المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام

قذلة بنت محمد القحطاني

صفحة ٢٠ من ٣٩

289 أصول الاعتقاد سورة يونس  (1 )كما إن الإيمان بالرسل يشمل الاعتراف بذلك باللسان، واتباعهم فيما يدعون إليه والإيمان بأن شريعة محمد  ناسخة لجميع الشرائع وأنه  خاتم الرسل والأنبياء، ورسالته عامة لجميع الإنن والجن. قال تعالى:                               [285] . وقوله                                                     [150-152] . وجاء في حدي أبي ذر أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر (2) والحاجة إليه ماسة، وحاجة البشرية إليهم أشد من حاجتها إلى الطعام والشراب، بل أشد من حاجتها إلى الهواء الذي تتنفسه، وذلك لأنهم رسل كرام جاؤوا بما فيه صلاح العباد، من أطاعهم نجا، ومن خالفهم خسر، سبيلهم هي سبيل الرحمن، وحزبهم هو حزبه. (1) انظر عقيدة المؤمن ص280-281.) (2) الحدي رواه أحمد في مسنده5/178،179،265)، وقال ابن حجر– رحمه الله - : صححه ابن حبان ا.هـ فتح البـاري ( 6/416)، وقـال القـرط– رحمـه الله – بعد أن ذكر هذا الحـدي : "هـذا أصـح مـا روي في ذلـك، خرجـه الآجـري وأبـو حـاتم البستي في المسند الصحيح لـه" ا.هــ الجـامع لأحكـام القـرآن ( 6/19) والحـدي ضـعفه آخرون كالعراقي وغيره، انظر لوامع الأنوار (2/264.)

عدد الصفحات ٣٠٧

290 أصول الاعتقاد في سورة يونس دلائل النبوة: وقد أيدهم الله تعالى بآيات بينات هي دلائل صدقهم إذ محال أن يؤيد الله من يدعي الكذب عليه، وفي سورة يونن – عليه السلام – نجد الحدي عن النبوة والأنبياء وآياتهم ففي بداية السورة قوله تعالى:                                    [1-2]. . وفي بيان مصير مكذبي الرسل يقول تعا                                [4] وقوله                                                                             [7-11]. وقولـه                    [13]. وقوله تعا                  [17].

عدد الصفحات ٣٠٨

291 أصول الاعتقاد سورة يونس وفي تعنت المشركين وطلبهم الآيات يقول تعالى:                    [20]. وفي إثبات الرسل يقول جل وع                [47]. وقوله                          [ونن74]. إلى غير ذلك مما قصه الله في هذه السورة الكريمة من قصص الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه. ومن دلائل النبوة التي وردت في السورة ما يلي: أولاً: تأييد الله لرسله بالآيات والبراهين الدالة على صدقهم. ثانياً: صفات الرسل وأخلاقهم وبيان الصدق فيما يدعون إلي ه. ثالثاً: اتفاق دعوة الرسل. رابعاً: نصر الله عز وجل لهم وإهلاك عدوهم. خامساً: بشارة النبي السابق بالنبي اللاحق (1) . وأستعين بالله تعالى في بيانها وتفصيلها أولاً: تأييد الله لرسله بالآيات والبراهين الدالة على صدقهم قال تعالى:                    [13]. (1) انظر الرسل والرسالات للأشقر ص119-120.

عدد الصفحات ٣٠٩

292 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقوله:                                         [74-75]. وتسمى دلائل الأنبياء آية، وبينة، وبرهاناً، ومعجزة، والآية اللغة "العلامة الظاهرة" (1) . وأما البينة فهي بمعنى الإيضاح "بان بياناً: اتضح فهو بين .. وبَيَّنتُه وتبينته وأبنته واستبينته: أوضحته وعرفته .." (2) . وأما البرهان فهو: "الحجة الفاصلة البينة، يقال: برهن، يبرهن برهنة إذا جاء بحجة قاطعة للدد (3) الخصم، فهو مبرهن(4) وأما لفظ المعجزة فلم يرد في الكتاب ولا السنة، وهو مأخوذ من العجز "أعجزه الشيء فاته وفلانا: وجده عاجزاً، وصيره عاجزاً، والتعجيز: التثبيط والنسبة إلى العجز" (5) قال شيخ الإسلام بن تيمية – رحمه الله – "ويسميها من يسميها من النظار معجزات، وتسمى دلائل النبوة، وأعلام النبوة ونحو ذلك. (1) بصائر ذوي التمييز2/63.) (2) القاموس المحيط، ص1526. (3) الألـد: الخصــم الجــدل الشــحيح الـذي لا يزيــغ إلى الحــق، لســان العــرب 3/390- 391.) (4) لسان العرب13/51) مادة (رهن (5) القاموس المحيط، ص663.

عدد الصفحات ٣١٠

293 أصول الاعتقاد سورة يونس وهذه الألفاك إذا سميت بها آيات الأنبياء، كانت أدل على المقصود من لفظ المعجزات ولهذا س يكن لفظ (المعجزات) موجوداً في الكتاب والسنة، وإنما فيه لفظ (الآية)، و(البينة)، و(البرهان) ا.هـ (1) . وقال القرط– رحمه الله – إن في تسميتها بالمعجزات تجوز، ثم قال: "إن المعجز على التحقيق إنما هو خالق العجز، وهذه الأسباب التي يقع العجز عندها تسمى معجزة، بالتوسع، وذلك من تسمية الشيء باسم غيره إذا جاوزه، أو كان معه بسبب" ا.هـ (2) . أما تعريف هذه الآيات في الاصطلاح فقد كثر الاختلاف تعريفها، وشروطها: فعرفها القاضي عبدالجبار: "الفعل الذي يدل على صدق المدعي للنبوة وشبهه بأصل اللغة، هو أن ال بشر يعجزون عن الإتيان بما هذا سبيله فصار كأنه أعجزهم" ا.هـ واشترم لها أربعة شروم: أحدها: أن يكون من جهة الله تعالى. الثاني: أن يقع هذا الفعل بعد دعوى النبوة، فلو وقع قبلها س يكن دلالة على الصدق. الثال : أن يقع مطابقاً لما ادعى. الرابع: أن يكون خارقاً لعاد ة من دعاهم (3) . ولهذا أنكر المعتزلة خوارق السحرة، إذ لا فرق بينها وبين آيات الأنبياء عندهم (4) . (1) الجواب الصحيح4/67.) (2) الإعلام2/239.) (3) انظر المرجع السابق، ص569-571. (4) انظر المغني للقاضي عبدالجبار15/259-260.)

عدد الصفحات ٣١١

294 أصول الاعتقاد في سورة يونس وعرفها القاضي الباقلاني (1) بقولـه: "الإعجاز إنما هو في إقدار ا سبحانه وتعالى لهم على ما يقدرهم عليه من هذه الأمور ومنع غيرهم منه وخرق العادة بتمكينهم من ف عل كثير هذه الأجناس على وجه س تجر العادة بالإقدار على مثله، حتى يختص بذلك كون المعجز في مقدورات القديم سبحانه التي ينفرد بها" ا.هـ (2) واشترم لها شروطاً كهرت في التعريف السابق وهي كما يلي: 1- "أن تكون آياتهم من أفعال الله سبحانه وتعالى التي ينفرد بالقدرة عليها دون سائر خلقه .. أو بأن تكون من مقدوراته ومن الجنن الذي يقدر العباد على مثله إذا وقع منهم على وجه يخرق العادة. 2- أن يكون ذلك الشيء، مما يخرق العادة وينقضها 3- أن يكون غير الن ممنوعاً من إكهار ذلك على يده على الوجه الذي كهر عليه ودعا إلى معارضته مع كونه خارقاً للعادة. 4- أن يكون واقعاً مفعولاً عند تحدي الرسول  ، بمثله وادعائه آية" (3) . وقد اشترم هذه الشروم أيضاً بعض المتكلم (4) . فجعلوا الفرق بين آيات الأنبياء وخوارق غيرهم من السحرة، والكهان ونحوهم – هو خرق العادة، ودعوى النبوة، والتحدي، فلو (1) محمد بن الطيـب بـن محمـد، أبـو بكـر القاضـي المعـروف بـابن البـاقلاني، المـتكلم علـى مذهب الأشعري من أهل البصرة سكن بغداد، وسمع بها الحدي ، له تصانيف كـثيرة في الرد على المخالفين من الرافضة، والمعتزلة، والجهمية والخوارج توفي سـنة 402هــ، تاريخ بغداد (5/379-381)، وانظر الأعلام6/176.) (2) البيان عن الفرق بين المعجزات والكرامات والحيل والكهانة والسحر، ص35-36. (3) المرجع السابق، ص45-46 (باختصار) والأرقام من وضعي (4) انظر النبوات، ص234.

عدد الصفحات ٣١٢

295 أصول الاعتقاد سورة يونس كهرت آية من تلك الآيات على يدي بشر، وس يتحد، أو يدعي النبوة، س تكن آية، فإن تحدى وادعى النبوة كانت آية، وعلى هذا فلا فرق بين الكاذب والصادق في دعوى النبوة. والصحيح ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، من أن آيات الأنبياء لا يشاركهم فيها غيرهم وعرفها بقوله: "آيات الأنبياء هي التي تعلم أنها اتصة بالأنبياء، وأنها مستلزمة لصدقهم، ولا تكون إلا مع صدقهم، وهي لابد أن تكون خارقة للعادة، خارجة عن قدرة الإنن والجن، ولا يمكن أحدٌ أن يعارضها، لكن كونها خارقة للعادة ولا تمكن معارضتها هو من لوازمها لين هو حداً مطابقاً لها، والعلم بأنها مستلزمة لصدقهم قد يكون ضرورياً كانشقاق القمر، وجعل العصا حية، وخروج الناقة" ا.هـ (1) . وأما خرق العادة فلا يصح شرطاً لوجه أحدهما: إن العادة أمر نسبي لا ينضبط، فقد يكون الأمر عادة عند قوم دون غيرهم. الثاني: أن هذا لا يختص بالأنبياء، فقد يشا ركهم فيه غيرهم، كالساحر مثلاً يأتي بما هو خارق لعادة من يشاهده ولا يستطيع الحاضرون معارضته، مع إن هذا الأمر لين خارقاً لعادة السحرة أمثاله(2) ، كما أبطل شيخ الإسلام– رحمه الله – شرم من يقول إن الفرق هي دعوى النبوة وعدم المعارضة من أوجه: (1) النبوات ص308. (2) انظر المرجع السابق، ص34، وانظر الجواب الصحيح4/261) وما بعدها

عدد الصفحات ٣١٣

296 أصول الاعتقاد في سورة يونس أحدها: إنه إذا كان الفرق هو دعوى النبوة فقط فلين هناك حاجة إلى أن يقال: إن ما جاء به النبي جنسه غير مقدور عليه إلا من قبل الرب عز وجل، لأنه قد يشاركه فيه غيره من السحرة والكهان. الثاني: إن آيات الأنبياء على قولهم هذا، س تتميز بصفة تختص بها، إنما تكون آية إن اقترنت بدعوى ال نبوة، وإلا فلا، فالدليل والبرهان يكون دليلاً إن استدل به وإن س يستدل به فلين دليلاً وهو باطل من وجوه منها: إن القول بمساواة آيات الأنبياء مع سحر السحرة وأضرابهم قول في غاية الفساد والبطلان. ومنها: إن هذا القول يعد قدحاً في الأنبياء. ومنها: إنه بناء على هذا القول، يمكن للساحر أن يدعي النبوة، إذ إن الدليل على النبوة أصبح مقدوراً للعبد. الثال : هناك من الأشخاص من ادعى النبوة كاذباً، وجرى على يديه بعض الخوارق، وس يعارض، ومع ذلك عرف الناس كذبه، س يصدقوه كما في مسيلمة الكذاب (1) ، و الأسود العنسي(2) .. وغيرهم. (1) مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، أبو ثمامة: متنبـئ، مـن المعمـرين ولد ونشأ باليمامة .. وتلقب في الجاهلية بالرحمن، عرف برحمان اليمامة، ادعى النبوة وأتى بكلام يضاهي به القرآن وحاربهم أبو بكر الصديق وقتل مسليمة سنة 12هـ انظـر الأعلام (7/226)، وشذرات الذهب1/23.) (2) "عيهلة بن كعب عوف العنسي المذحجي، ذو الخمار، متنبئ مشعوذ، من أهل اليمن، كان بطاشاً جباراً. أسلم يوم أسلمت اليمن، وارتد في أيام النبي صلى الله عليـه وسـلم فكــان أول مرتــد في الإســلام وادعــى النبــوة، ورأى قومــه أعاجيــب اســتهواهم بهــا .. وجاءت كتب رسول الله صلى الله عليه وسـلم إلى مـن بقـى علـى الإسـلام في الـيمن، بالتحريض على قتله فاغتاله أحدهم في خبر طويل (ورواه ابن الأثير، وكـان قتلـه قبـل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم – بشهر واحد ..) الأعلام (5/111.)

عدد الصفحات ٣١٤

297 أصول الاعتقاد سورة يونس الرابع: إن قولهم هذا يلزم منه أن تكون آية النبي هو صرف الناس عن المعارضة سواء كان فعله خارقاً أو غير خارق. الخامن: إنه يلزم منه أيضاً أن يقال في القرآن الكريم إنه بالإمكان الإتيان بمثله ممن س يدع النبوة ويتحدى، أو يقال إن التحدي في الإتيان بمثله خاص بمن ادعى النبوة، وقن على ذلك سائر المعجزات، وهذا معلوم بطلانه (1) . السادس: إن آيات الأنبياء دليل وبرهان على صدقهم، ولا يشترم فيها الاستدلال بها أو التحدي، ومن أمثلة ذلك نبع الماء بين رسول الله  وتكثير الطعام، وغيرها إنما كان لحاجة المسلمين، وس يتحد بها(2). وخوارق السحرة لا تشتبه بآيات الأنبياء لما بينها من الفروق، قال تعالى:                    [69] . وقولـه تعا              [76]. وقولـه                     [81]. وقد سبق بيان الفرق بينهما(3) . وكذلك الكرامات بينها وبين آيات الأنبياء فروق منها: 1- إن الكرامة لا تصل إلى درجة آيات الأنبياء، فهي أقل منها (1) انظر النبوات ص63-73، وسيأتي الرد على المعتزلة في نفيهم الكرامـات في الفصـل الرابــع مــن هــذا البــاب، إن شــاء الله تعــالى، انظــر ص 36-73، وســيأتي الــرد علــى المعتزلة في نفيهم الكرامات في الفصل الرابع من هذا الباب – إن شاء الله تعـالى – انظـر ص 364، وما بعدها (2) انظر النبوات، ص180. (3) انظر ص213-214.

عدد الصفحات ٣١٥

298 أصول الاعتقاد في سورة يونس 2- إن الكرامة من معجزات الأنبياء، ودليل على صدقهم، وإنما نال الشخص الكرامة بحسن اتباعه لطريق الأنبياء، وهو غير معصوم(1) . 3- إن الولي لا يدعي النبوة، ولو ادعاها لكان كذاباً زنديقاً ومحال أن تجري على يديه الآيات، بل هي أحوال شيطانية. 4- إن الكرامة قد تكون استدراجاً لصاحبها، بخلاف آيات الأنبياء فهي دليل على صدقهم ونبوتهم. 5- إن الكرامةيظهرها صاحبها في الغالب (2) . 6- ليست شرطاً في إثبات النبوة 7- لا تكون خارقة لعادة الصالحين، بل كثيراً ما تقع لأولياء ا في جميع الملل (3) . والآيات ليست وحدها دليلاً على النبوة، بل هي من دلائل النبوة(4) ، وإنما النبوة تعلم من أمور أخرى ستأتي– إن شاء الله – وهي نوعان: 1- جنن في نوع العلم 2- جنن في نوع القدرة والرب تعالى يعطي من عباده من هذين الأمرين ما يشاء، وما يناله الأنبياء من العلم خارج عن مقدرة غيرهم من الإنن والجن، وكذلك القدرة (5) . ولهذا فآيات الأنبياء نوعان (1) انظر النبوات، ص19. (2) سيأتي– إن شاء الله – مزيد بيان في الفصل الرابع انظر ص333 وما بعدها (3) انظر النبوات، ص443. (4) انظر شرح الرسالة الأصفهانية، ص88 وما بعدها (5) انظر النبوات، ص23، وانظر موع الفتاوى11/312.)

عدد الصفحات ٣١٦

299 أصول الاعتقاد سورة يونس الأول: ما كان من باب العلم كالاطلا ع على بعض أمور الغيب مثل ما أخبر به الرسول – صلى الله عليه وسلم – من أخبار، وعلوم تتعلق بأحداث مستقبلية حصلت في حياته وبعد مماته، ومثل ما أنبأ به من أنباء الأمم الهالكة، من ذلك أيضاً إخبار عيسى – عليه السلام – لقومه بما يأكلون، وبما يدخرون في بيوتهم .. إلى غير ذلك. ثانياً: ما كان من باب القدرة: مثل انشقاق البحر لموسى حينما ضربه بعصاه، وكتظليل الغمام، ومثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى – عليه السلام – ومثل انشقاق القمر لنبينا محمد  وتكثر الطعام، ونبع الماء من ب أصابعه الشريفة .. الخ. ومن الآيات ما مضى، ووصل إلينا خبره، كآيات الأنبياء – عليهم صلوات الله وسلامه – ومنها ما هو باق إلى قيام الساعة، كالقرآن الكريم، الذي هو معجزة خالدة، وآية باقية إلى قيام الساعة. وكالعلم والإيمان الذي في أتباع محمد  ، وأيضاً ما يخرق من العادات للأولياء والصالحين من أتباعه – عليه الصلاة والسلام – وأيضاً علو هذا الدين وكهوره مهما حاول الأعداء إطفاء نوره، وإهلاك كل من ناوءه ورام الوقوف ضده (1) . ثانياً: صفات الرسل وأخلاقهم وبيان الصدق فيما يدعون إليه إن المتأمل في حياة الرسل والأنبياء ودعواتهم، ليرى ما كانوا عليه من علو الهمة، والأمانة، والصدق، والترفع عن سفاسف الأمور، كما يرى ما جبلوا عليه من الحلم والصفح، والصبر على الشدائد وحفظ (1) انظر الجواب الصحيح4/70-71.)

عدد الصفحات ٣١٧

300 أصول الاعتقاد في سورة يونس العهد وهم بشر يأكلون، لكن الله اصطفاهم وشرفهم بالرسالة، قال تعالى:                             [2]. وفي بيان الصدق فيما يبلغون، يقول تعالى:                                         [15]. وقوله تعا                [53]. والرسل– عليهم صلوات الله وسلامه – من أزهد الناس في متاع الدنيا، وعرضها الزائل، فهم لا يريدون على دعوتهم جزاءً ولا شكوراً، قال تعالى مبلغاً عن نوح – عليه السلام – :             [29] . ولا أدل على ذلك من تلك العروض السخية التي كانت قريص تعرضها على رسول الله  (1) رغبة منهم في استجابته لمطالبهم، وترك ما يدعو إليه والأنبياء – عليهم صلوات الله وسلامه – من أشد الناس بلاءً عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً، قال: "الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه (1) انظر دلائل النبوة للبيهقي2/202-204.)

عدد الصفحات ٣١٨

301 أصول الاعتقاد سورة يونس خطيئة" (1) فلو س يكن الله اصطفاهم وكلفهم بهذا، أكانوا يتشجمون(2) هذه الصعاب؟!! على الناس؟! ليكون ذلك سبباً إلى منافرتهم وقتالهم!!. وخصائص النبوة أربعة: الأول: الكمال الخَلقي والخُلقي: ويعني أن الرسول يكون من أكمل قومه خُلقاً وخَلقاً، ونسباً وعقلاً، فلم يأت نبي به عاهة أو بذاءة، أو دناءة في نسبه، وذلك لأنه رسول رب العالمين والرسول على قدر المرسل، قال تعالى:        [124] . الثاني: الفضيلة الإكرامية، ويقصد بها ما يكرمه الله عز وجل من الكرامات التي تقوي قلبه وتشحذ عزمه للقيام بهذه المهمة كما أيد الله موسى – عليه السلام – بأن أرسل معه هارون وزيراً، وحل عقدة من لسانه. الثال : إنزال الكتب عليهم، والكتب التي يأتي بها الرسل مشتملة على الهداية والنور. الرابع: العصمة، المراد بها أنهم لا يقرون على الخطأ (3) وهم معصومون فيما يبلغون عن الله تعالى إجماعاً (1) أما في غير ما يتعلق (1) رواه الترمــذي في كتــاب الزهــد، بــاب مــا جــاء في الصــ علــى الــبلاء رقــم: 2400 (7/124)، وقال: (هذا حدي حسن صحيح) ا.هـ ورواه ابن ماجة في كتاب الزهد، باب الصبر على البلاء رقم: 4023 (2/1334) عن مصعب بن سعد، ورواه الإمـام أحمد في مسنده (1/172) عن مصعب بنحوه، ورواه الدارمي باب: أشد الناس بلاء (2/412) عـــن عاصـــم بنحـــوه، و انظـــر السلســـلة الصـــحيحة حـــدي رقـــم: 143 (1/53-54.) (2) "جَشَمَ الأمر، بالكسر، يَجشَمُه وجشامةً وتجشَّـمه: تكلففَـه علـى مشـقة" لسـان العـرب (12/100.) (3) انظر مقدمة دلائل النبوة للأصبهاني، ص34-36.

عدد الصفحات ٣١٩

302 أصول الاعتقاد في سورة يونس بالتبليغ ففيه خلاف، قال شيخ الإسلام – رحمه الله – : "وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع، هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها أم هل العصمة إنما هي في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القو ل بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟ .." (2) . والذي عليه سلف الأمة وتشهد له الأدلة عصمتهم من الكبائر دون الصغائر، قال شيخ الإسلام – رحمه الله – "القول بأن الأنبياء معصومون من الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام، وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام .. وهو أيضاً قول أكثر أهل التفسير والحدي والفقهاء، بل س ينقل عن السلف والأئمة والصحابة، والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول" (3) ا.هـ ومن هنا فمن ادعى النبوة فسرعان ما يظهر عواره، ويتضح كذبه، حتى ولو جرت على يديه من الخوارق الشيطانية ما جرى، لأن سنة الله جارية في كشفهم، وهزيمتهم، وهناك من الفروق بين النبي والمتنبي، فروقٌ واضحة يدركها كل ذي بصيرة ومنها: 1- ما يتعلق بالصفات: فصفات النبي هي الصدق، والنزاهة والدعوة إلى التوحيد، وصفات المتنبي الكذب، والخيانة، ولهذا لما == (1) انظــر الشــفا 2/746)، و مــوع الفتــاوى 10/291)، ومنهــاج الســنة 1/470- 471) ولوامع الأنوار2/304.) (2) مــوع الفتــاوى10/292-293)، وانظــر الشـــفا 2/735 ومــا بعــدها، وانظـــر العقيدة الإسلامية وأسسها، ص385-386. (3) موع الفتاوى4/319) وانظر للاستزادة موع الفتاوى10/293-313.)

عدد الصفحات ٣٢٠

303 أصول الاعتقاد سورة يونس ذهب أبو سفيان إلى الشام والتقى مع هرقل (1) ودار بينهما الحدي المعروف وفيه، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: وس تمكن كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة .." الحدي (2) فقريص كلهم س يكونوا يشكون في صدقه  وكان يلقب بالصادق الأمين، فهل كان سيترك الكذب على الناس ثم يكذب على الله حاشاه!! 2- فيما يتعلق بالأخبار والأوامر والنواهي النبي لا يأتي إلا بما صح وتبين صدقه من الأخبار، ولو جاء بخبر وتبين كذبه، لرد خبره وعرف أنه لين بنبي قال الله تعالى:                          [37] وقوله                         [44-47]. وقولـه              [24]. وكذلك الأوامر والنواهي فهم لا يأمرون إلا بالحق، وبما فيه صلاح البشرية قال تعالى:           (1) اسمه هرقل، ولقبه قيصر، ملك الـروم، أرسـل عليـه الرسـول صـلى الله عليـه وسـلم دحيــة الكلــبي ليــدعوه للإســلام، فــدعا البطارقــة والقساوســة فاستشــارهم، فــأبوا الإسلام، فخاف على ملكه وبقي على النصرانية، انظر البداية والنهاية (5/14.) (2) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليـه وسلم رقم 7 (15/7-9) ورواه مسلم في المغازي باب كتـاب الـنبي صـلى الله عليـه وسلم إلى هرقل، رقم 1773 (3/1393-1397.)

عدد الصفحات ٣٢١

304 أصول الاعتقاد في سورة يونس                                     [151] . وتأمل هذا مع ما جاء به مسيلمة الكذاب من قوله والشاء وألوانها، وأعجبها السود ألبانها، والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تمجعون (1) وقوله: "يا ضفدع ابنة ضفدع، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين" (2) . فهل يشك في ذلك عاقل، وأي كلام هذا؟! وأي خبر؟! على ما فيه من سخف وركاكة، ولهذا روى ابن جرير أن أبا بكر الصديق لما قدم عليه وفد من بني حنيفة قال لهم: "سبحان الله! ويحكم إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر فأين يذهب بكم!" (3) . 3- فيما يتعلق بالآيات فآيات الأنبياء لا يمكن معارضتها، ولا الإتيان بمثلها، بخلاف غيرهم ومدعي النبوة خوارقه من جنن خوارق السحرة والكهان، وهي تعارض وتبطل بالآيات القرآنية (4) والله عز وجل لا يؤيد من كذب عليه، وأبطل شرائعه، ولهذا روي أنه كان إذا جيء لمسيلمة (1) تاريخ الأمم والملوك4/102.) (2) المرجع السابق ونفن الجزء والصفحة (3) المرجع السابق4/118.) (4) انظر الجواب الصحيح1/149-150.)

عدد الصفحات ٣٢٢