المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام

قذلة بنت محمد القحطاني

صفحة ١٨ من ٣٩

257 أصول الاعتقاد سورة يونس الغيران المجاورة للمدينة حي كان نهباً للأحلام ا لقوية، والرؤى الدينية وتملكه شعور بأن الله يدعوه بقوة تزداد شيئاً فشيئاً ليذهب إلى قومه منذراً إياهم بما يؤدي بهم ضلالهم من الخسران المبين، وبكلمة واحدة، أحن بقوة لا يستطيع لها مقاومة تدفعه إلى أن يكون مربياً لشعبه، أي "منذره ومبشره" ا.هـ (2) . والرد عليهم من خلال هذه الآيات من عدة أوجه. الأول: في قولـه تعالى:                         [15]. وهذا نص قاطع بأن ما نزل عليه من الوحي لين من عنده، ولا يد له في وضعه: وصدق هذا يتبين من خلال: 1- عجزهم عن الإتيان بمثله، مع تحديهم بذلك كما سيأتي بيانه(3)، ولو كان من وضع البشر لأمكن مضاهاته، ومحمد  بشر مـن البشر، فكيف يقدر على ما عجز عنه البشر، فهو لا يقدر إلا على ما أقدره عليه ربه عز وجل من الآيات والبينات. 2- لو كان من وضع محمد  لكان الأولى به أن ينسبه إ نفسه، وهو أعظم كتاب، ولقد كانت الحوادث تمر عليه – عليه الصلاة == (1) جولــد تســهير (اجنــتن) ولــد ســنة 1850 في بــلاد المجــر مــن أســرة يهوديــة، درس بودابست السنين الأولى، ثم ذهـب إلى بـرلين، ثـم انتقـل إلى جامعـة ليبتسـيك وتتلمـذ على يد فليثسر وهو من كبـار المستشـرقين، ثـم حصـل علـى الـدكتوراه عـام 1870م، أقــام في القــاهرة مــدة ثــم ســافر إلى ســوريا وفلســطين، عــني بالدراســات العربيــة عامــة والإسلامية خاصة، عـين أسـتاذاً للغـات السـامية عـام 1894 في بودابسـت واسـتمر بحوثه، ومؤتمراته الخاصـة بالاستشـراق حتـى كانـت وفاتـه سـنة 1921 انظـر موسـوعة المستشرقين 197-203. (2) العقيدة والشريعة ص7. (3) انظر ص288 وما بعدها

عدد الصفحات ٢٧٥

258 أصول الاعتقاد في سورة يونس والسلام – فيستمر اليوم، واليومين، والشهر، وهو ينتظر فيها، كما في حادثة الإفك (1) وقصته مع اليهود الذين سألوه عن أصحاب الكهف والروح وغير ذلك (2) . 3- تنزيهه من الاختلاف والتفاوت، مع اشتماله على أنواع العلوم، ومع اختلاف موضوعاته، وتباينها، ومع ذلك نجد كمال الربط بين هذه الموضوعات المتفرقة، وهذا يدل على أنه من عند الله قال تعالى:                 [82]. 4- إن قارئه لا يمله، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تبلى عجائبه وهذا لا يكون في كلام البشر (3) . 5- إننا نجد في القرآن عتاباً للنبي  في مثل قوله تعا          [1-2] وقولـه                 [43]. وقولـه تعا                            [زاب37]. وهذا ينفي كون القرآن من وضعه(4)  . (1) كما روى البخاري في كتاب التفسير باب قوله تعالى: "لولا إذ سمعتمـوه كـن المؤمنـون والمؤمنات بأنفسهم خيرا.." الآية رقم: 4473 (ج4/1774.) (2) انظر ص311-312. (3) انظر إكهار الحق3/819-823.) (4) انظر مناهل العرفان1/80.)

عدد الصفحات ٢٧٦

259 أصول الاعتقاد سورة يونس 6- س يعرف من جميع ما ورد من الأخبار صحيحها وضعيفها أن محمداً – عليه الصلاة والسلام – كان يتطلع إلى النبوة، ويتوقع أن يكون هو النبي المنتظر. 7- إن حدي الوحي الصحيح، صريح بأن رسول ا خاف على نفسه، عند نزول الوحي إليه في المرة الأولى، وهذا دليل على أنه باغته، وس يكن معهوداً عنده (1) . الثاني قولـه تعالى في سورة يونن                   [ونن16] . وجه الدلالة يتبين من عدة أوجه منها: ما عرف من حاله  بأنه كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وهذا معلوم لديهم علماً يقينياً، وهل يمكن لأمي أن يأتي بهذا الكتاب المعجز؟! ومنها: إن ذلك س يصدر منه إلا بعد سن الأربعين، وهل سيخفى حاله كل هذه المدة، وهو الصا دق الأمين، ثم يدعي النبوة كذباً بعد ذلك؟!! ومنها: إن هذا الكتاب الذي جاء به، يحوي من الأخبار الماضية عن الأمم البائدة، ويحكي الأخبار الآتية، فأنى لمحمد  علم ذلك وهو الأمي الذي نشأ بمكة، بين قوم يعبدون الأوثان، ولين لهم علم، ولا كتاب، وس يتسن له طلب العلم، ولا الاطلاع على الكتب السابقة، وهذا من أدلة صدقه  . الثال : في قوله تعا      [16]. (1) انظر الوحي المحمدي، لمحمد رشيد رضا، ص123-124.

عدد الصفحات ٢٧٧

260 أصول الاعتقاد في سورة يونس وجه الدلالة إنه قد تبين لهم إن هذا الكتاب العظيم جاء به أمي س يطالع كتاباً قبله، ولا تتلمذ على يد معلم قط، وهم يعلمون ذلك ولين ادعاء م نه  ، وقد علموا أيضاً عجزهم عن الإتيان بمثله، فعلم بالضرورة أنه تنزيل من رب العالمين فإذا أنكروا ذلك وجحدوه كان هذا دليلاً على نقص العقل وسوء استخدامه (1) . الوجه الرابع: في قولـه تعا                  [17] . وجه الدلالة: إن القرآن الكريم لو كان من وضع محمد لما كان في الدنيا أحدٌ أكلم لنفسه منه  إذا اختلق على الله الكذب، ولما كانت الدلائل والبينات تنفي ذلك دلَّ على أن هؤلاء المشركين أكلم الخلق بافتراءاتهم على الله ولردهم لكتابه وتكذيبهم لرسوله (2) . بل لقد شهد منصفوهم بأن هذا الوحي لا يمكن أن يكون من عند غير الله. يقول مورين بوكاي: "وهناك فرق جوهري بين المسيحية والإسلام فيما يتعلق بالكتب المقدسة، ونعني بذلك فقدان نصوص الوحي الثابت لدى المسيحية، في حين أن الإسلام لديه القرآن الذي هو وحي منزل وثابت معاً، فالقرآن هو الوحي الذي أنزلـه على محمد  عن طريق جبريل، وقد كتب فور نزولـه، ويحفظه ويستظهره المؤمنون .." (3) وهم أحياناً يصفونه بالعبقرية، والذكاء، والإصلاح الاجتماعي، وي قولون: إن ما تذكرونه من علوم القرآن ومعارفه وتشريعاته الكاملة لا يستقيم أن يكون وجهاً من وجوه الإعجاز، فهذا (1) انظر تفسير الفخر الرازي (المجلد17/61.) (2) انظر تفسير الفخر الرازي المجلد17/61.) (3) دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، ص10-11.

عدد الصفحات ٢٧٨

261 أصول الاعتقاد سورة يونس سولون اليوناني (1) وضع وحده قانوناً وافياً كان موضع التقدير والإجلال والطاعة وما قال أحد: إنه أتى بذلك معجزة ولا إنه صار بهذا التشريع نبياً (2) . ون لو نظرنا إلى المجتمع الجاهلي لوجدناه بأمن الحاجة إلى المصلحين فأين محمد  مدة أربعين سنة وهو يعيص فيه، س ينقل ناقل أنه وضع قانوناً ولا تشريعاً حتى جاءه الأمر من الله عز وجل (3) . الشبهة الثالثة: دعوى الأخذ من الديانات السابقة زعم عدد كبير من المستشرقين أن هذا الوحي الإلهي، تعلمه رسولنا  وأخذه من الديانات السابقة كاليهودية، والنصرانية والمجوسية(4) ، والوثنية، واستدلوا على ذلك بما يلي: (1 )أحد الفلاسفة اليونان في القرن السابع قبل المسيح ووالدته مـن أبنـاء بتراتـوس آخـر ملـوك اثينـا وكان من رجال المال ورجال الحرب وتولى في بلاده بعض الأعمال الإدارية والعسكرية وقيادة الجيص، وقد انتخب في سنة 594 ق.م (أرخونا) أي رئيساً على الأمـة بإجمـاع أحزابهـا كلـهم وقلدوه سلطة مطلقة لتغيير ما شاء من نظم البلاد وقانونهـا الـذي وضـعه "زراكـوت" مـن قبلـه فوضع لهم نظاماً جديـداً قـررت الحكومـة والأمـة اتخـاذه دسـتوراً متبعـاً عشـر سـنين .." الـوحي المحمدي لمحمد رشيد رضا ص128 وانظر لة المنار ج7 م32 ص429. (2) مناهل العرفان2/329. (3) انظر مناهل العرفـان2/329-330، والـوحي المحمـدي ص128، و لـة المنـار ج6 م32 ص428-429. (4) المجوسية: يقال لهـا الـدين الأكـبر، والملـة العظمـى، وهـم يثبتـون أصـلين: النـور وهـو أزلــي، والظلمــة وهــي محدثــة وهمــا يقتســمان الخــير والشــر والنفــع والضــر والصــلاح والفساد، ولهم اختلاف كبير في سبب حـدوث الظلمـة وهـم يقولـون: إن المبـدأ الأول من الأشخاص: كيومرث، والنبي الثاني زردشت وهـم فـرق شـتى منهـا: الكيومرثيـة والزَّروانيــة، والزردشــتية، انظــر الملــل والنحــل للشهرســتاني ( 1/233 ومــا بعــدها)، واعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص134 وما بعدها

عدد الصفحات ٢٧٩

262 أصول الاعتقاد في سورة يونس 1- أوجه التشابه بين الإسلام وهذه الديانات 2- أن اليهودية، والنصرانية وغيرهما من الديانات موجودة جزيرة العرب. 3- وجود علاقات شخصية بين محمد  وبعض النصارى كورقة بن نوفل (1) ، وبحيرا الراهب وغيرهما(2) . يقول جولد تسهر: "لقد أفاد – يقصد النبي  - من تاريخ العهد القديم، وكان ذلك في أكثر الأحيان عن طريق قصص الأنبياء، ليذكّر على سبيل الإنذار والتمثيل بمصير الأمم السالفة، ا لذين سخروا من رسلهم الذين أرسلهم الله لهدايتهم ووقفوا في طريقهم" (3) ا.هـ ويقول أيضاً: "لقد كان فيما مضى يعترف بأن الصوامع والبيع والصلوات تعتبر أمكنة عبادة حقيقية .. لكن الأمر تغير بعد هذا، كما صار رهبان المسيحيين وأحبار اليهود موضع مهاجمة منه، وقد كانوا في الواقع أساتذة له .." ا.هـ (4) . (1) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبدالعزى من قريص: حكيم جـاهلي، اعتـزل الأوثـان قبـل الإسلام، وامتنع من أكل ذبائحها وتنصر، وقرأ كتب الأديـان، وهـو ابـن عـم خديجـة زوج النبي صلى الله عليه وسلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقـال: يبعـ يـوم القيامـة أمـة وحـده، انظـر الإصـابة (6/317-318)، وانظر الأعلام8/114-115.) (2) انظر آراء المستشرقين حول القرآن وتفسيره د. عمـر رضـوان ( 1/100،104،113، 126-127،138.) (3) العقيدة والشريعة، ص9. (4) المرجع السابق ص13-14 وانظر ص18.

عدد الصفحات ٢٨٠

263 أصول الاعتقاد سورة يونس وفي الأخذ من الوثنية الجاهلية يقول جولد: "وفيما يتعلق بشعائر الحج التي نظمها، أو على الأحرى احتفظ بها من بين تقاليد الوثنية العربية .." ا.هـ (1) وهم يهدفون في هذا إلى أمرين أحدهما: محاولة إثبات أن الإسلام لين ديناً مستق لاً، وإنما هو مزيج من اليهودية، والنصرانية، وأن محمداً  س يكن ليهتدي إلى هذا بفطرته، وهذا لا يكاد يغفله مستشرق تناول الحدي عن الإسلام (2) . الثاني: الدعوة إلى النصرانية، وإنها الديانة السماوية الصحيحة الـرد: لقد ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم إن مصدر القرآن هو الرب جل وعلا وأنه أنزله بعلمه قال تعالى:              [2] الآية فأضاف الوحي إلى نفسه سبحانه وتعالى وقال:                                  [يونن15] الآية (1) المرجــع الســابق ص23، ومــن العجيــب أن بعــض المســلمين يحســنون الظــن بهــؤلاء المستشـــرقين، فمـــثلاً هـــذا المؤلـــف نجـــد أن المترجمـــين لك تابـــه يثنـــون عليـــه ويلقبونـــه "بالعلامة"!! ومن ذلك أيضاً قولهم: "ومما لا ريـب فيـه كـذلك أنـه بهـذا الـتراث الـذي خلفـــه، وبهـــذين الكتـــابين بصـــفة خاصـــة، يعتـــبر فيمـــا نـــرى في المرتبـــة الأولى مـــن المستشرقين، من أعظم من تناول الإسلام ومذاهبه وعلومه الأصلية بالدرس والبحـ المسـتفيض، ك مــا أنــه لــذلك أيضــاً يعــد مــن كبــار المستشــرقين الــذين فهمــوا – بقــدر مــا وسعهم – الإسلام وروحه وتعاليمه ومذاهبه .." ا.هـ ولا أدري أي فهم للإسلام ذلـك الذي فهمه وهو ينكر الوحي والقرآن ويزعم أنه مسـتمد مـن اليهوديـة والنصـرانية ..!! وبهذا وحده يمكن أن يهدم الإسلام من أساسه فكيف وله من الشـبهات، والافـتراءات ما ملأ به كتابه هذا وغيره من مؤلفاته. (2) انظر الوحي المحمدي، د. عبدالجليل شلبي، ص199.

عدد الصفحات ٢٨١

264 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقال تعالى:                                           [37-38] . وقبل الخوض في رد الشبهة أبين أن ردي لهذه الشبهة سوف يرتكز على دعامتين: الأولى: نفي أن يكون  أخذ من علوم أهل الكتاب. الثانية: بعد تقرير ذلك، يقارن بين ما جاء به محمد  من الوحي وبين ما عند أهل الكتاب من التكذيب والتحريف. فأما لقاؤه  بعلماء أهل الكتاب وسفره إلى الشام مراراً فقد ثبت في السّير أنه ما رحل إلى الشام سوى مرتين، فأما الأولى فكانت مع عمه أبي طالب وهو طفل كما روى الترمذي – رحمه الله – وغيره عن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال: "خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي  في أشياخ قريص فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فخلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون فلا يخرج إليهم ولا يلتفت (قال فهم يحل ون رحالهم) فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله  فقال هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريص ما علمك؟ فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة س يبق حجر ولا شجر إلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أ عرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعاماً فلما أتاهم به فكان هو في رعية الإبل فقال أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلن مال فيء الشجرة عليه فقال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال فبينما هو قائم

عدد الصفحات ٢٨٢

265 أصول الاعتقاد سورة يونس عليهم وهو يناشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا بسبعة قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم؟ قالوا جئنا إن هذا النبي خارج في الشهر فلم يبق طريق إلا بع إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا قال هل خلفكم أحد هو خير منكم قالوا إنما أخبره بطريقك هذا، قال أفرأيتم أمراً أراد اله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا لا، قال فبايعوه وأقاموا معه، قال أنشدكم بالله أيكم وليه؟ قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو ط الب وبع معه أبو بكر بلالاً وزوده الراهب من الكعك والزيت (1) . ولقد كان عمر الن في هذه الرحلة تسع سنين كما روى ذلك ابن جرير، وقيل: اثنتا عشرة سنة (2) . وأما الرحلة الثانية فقد رواها ابن جرير– رحمه الله – وغيره بسنده قال: كانت خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله منه، وكانت قريص قوماً تجاراً، فلما بلغها عن رسول الله (1) رواه الترمذي في كتاب المناقب باب ما جاء في بـدء نبـوة الـنبي صـلى الله عليـه وسـلم، رقم 3624 (9/243-244) وقال: هذا حدي حسن غريب لا نعرفه إلا مـن هـذا الوجه ا.هـ، ورواه ابن جرير بنحوه بطـرق عـدة في التـاريخ ( 2/363-366)، وابـن إسحاق السيرة (1/236)، ورواه الحاكم في المستدرك2/672) وقال: "هذا حـدي صحيح الإسناد وس يخرجاه" ا.هـ، ورواه البيهقـي في الـدلائل ( 2/24-29)، ورواه ابن سيد الناس في عيون الأثر (1/105-108)، وقال الحافظ في الإصابة: الحـدي رجاله ثقات، ولين منه منكر سوى اللفظ، فيحتمل أنها مدرجة فيه من حـدي آخـر وهما من أحد رواته" وقال ابن سيد الناس: "لين في إسناد هذا الحـدي إلا مـن خـرج له في الصحيح .." عيون الأثر (1/108.) (2) انظر تاريخ الأمم والوك (2/364)، وعيون الأثر1/105.)

عدد الصفحات ٢٨٣

266 أصول الاعتقاد في سورة يونس  ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً وتعط يه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له ميسرة، فقبله منها رسول الله  فخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة، حتى قدما الشام، فنزل رسول الله  في كل شجرة قريباً من صومعة راهب من الرهبان، فأطلع رأسه إلى ميسرة فقال: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال له ميسرة: هذا رجل من قريص من أهل الحرم فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم باع رسول الله  سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلاً إلى مكة، ومعه ميسرة، فكان ميسرة – فيما يزعمون – إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظللانه من الشمن، وهو يسير على بعيره. فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به فأضعفت، أو قريباً من ذلك، وحدثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إكلال الملكين إياه، وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة، مع ما أراد الله بها من كرامته فلما أخبرها ميسرة بما أخبرها، بعثت إلى رسول الله  فقالت له – فيما يزعمون – : يا ابن عم، إني قد رغبت فيك لقرابتك وسطتك في قومك، وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها .." الحدي (1) . ومن خلال هذه الروايات يتبين أن رسول ا س يتعلم من أهل الكتاب شيئاً، والأدلة على ذلك ما يلي: (1) تاريخ الأمم والملوك2/367-368)، ورواه ابن إسحاق في السيرة، انظر سيرة ابن هشـــام ( 2/244-245) ورواه البيهقـــي في الـــدلائل 2/65-67)، وابـــن ســـيد الناس في عيون الأثر (1/115-120.)

عدد الصفحات ٢٨٤

267 أصول الاعتقاد سورة يونس الأولى: إن رسول الله  عندما ذهب في المرة الأولى كان صغيراً مع عمه أبي طالب وهو لا يفقه شيئاً من أمور أهل الكتاب، وفي المرة الثانية كان مشغولاً بالتجارة وفي كلا السفرتين كان معه شاهد، ففي الأولى عمه، وفي الثانية غلام خديجة – رضي الله عنها – ولو وقع شيء من ذلك لنقلاه لنا، واستفاض، كما إن القافلة بها عدد كبير من الرفاق الذين لا يخفى حال بعضهم عن بعض، فلو اعتزلهم محمد  ليطلب علم أهل الكتاب لشاع ذلك. الثاني: إن بحيراً الراهب بشر بنبوة محمد  فلو أن محمداً  أخذ منه س ينسب النبوة له، ولكان هو أولى بالنبوة والرسالة. الثال : إن مما يستحيل في العادة أن يبرز عاس في علم من العلوم، ما س يكثر الترداد على العلماء والأخذ منهم، والصبر على تلقي العلم، وقد ثبت أن رسول الله  س يتردد على هؤلاء الأحبار والرهبان، ولا جالسهم، وهو أُمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، وهذا دليل قاطع على أن العلم الذي تعلمه والوحي الذي جاء به إنما هو من عند الله قطعاً وجزماً. الرابع: أما بالنسبة لورقة بن نوفل، فحديثه في البخاري (1) دليل على نبوة محمد  إذ شهد له بالنبوة، وأن قومه سيخرجونه، فحصل ما قال، وهذا د ليل على صحة الرسالة، بل تأمل قوله "وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً" فهو يعلن المتابعة والنصرة، وهذا بناء على علمه السابق بصدق نبوة محمد  . (1) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي إلى رسـول الله صـلى الله عليه وسلم رقم 3(1/504) عن عائشة– رضي الله عنها.

عدد الصفحات ٢٨٥

268 أصول الاعتقاد في سورة يونس الخامن: قد دلت النصوص على أنه لا يوجد بين رسول الله  وبين ورقة بن نوفل أي صلة قبل الوحي، وس يطرأ على بال محمد أن يذهب إليه ويخبره، وإنما كان ذلك من اقتراح خديجة – رضي الله عنها – لعلمها بابن عمها وإن لديه علم الكتاب. السادس: جاء في الحدي "ثم س ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي" فالنص دليل على أن موت ورقة كان سريعاً بعد نزول الوحي، بفترة وجيزة إذن فكيف أن لهذه الدعوة أن تستمر وتؤتي ثمارها على مدى خمسة عشر قرناً؟! السابع: س يؤثر عن ورقة أنه كان داعية إلى النصرانية، إنما المعروف أنه رجلاً كان حريصاً على معرفة دين الله الصحيح ليتعبد به، فاعتنق لذلك النصرانية. الثامن: إننا نعلم شدة عداوة أهل الكتاب للنبي  وكتمانهم لأدلة نبوته عندهم، ومحاولتهم التشكيك والطعن في نبوته، فلو علموا شيئاً من ذلك لأكهروه. الدليل التاسع: إن هذا س يتم ولو تم لنقل لنا، وإذ س ينقل س يصح ادعاؤه، لأن الدعوى لابد لها من دليل، ولا دليل هنا بل الأدلة بخلافه. الدليل العاشر: إن المتأمل لحياة العرب في م كة، يجد ذلك المجتمع الصغير، الذي لا يكاد يخفى بعضه على بعض، كما يلحظ اجتماعاتهم المستمرة في المسجد الحرام، فهل كان سيخفى أمر سفر محمد  إ الشام وتكرار ذلك، وهو الشاب المعروف، الذي كان أهل مكة يعرفونه أيما معرفة ويودعونه أموالهم؟!!

عدد الصفحات ٢٨٦

269 أصول الاعتقاد سورة يونس الدليل الحادي عشر: هل ي عقل أن يكون هذا الدين بكماله وتعاليمه، مستمداً من دين محرف (1) ، كتمه أهله، وحرفوه وأعرضوا عن تعاليمه، فكيف يلحق الكامل بالناقص؟ الدليل الثاني عشر: إن قصص الأنبياء عند أهل الكتاب في غاية من الوقاحة، إذ نسبوا إلى الأنبياء كثيراً من الفضائح التي يترفع عنها ع امة الناس. ومن الأمثلة على ذلك، ما جاء في سفر التكوين، الإصحاح التاسع. 20- وابتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً 21- وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه. 22- فأبصر حاماً أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أبيه وأخبر أخويه خارجاً. 23- فأخذ سام وياف الرداء ووضعاه على أ كتافهما ومشياً إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء، فلم يبصرا عورة أبيهما. 24- فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير. 25- فقال ملعون كنعان، عبدالعبيد يكون لإخوته (2) . وفي سفر التكوين أيضاً الإصحاح التاسع عشر، في ذكر قصة لوم – عليه السلام – . 20- وصعد لوم من صوغر وسكن في الجبل وابنتاه معه لأنه خاف أن يسكن في صوغر. فسكن في المغارة هو وابنتاه. 21- وقالت البكر للصغيرة أبونا قد شاخ ولين في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. 22- هلم نسقي أبانا خمراً ونضطجع معه، فنحيي من أبينا نسلاً. 23- فسقتا أباهما خمراً تلك الليلة. ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها وس يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. 24- وجدت في الغد البكر قالت للصغيرة إني قد (1) انظر أمثلة التحريف، ص180-183. (2) سفر التكوين الإصحاح التاسع الفقرة20-25.)

عدد الصفحات ٢٨٧

270 أصول الاعتقاد في سورة يونس اضطجعت البارحة مع أبي، نسقيه خمراً الليلة أيضاً فادخلي اضطجعي معه. فنحيي من أبينا نسلاً. 26- فحبلتا ابنتا لوم من أبيهما (1) . فهل يليق أن يصدر هذا من الأنبياء– عليهم صلوات الله وسلامه – وهذا غيض من فيض مما لديهم من ذلك (2) – أخزاهم ا– وأين هذا من قصص القرآن الكريم وإن وجد بعض التشابه بين القصص، فمرد ذلك إلى أنها جميعاً وحي الله، ومع تحريفهم، وتبديلهم إلا أنها لا تزال فيها بقية باقية. و"جولد تسهر" عندما ادعى ذلك س يأت على ما ذكر مثالاً يبين صدق دعواه، ولهذا يحاول أهل الكتاب إثبات أن محمداً  كان يعرف القراءة والكتابة، وما شاع عن أميته عن صحيح، بل هو لإكهار معجزته، ونصوص الوحي ترد عليه قال تعالى:                                [157]. الدليل الثال عشر: إنه قد علم حالة المجتمع الجاهلي قبل بعثة الرسول  وحالتهم السيئة التي يعيشونها، وفشو الجهل، وفساد الأخلاق، وفي هذا الوسط يبرز أحد الأفراد فيأتي بعلم الأولين والآخرين، ويشرع الشرائع، ويبين الأحكام، وهذا مما يستحيل في العادة، وفي ذلك إثبات صدق الوحي والرسالة. (1) سفر التكوين الإصحاح التاسع عشر الفقرة20-26.) (2) للاستزادة انظر إكهار الحـق3/835-836) والأسـفار المقدسـة في الأديـان السـابقة للإسلام، د. علي عبدالواحد، ص48-62.

عدد الصفحات ٢٨٨

271 أصول الاعتقاد سورة يونس الدليل الرابع عشر: إن المشركين عندما راموا الطعن في النبوة والوحي، نسبوا هذا إلى رجل أعجمي يعمل حداداً، وهذا مبلغ السخافة والظرا فة، وهذا يصور مدى مبلغ العداوة لنبي الأمة وخاتم المرسلين، ولهذا أنكر الله عز وجل ذلك بقولـه تعالى:                    [103] ، ومع هذا فلم يقولوا: إنه تعلمه من علماء أهل الكتاب!!. الدليل الخامن عشر: إن القطع بأن محمداً  س يتلق ذلك من بشر يحصل على طريقين، الأول: طريق قومه و تمعه الذي عاش فيه وسبق بيان ذلك في الأدلة السابقة. الثاني: وهذا لمن س يعص في زمنه، وإنما سمع ذلك فعلمه بذلك من عدة طرق: منها: ما تواتر من أحواله، وسيرته الذاتية منذ مولده إلى وفاته  وكلها معلومة لدينا، فكيف خفي هذا الأمر مع أهميته، وكهر ما هو أقل منه. ومنها: أنه  أخبر بأمور س يكن يعلمها أهل الكتاب، و غيرهم كقصة عاد وثمود، وصالح، وإنزال المائدة، وإيمان امرأة فرعون، وكثير من تفاصيل سير الأنبياء، مما هو مل عند أهل الكتاب. ومنها: ما علم من شدة العداوة له  من قبل قومه، ومن قبل أهل الكتاب، ولو وقع ذلك لقال قائلهم: "إنما تعلم ذلك منا وعن طريقنا". ومنها: إن هذا الأمر مما تتوافر الدواعي على نقله، ولو كان هناك تواطؤ على كتمانه لعلمه المقربون منه  ، وهل يظن كان أن هؤلاء الصحبة سيتحملون هذه المشاق، والعذاب، والهجرة، وترك الأوطان مع علمهم وتكذيبهم باطناً بهذا الرسول، وهو في الوقت نفسه س

عدد الصفحات ٢٨٩

272 أصول الاعتقاد في سورة يونس يعطهم مالاً، ولا جاهاً، ولا قصوراً بل أخرجهم من أوطانهم وأهليهم، ومعلوم أن الجبلة والفطرة تأبى أن تتبع كاذباً قد علم كذبه. الدليل السادس عشر: ثبت في القرآن والسنة أن أهل الكتاب كانوا يسألون النبي  في الأمور الغيبية كما قال تعا             [83]. وقولـه                  [85] . وفي حدي عبدالله بن سلام– رضي الله عنه – عن أنن بن مالك – رضي الله عنه – قال: بلغ عبدالله بن سلام مقدم رسول الله  المدينة، فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشرام الساعة، ما أول طعام يأكله أهل الجنة، ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أي شيء ينزع إلى أخواله؟ فقال  : "خبرني بهن آنفاً جبريل"، قال: فقال عبدالله: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقال رسول الله  : "أما أول أشرام الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤها كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها". قال: أشهد أنك رسول الله.." (1 ) الحدي . ولو أخذ هذا منهم لما سألوه أولاً، ولفضحوا أمره ثانياً وعلمهم لها إنما أخذوه عن أنبيائهم، ولو تلقاه منهم س يكن نبياً. (1) رواه البخاري في كتاب الأنبياء باب: قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إنـي جاعـل في الأرض خليفــة" البقــرة 30 رقــم3151 (ج3/1211-1212)، ورواه أيضــاً فضائل الصـحابة، بـاب: كيـف آخـى الـنبي صـلى الله عليـه وسـلم بـين أصـحابه رقـم 3723 (ج3/1433) عن حميد به بنحوه

عدد الصفحات ٢٩٠