241 أصول الاعتقاد سورة يونس 6- وقيل: إن ذلك مما يرد علمه إلى الله تعا(1) وهو الأقرب النوع الثـاني: النف في الروع، والقلب، في الوقت الذي لا يرى فيه الملك، لكنه يقطع بكونه من عند الله عز وجل كما في حدي أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : "إن روح القدس نف في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها، فأجملوا في الطلب ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته" (2) . وجاء في معنى النف في اللغة إنه بمعنى "أوحى وألقى، من النف بالفم، ومن شبيه بالنفح وهو أقل من التفل، لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق" (3) . "والروع، بالضم: القلب والعقل، ووقع ذلك في روعي أي نفسي وخَلَدي وبالي" (4) ومن المعنى اللغوي هذا يتضح المعنى المراد بهذا النوع من الوحي، وأنه إلقاء ونفخ من الملك الموكل، في قلب ونفن الرسول البشري، يعيه ويدركه، ويعلم أنه من عند الله عز وجل جزماً وقطعاً، وربما يعد هذا النوع داخلاً في إرسال الرسول، المذكور في قوله تعالى: (1) انظر شرح الزرقاني على موطأ مالك4/351.) (2) رواه أبــو نعــيم في الحليــة 10/16-27)، وأورده الهيثمــي في مــع الزوائــد وقــال "رواه الطبراني في الكبير وفيه عفير بن معدان وهو ضعيف" ا.هـ (4/72) ورواه الحاكم من حدي ابـن مسـعود – رضـي الله عنـه – (2/5) بـأطول منـه، ومـن حـدي جـابر بنحوه. وقال الذهبي في التلخيص: "علـى شـرم مسـلم وشـاهده ثـم ذكـر حـدي ابـن مسعود حاشية المستدرك (2/5)، وهو عند ابـن ماجـة أيضـاً مـن حـدي جـابر بنحـوه رقم: 2144 (2/725.) (3) النهاية في غريب الحدي5/88.) (4) لسان العرب8/138) مادة (روع)، وانظر النهاية في غريب الحدي2/227.)
عدد الصفحات ٢٥٩242 أصول الاعتقاد في سورة يونس [51 ]الآية كما قال السيوطي – رحمه الله – : "وهذا يرجع إلى الحالة الأولى أو التي بعدها (يريد حالة إتيان الملك في مثل صلصلة الجرس أو صورته الحقيقية) بأن يأتيه في إحدى الكيفيتين وينف في روعه" ا.هـ (1) . النوع الثـالث أن يأتيه في مثل صلصلة الجرس فيتلبن به وهو أشده على النبي روى البخاري عن عائشة أم المؤمن– رضي الله عنها – أن الحارث بن هشام (2) – رضي الله عنه– سأل رسول الله فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله : "أحياناً يأتي مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عنِّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول" قالت: عائشة – رضي الله عنها – : ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا (3) . والصلصلة في اللغة: "صوت الحديد إذا حرك، فقال صَلَّ الحديد وصلصل" (4) ويقال: "تصلصل الحلي، أي صَوَّتَ (5) والجرس هو (1) الإتقان1/98.) (2) الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبدالله بن اـزوم، أبـو عبـدالرحمن القرشـي أخـو أبـي جهل وابن عم خالد بن الوليد شهداً بـ دراً مـع المشـركين واحـداً وأسـلم يـوم فـتح مكـة وحســن إســلامه، وتــوفي في الشــام قيــل في طــاعون عمــواس وقيــل شــهيداً في معركــة اليرموك، انظر الإصابة (1/307-308)، والإعلام2/158.) (3) سبق تخريجه ص167. (4) لسان العرب11/382) مادة (صلل (5) الصحاح5/1745.)
عدد الصفحات ٢٦٠243 أصول الاعتقاد سورة يونس الجُلْجُل الذي يعلق على الدواب (1) وهو مشتق من الجَرَس وهو الصوت المجروس (2) يقال"أرض خصبة جرسة، الجرسة: التي تصوت إذا حركت وقلبت" (3) وهذه الصلصلة قيل "صوت الملك بالوحي، قال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد، وقيل: بل هو صوت حفيف أجنحة الملك" (4) . واختلف في وجه تشبيه صوت الوحي، بصوت الجرس مع ثبو ت النهي عنه فيما رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله قال: "لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس(5). فقيل إن التشبيه هنا لا يلزم منه التساوي، بل قد يكون هناك تشابه في بعض الصفات دون الأخرى، والمراد هنا بيان الجنن. وقيل: إن صوت الج رس له جهتان: جهة قوة، وجهة طنين، والمقصود هنا التشبيه به من ناحية قوته. وقيل: ربما يكون النهي ورد بعد هذا السؤال (6) . والأقرب أن يقال: إن التشبيه بأمر منهي عنه، لوجه من وجوه الشبه أمر لا ينافي ثبوت النهي في المشبه به، كما جاء تشبيه صوت داود – عليه السلام – بصوت المزمار مع ثبوت النهي عنه. (1) لسان العرب (6/36) مادة (جرس (2) المرجع السابق نفن الجزء، ص35. (3) المرجع السابق نفن الجزء والصفحة (4) فتح الباري1/28.) (5) رواه مسلم في كتاب اللبـاس، بـاب: كراهـة الكلـب والجـرس في السـفر رقـم 2113 (3/1762)، ورواه أبــو داود في كتــاب الجهــاد، بــاب: في تعليــق الأجــراس، رقــم: 2555 (2/29) عن سهيل بن أبي صا (6) انظر فتح الباري1/28.)
عدد الصفحات ٢٦١244 أصول الاعتقاد في سورة يونس وهذا النوع من الوحي كان من أشد أنواع الوحي، وكان الرسول يعاني منه مشقة عظيمة كما جاءت بذلك الأحادي الصحيحة ففي صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت، قال: كان النبي إذا أنزل عليه الوحي نكن رأسه ونكن أصحابه رؤوسهم، فلما أُتلي عنه رفع رأسه (1) وعن زيد بن ثابت قال: إذا نزل الوحي على رسول ا ثقل لذلك وتحدد جبينه عرقاً كأنه الجمان وإن كان في البرد (2) وعنه أيضاً فيما يروى عنه: أن رسول الله أملى عليه [95] فجاءه ابن أم مكتوم وهو يُملها عليَّ، قال يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي، فثقلت عليَّ حتى خفت أن ترضَّ فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله: (3) . النوع الرابع: مجيء الرسول الملكي في صورة بشر (1) رواه مسلم في كتاب الفضائل باب: عرق النبي صلى الله عليه وسلم في الـبرد، وحـ يأتيـــه الـــوحي رقـــم 2335 (4/1817) وفي كتـــاب الحـــدود حـــد الزنـــى رقـــم 169 (3/1316-1317.) (2) رواه أبـو نعـيم في دلائـل النبـوة ( 1/224)، وصــححه العلامـة الشـيخ الألبـاني، انظــر صحيح الجامع رقم: 3792 (2/870.) (3) رواه البخاري في كتاب التفسير باب: "لا يستوي القاعدون مـن المـؤمنين .. والمجاهـدون في سبيل الله"، رقم: 4316 (4/1677)، ورواه أيضاً في كتاب الجهاد باب: في قولـه تعــا لى: "لا يســتوي القاعــدون مــن المــؤمنين" الآيــة، رقــم 2677 (3/1042)، ورواه أحمد في مسنده من طريق أخرى عن زيد بن ثابت – رضي الله عنه – (5/184.)
عدد الصفحات ٢٦٢245 أصول الاعتقاد سورة يونس وهذه الحالة من أيسر الأنواع، إذ يرى الرسول الملك ويخاطبه، ويعي منه ما يقول، وقد يشاركه في الرؤية غيره من أصحابه (1) ، كما كان جبريل عليه السلام يأتي الرسول في صورة أعرابي، وفي صورة دحية الكلبي – رضي الله عنه – وغير ذلك كما جاء في حدي عمر بن الخطاب وأبي هريرة وعائشة – رضي الله عنهم – أجمعين (2) . واختلف العلماء في كيفية تصور الملك على صورة رجل فقيل: إن معنى ذلك إفناء الزائد أو إزالته، وتعاد بعد ذلك ونسب الحافظ ابن حجر – رحمه الله – هذا القول لإمام الحرمين (3) . وقيل: إن معنى ذلك انضمام أجزاء الملك بعضها إلى بعض، وعودتها إلى حالها ثانية كما يحصل للقطن، ونسب الحافظ هذا القول لشيخ الإسلام ورجح الحافظ إن هذا تغيير كاهري لصورة الملك وأن هذا القدر الزائد لا يزول، وإنما يخفى على الرائي (4) . وفرق الشيخ محمد أبو زهرة– رحمه الله – بين هذا النوع والنوع الثاني وهو الإلقاء في الروع فقال: "إن لقاء جبريل عياناً في حال المخاطبة: إنما في هذه الحال فاللقاء في النفن وفي القلب والعقل ..ا.هـ(5). (1) وفي إثبات هذا النـوع مـن الـوحي، إبطـال لقـول الفلاسـفة في زعمهـم أن الملائكـة هـي جواهر روحانية، وعقول فعالة، ولو كانت كما زعموا لما أمكن يئها بهذه الصورة. (2) انظر ص167. (3) عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، الملقب بإمـام الحـرمين، ولد في جوين من نواحي نيسابور ورحـل إلى بغـداد ومكـة وجـاور فيهـا، لـه مصـنفات كثيرة منها العقيدة النظامية في الأركان الإسلامية والشامل في أصول الدين على مذهب الأشاعرة والإرشاد وغيرهم، توفي سنة 478هـ انظر الأعلام (4/60.) (4) انظر فتح الباري1/29.) (5) خاتم النبي– صلى الله عليه وسلم – ص 404.
عدد الصفحات ٢٦٣246 أصول الاعتقاد في سورة يونس النوع الخامس: رؤية الملك بصورته التي خلق علي ها: فيوحي إليه ما يشاء، وقد ثبت هذا لنبينا محمد مرتين كما قولـه تعالى: [13-15] وكما روى مسلم عن مسروق، قال: كنت متكئاً عند عا ئشة، فقالت يا أبا عائشة: ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية، قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، قال وكنت متكئاً فجلست، فقلت يا أم المؤمنين: انظريني ولا تعجليني، أس يقل الله عز وجل: [23] فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول ا فقال: "إنما هو جبريل س أره على صورته التي خلق عليها غير هات المرتين، رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظيم، بين السماء والأ رض .."(1) الحدي ، فأما الأولى فكانت في الأرض بُعيد بعثته بعد أن ف الوحي روى البخاري عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنهما – أنه سمع النبي يقول في فترة الوحي: "بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالن على كرسي بين السماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت: زملوني زملوني فأنزل الله تعالى: إلى قولـه [1-5] فحمي الوحي وتتابع(2) . (1) سبق تخريجه ص167. (2) رواه البخاري كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صـلى الله عليه وسلم، رقم 4(1/5-6)، ورواه في كتاب: بدء الخلق باب: إذا قال أحدكم آمين، والملائكة في السماء فاقت إحداهما الأخرى .. رقم: 3066 (3/1182)، رواه==
عدد الصفحات ٢٦٤247 أصول الاعتقاد سورة يونس وأما الثانية ففي السماء ليلة الإسرا ء والمعراج روى الإمام أحمد – رحمه الله – بسنده عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه قال هذه الآية: قال رسول ا : "رأيت جبريل عند سدرة المنتهى عليه ستمائة جناح ينثر من ريشه التهاويل الدر والياقوت" (1) . النوع السا دس: تكليم الله عز وجل لرسوله بلا واسطة ملك من وراء حجاب: كما كلم الله موسى بن عمران كما ثبت في قوله تعالى: قال تعالى : [143] الآية وكما كلم الله محمداً ليلة المعراج عندما فرضعليه الصلوات الخمن (2) . وكما كلم الله آدم عليه السلام [قرة35] وفي هذا رد على الجهمية والمعتزلة ومن سار على منهجهم في نفي صفة الكلام عن الرب جل وعلا. == مسلم في كتاب الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليـه وسـلم رقـم: 116(1/143) عن ابن شهاب به نحوه. (1) المسند1/421)، وذكره ابن كثير في تفسيره6/450)، وقال: هذا إسناد جيد ا.هـ (2) عدَّ ابن القيم – رحمه الله – هذا مرتبـة مسـتقلة حيـ قـال "السادسـة": مـا أوحـاه الله فوق السماوات ليلة المعراج من فرض الصلاة وغيرهـا" ا.هــ زاد المعـاد ( 1/79-80 ) ثم ذكر ذلك في المرتبة السابعة وهي "كـلام الله بـلا واسـطة" وأفرادهـا بمرتبـة مسـتقلة أرى له وجهاً لأنه يدخل ضمن هذه المرتبة ولاسيما وتكليم الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج كان على وجهـين نـوع منـه بواسـطة، ونـوع بغـير واســطة علــى قــول مــن يــرى أن محمــداً صــلى الله عليــه وســلم رأى ربــه ليلــة الإســراء والمعراج.
عدد الصفحات ٢٦٥248 أصول الاعتقاد في سورة يونس النوع السابع: تكليم الله عز وجل لرسوله من غير حجاب: وهي خاصة بنبينا محمد في رأي من يرى أن رسول ا رأى ربه ليلة الإسراء والمعراج. يقول ابن القيم – رحمه الله – : ".. وهذا على مذهب من يقول: إنه رأى ربه تبارك وتعالى وهي مسألة خلاف بين السلف والخلف، وإن كان جمهور الصحابة بل كلهم مع عائشة (1) كما حكاه عثمان بن سعيد الدارمي إجماعاً للصحابة" ا.هـ (2) . وقد سبق الكلام في ذلك(3) . وجميع هذه المراتب ثبتت لنبينا محمد وهذا من خصائصه(4) . يشكل إيراد ما سبق من أنواع الوحي من حدي عائشة– رضي الله عنها – السابق (5) في تحديد حالات الوحي وحصرها في حالتين، وهذا (1) أي في عدم الرؤية، كما هو رأي أم المؤمنين عائشة– رضي الله عنها – . (2) زاد المعاد1/80.) (3) انظر ص130-131. (4) نفي الشيخ محمد رشيد رضـا– رحمـه الله – أن تكـون هـذه المراتـب جميعهـا ت عـد مـن الوحي التشريعي، وحصر الوحي التشريعي في ثلاث صور فقط الواردة في قوله تعالى: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً" الآية حي قـال: "وغــير هــذه الثلاثــة مــن الــوحي العـام لا يعــد مــن كــلام الله التشــريعي، والرؤيــا الصادقة والإلهـام ممـ ا وقـع لغـير الأنبيـاء" لـة المنـار ج 6 م32 ص417. وهـذه الأنـواع ثبتت في الأحادي الصحيحة كما سبق، ولا يمنع من اشتراكها ألا تعد من الـوحي لأن ما يأتي النبي من الرؤيا أو الإلهام يعلم أنه وحي .. أما ما عدا الأنبياء فمعلـوم أن ذلـك يمنع أن تكون وحياً، ولو ادعى ذلك لعلـ م كذبـه، وهـو لا يسـقط حكمـاً شـرعياً، ولا يوجب مثله أيضاً ولين معصوماً، بل يعرض ما جاء به على الكتاب والسـنة، فيعمـل بما وافقتهما عما خالفهما. (5) حدي عائشة– رضي الله عنها – ص 294.
عدد الصفحات ٢٦٦249 أصول الاعتقاد سورة يونس يتعارض مع ما ثبت من الحالات الأخرى التي سبق بيانها وتفصيلها وقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة: منها: إن ذكر الحالتين لا يقتضي الحصر إنما حملاً على الغالب. ومنها: إن هذه الحالات الأخرى تقع نادراً، ومنها: إن التعدد إنما يعود إلى صفات الملائكة. ومنها: إن هذه الحالات وقعت بعد السؤال. ومنها: إنه لا تعارض بين هذه الحالات إذ صلصلة الجرس بالنسبة للرسول ودوي النحل بالنسبة للحاضر ين، وأما النف في الروع فيمكن حمله على إحدى الحالتين، وأما الإلهام فلا يدخل في السؤال لعمومه، وكذلك الرؤيا الصالحة، فيترك فيها غير الأنبياء إذ هي جزء من النبوة من حدي الصدق كما سبق (1) وهذا القول الأخير هو أجمعها إذ أمكن به الجمع بين جميع الصور. والله أعل م (2) وقال النووي: "مقصود السائل بيان ما يختص به النبي ويخفى فلا يعرف إلا من جهته" ا.هـ (3) . أما بالنسبة لوحي الإلهام والإرشاد، فهو عام ولا يختص بالأنبياء – عليهم صلوات الله وسلامه – وهو المذكور في قوله تعالى: [68] الآية ومنه أيضاً قوله تعا (1) انظر ص197-199. (2) انظر فتح الباري1/27)، والعقد المنتظم في أقسام الوحي المنتظم ص7-8. (3) شــرح مســلم 15/89)، وانظــر اتصــر الســيرة لمحمــد بــن عبــدالوهاب 76-77)، ومناهل العرفان (1/57)، والعقد المنظم في أقسـام الـوحي المعظـم ص4 ومـا بعـدها، والرسل والرسالات (59-65.)
عدد الصفحات ٢٦٧250 أصول الاعتقاد في سورة يونس [7]. لأن من شرم النبوة الذكورة كما قال ابن كثير – رحمه الله – "هذا الوحي وحي إلهام وإرشاد كما قال تعالى: [68] الآية ولين بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم، وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري(1 )عن عقيدة أهل السنة والجماعة"ا.هـ(2) ونفي نبوة النساء جاء في قوله تعالى: [7] فحصر النبوة في الرجال، والخلاف في ثلاث نسوة هن سارة زوجة إبراهيم – عليه السلام – وأم موسى، ومريم – عليهن السلام – والصحيح عدم ثبوت ذلك، لأن الرسالة والنبوة تستدعي الظهور، والبروز، ونشر الدعوة، والأنوثة بخلاف ذلك، إذ تقتضي التستر والحشمة، والرسالة والنبوة، تقتضي القوامة، فلو قامت بذلك المرأة لأصبحت قائمة على الرجال، وهذا خلاف الشرع، كما أن المرأة عرضة لما يعطلها عن هذه المهمات، وذلك بما يعتريها من حيض وحمل ونفاس .. ونحو ذلك وما يصاحب ذلك من متاعب وآلام واضطراب نفسي (3) ومن الإلهام قوله (1 )علي بن إسماعيل بن إسحاق، أبو الحسن، مؤسن مذهب الأشاعرة، وكـان مـن الأئمـة المتكلمين المجتهدين ولد في البصرة، وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم، ثـم رجـع وجـاهر بخلافهم، تـوفي ببغـداد سـنة 324هــ، مـن كتبـه مقـالات الإسـلاميين، والإبانـة في أصـول الديانة وغيرهما، انظر الأعلام 4/263، والبداية والنهاية11/217.) (2) البداية والنهاية11/217.) (3) انظر البداية والنهاية1/224)، ولوامع الأنـوار2/266-267)، والعقـد المنـتظم في أقسام الوحي ص8-9، والرسل والرسالات للأشقر ص84-85.
عدد الصفحات ٢٦٨251 أصول الاعتقاد سورة يونس تعالى: [111]. وأما معناه قال صاحب اللسان "الإلهام أن يلقي الله في النفن أمراً يبعثه على الفعل أو الترك" (1) . وقال الإمام الشوكاني – رحمه الله – : "هو شيء يوقعه الله في روع من كتب له ذلك، فيلقيه إلى الناس فيكون مطابقاً للواقع، ولين من الكهانة، ولا من باب النجامة والرمل ولا من باب تلقين الشيطان .. (2) ا.هـ والفرق بين الإلهام، والوحي، أن الوحي معصوم من الخطأ، أما بالنسبة للإلهام فلين معصوماً، فقد يقع وقد لا يقع (3) . ومن الإلهام ماري على لسان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – كما في الحدي الصحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن النبي قال: "لقد كان فيمن قبلكم من الأمم ناس محدثون فإن يك في أم أحد فإنه عمر" (4) "والحدي إلهام خاص(5) ومنه أيضاً – ما وقع لوالد جابر بن عبدالله – رضي ا لله عنه – فيما روى البخاري عن جابر – رضي الله عنه – قال: "لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي وإني لا أترك (1) لسان العرب12/555) مادة (لهم (2) قطـر الـولي علــى حـدي الـولي ص 254، وانظــر مـدارج الســالك 1/39،44- 45.) (3 ) انظر تحقيق مشكاة المصابيح3/1674.) (4) رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، بـاب مناقـب عمـر بـن الخطـاب– رضـي الله عنـــه – رقـــم: 3486 (3/1349)، رواه في كتـــاب الأنبيـــاء بـــاب: "أم حســـبت أن أصحاب الكهف والرقيم" رقم: 3282 (3/1279-1280) عن أبي هريرة بنحوه (5) مدارجالسالكين (1/454.)
عدد الصفحات ٢٦٩252 أصول الاعتقاد في سورة يونس بعدي أعز عليَّ منك، غير نفن رسول الله وإن عليَّ دَيْناً، فاقض، واستوص بأخواتك خيراً فأصبحنا ف كان أول قتيل، ودفن معه آخر في قبر، ثم س تطب نفسي أن أتركه مع الآخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هينة غير إذنه" (1) . وقيل: إن قولـه هذا وجزمه إنما كان بناء على رؤيا رآها سابقاً، فظن وقوعها (2) . (1) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب: هل يخـرج الميـت مـن القـبر واللحـد لعلـة رقـم 1286 (1/453.) (2) انظر فتح الباري3/256.)
عدد الصفحات ٢٧٠253 أصول الاعتقاد سورة يونس المبحث الثاني: شبه منكري الوحي والرد عليها: إن من أخطر الوسائل للكيد للإسلام، وأهله، إنما يمكن في محاولة التشكيك في صحة الوحي، ونفي وقوعه، ولهذا كان هذا هو سبيل المشركين في السابق، وهو هدف المستشرقين وأذنابهم في الحاضر، وهم يحاولون بشتى الوسائل إثارة الشبه بين المسلمين في مصادره، ولاشك أن القرآن الكر يم قد تصدى لكثير من شبههم وفندها، وفي هذه السورة الكريمة، ترد كثير من الشبهات التي أثارها المشركون، لرد رسالة محمد وأستطيع القول: إن المحور الأساسي في جميع هذه الشبه هو دعواهم: "إن الوحي أمر نابع من نفن محمد وفعله"، وبناء عليه تعددت شبههم وأقوالهم التي هي أوهى من بيت العنكبوت وأجملها فيما يلي: الشبهة الأولى: دعوة السحر. الشبهة الثانية: الزعم بأن كاهرة الوحي نابعة من محمد وتصوراته الشبهة الثالثة: دعوى الأخذ من الديانات السابقة كاليهودية والنصرانية، والمجوسية، والوثنية .. الشبهة الرابعة: الزعم بأن كاهرة الوحي ما هي إلا نتيجة لحالات عصبية مرضية، تعتري النبي . الشبهة الخامسة الزعم بأن محمداً كان شاكاً في الوحي، وأستعين بالله سبحانه وتعالى في رد هذه الشبه وتفنيدها. الشبهة الأولى: دعوى السحر ادعى كفار مكة بأن محمداً ساحر، وبناء عليه فما جاء به هو من السحر قال الله جل وعلا:
عدد الصفحات ٢٧١254 أصول الاعتقاد في سورة يونس [1-2]. وقوله تعا [43] . وقال تعا [76] وهو ديدن مكذبي الرسل من قبلهم قال تعا [52] وقولـه تعالى: [109] وللرد على هذه الشبهة أبين الفروق بين النبي والساحر 1- إن الأنبياء والمرسلين تتنزل عليهم الملائكة قال تعا [97] وقولـه [210-211] أما السحرة وأضرابهم فتتنزل عليهم الشياط والجن قال تعالى: [221-222]. 2- إن السحر مبناه على الظلم، والشرك، والكذب، على هذا فهو يعد من السيئات التي يبغضها الرب وينهى عنها، والأنبياء جاءوا بخلاف ذلك من الدعوة إلى التوحيد، والعدل، والصدق. 3- إن خوارق السحرة يمكن معارضتها وإبطالها من قبل السحرة ومن غيرهم، أما خوارق الأنبياء فلا يمكن لأحد أن يعارضهم، ولا يستطيع أحد أن يبطلها، ولهذا سحرة فرعون آمنوا بموسى بعد أن أيقنوا أن ما جاء به موسى عليه السلام لين من جنن السحر. 4- إن كرامات اتباع الأنبياء دليل على صدق الأنبياء بخلاف خوارق السحرة فهي دليل على الساحر وعلى سحره ولا تتعداه.
عدد الصفحات ٢٧٢255 أصول الاعتقاد سورة يونس 5- إن هدف الساحر هو التخريب والإفساد في الأرض، أما الأنبياء فهم يدعون إلى العدل والإصلاح، وعبادة الله وحده لا شريك له. 6- إن السحرة والكهانة تنال بالكسب والتعلم، بخلاف النبوة 7- إن خوارق السحرة والكهان مقدورة للجن والإنن بل والحيوان كالطير في الهواء، والمشي على الماء، بخلاف معجزات الأنبياء فلا يقدر عليها الوق كإنزال الكتب وتكليم موسى – عليه السلام – .. وغير ذلك. 8- الأنبياء– عليهم صلوات الله وسلامه – يصدق بعضهم بعضاً، أما السحرة فيكذب بعضهم بعضاً ويذم بعضهم بعضاً. 9- إن النبوة لو كانت تنال بالكسب لكان طريقها هو عبادة ا وحده لا شريك له والصدق والعدل وتزكية النفوس، بعكن السحر والكهانة فهي لا تنال إلا بالشرك بالله تعالى والكذب والزور والاحتيال.. وشتان بين الأمرين. 10- إن هذه الأمور معروفة ومعتادة، ولها خواص مستلزمة لها، وهي خارقة لعادة سائر الناس دون الأنبياء (1) . ثم يقال لهم هل كان محمد – عليه الصلاة والسلام – معروفاً بالسحر والشعوذة قبل ذلك، حتى يتهم بأنه ساحر؟! وكان عقلاؤهم (1) انظر النبـوات ص43-49، وانظـر ص439-449، والجـواب الصـحيح1/214 وأيضاً الجواب الصحيح 4/260-262)، وإيثـار الحـق علـى الخلـق، ص 204- 211.
عدد الصفحات ٢٧٣256 أصول الاعتقاد في سورة يونس يعترفون بذلك كما في حدي عتبة (1) بن ربيعة والنضر(2) وغيرهما(3) . الشبهة الثانية: الزعم بأن ظاهرة الوحي نابعة من نفس محمد وتصوراته وهي شبهة تثار في القديم، والحاضر، وقد تمسك المشركون بهذه الدعوى الباطلة، ولهذا جاء في سورة يونن – عليه السلام – الرد عليهم في قوله تعالى: [15-16]. ويقول تعا [33-34]. وقد سار على ذلك المستشرقون، فنسبوا هذا الوحي، لمحمد وتجاهلوا الحقيقة، وأعرضوا عن الحق الذي يعرفونه يقول جولد تسهير (1) : "وكان قد بلغ الأربعين من عمره– يقصد النبي محمد - وأخذ يقضي وقته على ما تعود من الخلوة (1 )عتبة بـن ربيعـة بـن عبـد أـن، أبـو الوليـد: كـبير قـريص، وأحـد سـادتها في الجاهليـة، كـان موصوفاً بالرأي والحلم والفضل، خطيب نافذ القول .. أدرك الإسلام، وطغى فشهد بدراً مع المشركين، فأحام به علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث فقتلوه (4/200.) (2) النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف صاحب لواء المشركين ببدر كان من شجعان قريص ووجوهها، آذى الرسول - صلى الله عليه وسلم - كثيراً وهـو ابـن خالته قتل يوم بدر سنة 2هـ (3) انظر هذه الروايات في دلائل النبوة للبيهقي2/201-205.)
عدد الصفحات ٢٧٤