172 أصول الاعتقاد في سورة يونس وهذا يلزمهم أن يثبتوا جميع الصفات التي وردت في كتاب الله تعالى أو على لسان رسول الله على الحقيقة على نحو يليق بالخالق جل وعلا، وإثباتهم لبعض الصفات دون بعض تناقض ظاهر (1) . (1) انظر الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، ص60-63.
عدد الصفحات ١٧٨173 أصول الاعتقاد في سورة يونس المبل الثال : بيان منلس السلف في الأسماء والصفات والرد على المخالفين السلف الصالح هم أهل السنة والجماعة، الذين ساروا على نهج نبيهم محمد ، واجمعوا على الحق ولم يخالفوه، ومنهجهم في باب الأسماء والصفات، وسط بين التشبيه والتعطيل، فهم يثبتون الأسماء والصفات لله تعالى إثباتاً بلا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف، قال تعالى: [11] . ردٌ على المعطلة، ويقول تعا [1- 4] فالسلف اجتنبوا التعطيل في مقام النفي والتنزيه، وتجنبوا التشبيه مقام الإثبات. وضابطهم في هذا الباب إن أسماء الله وصفاته توقيفية فلا نسمي الله جل وعلا إلا بما سمى به نفسه، وكذلك لا نصفه إلا بما وصف به نفسه أو جاء على لسان رسول الله ، فلا نثبت إلا ما أثبته الله ولا ننفي إلا ما نفاه الله عن نفسه وأسمائه جل وعلا حق على حقيقته "وليس فيه لغز ولا أحاج بل معناه يعرف من حيث يعرف
عدد الصفحات ١٧٩174 أصول الاعتقاد في سورة يونس مقصود المتكلم بكلامه، لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول"(1). وهذا مذهب السلف قاطبة رو الدارقطني عن الوليد بن مسلم(2)، قال: "سألت الأوزاعي ومالك بن أنس وسفيان الثوري، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا أمضها بلا كيف" (3) . ومن منهج أهل السنة والجماعة إن كل اسم من أسمائهتعالى، إذا أطلق عليه فهو يتضمن إثبات صفة له سبحانه وتعالى لأن أسماءه تعالى أعلام وأوصاف، ولو كانت أعلاماً محضة لم تكن محمودة، ولساغ إبدال بعضها ببعض، ولأصبح معنى العزيز، والرحيم، والقوي .. واحداً وأصبحت مترادفة، وهذا باطل، ونفي هذه المعاني هو الإلحاد في أسماء الرب تعالى حيث قال: [180] . وأيضاً لو لم تتضمن صفات لم يجز أن يخبر بأفعالهافنقول يسمع، ويبصر، ويعلم. (1) وموع الفتاو5/26-27.) (2 )"الوليد بن مسلم القرشي، أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كـثير التـدليس والتسـوية مـات ســـنة 195" التقريـــب ص584،وانظـــر ترجمتـــه في ميـــزان الاعتـــدال4/347-348 ) وتهذيب التهذيب11/133-134.) (3 )رواه الدارقطني في كتاب الصفات ص75، ورواه الذهبي في العلـو عـن الوليـد بـن مسـلم (المختصر رقم 137، ص143) وروي أيضاً نحـوه رقـم: 134 ص142، وقـال الألبـاني في المختصر: "إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات .. ا.هـ. مختصر العلو: ص142.
عدد الصفحات ١٨٠175 أصول الاعتقاد في سورة يونس
عدد الصفحات ١٨١168 أصول الاعتقاد في سورة يونس ومن منهجهم – أيضاً – أن الاسم يدل على المسمى بثلاث دلالات وهي دلالة المطابقة، والتضمن، واللزوم، فهو يدل على الذات والصفة بالمطابقة، ويدل على الذات بالتضمن، ويدل على الصفة بمفردها بالتضمن، ويدل على الصفات الأخرى باللزوم فمثلاً السميع يدل على الذات وعلى صفة السمع بالمطابقة، ويدل على الذات بمفردها بالتضمن، ويدل على صفة السمع بمفردها بالتضمن،ويدل على الصفات الأخرى كالحياة، والإرادة .. باللزوم، لأن من شأن السميع أن يكون حياً، مريداً، قادراً .. وكذلك سائر الصفات (1) . قال أبو حنيفة – رحمه الله – في الفقه الأكبر بعد ذكره الصفات وأنها على قسمين ذاتية وفعلية: "لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته لم يحدث له اسم ولا صفة لم يزل عالماً بعلمه، والعلم صفة في الأزل، وقادراً بقدرته، والقدرة صفة في الأزل، ومتكلماً بكلامه والكلام صفة في الأزل،وخالقاً بتخليقه والتخليق صفة في الأزل .. وفعل الله تعالى غير مخلوق، وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة فمن قال: إنها مخلوقة أو محدثة، أو وقف أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى" ا.هـ (2) . وروى الذهبي عن يونس بن عبدالأعلى (3) قال: سمعت الشافعي يقول: "لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحد قامت عليه الحجة ردها"(4) . (1) انظر مدارج السالك1/28-31)، وانظر بدائع الفوائد1/162.) (2) الفقه الأكبر مع شرحه ص180. (3 )يونس بن عبدالأعلى، أبو موسى الصدفي، وثقه أبو حـا،، ونعتـوه بـالحفا والعقـل .. ووثقـه ابن حجر مات سنة 164هـ، (انظر ميزان الاعتدال4/481)، (وانظر التقريب ص613.) (4) رواه الــذهبي (المختصــر ص 177) وقــال الــذهبي: قــد تــواتر عــن الشــافعي ذم الكــلام وأهله وكان شديد الاتباع للآثار في الأصول والفروع .. ا.هـ.
عدد الصفحات ١٨٣169 أصول الاعتقاد في سورة يونس وروى اللالكائي عن محمد بن الحسن قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء" (1) . ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عن الإمام أحمد– رحمهما الله – قوله: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله من غير تحريف، ولا تعطيل ومن غير تكييف، ولا تمثيل، بل يثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، ويعلمون أنه: [11] في لا : صفاته، ولا في ذاته، و في أفعاله ا.هـ (2) . أما المخالفون لمذهب أهل السنة والجماعة، فهم طائفتان الأولى: المشبهة (3) "يزعمون أن معبودهم جسم له نهاية، وحدّ طويل عريض، عميق، طولـه مثل عرضه، وعرضه مثل عمقه .. ذو (1) شرح أصول الاعتقاد رقم740 (3/432-433.) (2) مجموع الفتاوى5/257، وانظر5/58-59)، وانظـر معـارج القبـول1/362- 365. (3) أصحاب هشام بن الحكم الرافضي المتوفى سنة190 في خلافـة المـأمون، وهـم صـنفان فصنف: شبهوا ذات البارئ بـذات غـيره، وصـنف شـبهوا صـفاته بصـفات غـيره وهـم فرق شتى: منهم السبابية، والبيانيـة اتبـاع بيـان بـن سمعـان، والمغيريـة، والمنصـورية، منهم الخطابية والحلولية .. وغيرهم (انظر المقـالات ص 209، والفـرق بـين الفـرق ص 214-219 والملل والنحل للشهرستاني1/103 وما بعدها، والأعلام8/85.)
عدد الصفحات ١٨٤170 أصول الاعتقاد في سورة يونس لون وطعم ورائحة مجسة ..." (1) ويزعمون أيضاً "إن الله على صورة الإنسان .. وأنه نور ساطع يتلألأ بياضاً وأنه حواس خمس كحواس الإنسان سمعه غير بصره وكذلك سائر حواسه .." (2) إلى آخر ما قالوه - تعالى الله عن قولهم هذا علواً كبيراً - وأكثرهم من الشيعة (3) أخزاهم الله. ومجرد التأمل لهذا المذهب وتصوره، كاف في الرد عليه وبيان شناعته، فهم لم يعقلوا من معاني الصفات إلا على ما يفهمونه من صفات المخلوقين فجعلوا الخالق كالمخلوق، ولو أنّ أحداً من الخلق قال لشخص عظيم من الناس، إن يدك كيد الرجل الضعيف الهزيل، أو كيد الكلب أو الخنزير لاشتد نكيره لذلك، وعظم الأمر عليه، فكيف بالخالق – جل وعلا (4) . والله تعالى يقول عن نفسه [11] . الثانية: المعطلة للصفات، الذين يعطلون – الرب – تعالى عن أسمائه وصفاته كالجهمية، والفلاسفة (5) وغيرهم(1) . (1 )المقالات ص310-312 وانظر الفصل في الملل والنحل2/277)، والملـل والنحـل (1/92.) (2) المرجع السابق، ص209. (3) الشيعة: هم الذين شـايعوا عليـاً – رضـي الله عنـه – وادعـوا إمامتـه وخلافتـه وتقديمـه على أبي بكر وعمر، وادعو العصمة للأئمة من الصغائر والكبـائر مطلقـاً، وهـم فـرق كثيرة وأصولها ثلاث الغلاة، والإمامية، والزيدية. انظر المقالات ص5 وما بعدها، والملل والنحل للشهرستاني1/146.) (4) انظر التوحيد لابن خزيمة (1/196.) (5) هــم أقســام فمــنهم القــدماء أصــحاب أفلاطــون وأرســطوا طــاليس، ومــنهم الفلاســفة المشاءون وأصحاب الرواق، وأساطين الحكمة، وفلاسفة الإسلام مـن أمثـال الكنـد ==
عدد الصفحات ١٨٥171 أصول الاعتقاد في سورة يونس أو يثبتون الأسماء دون الصفات كالم عتزلة وشبهتهم في ذلك إن إثبات الصفات، وهي شيء زائد عن الذات يستلزم تعدد القدماء فلو أثبتنا صفة العلم مثلاً لله تعالى "فإنه لا يخلو أن يكون الله العالم بنفسه، ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه، لكان أحده ما قديماً والآخر محدثاً، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما المحدث لصاحبه، فإن قال: إن العلم أحدث الخالق كفر، وإن قال: إن الله أحدث العلم، فقد زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم فضده لاشك ثابت، وهو الجهل .." (2) . كما إن إثبات الصفا ت يستلزم عندهم التجسيم والتشبيه. ومن المعطلة أيضاً من أثبت الأسماء وبعض الصفات، ونفي البعض الآخر كجمهور الأشاعرة، والماتريدية (3) ومن وافقهم (4) ، ومذهب المعطلة يعود إلى المشبهة لأن المعطلة شبهوا أولاً ثم عطلوا ثانياً، == والفــارابي وزعــيمهم ابــن ســينا، وفلاســفة الإســلام اتبعــوا طريقــة أرســطوا طــاليس في جميع ما ذهب إليه .. أنكروا المعاد الأجسام، ونفوا الصفات .. ولهم آراء أخرى شنيعة. انظر الملل والنحل (1/60،158 وما بعدها (1) انظر الرسالة التدمرية لابن تيمية ص13-16، ومعارج القبول1/369-373.) (2) رسائل العدل والتوحيد2/137-138.) (3) اتباع أبي منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريد ، وهو من أئمة علماء الكلام نسبته إلى ما تريد (محلة بسمرقند) توفي سنة 333هـ، عاصر أبا الحسن الأشعر ، من آرائـه إن معرفة الله مدركة بالعقل، وإن أفعال الله تعالى أرادهـا لحكمـة اختارهـا، وإن كـلام الله هــو المعنــى القــائم بذاتــه وأنهــا قديمــة. وإثبــات ر ؤيــة الله تعــالى في الآخــرة ولـــه آراء أخرى، انظر الأعلام (7/19). وانظر جامع الفرق والمـذاهب الإسـلامية ص170- 171، وكتاب أبي منصور الماتريد حياته وآراؤه (4) انظر الإرشاد للجويني ص77-78، وأركان الإيمان لوهبي سليمان ص36.
عدد الصفحات ١٨٦172 أصول الاعتقاد في سورة يونس ثم شبهوا أخيراً بالممتنعات والجمادات، فالجميع يلتقون في نقطة واحدة (1 ). الرد على المخالف وبعد بيان منهج أهل السنة والجماعة، ومذهبهم في الصفات، وبيان منهج المخالفين، استعين الله في الرد عليهم، وسيكون الرد على وجه الإجمال، والتفصيل، فأما الإجمال فسيكون – إن شاء الله – شاملاً لجميع الصفات ا لتي أنكرها المبتدعة، وأما التفصيل فسيكون – إن شاء الله – لصفتي الاستواء، والرؤية لكثرة النزاع فيهما. الـرد الإجمالي: 1- إن الله تعالى قد أثبت له صفات وأسماء حسنى كما سبق ذكره من الآيات المشتملة على هذه الأسماء والصفات، فإنكاركم لها تكذيب بالقرآن ورد له. 2- إن هؤلاء الجهمية والمعتزلة نفوا الصفات عن الرب تعالى لأن إثباتها – بزعمهم – يستلزم التشبيه والتجسيم، فوقعوا في شر من ذلك، إذ شبهوه تعالى بالمعدومات التي لا تقبل الكمال (2) . كما أن الله عز وجل قد عاب الأصنام بسلبها صفات الكمال من كلام وهداية، وحياة قال تعالى: [35]. (1) انظر مجموع الفتاوى5/27.) (2) انظر الرسالة التدمرية، ص36-38.
عدد الصفحات ١٨٧173 أصول الاعتقاد في سورة يونس وقوله: [106]. وقوله [148]. ولا شك أن سلب هذه الصفات عن الرب جل وعلا تشبيه له بمن عابه من الأصنام والجمادات، فإذا كان إثبات ها صفة كمال، وعدمه نقص، فالرب جل وعلا له الكمال المطلق، وما كان من صفة كمال فالرب أحق بها، ونفيها عن سلب للكمال الواجب له. وأما المعتزلة الذين ينفون الصفات فيقال لهم لا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه، فهذه الأسماء قد تسمى ببعضها الخلق، "فإن نفيت ما نفيت لكونه لم تجده في الشاهد إلا لجسم فانف الأسماء، بل وكل شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا لجسم" (1) . كما إن العلم بكيفية الصفة، يستلزم العلم بكيفية الذات، فإن قيل كيف يسمع، أو كيف يبصر، .. قيل لهم كيف ذاته، فإن قالوا لا نعلم، قيل لهم وكذلك سائر الصفات لا علم لنا بالكيفية ونحن نثبتها بلا كيف. وهذه الروح التي هي بين جنبينا تصعد وتنزل، وتذهب، وتجيء، ومع ذلك لا نعلم كيفيتها ولا يمكن ذلك إذ هو من اختصاص الرب جل وعلا: [85] . فإن كنا لا نعرف كيفيتها مع إيماننا بوجودها، ومع قربها منا، ومع أنها مخلوقة، فكيف بالخالق جل وعلا ولله المثل الأعلى (2) . (1) التدمرية، ص35. (2) انظر التدمرية56-57، والأسماء والصفات للشنقيطي، ص96-98.
عدد الصفحات ١٨٨174 أصول الاعتقاد في سورة يونس ومثل هذا يقال لمن ينفي بعض الصفات ويثبت البعض الآخر – بزعمهم إن ما أثبتوه دل عليه العقل وما نفوه نفاه العقل، وهم متناقضون في ذلك لأمور منها: إن الله عز وجل أنزل الكتاب ووضحه رسوله بسنته عليه الصلاة والسلام وجعله جل وعلا حاكماً عن التنازع،ولم يأمرنا بأن نحتكم إلى عقولنا القاصرة. ومنها: إن كان العقل أثبت هذه الصفات السبع فهو لا ينفي باقي الصفات وهذا نفي بغير دليل. ومنها: يمكن إثبات الصفات التي أثبتو ها بالعقل أيضاً فنقول نفع العباد يدل على الرحمة، ومثوبة الطائعين تدل على محبته لهم، وعقابه للكافرين يدل على بغضهم (1) . الرد التفصيلي 1- الاستواء قوله تعالى: [3]. ففي هذه الآية الكريمة رد على طائفتين، الأولى الملاحدة الذين يقولون بقدم العالم (2) . وفيها أيضاً رد على نفاة الاستواء من المعتزلة والجهمية والأشاعرة وغيرهم .. فقالوا "الاستواء هاهنا الاستيلاء والغلبة" (3) . (1) انظر التدمرية32-34 وتوضيح الكافية الشافية، ص61. (2) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية، ص86. (3) شرح الأصول الخمسة، ص226، وانظر الإرشاد للجويني، ص 59-60.
عدد الصفحات ١٨٩175 أصول الاعتقاد في سورة يونس وفسروا العرش بأنه الملك (1) . وهذا باطل وقد رد أهل السنة عليهم، وأطالوا، وصنفوا المصنفات الكثيرة في ذلك (2) . واستدلوا بقول الشاعر قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق وقد رد عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – قولهم هذا من اثني عشر وجهاً منها: إن هذا التفسير مخالف لما فسره سلف الأمة – رحمهم الله – كما سلف وأول من أحدثه هم الجهمية والمعتزلة. ومنها: إن معنى الاستواء مشهور ومعلوم عند العلماء من السلف،و لو لم يكن معلوماً ما قال الإمام مالك – رحمه الله – "الكيف مجهول" فنفي الكيف دلالة على العلم بالأصل. ومنها: لو جاز تفسير الاستواء بالاستيلاء لجاز أن نقول: إنه مستو على السماء والأرض، ولجاز أن يقال: إنه مستوٍ على الهواء والبحار .. ولمّا مُنِع ذلك دلَّ على اختصاص الاستواء بالعرش. ومنها: إن تفسير الاستواء بالاستيلاء يفهم منه أن الرب جل وعلا، لم يكن مستوياً على العرش حتى خلق السماوات والأرض وهذا باطل. (1) من هذه المصـنفات الـرد علـى الجهميـة للبخـار ، والـدارمي، والإمـام أحمـد. وكتـب الســنة لامــام أحمــد وابنــه عبــدالله، والأثــرم، والمــروز ، والخــلال، والتوحيــد لابــن خزيمة، وابن منـدة، والشـريعة للآجـر ، وشـرح أصـول الاعتقـاد للألكـائي، وكتـب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم – رحمهم الله تعالى. (2) شرح الأصول الخمسة، ص226.
عدد الصفحات ١٩٠176 أصول الاعتقاد في سورة يونس إن هذا التفسير لم يثبت في اللغة، وعمدتهم في ذلك بيت من الشعر وهو بيت مصنوع مختلق لا يعرف في اللغة. إن قيل: إنه رو من جماعة من علماء اللغة، قيل: إن الاستيلاء يقال لمن كان عاجزاً ثم غلب، كما أنه يأتي بمعنى المنازعة والمغالبة، فمن نازع الرب جل وعلا في العرش حتى غلبه – تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً - وهو جل شأنه لا يعجز شيء في الأرض ولا في السماء. إن الاستواء لو حمل على هذا المعنى لكان يحمل على معنى ينزه عنه الله – جل وعلا – ويُنزه رسوله أن يفسر القرآن بهذا المعنى إن لفا الاستواء تكرر في جميع المواطن التي ذكر فيها بهذا اللفا، ولو كان بمعنى الاستيلاء لذكر بهذا اللفا ولو في موضع واحد، فلمّا لم يذكر وجب تفسيره بما دل عليه القرآن والسنة واللغة. إن معنى الاستواء معلوم لدى الصحابة والتابعين ومن تبعهم، ولم يختلفوا في ذلك فكل تفسير حدث بعد ذلك لا يلتفت إليه (1) . كما أبطل ابن القيم – رحمه الله – هذا القول من اثنين وأربعين وجهاً في الصواعق المرسلة أوجز بعضها فيما يلي: إن لفا الاستواء يأتي مطلقاً ويأتي مقيداً، والمطلق من أمثال قوله تعالى: [14]، ومعناه كمل و،َّ، والمبتدأ يأتي مقيداً (بإلى) أو (على) أو (م قروناً بالواو) وفي الأولى يكون معناه العلو والارتفاع كما في قولـه تعالى: [29] والثاني أيضاً معناه العلو والارتفاع والاعتدال، كما في قولـه تعالى: [29]، وقولـه (1) انظر مجموع الفتاوى5/144-149.)
عدد الصفحات ١٩١177 أصول الاعتقاد في سورة يونس [13] والثالث في مثل نحو استوى الماء والخشبة بمعنى سواها، وهذه معاني الاستواء في اللغة ولم يرد فيها الاستيلاء البتة. إنه لو كان الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء لم يكن لذكر الاستواء على العرش فائدة أصلاً لأن الله عز و جل مستولٍ على كل شيء. أنه أتى بلفا (ثم) التي معناها الترتيب مع التراخي، ولو كان معنى الاستواء الاستيلاء لكان يعني أن الرب جل وعلا لم يستول على العرش إلا بعد خلق السماوات والأرض، ومعلوم بطلانه. إن الإجماع منعقد على أن الله عز وجل مستوٍ على عرشه حقيقة. وقد نقل هذا الإجماع عدد من أئمة أهل السنة. إن البيت الذ استدلوا به محرف والصحيح أنه هكذا: بشرٌ قد استولى على العراق .. وهذا لو كان له قائل معروف، فكيف وهو غير معروف في دواوين العرب وأشعارهم، وعلى فرض صحته فلا دليل فيه، لأن معناه الاستواء حقيقة على سرير الملك ح يث إن بشراً نائب لعبدالملك بن مروان على العراق، ولم يكن مستولياً على العراق، وإنما الذ استولى عليها هو عبدالملك بن مروان، ولم يكن بشر منازعاً لأخيه ملكه. كما أنه لو أراد ذلك اللفا المجاز البعيد لذكر في اللفا قرينة دالة على ذلك، فلما لم يكن، بل دل اللفا ع لى بطلانه لم يجز حمله عليه!!. إن الرب جل شأنه عبر بالفوقية على العرش وهذا معنى الاستواء على العرش، وقالت الجهمية: إن معنى ذلك أن الرب خير من العرش وأفضل منه، وهذا يلزم منه معنى مستهجن جداً، ولم يأت في كلام العرب مدحاً، بل هو ذم وهو من جنس قول القائل السماء فوق
عدد الصفحات ١٩٢178 أصول الاعتقاد في سورة يونس الأرض، والثلج بارد، والشمس أضوأ من السراج، وفي المثل السائر نظماً: ألم تر أن السيــف ينقــص قدره * إذا قيل إن السيف أمضى من العصا بخلاف ما إذا كان الأمر احتجاجاً على مبطل أو مشرك كما في قوله تعالى: [59]. إن حقيقة قولهم هذا إخلاء العرش من الله سبحانه وتعا(1) . "وقال بعض أصحاب ابن كلاب (2) : إن الاستواء صفة ذات، ومعناه نفي الاعوجاج" (3) وهذا باطل فالأمة قد أجمعت على أن الاستواء من الصفات الفعلية وأنه مستو على العرش حقيقة وأنه لا يجوز أن يتسمى الرب بالاستواء فلا يقال "يا مستو ارحمني" كما إنه يلزم من ذلك أن يكون العرش لم يزل مع الله عز وجل، لأنه متعلق بالاستواء وهذا كفر (4) . ويقول البغداد(5) "واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إن آية الاستواء من المتشابه الذ لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا قول مالك (1) انظر مختصر الصواعق2/126-152.) (2) عبدالله بن سعيد بن كلاب، أبو محمد القطان: متكلم يقال له ابن كُلاب قيل لقب بها لأنه كان يجتذب الناس إلى معتقده إذا نارر عليه كما يجتذب الكلاب الشيء، له كتب منها (الصـفات) و(خلـق الأفعـال) و(الـرد علـى المعتزلـة) تـوفي سـنة 245هــ، الأعلام (4/90.) (3) الفصل في الملل والنحل2/289.) (4) انظر المرجع السابق ونفس الجزء والصفحة (5) عبدالقاهر بن طاهر بن محمد بن عبدالله البغداد التميمي، أبو منصور، ولـد ونشـأ في بغداد وتوفي في إسفرائيل سنة 429، متكلم له تصانيف كثيرة منها: "الفرق بين الفرق و"الملل والنحل" و"أصول الدين" وغيرها. انظر طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (5/136 وما بعدها) و(الإعلام4/48.)
عدد الصفحات ١٩٣179 أصول الاعتقاد في سورة يونس بن أنس وفقهاء المدينة والأصمعي ورو أن مالكاً سئل عن الاستواء فقال: الاستواء معقول وكيفيته مجهولة، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب، ومنهم من قال: إن استواءه على العرش فعل أحدثه في العرش سماه استواء .. ثم ساق الأقوال إلى أن قال: والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره .. ا.هـ (1) . والواقع أن نسبة القول: إن الاستواء من المتشابه إلى الإمام مالك وفقهاء المدينة فهو افتراء عليهم، وقد علمنا مذهبهم فيما سبق، وقول مالك هذا دليل على أنه يرى رأ أهل السنة في الاست واء، فالكيف مجهول ولا نعلمه، وأما المعنى من حيث اللغة فهو معلوم لدينا، وأما تفسير الاستواء بأن معناه: "أن الملك ما استوى لأحد غيره" فهو راهر البطلان ويقتضي أن يكون الرب جل وعلا ملك العرش بعد أن لم يكن له ملك غيره، كما إن تخصيص العرش بذلك أمر لا فائدة منه لأن الرب جل وعلا مالك كل شيء، كما نرد عليهم بما سبق من أقوال شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله تعالى – . ومعلوم منافاة قياس صفات الخالق على صفات المخلوق، فللرب صفات تليق بجلاله وعظمته، وللمخلوق الضعيف صفات تليق بضعفه وعجزه، وكذلك استواؤه على عرشه استواء يليق به، ولا يشبه استواء المخلوق على الدابة أو نحوها، لأن المخلوق يكون محتاجاً إليها لتحمله، أما الله جل شأنه فهو خالق الكون، وهو الذ يمسكه، وكذلك العرش وحملة العرش، فلا يكون محتاجاً لشيء من خلقه. (1) أصول الدين (ص112-113)، وانظر لمع الأدلة للجويني، ص108.
عدد الصفحات ١٩٤