228 أصول الاعتقاد في سورة يونس العرب" (1) . ويقال لهم موسى عندما سمع كلام الله عز وجل هل سمعه كله، أو بعضه، فإن قالوا كله لزم ذلك أن يكون موسى عليه السلام قد اطلع على جميع علم الله، وإن قالوا بعضه، بطل مذهبهم، ويقال لهم أيضاً إن كان حقيقة الخبر هي الأمر، والنهي والاستفهام .. كان معنى قوله تعالى: [43] هو معنى [32] الآية وهذا راهر بطلانه، ويلزم أيضاً من قولهم أن تكون آية الدين هي معنى آية الكرسي، ومعنى سورة اللهب لأن النوع عندهم واحد (2) . ويقول تعا [11] الآية والترتيب (بثم) التي تقتضي الترتيب مع التراخي، تفيد أن الكلام مع الملائكة كان بعد خلق آدم عليه السلام، وقولهم هذا يلزم منه أن يكون قال الله عز وجل هذا قبل خلقه لآدم والملائكة، كذلك قوله تعالى: [30] فهل قال الله تعالى للنار "هل امتلأت" قبل أن يخلقها، وهل قالت: "هل من مزيدٍ" قبل أن يخلقها؟ وهذا من فساد هذا القول وشناعته (3) والنصوص متواترة في بيان فساد هذا القول من جميع الوجوه، ويكفي في ذلك أحاديث الشفاعة وأحاديث الرؤية والحساب وأحاديث تكليم الله لملائكته وأنبيائه ورسله، كما بين ذلك ابن القيم (1) شرح الطحاوية ص158، (2) انظر القاعدة النافعة في صفة الكـلام لشـيخ الإسـلام ص31 (مطبوعـة ضـمن الرسـائل المنبرية) وانظر مجموع الفتاوى (8/413.) (3) انظرتصر الصواعق (2/296.)
عدد الصفحات ٢٤٣229 أصول الاعتقاد في سورة يونس رحمه الله (1) وأما بدعة الوقف في القرآن فقد أنكرها السلف وشددوا النكير على من اعتقدها وكفروا الفرقة التي لا تقول: إن القرآن كلام الله، وبدعوا الثانية التي تثبت ذلك لأن المسألة راهرة لا خفاء فيها (2) قال الآجر– رحمه الله – : "وأما الذين قالوا: القرآن كلام الله عز وجل ووقفوا وقالوا لا نقول غير مخلوق، فهؤلاء عند كثير من العلماء .. مثل من قال: القرآن مخلوق وأشر، لأنهم شكوا في دينهم .." ا.هـ (3) وقال أيضاً: "القرآن كلام الله عز وجل، غير مخلوق ومن قال: مخلوق فقد كفر ومن قال: القرآن كلام الله عز وجل ووقف فهو جهمي (4) ، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق جهمي كذا قال أحمد بن حنبل" ا.هـ(5) . (1) انظر المرجع السابق2/297-298.) (2) انظــر الــرد علــى الجهميــة للــدارمي ص102، والســنة لعبــدالله بــن أحمــد ص43، والشريعة للآجر ص87، وتحقيق كتاب التوحيد لابن خزيمة1/329.) (3) الشريعة: ص87. (4) قد سبق بيان معنى اللفا وتفصيل ذلك ص186 وقد شدد الإمـام أحمـد بـن حنبـل ذلك لأن إطلاق اللفا يوهم الاشتباه، وأول من قال ببدعة اللفظيـة الحسـين بـن علـي بن يزيد الكرابيسي، وكان الإمام أحمد يتكلم فيه بسبب مسألة اللفـا هـذه، قـال فيـه الأزد : ســاقط لا يرجــع إلى قولـــه مــات ســنة 245هـــ، انظــر تــاريخ بغــداد 8/64 ) وميزان الاعتدال (1/544) والأعلام2/244.) (5) الشريعة، ص89.
عدد الصفحات ٢٤٤الباب الثالث في النـبوة وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: في الوحـي الفصل الثاني: في إثبات النبوة الفصل الثالث: في إثبات نبوة محمد الفصل الرابع: في الولايــة
عدد الصفحات ٢٤٥228 أصول الاعتقاد في سورة يونس
عدد الصفحات ٢٤٦229 أصول الاعتقاد سورة يونس الفصل الأول في الوحـي وفيه مبحثان: الأول: المراد بالوحي وأنواعه الثاني: شبه منكري الوحي والرد عليها.
عدد الصفحات ٢٤٧230 أصول الاعتقاد في سورة يونس
عدد الصفحات ٢٤٨231 أصول الاعتقاد سورة يونس المبحث الأول: المراد بالوحي وأنواعه: إن إثبات الوحي وتعريفه، ورد الشبهات على من أوردها، طريق إلى الإيمان بالرسل الكرام، وذلك لأن الإيمان بهم إنما هو عن طريق الإيمان بالوحي، بل الإيمان بالوحي هو السبيل إلى الإيمان بالله عز وجل وملائكته واليوم الآخر، لهذا كان تعريفه ورد شبهاته لزاماً عليَّ قبل الدخول إلى إثبات النبوات. تعريفـه: "الوحي: الكتاب، وجمعه وُحِيٌّ، مثل حَلّيٍ وحُلّيٍ .. والوحي أيضاً: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غير ذلك" (1) . "والوحي: السرعة، يُمَّد ويقصر، ويقال: الوحى الوَحى: يعن البدار البدار" (2) وقال الراغب: "أصل الوحي الإشارة السريعة، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوت .. وبإشارة ببعض الجوارح، وبالكتابة" ا.هـ (3) "واستوحاه: حركه، (1) الصحاح6/2519-2520)، وانظر النهاية في غريب الحـدي5/163)، وانظـر لسان العرب (15/19) وانظر بصائر ذوي التمييز5/179-10.) (2) الصحاح6/2520.) (3) المفردات، ص515.
عدد الصفحات ٢٤٩232 أصول الاعتقاد في سورة يونس ودعاه، ليرسله واستفهمه" (1) وأوحى إليه: بعثه، وأوحى إليه ألهمه"(2) . ومن هنا يتبين أن معاني الوحي تدور حول، الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام، والسرعة، والكلام الخفي .. وهذه المعاني تدل على الوحي في تعريفه الشرعي وإن كانت أعم منه. فأما تعريفه اصطلاحاً: قال الزهري – رحمه الله – "الوحي: ما يوحي الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه، فيثبت الله عز وجل ما أراد من وحيه في قلب النبي يتكلم به الن ويبينه، وهو كلام الله عز وجل ووحيه، ومنه ما يكون بين الله ورسوله، لا يكلم به أحد من الأنبياء أحداً من الناس، ولكن سر غيب بين الله عز وجل وبين رسله، ومنه ما يتكلم به الأنبياء، ولا يكتبونه لأحد، ولا يأمرون بكتابته، ولكنهم يحدثون به الناس حديثاً، ويبينون لهم أن الله عز وجل أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوه(3) . وقيل في تعريف الوحي "كلام الله المنزل على نبي من أنبيائه (4) وقيل الوحي "أن يُعَلِّمَ ا تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد (1) القاموس المحيط ص1729. (2) لسان العرب (15/380.) (3) رواه الآجري في الشريعة عن الزهري بسـنده عـن يـونن بـن يزيـد الأيلـي ص452- 453، ورواه البيهقي في الأسماء والصفات1/310.) (4) عمدة القارئ بشرح صحيح البخاري للبدر العي1/15.)
عدد الصفحات ٢٥٠233 أصول الاعتقاد سورة يونس إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية، غير معتادة للبشر" (1) وقيل الوحي "الإعلام بالشرع، وقد يطلق ويراد به اسم المفعول منه أي الموحى وهو كلام الله المنزل على النبي (2) . أركان الوحي ومن خلال هذه التعاريف يتبين أن للوحي في معناه الشرعي الاصطلاحي ثلاثة أركان هي: المصدر، والمورد، والـمُـوحى، فأما مصدره فهو الله عز وجل، وأما المورد فهو النبي أن الرسول الذي يتلقى وحي الله، وأما المُوحى فهو كلام الله وأوامره التي أمر بها، وقد جاء ذكر الوحي في سورة يون ن عليه السلام في قوله تعالى: [2] الآية وفي قوله تعالى: [15] وقوله [87] . وفي قوله تعالى: [109]. أنواع الوحي تعددت طرق الوحي، وأنواعه، فمنها ما يختص بالأنبياء، ومنها ما يشترك معهم غيرهم من البشر وغيرهم قال تعالى: (1) مناهل العرفان1/56.) (2) العقد المنتظم في أقسام الوحي اعظم ص4.
عدد الصفحات ٢٥١234 أصول الاعتقاد في سورة يونس [51] وهي كما يلي النوع الأول: الرؤيا الصادقة: والرؤيا الصادقة "هي التي لين بها ضغ (1) "(2) ، وكانت الرؤيا الصالحة أول ما بدئ به من الوحي كما جاء في حدي عائشة – رضي الله عنها – قالت: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.." الحدي (3) وشبهت بفلق الصبح لظهوره، ووضوحه، وكذلك الرؤيا، وقوعها حق لا مرية فيه (4) وكان بدء الوحي للن بالرؤيا الصالحة، وقال بعض العلماء، إنما كانت الرؤيا الصالحة إرهاصاً للنبوة، قال البدر العيني (5) رحمه الله "إنما ابتدئ بها فبدئ بأول خصال النبوة، وتباشير الكرامة من صدق ال رؤيا مع سماع الصوت وسلام الحجر والشجر عليه بالنبوة، ورؤية الضوء، ثم أكمل الله له النبوة (1 )"وكلام ضَغْ ٌ وضَغَ ٌ: لا خير فيه والجمع أضعاف .. وأضعاف أحـلام الرؤيـا الـتي لا يصـح تأويلها لاختلاطها "لسان العرب (2/332) وانظر النهاية في غريب الحدي3/90.) (2) انظر فتح الباري1/31. (3) رواه البخاري في كتاب الوحي باب كيـف كـان بـدء الـوحي إلى رسـول صـلى الله عليـه وسلم رقم 3(1/4) ورواه مسلم في الإيمان باب: الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم 252 (ج1/139.) (4) انظر فتح الباري1/31. (5 )بدر الدين أبو محمد محمود بن حمـد بـن القاضـي شـرف الـدين الحنفـي المعـروف بـالعيني، مـن كبار المحدثين ولد سنة 762 تولى القضاء والحسبة في القاهرة وعـزل عنهـا، لـه مصـنفات كـثيرة منها: عمدة القاري في شرح البخـاري، ومغـني في الأخبـار في رجـال معـاني الآثـار وغيرهمـا توفي سنة 855 انظر شذرات الذهب7/826-288) والأعلام7/163.)
عدد الصفحات ٢٥٢235 أصول الاعتقاد سورة يونس بإرسال الملك في اليقظة، وكشف له عن الحقيقة كرامة له" (1) وقال ابن حجر – رحمه الله – "وبدئ بذلك ليكون تمهيداً وتوطئة لليقظة، ثم مهد له في اليقظة أيضاً رؤية الضوء وسماع ا لصوت وسلام الحجر" (2) وهذا يدل عليه حدي عائشة– رضي الله عنها – في قولها: "ثم حبـب إليه الخلاء" وقولـه "حتى جاءه وهو في غار حراء" إذ التعقيب بثم يدل على الترتيب مع التراخي ودل على أن الرؤيا كانت قبل الخلوة، وقبل نزول الملك، ولكن هذا لا يمنع أن تكون رؤياه – عليه الصلاة والسلام – بعد ذلك من الوحي، وكذلك رؤيا الأنبياء من قبله (3) ، قال تعا [4] وقوله تعالى في قصة إبراهيم – عليه السلام –: [102] وقوله تعالى في شأن نبينا محمد : [27]. وفي حدي أم المؤمنين عائشة– رضي الله عنها – وفيه ".. فقلت يا رسول الله تنام قبل أن توتر؟ قال: لا تنام عيني ولا ينام قلبي" (4) . وعن عبيد بن عم(1) قال: "إن رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ [102] "(2) وعن معاذ بن جبل (1) عمدة القاري1/67.) (2) فتح الباري1/31.) (3) انظر مدارج السالك1/51.) (4) رواه البخاري في كتاب المناقب: باب كان النبي صلى الله عليه وسلم تنام عينه ولا ينام قلبه رقم: 3376 ج3/1308.)
عدد الصفحات ٢٥٣236 أصول الاعتقاد في سورة يونس – رضي الله عنه – قال: "احتبن عنا رسول الله ذات يوم غداة صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمن، فخرج رسول الله سريعاً فثوب بالصلاة وصلى، وتجوز في صلاته، فلما سلم قال: "كما أنتم على مصافكم" ثم أقبل علينا، فقال: "إني سأحدثكم ما حجبني عنكم الغداة، إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة، فقال: يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت لا أدري يا رب فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله في صدري، وتجلى لي كل شيء وعرفت، فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت في الكفارات والدرجات، قال وما الكفارات؟ قلت: نقل الأقدام إلى الجمعات، وجلوس في المسا جد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات، قال: وما الدرجات؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام .." (3) الحدي == (1) عبيد بن عمير أبو عاصم الليثي وهو ابن قتادة قاصي أهل مكة، روى عـن عمـر وأبـي موسى الأشعري، وأبيه عمير بن قتادة، انظر التاريخ الكبير للبخاري (5/455.) (2) أخرجه البخاري في كتابه صفة الصلاة باب وضوء الصبيان موقوفاً على عبيد بـن عمـر رقم: 821 ج1/294 . (3) رواه الترمذي في كتاب التفسير في تفسير سـورة (ص) رقـم3233 (8/365)، ورواه الإمام أحمد في المسند (5/243) واللفظ له، ورواه الدارمي في سننه عن عبدالرحمن بــن عــائص اتصــراً، قــال الترمــذي: "هــذا حــدي حســن صــحيح، ســألت محمــد بــن إسماعيل – يعني البخـاري – عـن هـذا الحـدي فقـال هـذا الحـدي حسـن صـحيح، وقال هذا أصح من حدي الوليد بن مسلم عن عبـدالرحمن بـن يزيـد بـن جـا بـر قـال حدثنا بن اللجلاج. حدثني عبدالرحمن بـن العـايص الحضـرمي قـال: قـال رسـول الله صــلى الله عليــه وســلم فــذكر الحــدي وهــذا غــير محفــوك، وروى بشــر بــن بكــر عــن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر هذا الحدي بهذا الإسناد عن عبدالرحمن بن عايص عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أصح. وعبـدالرحمن بـن عـايص س يسـمع مـن الـنبي صلى الله عليه وسلم" ا.هـ. ==
عدد الصفحات ٢٥٤237 أصول الاعتقاد سورة يونس وقد اختلف في نزول شيء من القرآن بهذا النوع من الوحي، وسبب هذا الاختلاف ما روى مسلم في صحيحه عن أنن بن مالك – رضي الله عنه – قال: (بينا رسول الله ذات يوم بين أكهرنا، إذ غفا إغفاءة، ثم رفع رأسه مبتسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله، قال: "أنزلت عليَّ آنفاً سورة" فقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم . [1-3] ثم قال أتدرون ما الكوثر فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدثوا بعدك" (1) ومحل الشاهد في الحدي قوله: "فأغض إغفاءة". قال السيوطي – رحمه الله – : "قال الرافعي (2) في أماليه: فهم فاهمون من الحدي أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، وقالوا: من == وقال ابن رجب – رحمه الله – : في إسناده اختلاف، له طرق متعـددة، وفي بعضـهما زيادة ونقصان" ا.هـ اختيار الأولى في شرح حدي اختصام الملأ الأعلى ص12، وقـال الهيثمي: "رواه أحمد ورجاله ثقات ورواه الطبراني" ورجاله ثقات وفي الباب عـن ابـن عمر وثوبان رضي الله عنهم رواه البزار وأبو أمامـة ورواه الطبرانـي ا.هــ مـع الزوائـد (7/167-179.) (1) رواه مسلم في كتاب الصلاة باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سـورة سـوى براءة رقم 400 (1/300)، ورواه أبو داود في سننه كتاب السنة باب في الحـوض رقـم الحدي 4747 (2/650) عـن المختـار بـن فلفـل بـه اتصـراً، ورواه الإمـام أحمـد المسند (3/102) عن المختار أيضاً بنحوه (2) عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم، أبو القاسم القزويني: فقيه، مـن كبـار الشـافعية، كان له لن بقزوين للتفسير والحدي وتوفي فيها .. له "التدوين في ذكر أخبار قـزوين" و"الأمالي الشارحة لمفردات الفاتحة .. وغيرها" ت623 الأعلام4/55.)
عدد الصفحات ٢٥٥238 أصول الاعتقاد في سورة يونس الوحي ما كان يأتيه في النوم، لأن رؤيا الأنبياء وحي، قال: وهذا صحيح لكن الأشبه أن يقال إن القرآن كله نزل في اليقظة، وكأنه خطر له في النوم سورة وفسرها لهم، قال: ورد في بعض الروايات أنه أغمي عليه، وقد يحمل ذلك على الحالة التي كانت تعتريه عند نزول الوحي ويقال لها برحاء الوحي" ا.هـ ثم عقب عليه السيوطي بقوله - قلت: الذي قاله الراف عي في غاية الاتجاه، وهو الذي كنت أميل إليه قبل الوقوف عليه، والتأويل الأخير أصح من الأول لأن قولـه أنزل عليَّ آنفاً يدفع كونها نزلت قبل ذلك، بل نقول نزلت تلك الحالة لين الإغفاء إغفاء نوم، بل الحالة التي كانت تعتريه عند الوحي، فقد ذكر العلماء أنه كان يؤخذ عن الدنيا" ا.هـ (1) والذي يظهر أنهما حملا الحدي على عدة محامل أوجزها فيما يلي: 1- أن تكون السورة نزلت في اليقظة ثم خطرت له – عليه الصلاة والسلام – في النوم، وهذا بعيد لما جاء في الحدي (أنزلت علي آنفاً سورة). 2- أو عرض عليه الكوثر في الجنة فقرأها عليهم، ليفهم أن هذا هو المراد من تفسير السورة. 3- إن ذلك الذي اعتراه – عليه الصلاة والسلام – هو حالة الوحي فظنها أصحابه إغفاءة، ورجح هذا السيوطي – رحمه الله – وهذا قد يشكل أيضاً مع ما كان يعلمه أصحابه ويعرفونه من حاله عليه الصلاة والسلام عند نزول الوحي وأنن بن مالك – رضي الله عنه – كان من كبار الصحابة، ولازم النبي كثيراً. ولا ريب أن جبريل عليه (1) الإتقان1/47-48)، وانظر العقد المنظم في أقسام الوحي، ص6.
عدد الصفحات ٢٥٦239 أصول الاعتقاد سورة يونس السلام يدارس الرسول بالقرآن كل عام فلا وجه إذن لتأويل الحدي . هذا فيما يتعلق برؤيا الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وأما رؤيا غيرهم من المؤمنين فهي من المبشرات وهي جزء من النبوة كما في الحدي عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : "إن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة (1) وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – : "إن الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة" (2) فعليه تكون الرؤيا على ثلاث مراتب الأولى: رؤيا الأنبياء – عليهم صلوات الله وسلامه – وهي حق، وصدق، وقد تقع كما هي من غير تأويل كما في رؤيا النبي في قوله تعالى: [27]. وقد تُأَول كما رؤيا يوسف – عليه السلام – . الثانية: رؤيا الصالحين من عباد الله، وهي صدق في الغا لب ومصداق ذلك في قولـه "إذا اقترب الزمان س تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمن (1) رواه البخاري في كتاب التعبير باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ورواه مسلم في كتاب الرؤيا، في مقدمة الكتاب رقم: 2263 (4/1774.) (2) رواه مسلم في كتاب الرؤيا، رقم2265 (4/1775)، وقال ابن حجر– رحمـه الله – بعد إيراد الروايات في العدد: "فحصلنا مـن هـذه الروايـات علـى عشـرة أوجـه أقلـها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين وبين ذلك أربعـون وأربعـة وأرب عـون، وخمســة وأربعــون، وســتة وأربعــون وســبعة وأربعــون وتســعة وأربعــون وخمســون وسبعون، وأصحها مطلقاً الأول ويليه السبعون .." ا.هـ الفتح 12/80.
عدد الصفحات ٢٥٧240 أصول الاعتقاد في سورة يونس وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا ثلاث: فالرؤية الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس" (1) وهي الوقت نفسه لا تعد مسقطة لحكم شرعي، ولا موجبة له. الثالثة: بقية الخلق، فساقُهم ومنافقوهم .. وهؤلاء رؤياهم مشتملة على الصدق، وعلى ما عداه من أضغاث الأحلام وهو الغالب (2) . وقد اختلف في كون رؤيا المؤمن جزءاً من النبوة، والنبوة قد انقطعت وختمت بنبينا محمد على أقوال كثيرة يطول شرحها منها: 1- إن هذه الرؤيا توافق ما جاءت به النبوة ولا تخالفه، ونقل عن الخطابي. 2- إنها جزء من العلم الذي جاءت به الأنبياء، باعتبار أن لها اطلاعاً على بعض الغيب. 3- إن المراد بهذا الجزء يعود إلى المعنى اللغوي للنبوة، وهو الإنباء، والإخبار فتكون الرؤيا من باب الخبر الصادق، فلهذا هي جزء من النبوة لاعتبار الصدق فيها، والالجاز لصاحبها أن يسمى نبياً (3) . 4- قيل: إن كون الرؤيا ستة وأربعين جزءاً من النبوة خاص ذلك بالأنبياء لا يشاركهم غيرهم (4) . 5- إن المراد تشبيه الرؤيا بالنبوة، وجزء الشيء لا يكون مثله كجزء الصلاة لا يعد صلاة. (1) رواه مسلم في كتاب الرؤيا في المقدمة رقم2263 (4/1773.) (2) انظر فتح الباري12/379-382.) (3) انظر المرجع السابق12/380-382)، و1/27.) (4) انظر صحيح مسلم بشرح النووي15/21-22)، ومدارج السالك1/50.)
عدد الصفحات ٢٥٨