر في علوم الفلسفة واطلع على أكثر مـا كتبـه رجالهـا، وانفـرد بـآراء خاصـة تابعتـه فيهـا فرقـة مـن المعتزلة سميت "النظامية" وقد ألفت كتباً خاصة للرد على النظام فيها تكفير وتضـليل.." توفي سنة 231هـ، الأعلام للزركلي1/43)، وانظر تاريخ بغداد6/97)، والفرق بين الفرق للبغدادي، ص113 . (3) الفرق بين الفرق ص128، وانظر الانتصار للخياط، ص68. (4) انظر العقيدة النظامية، ص73-74، حيث صرح بهذا الرأي (5) انظر الفصل في الملل والنحل (3/27-29.)

عدد الصفحات ٣٧٤

353 أصول الاعتقاد في سورة يونس الأول: أن العرب صرفوا عن المعارضة بصارف خارج عنهم، فلم تكن لديهم قدرة على معارضة القرآن، وهذا قول النظام. الثاني: أن الله سبحانه وتعالى، سلب العرب علومهم، ومواهبهم في الفصاحة والبلاغة والبيان (1) . وهذا القول من أضعف الأقوال وأفسدها كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – (2) ويظهر بطلان وفساد هذا القول في الأوجه التالية: الأول: إن الله تعالى قال:                       [88] ولو كان الإعجاز بالصرفة، لكان لا فائدة من اجتماعهم، إذ هو بمثابة اجتماع الموتى، إذ قد سلبوا جميعاً القدرة على المعارضة. الثاني: إن إثبات هذا القول يلزم منه ألا يكون القرآن معجزاً، بل يكون المعجز هو الله عز وجل، ومعلوم أن الإجماع منعقد على إعجاز القرآن قبل ظهور القول بالصرفة كما نص على ذلك السيوطي (3) والقرط(4) – رحمهما ا– وغيرهم. الثالث: كما يلزم من هذا القول أن يزول الإعجاز بزوال زمن التحدي وهذا خلاف الإجماع (5) . (1 )انظر أعلام النبوة للماوردي، ص72، ومباحث في إعجاز القرآن لمصطفى مسلم، ص57. (2) انظر الجواب الصحيح4/75.) (3) انظر الإتقان2/255-256)، والخصائص الكبرى1/194.) (4) انظر الجامع لأحكام القرآن1/66.) (5) انظر الإتقان2/255-256.)

عدد الصفحات ٣٧٥

354 أصول الاعتقاد في سورة يونس الرابع: لو صح هذا القول، لوجد من أشعار العرب السابقة ما يضاهي القرآن، وهذا لم يكن (1) . الخامس: إنه يلزم منه أن يكون القرآن الكريم كسائر الكلام لا مزية له عليها بشيء، غير أنه لا يمكن معارضته، لأن الله عز وجل صرف قدرة العباد على ذلك. السادس: إن الله عز وجل وصف القرآن بأوصاف لا يمكن أن يوصف بها غيره، كقوله تعالى:                                [31] الآية وقوله:                                      [23]. وغير ذلك فدل على أن القرآن معجز بذاته. السابع: أنه ينبغي بناء على قولهم هذا أن يكون القرآن الكريم في أقل مراتب الفصاحة والبلاغة، حتى يكون العجز عن الإتيان بمثله أبلغ في التحدي. الثامن: ما ثبت بالتواتر بأن الدواعي لمعارضة القرآن موجودة، والهمم متحفزة إلى المعارضة، مع ما في نفوسهم من شدة العداوة لمحمد عليه الصلاة والسلام، والقرآن تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، ولو سلبت قدرهم وعلومهم لظهر لهم ذلك، ولجاز لهم أن يدّعوا أن هذا سحر ولقالوا كنا نستطيع ذلك ولكن حلت بيننا وبينه بسحرك. (1) انظـر إعجـاز القـرآن للبـاقلاني، ص52-53)، وص175-196، وانظـر لوامــع الأنوار (1/174.)

عدد الصفحات ٣٧٦

355 أصول الاعتقاد في سورة يونس التاسع: إن هذا القول يعود أصله إلى أقوال البراهمة (1) . العاشر: إن القول بالصرفة ينفي أن يكون للقرآن بذاته إعجازاً، ومعلوم أن معجزات الأنبياء السابقين كانت معجزة بذاتها، فلم يقدر أحد أن يعارضها أو يأتي بمثلها، فهل يعقل أن تكون معجزة محمد  الخالدة أقل قدراً مما سبقها من معجزات الأنبياء؟! الحادي عشر: إن هذا القول يشبه القول: إن القرآن سحر يؤثر، حيث إن غاية كلا القولين أن إعجازه أمر خارج عنه. الثاني عشر: ما ثبت من الروايات الكثيرة من تأثرهم ببلاغة ونظم القرآن بذاته، ولقد كان سماع القرآن الكريم سبب إسلام عدد منهم كعمر بن الخطاب – رضي الله عنه وأرضاه – وغيره. (1) كما ذكر الشيخ محمد أبو زهرة– رحمه الله – حيـث قـال: يقـول في ذلـك أبـو الريحـان البيروني في كتابه، ما للهند من مقولة مقبولة في العقل مرذ وله ما نصـه: "أن خاصـتهم يقولون في مقدورهم أن يأتوا بأمثالها، ولكنهم ممنوعون من ذلك اح اماً لها" ا.هـ. ثم عقب بقولـه: "ولم يبين البيرونـي وجـه المنـع أهـو منـع تكليفـي يسـبقه الإيمـان بهـذه الكتب، أم هو منع تكويني بمعنى أن برهما صرفهم بمقتضى التكوين عن يـأتوا بمثلـها، والأخير هو الظاهر لأنه هو الذي يتفق مع قول جمهور علمائهم، وما اشتهروا مـن أن القول بالصرفة نبع في واديهم" ا.هـ، القرآن المعجزة الكبرى، ص79. والبرهمية: ديانة من ديانات الهند القديمة، وهم يعتقدون وحدة الوجود والتناسـخ أي عودة الأرواح إلى الأجساد في الدنيا، وهم يقدسون البقـر ويحرمـون ذبحهـا لاع تقـادهم أن الأرواح الطاهرة تحل فيها، ويقدسون الثعابين والتماسيح، ومـن عوائـدهم إحـراق موتاهم، ومـن كتـبهم المقدسـة "الفيـدا" و"منافـا دار ماساسـ ا" و"ماهاباراتـا" و"رميانـا" و"دبور أنا" و"الفيدا" يحتوي فقـط علـى البرهميـة الأولى، وأمـا البورأنـا فيمثلـها مختلطـة بالتثليث والعقائد الخاصة بالإله فيشنو. انظر دائرة معارف القرن العشرين (2/159) وما بعدها

عدد الصفحات ٣٧٧

356 أصول الاعتقاد في سورة يونس الثالث عشر: لو قيل: إن إعجاز الكفار عن المعارضة كان لصارف ثبط عزائمهم وعاق قدرهم البيانية لنقل ذلك، ولكان من المشركين تظاهر بذلك، وادعاء بأنه ذلك في الإمكان، فلما لم يحصل منهم اجتماع أو تواطؤ على المعارضة دل على بطلان هذا القول. الرابع عشر: يلزم من هذا القول أن تنقص مقدرة العرب البيانية، عما كانوا عليه في الجاهلية، وينزل مستوى الشعر والنثر عما كان عليه، وهذا غير واقع. الخامس عشر: إن مثار إعجابهم، هو القرآن نفسه، بما حوى من ضروب الإعجاز، ولم يكن إعجابهم لعدم المعارضة (1) وبعد أن تب لنا بطلان القول بالصرفة، نعود للحديث عن إعجاز القرآن، فأقول: إنه من خلال تلك الوجوه مجتمعة، تظهر جوانب الإعجاز، ولا ينبغي القول: إن الإعجاز حصل بنوع دون سواه، لأن التحدي صريح في الإتيان بمثل القرآن (2) وجميع هذه الأوجه قد اشتمل عليها القرآن (1) انظر إعجاز القرآن للبـاقلاني53-54)، الشـفا1/373،530)، وأعـلام النبـوة للمــاوردي، ص72 ومــا بعــدها، والرســالة الشــافية في وجــوه الإعجــاز للجرجــاني (ص611-616)، والبدايــــة والنهايــــة6/81)، والجــــواب الصــــحيح4/75 ) والإتقـــان2/255-256)، والخصـــائص الكـــبرى1/194)، ولوامـــع الأنـــوار (1/174)، وإعجاز القرآن للرافعي53-54،146 وما بعدها، والمعجـزة الكـبرى لمحمـــد أبـــو زهـــرة 79-85، ومناهـــل العرفـــان2/310-312) و1/210- 216)، وإظهــار الحــق3/798-800)، ومباحــثإعجــاز القــرآن، ص57- 62. (2) ذكر الشيخ محمد أبو زهرة– رحمه الله – إن التحدي للعرب كان في الإتيان بمثل المنهج البياني للقرآن!! حيث يقول: ".. ولكن نرى أن الله تعالى تحدى العرب أن يأتوا بمثله ولو مف ى، فكـان التحدي للعرب ابتداء بالمنهج البياني للقرآن، وهو الذي اس عى ألبابهم ولعله لم تكن بلغت مداركهم العقلية والقانونية أن يعرفوا مدى ما في أحكام القرآن من تنظـيم سـليم ==

عدد الصفحات ٣٧٨

357 أصول الاعتقاد في سورة يونس قال الزركشي (1) – رحمه ا– : "قول أهل التحقيق: إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال لا بكل واحد عن انفراده، فإنه جمع كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق" ا.هـ (2) . وفي كثرة هذه الأوجه رد على زعم أن التحدي لا يكون إلا لمن هو في درجة من الصحافة، إذ إن الأوجه يش ك في إدراكها العام والخاص (3) . وهذا العجز يشمل الإنس والجن، فإن قيل: كيف لنا معرفة عجز الجن؟! فالجواب في عدة أوجه: منها: إن الله عز وجل أخبر بعجز الجن والإنس جميعاً مع اتحادهما، فالاف اق من باب أولى. ومنها: إنه قد رويت أشعار للجن، وقد حفظت وهي لا تتجاوز ما عند الإنس، بل قد تضعف عنها. ومنها: ما ذكره الله في القرآن من تعجب الجن لهذا القرآن في قوله:                         == للمجتمع.." ا.هـ. المعجزة الكبرى، ص95، وانظر ص94، وقوله هذا ما هـو إلا دليـل عليه، بل هو مخالف للآية (فليأتوا بحديث مثله) وهذا يشمل القرآن كله. (1 )بدر الدين أبو عبـدالله محمـد بـن بهـادر بـن عبـدالله المصـري الزركشـي الشـافعي الإمـام العلامة المصنف المحرر ولـد سـنة خمـس وأربعـين وسـبعمائة، كـان فقيهـاً أصـولياً أديبـاً فاضلاً توفي بمصر، سنة 794 شذرات الذهب6/335) وانظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (3/397-398). (2) البرهان في علوم القرآن2/106.) (3) انظر الإعلام للقرط3/326.)

عدد الصفحات ٣٧٩

358 أصول الاعتقاد في سورة يونس                  [29-30] وقوله                 [1] . ومن خلال هذه الأوجه يتبين عجزهم(1) . وأما آياته، وبياناته  غير القرآن فهي كثيرة، وقد أفردت فيها المصنفات الكثيرة، ومن ذلك: انشقاق القمر، وتكثير الطعام القليل، وانقياد الشجر وشهادته على نبوته  وحنين الجذع، وتسبيح الحصى في كفه الشريفة  واستجابة دعائه في كثير من المواطن، وتكليم البهائم والسباع، وسجودها له وتسليم الأحجار والأشجار عليه، ونبع الماء من بين أصابعه وقتال الملائكة معه يوم بدر، وما جرى لأتباعه من الكرامات التي هي دليل على نبوته  وغير ذلك كثير ولو لا خشية الإطالة لسردت الأحاديث والآثار في ذلك (2) . وقد نقل عن بعض المتأخرين(3) إنكار هذه المعجزات، والزعم بأن معجزته  خاصة في القرآن، وهذا القول يفضي إلى إنكار السنة (1) انظر إعجاز القرآن اللباقلاني، ص65، والمنهاج في شعب الإيمـان1/283)، وانظـر البرهان في علوم القرآن (2/111.) (2) انظــر دلائــل النبــوة للفريــابي، ودلائــل النبــوة لأبــي نعــيم الأصــبهاني، ودلائــل النبــوة للبيهقــي، والشــفا للقاضــي عيــاض، والوَفَــا لابــن الجــوزي، والشــمائل لابــن كــثير، والخصائص الكبرى للسيوطي، والصحيح المسند من دلائل النبوة لمقبل الوادعي. (3) من أمثال هيكل في كتابه حياة محمد، ومحمـد رشـيد رضـا في الـوحي المحمـدي، وقبلـها محمد عبده وتبعهم سليمان إبراهيم في كتابه محمد رسول الله حيث يقـول: "ولقـد آثرنـا بالاتفــاق مــع نصــوص القــرآن، وبالاتفــاق مــع علمــاء الإســلام للصــدر الأول، ومــع أصحاب الفكر الحـر مـن المعاصـرين كالشـيخ محمـد عبـده الـذائع الصـيت، أن نضـرب صفحاً عن جميع الخوارق التي نسـبت إلى الـنبي العربـي بعـد زمـن طو يـل مـن وفاتـه، والتي يبدو أن في نسبتها إليه ما يسلبه سيماه الحقيقية" ا.هـ، ص54.

عدد الصفحات ٣٨٠

359 أصول الاعتقاد في سورة يونس والطعن فيها، وهذا سبيل إلى إنكار أحكام الشريعة وتفاصيل الأحكام، إذ من روى لنا هذه المعجزات، هو الذي روى لنا الأحكام، لاسيما مع ما عُلم من اهتمام العلماء الأجلاء في تدقيق النصوص وتمحيصها، والحكم على الأسانيد وكثير منها قد تواتر نقله وقد نص على تواترها عدد من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – حيث قال: "ومنها ما هو متواتر يعلمه العامة والخاصة كنبع الماء من أصابعه، وتكثير الطعام، وحنين الجذع ونحو ذلك فإن كلا من ذلك تواترت به الأخبار، واستفاضت ونقلته الأمة جيلاً بعد جيل، وخلفاً عن سلف فما من طبقة من طبقات الأمة إلا وهذه الآيات منقولة مشهورة مستفيضة فيها"ا.هـ(1) . ونصَّ على تواترها– أيضاً – ابن حجر حيث قال – رحمه الله –: "ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يده  من خوارق العادات شيء كثير، كما يقطع بجود حاتم، وشجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت مورد الآحاد مع أن كثيراً من المعجزات النبوية قد اشتهر وانتشر ورواه العدد الكثير، والجم الغفير، وأفاد الكثير من القطع عند أهل العلم بالآثار، والعناية بالسير والأخبار .. بل لوادعي مدح أن غالب هذه الوقائع مفيدة للقطع بطريق نظري لما كان مستبعداً.." ا.هـ (2) . ثانياً: إثبات نبوته  من خلال النظر في أحواله  وصفاته قبل البعثة وبعدها: قال تعالى:                          (1) الجواب الصحيح4/227.) (2) فتح الباري6/673-674)، وانظر الرد عليهم مفصلاً في كتاب القول الفصل بـ الذين يؤمنون بالغيب والذين لا يؤمنون "بكامله للشيخ مصطفى حبري.

عدد الصفحات ٣٨١

360 أصول الاعتقاد في سورة يونس                                                    [15-17]. وفي هذه الآيات إثبات النبوة من عدة أوجه الوجه الأول: إنه عليه الصلاة والسلام جاء بالآيات البينات والعلامات الواضحات، التي لا يم ي فيها إلا معاند مكابر. الوجه الثاني: إن هذا القرآن هو من عند الله والأدلة على ذلك: 1- إن الن أخبر بذلك وهو الصادق الأمين الذي لم يؤثر عنه كذبه، وما كان يلقب إلا بالصادق، فهل يليق به أن يكذب على الله. 2- إن هذا القرآن لو كان من عنده لكان الأولى به أن ينسبه لنفسه(1) . الوجه الثالث: نشأته في قوم أميين، وهو أمي أيضاً لا يعرف الكتابة ولا القراءة ثم مكث على هذا الحال أربعين سنة، ثم جاء بهذا الوحي وهذا العلم وهذا قاطع بصحة نبوته وصدقه. الوجه الرابع: أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن قبل بعثته طالباً لشيء من هذه العلوم، ولا م دداً على أحد مما ينسب إليه العلم، وهذا معروف عند جميع أهل مكة قال تعالى:                      [16] . (1) قد سبق القول في ذلك مفصلاً في جواب الشبهة الثانية من شبه منكري الوحي.

عدد الصفحات ٣٨٢

361 أصول الاعتقاد في سورة يونس الوجه الخامس: أنه  تحمل في سبيل تبليغ دعوة الله الكثير من الصعاب، والمحن، فلم يغيره هذا عن منهجه وبقي ثابتاً، حتى أظهر الله دينه، ولو كان كاذباً لظهر فشله، وخذلانه. الوجه السادس: إن أخلاقه وصفاته، معروفة قبل البعثة، فلم يؤثر عنه قبيح قط، بل هو الصادق، الأمين، فكيف يلتبس أمره بأمر السحرة، والكهنة ، الذين هم من أخبث الناس سيرةً، وأرذلهم أخلاقاً(1) . : عن علي بن أبي طالب– رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله  يقول: "ما هممت بقبيح مما كان أهل الجاهلية يهمّون بها إ مرتين، الدَّهر، كلتاهما يعصمني الله عز وجل منها: قُلتُ ليلةً لفتى من قريش بأعلى مكة في أغنام لأهلنا نرعاها: انظر غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان، قال: نعم، فخرجت فجئت أدنى دار من دور مكة، سمعت غناءً وضرب دفوف وزمراً، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوج فلانة، لرجل من قريش تزوج امرأة من قريش، فلهوت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مسُّ الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ففعل، فخرجت، فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت حتى غلبتني عيني، فما أيقظني إلا مس الشمس ثم رجعت إلى صاحبي، فقال لي ما فعلت فقلت: ما (1) انظر إيثار الحق على الحلق، ص235-241.

عدد الصفحات ٣٨٣

362 أصول الاعتقاد في سورة يونس فعلت شيئاً، قال رسول الله  فوالله ما هممت بعدهما بسوء مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله عز وجل بنبوته" (1) . وعن عبدالله بن عمر– رضي الله عنه – عن رسول الله  أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذلك قبل أن ينزل على رسول الله  الوحي فقدم إلى رسولالله  سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال: إني لا آكل ما تذبحون على أنصابكم، ولا آكل إلا مما ذُكر اسم الله عليه" (2) . ثالثاً: إثبات نبوته من خلال ما أخبر به من قصص الأنبياء وأخبار السابقين: قال تعالى:                         [71] . وقوله           [74] . وقولـه                  [75]. وغيرها من قصص القرآن مما بيّن الله أخبارهم من الأنبياء وغيرهم كأصحاب الكهف، ومريم عليها السلام، والخضر عليه السلام، (1) رواه أبو نعيم في دلائل النبوة1/186)، وقال الهيثمـي في مجمـع الزوائـد "رواه البـزار ورجاله ثقات" ا.هـ (8/226.) (2 )رواه أحمــد في مســنده7/196-197) ط، دار العــارف، قــال الشــيخ أحمــد شــاكر "إسناد صحيح" ا.هــ ( 7/196)، ورواه أيضـاً عـن ابـن عمـر رضـي الله عنـه3/116- 117.)

عدد الصفحات ٣٨٤

363 أصول الاعتقاد في سورة يونس والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها وقد بينت في جواب الشبهة الثالثة(1) إن رسول ا لم يتعلم هذا من أهل الكتاب، بل كل ما عندهم في هذا محرف، وفيه نسبة أعمال لا تليق بالأنبياء من محض اف اءاتهم على أنبياء الله. فلو لم يكن محمد  نبياً مؤيداً من عند الله هل كان يستطيع أن يأتي بمثل هذه القصص، وهو الأمي الذي لم يتعلم قط؟!. (1) انظر ص220-232.

عدد الصفحات ٣٨٥

364 أصول الاعتقاد في سورة يونس رابعاً: إثبات نبوته  بإثبات وجود جنس الأنبياء ابتداء قال تعالى:                [47] وقوله تعالى بعد أن قصَّ قصة نوح عليه الصلاة والسلام:                          [37]                          [74] وقوله                          [94]. وقوله                              [102-103] . ويقول تعالى في سورة أخرى                             [163] وقوله           [10]. وقولـه                     [43] . وقوله                     [15-16].

عدد الصفحات ٣٨٦

365 أصول الاعتقاد في سورة يونس فقصص هؤلاء الأنبياء معروفة، وآثارهم قائمة، وكثيرون من أهل الكتاب يؤمنون بنبوة الأنبياء قبل محمد  وهؤلاء الرسل جميعاً من جنس واحد أولاً. وثانياً: إن نبوته  أوضح ممن قبله كما سبق البيان ثالثاً: إن إنكار نبوته يؤدي إلى إنكار نبوة من سبقه من الأنبياء لأن العلم بهم إنما كان عن طريقه. رابعاً: إنه قد علم اتفاق الأنبياء فيما يدعون إليه، من غير تواطؤ ولهذا قال ورقة بن نوفل (1) عندما جاءته خديجة رضي الله عنها وأرضاها وذكرت له قصة رسول الله  عند بدء نزول الوحي عليه فقال: ".. هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله  : "أو مخرجي هم"، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً . الحديث (2) . فإذا علم ذلك ثبتت نبوته ولهذا أسلم مشركو العرب، لما ظهر من دلائل صدقه عليه الصلاة والسلام (3) . (1) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى مـن قصـى القرشـي الأسـدي، مـن قـريش حكـيم جاهلي، اعتزل الأوثان قبل الإسلام، وامتنـع مـن أكـل ذبائحهـا وتنصـر، وقـرأ كتـب الأديــان، أدرك أوائــل عصــر النبــوة، ولم يــدرك الــدعوة، وهــو ابــن عــم خديجــة أم المؤمنين، ذكره الطبري والبغوي وابن قـانع وابـن السـكن وغيرهـم في الصـحابة، انظـر الإصابة (6/317-318) وانظر الأعلام8/114-115.) (2) سبق تخريجه، ص226. (3) انظــر النبــوات، ص34-35، وص51، وشــرح العقيــدة الأصــفهانية152-153 والفوائد ص19.

عدد الصفحات ٣٨٧