المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام

قذلة بنت محمد القحطاني

صفحة ١٥ من ٣٩

212 أصول الاعتقاد في سورة يونس الملائكي مبلغاً عن ربه جل وعلا، قال تعالى:                           [51]. ومنها ما خطه جل وعلا بيده قال تعا                    [145]. ثالثاً: إن جميع هذه الكتب يصدق بعضها بعضاً قال تعا                          [37]. رابعاً: إن نسخ هذه الكتب بعضها لبعض حق كما نسخ الإنجيل بعض شرائع التوراة وكما كان القرآن ناسخاً لجميع هذه الشرائع. وأن النسخ جائز في القرآن الكريم فقد ينسخ بعضه بعضاً كما قال تعالى:             [106]. خامساً: إن جميع هذه الكتب قد اتفقت على الد عوة على توحيد الله عز وجل وإن اختلفت الشرائع. سادساً: الإيمان بأن لله كتباً كثيرة لا يعلم عددها إلا الله فنؤمن بها إجمالاً، ونؤمن بما ورد ذكره تفصيلاً كالتوراة، والإنجيل والزبور، وصحف إبراهيم، والقرآن. أما الإيمان بالقرآن الكريم فيشمل جميع ما سبق ويزيد علي ها، بأنه يجب مع الإيمان به، امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وتحكيمه في جميع شؤون البشر والعمل بمحكمه، والوقوف عند متشابهه، وأنه ناسخ لجميع الكتب السابقة ومهيمن عليها قال

عدد الصفحات ٢٢٧

213 أصول الاعتقاد في سورة يونس تعالى:               [48] ، وأنه محفور بحفا الله تعالى له، وتلك مزية له خاصة حيث تكفل الله تعالى بحفظه كما قال عز وجل:           [9]. فجميع ما في المصحف هو كلام الله تعالى لم يفت منه شيء(1) . هذا مجمل معنى الإيمان بالكتب، وإليك التعريف بأشهرها وهي ثلاثة: 1- التوراة 2- الإنجيل 3- القرآن الكريم 1- التـوراة التوراة "لفا عبراني بمعنى التعليم والشريعة" (2) وهي منزلة على نبي الله موسى الكليم – عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه – . والتوراة تطلق اليوم عند اليهود (3) على مجموعة الأسفار الخمسة، وهي سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر الأحبار، وسفر العدد، وسفر التثنية (1) . (1 )انظر فيما سبق: المنهاج في شعب الإيمان1/317-323) وانظر شعب الإيمان للبيهقـي 1/447 وما بعدها، وانظر معارج القبول672-675) وانظر شرح الواسطية ص17. (2) إرهار الحق1/99) وانظر دائرة معارف القرن العشرين2/702.) (3 )اليهود: هم قوم موسى– عليه السلام – وسموا بذلك الاسم نسبة إلى يهوذا ابن يعقوب وقيل: نسبة إلى الهود وهو التوبة والإنابة، وكان اليهـود يعرفـون بـبني إسـرائيل ثـم أطلـق ==

عدد الصفحات ٢٢٨

214 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقد أخبر الله تعالى بتحريفهم لها كما في قوله تعالى:                            [79] ويقـول تعــالى:                               [174]. ومن الأدلة على أن التوراة الموجودة الآن محرفة ما يلي 1- ما جاء في وصف الرب تعالى بأوصاف لا تليق به تعالى و يمكن أن يصف بها نفسه جل وعلا في كتاب من كتبه، ومن أمثلة ذلك ما جاء في الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد "فقال موس ى للرب فيسمع المصريون الذين أصعدت بقوتك هذا الشعب من وسطهم 14- ويقولون لسكان هذه الأرض قد سمعوا أنك يا رب وسط هذا الشعب الذين أنت يا رب قد رهرت لهم عيناً لعين، وسحابتك واقفة عليهم وأنت سائر أمامهم بعمود سحاب نهاراً وبعمود نار ليلاً" (2) . == عليهم يهود: وديـانتهم أصـلها صـحيح، ولكـنهم حرفـوا وبـدلوا في ديـن الله تعـالى مـا يشرعه .. وهم فرق كثيرة منها: العنانية والعيسوية، والمقاربة، والسامرة، وغيرها. انظر الملل والنحل (1/210 وما بعدها) ودائرة معـارف القـرن العشـرين1/280- 293). والموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة ص18 وما بعدها (1) انظر إرهار الحق1/99)، ودائرة معارف القرن العشرين2/702.) (2) سفر العدد الإصحاح الرابع عشر الفقرة 13-14.

عدد الصفحات ٢٢٩

215 أصول الاعتقاد في سورة يونس وما جاء في سفر التثنية في الإصحاح الرابع (24- لأن الرب إلهك هو نار أكله إله غيور) (1) . 2- اتهامهم هارون– عليه السلام – بصناعة العجل، وحاشاه وهو نبي من أنبياء الله أن يفتر على الله ويدعو إلى الشرك والوثنية ولكن اليهود إخوان القردة والخنازير، لا يفتؤون يفترون على الأنبياء الكذب والزور، ومن ذلك ما جاء في سفر الخروج في الإصحاح الثاني والثلاثين: "1- ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا، لأن هذا موسى الرجل الذ أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه. 2- فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها. 3- فنزع كل الشعب أقراط الذهب ال في آذانهم وأتوا بها إلى هارون. 4- فأخذ ذلك من أيديهم وصوّرهُ بالأزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً" (2) . إلى آخر ما جاء في كتبهم من التحريف والتبديل، با ضافة إلى انقطاع أسانيدها، وما فيها من التناقض والاختلاف في التواريخ، وقد شهد بعضهم من المنصفين على أن هذه التوراة كتبت في زمن سليمان – (1) سفر التثنية الإصحاح الرابع الفقرة24. (2) سفر الخروج الإصحاح الثاني والثلاثون الفقرة1-4، وانظر الفقرة21-26.

عدد الصفحات ٢٣٠

216 أصول الاعتقاد في سورة يونس عليه السلام – لأن ما فيها شاهد على أن كاتبها ليس موسى – عليه السلام – (1) . 2- الإنجيـل الإنجيل: "اسم عبراني أو سرياني وقيل: وهو عربي" (2) قيل "كلمة يونانية معربة معناها البشارة بالخير أو الخبر السار" (3) والإنجيل قبل أن يحرف هو كتاب الله أنزله إلى نبيه عيسى – عليه الصلاة والسلام – وأما اليوم بعد تحريف النصارى (4) وتبديلهم فأصبح يطلق على مجمو عة الأناجيل الأربعة وهي: 1- إنجيل متي. (1) انظر الفصل في الملل والنحل1/252 ومـا بعـدها، والجـواب الصـحيح1/356 ومـا بعــــدها) و (2/18-20)، وإرهــــار الحــــق1/112-128)، و2/425 ومــــا بعدها). (2) لسان العرب11/648.) (3) إرهار الحق1/103) (الهامش (4) النصارى: أمة المسيح عيسى ابن مريم عليـه السـلام، وقـد مكـث فـيهم ثـلاث سـنين، وثلاثــة أشــهر تقريبــاً ثــم رفعــه الله بعــد محاولــة الصــلب، فــاختلف الحواريــون بعــده في أمرين: الأول: كيفية نزولـه، وتجسد الكلمة بأمـه، الثانيـة: كيفيـة صـعوده واتصـاله بالملائكـة وكان نتيجة اختلافهم، قول بعضهم بإثبات الأقايم الثلاثة. وسموها: الأب، والابن، والروح القدس، وزعموا أنـه قُتـل، وأن اليهـود قتلـوه حسـداً وبغيـاً، وأن القتـل وقـع على الجزء الناسوتي، وقد انقسمت الكنيسة إلى شـرقية وموقعهـا القسـطنطينية وغربيـة وموقعها: روما، وهم فرق شتى منها: الملكانية، والنسطورية، واليعقوبية ومن الفرق الحديثة: الكاثوليك، والأرثوذكس، والبروتستانت. انظـر الملـل والنحـل للشهرسـتاني (1/220-228) ومحاضرات في النصرانية محمد أبو زهرة بكامله والموجز في الأديـان والمذاهب المعاصرة ص64 وما بعدها

عدد الصفحات ٢٣١

217 أصول الاعتقاد في سورة يونس 2- إنجيل مرقس 3- إنجيل لوقا 4- إنجيل يوحنا وهذه الأناجيل الأربعة، تحو تاريخ حياة عيسى عليه السلام وبعض أعماله وأقواله، ممزوجة بالتحريف والتثليث، والكذب على الله تعالى، وتسمى العهد الجديد ويلحق بها عدة رسائل (1) وقد اشتمل الإنجيل على التحريف، والتبديل، كال توراة وثبت بالدليل القطعي، انقطاع السند بين كاتبه، الذ نقله وأنه لا يعرف له كاتب معروف (2) وفيها من الدعوة إلى التثليث والإشراك بالله تعالى، وزعمهم أن عيسى عليه السلام ابن الله كما في إنجيل متى: في الإصحاح السابع والعشرين "29- وكان المجتازون يجدفون عليه وهم يهزون رؤوسهم 40- قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام خلص نفسك، إن كنت ابن الله فانزل عن الصليب 42- خلّص آخرين وأما نفسه فما يقدر أن يخلصها إن كان هو ملك إسرائيل فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به 43- قد اتكل على الله فلينقذه الآن إن أراده لأنه قال أنا ابن الله" (3) . بل وزعمهم أنهم كلهم أبناء ا- تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرا – كما في إنجيل يوحنا الإصحاح الأول قولـه: "11- إ خاصته جاء وخاصته لم تقبله. 12- وأمّا كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أ "المؤمنون" باسمه 13- الذين ولدوا (1) انظر لسان العرب11/648) وإرهار الحق1/103-104) ودائرة معارف القـرن العشرين (1/655-656.) (2) انظر هداية الحيارى، ص218-221. (3) إنجيل متى الإصحاح27 الفقرة39-43.

عدد الصفحات ٢٣٢

218 أصول الاعتقاد في سورة يونس ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله" (1) ومن أدلة التحريف، والتبديل ما جاء في كتبهم من وصف الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه – بالأفعال القبيحة التي لا تصدر من عامة الناس، فكيف بالأنبياء – عليهم صلوات الله وسلامه – كما سيأتي – إن شاء الله (2) ومن أدلة التحريف– أيضاً كتمانهم النصوص الدالة على صدق نبوة نبينا محمد  كما سيأتي إن شاء ا (3) والأدلة كثيرة، وليس هذا مجال بسطها (4) . (1) إنجيل يوحنا الإصحاح الأول الفقرة 11-13. (2) انظر ص227-228. (3) انظر ص310 وما بعدها (4) انظر الفصل في الملل والنحل2/13 وما بعدها) وانظـر الجـواب الصـحيح2/9 ومـا بعدها) وانظر هدايـة الحيـارى لابـن القـيم ص 106، ومـا بعـدها، وانظـر إرهـار الحـق بجميع أجزائه، وانظر الجواب الفسيح للألوسي (2/593 وما بعدها

عدد الصفحات ٢٣٣

219 أصول الاعتقاد في سورة يونس 3- القرآن الكر تعريفه: أما في اللغة: هو مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآناً ومعناه الجمع والضم، وسمي القرآن بذلك، لأنها جمعت سوره، وضُم بعضها إلى بعض (1) "ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقة سَلىً قطُّ وما قَرأَتْ جنيناً قط، أ يضم رحمها على ولد" (2) . وقد يطلق لفا القرآن على القراءة والتلاوة "يقال قرأ قراءةً وقرآناً" (3) . أما في الاصطلاح فالقرآن اسم لكلام الله تعالى، المنزل على نبيه محمد  الذ عجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله، وهو كلام الله حقيقة لا مجازاً، ليس بمخلوق، منه بدأ وإليه يعود، المسموع بالآذان، المتلو بالألسنة، المحفور في الصدور، المكتوب في المصاحف، وهذا ما دل عليه الكتاب والسنة، واتفق عليه السلف (4) . وقد وصف الله تعالى القرآن في هذه السورة بأنه حكيم في قوله تعالى:         [1] أ "المحكم (1) انظر الصحاح1/65) وانظر لسان العرب1/128-129) وانظر الجامع لأحكـام القرآن 2/298. (2) لسان العرب1/128.) (3) المرجع السابق1/129)، وانظر الصحاح1/65.) (4) انظـــر الجـــامع لأحكـــام القـــرآن 2/298)، ومجمـــوع الفتـــاوى 12/235-236 ) والــوجيزفي علــم التفســير للســيوطي ص 39-40، وشــرح الطحاويــة ص135- 136.

عدد الصفحات ٢٣٤

220 أصول الاعتقاد في سورة يونس المبين" (1) وبأنه موعظة، وشفاء، وهدى ورحمة كما في قولـه تعا                  [57] وزعمت الجهمية، والمعتزلة ومن وافقهم أن القرآن مخلوق، قال القاضي عبدالجبار: "وأما مذهبنا في ذلك، فهو أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث، أنزله الله على نبيه ليكون علماً ودالاً على نبوته .." ا.هـ (2) واستدلوا بقوله تعالى:       [62]. وقالوا القرآن شيء، فهو مخلوق، واستدلوا أيضاً بقولـه       [3] وقالوا جعل خلق، ولهم أدلة أخرى(3) وأما الأشاعرة ومن وافقهم فقالوا: إن القرآن "هو القول القائم بالنفس الذ تدل عليه العبارات وما يصطلح عليه من الإشارات" (4) وهناك فرقة الواقفة، وهم الذين يقولون لا نقول مخلوقاً ولا غير مخلوق وهم فرقتان: الأولى: تقول: لا نقول إنه مخلوق ولا غير مخلوق وهم الشاكة. الثانية: تقول: لا نقول هو مخلوق ولا غير مخلوق مع إيمانهم بأنه كلام الله. وقالوا ذلك تورعاً (5) وجميع هذه الأقوال خالف أصحابها (1) تفسير ابن كث3/482.) (2) الأصول الخمسة ص528 وانظر مقالات الإسلاميين ص153،191. (3) انظر شرح الأصول الخمسة ص531 وما بعدها وانظر المعنى7/208 وما بعدها (4) الإرشــاد للجــويني ص108 وانظــر ص109 ومــا بعــدها. وانظــر الإنصــاف للبــاقلاني ص58 وشرح الفقه الأكبر بشرح ملا علي القار ، ص15 . (5) انظــر الــرد علــى الجهميــة للــدارمي ص 102 والســنة لعبــدالله بــن الإمــام أحمــد ص 43 والشــريعة للآجــر ص87، وشــرح أصــول الاعتقــاد2/324) والفصــل في الملــل والنحل (3/11) وتحقيق كتاب التوحيد لابن خزيمة (1/329.)

عدد الصفحات ٢٣٥

221 أصول الاعتقاد في سورة يونس إجماع الأئمة، كما نصَّ على ذلك عدد منهم كما روى البخار – رحمه الله – في خلق أفعال العباد – عن سفيان بن عيينة قال: "أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة منهم عمرو بن دينار يقولون: القرآن كلام الله، وليس بمخلوق" (1) وقال القاسم الأصبهاني – رحمه الله : "أجمع المسلمون أن القرآن كلام الله،و إذا صح أنه كلام الله صح أنه صفة تعالى، وأنه عز وجل موصوف به، وهذه الصفة لازمة لذاته" ا.هـ (2) . وروى عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه سمع عبدالرحمن بن مهد يقول "من زعم أن الله يكلم موسى يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه" (3) . والسلف– رحمهم الله تعالى – قالوا: "من بدأ" أ بمعنى أن الله تعالى هو المتكلم به فلم يخلقه في غيره، فيكون بدأ من هذا المخلوق وفي هذا رد على من قال بخلق القرآن، إذ لو كان بدأ من ذلك المحل لكان (1) رواه البخــار في كتــاب خلــق أفعــال العبــاد ص7، والبيهقــي في الأسمــاء والصــفات (1/381) عن البخار به وقال: "ورواه غير الحكم عـن سـفيان بـن عيينـة نحـو روايـة ســلمة بــن شــبيب عــن الحكــم بــن محمــد" ا.هـــ ورواه الــدارمي في الــرد علــى المريســي (ص116-117) من طريـق إسـحاق بـن إبـراهيم الحنظلـي بـه وزاد" الله الخـالق ومـا سواه مخلوق والقرآن كلام الله منه خرج وإليـه يعـود" رواه الـذهبي في العلـو مـن طريـق إسحاق بن راهويه بلفا الدارمي (مختصر العلو ص164) وقال عقبة: وقد تـواتر هـذا عن ابن عيينة" ا.هـ ومشايخ سفيان بن عيينة هم عدد من الصحابة من أمثال ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبدالله وعبـدالله بـن الـزبير – رضـي الله عـنهم – وأكـابر التـابعين كعمرو بن دينار. انظر شعب الإيمان للبيهقي (1/458-459.) (2) الحجــة في بيــان الحجــة 2/193) وانظــر الفصــل في الملــل والنحــل 3/11) والفتــاوى الكبرى (5/144) ومختصر الصواعق (2/285-286.) (3) رواه عبدالله بـن أحمـد في السـنة ص16، والبيهقـي في الأسمـاء والصـفات1/386 ) عن عبدالله بن أحمد به وإسناده ثقات

عدد الصفحات ٢٣٦

222 أصول الاعتقاد في سورة يونس صفة له، وليس صفة للرب تعالى (1) وأما أصوات العباد، وحركاتهم فهي مخلوقة، قال البخار – رحمه الله: "حركاتهم وأصواتهم، واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المتلو المبين المثبت في المصحف المسطور المكتوب، الموعى في القلوب فهو كلام الله ليس بخلق .." ا.هـ (2) وقال أبو حنيفة– رحمه الله – : "والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفور، وعلى الألسن مقروء، وعلى النبي  منزل، ولفظنا بالق رآن مخلوق، والقرآن غير مخلوق" ا.هـ (3) وتفصيل ذلك أن اللفا يطلق على المعنيين: الأول: الملفور وهو غ مخلوق قطعاً ولا استطاعة للعبد عليه. الثاني: التلفا والتلاوة وهو فعل العبد، وهذا مقدور عليه وهو مخلوق (4) ودليل ذلك من سورة يونس قولـه تعالى:             [16] الآية وقوله تعا            [61] الآية فأضاف التلاوة للعبد، وجعلها فعلاً له، ولاشك أن فعل العبد (التلاوة) مخلوق، وأما (المتلو) فليس بمخلوق فإن المبلغ لكلام غيره بلفا صاحب الكلام، إنـما بلغ غيره كما يقول: روى الحديث بلفظه وإنما يبلغه بصوت نفسه لا بصوت صاحب الكلام" ا.هـ (5) ومن الآيات الكريمة في سورة يونس التي تثبت أن القرآن كلام الله قوله (1) انظر مجموع الفتاوى12/40.) (2) خلق أفعال العباد، ص34. (3) الفقه الأكبر مع شرحه ص180. (4) انظر خلق أفعال العباد ص137-154 وانظر شرح أصول الاعتقاد2/346) وانظر تــاريخ بغــداد ( 8/64) و2/30) وانظــر مجمــوع الفتــاوى6/527) وانظــر مختصــر الصواعق (2/304 وما بعدها) وانظر معارج القبول1/292.) (5) مجموع الفتاوى12/306.)

عدد الصفحات ٢٣٧

223 أصول الاعتقاد في سورة يونس تعالى:                          [37]. فقولـه     دليل على أنه كلامالله. وقوله تعالى:                          [94] فأضاف إنزال القرآن إليه – تعالى – مما يدل على أنه كلامه كما في قوله تعالى:          [7] الآية كقوله تعالى:                 [15] الآية، وليس هذا الإنزال كالإنزال المقيد بالسماء كقوله تعالى:               [24] الآية فهذا بمعنى العلو، وهو بمعنى نزول الماء من السحاب، وليس كالإنزال المطلق الذ قد يشمل إنزال ذكور الأنعام الماء في أرحام الإناث وإنزال الحديد والسكينة وغير ذلك ولهذا قال تعالى:               [102] وروح القدس هنا جبريل – عليه السلام – وهو الذ أنزل القرآن الكريم على نبينا محمد  (1) ومن الآيات في الرد على من قال إن القرآن مخلوق قوله ت عالى:                   [38] . ولو كان مخلوقاً لأمكن مضاهاته، والإتيان بمثله، كيف، وقد جاء في معرض التحد لأقوام برزوا في الفصاحة والبلاغة، مع شدة (1) انظر مجموع الفتاوى12/117 وما بعدها) وانظر(12/246-257.)

عدد الصفحات ٢٣٨

224 أصول الاعتقاد في سورة يونس الحرص على تكذيبه؟: ومع ذلك لم يحاولوا ذلك، فدلَّ على أنه كلام الخالق جل وعلا، ثم إن القائل إن كلام الله تعالى مخلوق إما أن يقول: إنه خلقه في ذاته أو منفصلاً عنه، أو قائماً بغيره. والأول: باطل لأنه يستلزم أن يكون الرب تعالى محلاً للحوادث، فليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته، بل هو سبحانه بائن من خلقه. والثاني: باطل شرعاً وعقلاً فالصفة لا تقوم بغير الموصوف، ومحال أن تقوم الأعراض بذاتها وهذا مما يعلم في بداهة العقول. والثالث: يلزم منه أن يكون كل كلام في ا لوجود كلامه الشعر والنثر والسب والشتم، ومن قال بالتفريق فعليه الدليل، وهذا من أبطل الباطل ومن مؤدى قول الحلولية (1) كما يلزم منه أن يكون قوله تعا               [14] هو قول الشجرة وهذا كفر، ولو جاز أن تقوم الصفة بغير الموصوف لجاز أن يسمى الأعمى بصيراً لأن البصر قد قام بغيره، ولجاز أن يسمى البصير أعمى لأن العمي قد قام بغيره وهذا واضح البطلان ولا يقول به عاقل (2) . (1 )الحلولية: هم فرقة من فرق الصوفية الغلاة، يرون في أنفسهم أحوالاً عجيبة، وليس لهـم نصيب من العلم، ويدعون أنه قد حصل لهم الحلول والاتحاد ومنهم الحسـين بـن منصـور الحلاج الذ أفتى العلماء بقتله، فصلب سنة 309هـ، وهم فرق كثيرة ترجع أغلب فرقها إلى غلاة الروافض كالسبابية، البيانية والجناحية والخطابية والنميرية، والـروافض أول مـن أرهــر هــذه المقالــة في الإســلام حيــث ادعــوا الحلــول في الأئمــة، انظــر الفــرق بــين الفــرق ص(2411-250) واعتقادات فرق المسلمين والمشركين ص116-117. (2) انظر الحيدة ص74 وما بعدها، والرد علىالجهمية، لامام أحمد بن حنبل ص130.

عدد الصفحات ٢٣٩

225 أصول الاعتقاد في سورة يونس ومما يبطل زعمهم هذا قوله تعالى:              [40] فلو كان القرآن مخلوقاً لوجب أن يكون مقولاً له: "كن فيكون" ولو كان الله عز وجل قائلاً للقول (كن) لكان للقول قولاً، وهذا يوجب أمرين: إما أن يؤول الأمر إلى قول الله غير مخلوق، أو يكون كل قول واقع بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك صح وثبت أن لله عز وجل قولاً غير مخلوق" (1) . وأما استدلالهم بقولـه تعا      [62] فهو استدلال باطل فقد قال الله تعالى في الريح ا لتي أُرسلت على عاد:        [25] ثم أعقبها بقولـه تعا        [25] وقولـه تعالى في قصة بلقيس ملكة سبأ       [مل23] ومعلوم أنها تؤت كل شيء، بل ملك سليمان يفوق أضعاف ملكها، وإنما المراد من كل شيء يصلح للملوك. ثم هؤلاء المعتزلة قد أخرجوا أفعال العباد من هذا العموم وجعلوها من خلق العباد كما سيأتي إن شاء الله (2) فما دليلهم على هذا التفريق والمراد بكل شيء كل شيء مخ لوق فيدخل في هذا أفعال العباد جزماً وقطعاً، ومعلوم أن الكلام صفة للرب تعالى، ولا يكون شيء من صفاته مخلوقاً بل هو تعالى – بذاته وصفاته الخالق للخلق أجمعين (3) وكذلك استدلالهم بقوله تعا      [3] . (1) الإبانة: ص86-87. (2) انظر ص448. (3) انظر الحيدة ص30، واختلاف اللفا للدين قتيبة ص234، والرد على الجهمية لامام أحمــد بــن حنبــل ص 115-116 ومجمــوع الفتــاوى6/144 ومــا بعــدها، وشــرح الطحاوية ص140.

عدد الصفحات ٢٤٠

226 أصول الاعتقاد في سورة يونس استدلال باطل وجهل باللغة العربية وكلام العرب لأن (جعل) لها عدة معان منها: صار وأوجد وخلق .. وإذا كانت بمعنى الإيجاد والخلق تعدت إلى مفعول واحد كقولـه تعالى:     [1] أ بمعنى خلق، وأما إذا كانت بمعنى صير فهي تت عدى إلى مفعولين كقولـه:      ولا يصح أن يقال: إنه بمعنى خلق وإلا لجاز أن نقول في معنى قولـه تعالى:                 [91] أ خلقتم ا - تعالى الله علواً كبيراً – وهذا من أشنع الكفر (1) ومسألة خلق القرآن إنما تفرعت من القول بنفي الكلام عن الله تعالى، ولم تظهر هذه البدعة إلا بعد رهور الجعد بن درهم (2) . ثم رهور الجهم صفوان (3) من بعده سنة124هـ ولما رأت الأشاعرة فساد هذا القول عدلوا إلى قول وسط جمعوا فيه بين رأ أهل السنة، ورأ مخالفيهم فجعلوا القرآن قديماً قائماً بذات الرب تعالى، وما في (1) انظر الحيدة ص49 وما بعدها، والرد على الجهمية لامام أحمد ص106 وما بعدها، والمفــردات ص 94 وفــتح البــار 13/503) وشــرح العقيــدة الطحاويــة ص 143- 144 وفتح البار13/503. (2 )الجعد بن درهم مبتدع ضال زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليماً قتله خالد القسر في يوم الأضحى وقصـته مشـهورة معروفـة، وإقـرار العلمـاء علـى قتلـه دليل إجماعهم على كفره وكان ذلك سنة 118، انظر الفرق بـين الفـرق204-211 ) والملل والنحل للشهر ستاني1/86) والميزان1/369 والأعلام2/120.) (3) الجهم بن صفوان، أبو محرز السمرقند الضـال المبتـدع، رأس الجهميـة قـال الـذهبي: "هلك في زمان صغار التابعين، وما علمته روى شيئاً، لكنه زرع شراً عظيماً" ا.هــ قتلـه سليم بن أحوز سنة 128هـ، "وعندما هـمَّ بقتلـه قـال الجهـم: إن لـي أمانـاً مـن أبيـك، فقال: ما كان له أن يؤمنك، ولو فعل ما أمنتك والله لو كنـت في بطـني لشـققت بطـني حتى أقتلـك" انظـر الم لـل والنحـل للبغـداد ص 1455، وميـزان الاعتـدال1/426 ) والبداية والنهاية10/28) والأعلام2/141.)

عدد الصفحات ٢٤١

227 أصول الاعتقاد في سورة يونس المصحف عبارة عنه فشابهوا النصارى في مسألة اللاهوت والناسوت وقولهم هذا باطل ومما يبين بطلانه من سورة يونس قوله تعالى:                                           [15] وقولـه                   [38] فالإشارة في قوله تعالى:       [15] بلا شك إلى القرآن الذ ب أيدينا، والرب جل وعلا يطالبهم بأن يأتوا بسورة من مثله فلو كان التحد واقعاً على المعنى القائم بالنفس لقال المشركون، ومن يعلم بما في نفس الرب جل وعلا، وهذا تكليف بما لا يطاق، وما بالنفس لا يصح أن يشار إليه ثم لما طالبوا الرسول  أن يبدله لو كان من عنده– لقال ممكن لي أن أبدله من تلقاء نفسي، ولكن رد عليهم                  [15] و الحديث الصحيح عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال النبي  : "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما وسوست به صدورها، ما لم تعمل أو تتكلم" (1) ففي الحديث تفريق بين حديث النفس وبين الكلام وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا الكلام في اللغة لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة (1) رواه البخار في كتـاب العتـق بـاب: الخطـأ والنسـيان في العتاقـة والطـلاق ونحـوه رقـم 2391 (2/894) ورواه مسلم في كتاب الإيمـان بـاب: تجـاوز الله عـن حـديث الـنفس والخواطر رقم 127 (1/116) عن قتادة به بلفـا (إن الله تجـاوز لأمـتي مـا حـدثت بـه أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به).

عدد الصفحات ٢٤٢