المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

المشاركة في البرلمان والوزارة عرض ونقد

محمد شاكر الشريف

صفحة ١٤ من ١٨

2 1 5 الفصل الثاني القبلة، وليس معناها أنه لا يستطيع. { وقوله - تعالى لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بَِا كُنتُمْ تُعَلِّـمُونَ الْكِتَابَ وَبَِا رداً على النصارى الذين يعبدون عيسى - عليه كُنتُمْ تَدْرُسُونَ السلام، فقال الله لهم: ما ينبغي لبشر ولا يليق به أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يدعو الناس إلى عبادته من دون الله، وليس معناها أنه لا يستطيع. {وقوله - تعالى والغلول الخيانة، فما تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ كان ينبغي لنبي ولا يليق به أن يخون في الغنيمة، وليس معناها أنه لا يستطيع. {وقوله - تعالى مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَـكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا أي: ما كان الله بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ - تعالى - ليترك المظهرين للإيمان مختلطي من غير أن يميز الخبيث من الطيب، وذلك بالأوامر والتكاليف التي تكشف الجميع، ولم يكن الله مطلعاً الناس على الغيب فإن هذا منافٍ للحكمة، وليس معناها أنه لا يستطيع. {وقوله - تعالى ينبغي أن يحدث القتل من مؤمن لمؤمن إلا على سبيل الخطأ، وهو نهي أي: ما أيضاً عن أن يقتل المؤمن أخ معناها أنه لا يستطيع.

عدد الصفحات ٢١٥

2 1 6المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد { وقوله - تعالى أي: إن هذا لا يكون، وذلك لما تحدى المشركون وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ { وقالوا#الرسول ، فرد الله عليهم بالآية السابقة أن هذا السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ لا يكون لوجود الرسول فيهم ولوجود من يستغفر الله - تعالى، وليس معناها أنه لا يستطيع. {وقوله - تعالى فليس ينبغي لنبي عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ أن يتخذ أسرى قبل أن يثخن في الأرض، أي: يبالغ في قتل الكفار المحاربي لله ولرسوله، أو هو نهي عن اتخاذ الأسرى قبل حصول المذكور في الآية، وليس معناها أنه لا يستطيع. {وقوله - تعالى ، هذه الآية نهي أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَينََّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْـجَحِيمِ بلفظ الخبر، نهي عن الاستغفار للمشركي الذين ماتوا على شركهم ولم يتوبوا منه. {وقوله - تعالى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ {وقوله - تعالى يَتَّقُونَ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

عدد الصفحات ٢١٦

2 1 7 الفصل الثاني {وقوله - تعالى .عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ {وقوله - تعالى طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {وقوله - تع [ {وقوله - تعالى أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ {وقوله - تعالى [ {وقوله - تعالى وغير لَهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا ذلك من الآيات التي جاءت على ذلك النسق، ليس معناها لا يستطيع أو لا يقدر. وإذا قدر أن الآية تحتمل المعنيي؛ أي: تحتمل ما ينبغي لهذا النبي الداعي إلى أن يحتكم إلى شرع الملك ونظامه في أخذ أخيه، أو تحتمل أنه ما 1توحيد ربه كان يستطيع فعل ذلك؛ فلا شك أن حملها على المعنى الأول هو الذي يليق بنبي الذي أعلن وهو في سجن الملك من غير خشية ولا رهبة منه ولا من جنده أن الحكم لا يكون لغير 1 .{الله

عدد الصفحات ٢١٧

2 1 8المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد من أنبياء الله - عليهم الصلاة والسلام، ولا مانع من حملها على المعنيي معاً؛ فإنهما غير متعارضي. - يوسف - عليه السلام - لم يكن متقيداً بدين الملك: والقدر المتيقن منه من هذه القصة - وهو قدر لا يمتري فيه أحد - هو أن يوسف - عليه السلام - لم يأخذ أخاه في دين الملك، فهو لم يحتكم إليه في ذلك، وهو كافٍ في بيان أن يوسف - عليه السلام - لم يكن يحكم بدين الملك، ولم يكن متقيداً به. ومن أراد أن يقول: إن يوسف - عليه السلام - كان يحكم في بعض الأمور من قبيل احتمال مفسدة صغيرة في سبيل - الأخرى بدين الملك أو يحتكم إليه فعليه بالدليل على ذلك، فالحادثة الوحيدة التي وردت - تحقيق مصلحة كبيرة في قصة يوسف متعلقة بالحكم هي حادثة أخذه لأخيه، وهو - عليه السلام - لم يأخذه في دين الملك، إنما أخذه بشريعة أبيه يعقوب - عليه السلام - التي هي شريعة إبراهيم خليل الرحمن، ويصبح القول ، فيه تعميم غير مقبول؛ لأنه 1لم يغ حكم على الغيب من غير دليل. - قول المجيزين فيه اختزال كبير ل وعمله: وتصوير أن يوسف - عليه السلام - طلب الولاية لتحمُّل المسؤولية في .9 حكم المشاركة، د/عمر الأشقر، ص1

عدد الصفحات ٢١٨

2 1 9 الفصل الثاني مرحلة المجاعة المقبلة نظراً إلى ما يرجوه من دفع شر القحط الذي سيرهق العباد لسنوات عدة، مع أنه لم يكن باستطاعة أن يخالف دين الملك وأنه لم يغير شيئاً . 1من نظامه هذا الكلام يبي أمرين؛ الأول: أن الدافع لطلب يوسف - عليه السلام - هو تحمُّل المسؤولية، الثاني: أنه لم يكن له تأثير على الأوضاع القانونية فلم يكن باستطاعته أن يخالف دين الملك وأنه لم يغير شيئاً من نظامه. وكلا الأمرين غير صحيح: فالقول: إن هذا هو دافع يوسف - عليه السلام - هو قول غير صحيح وليس عليه دليل، وإنما دافعه هو ما يتصور من الرغبة في الدعوة إلى الله - تعالى - تلك الدعوة التي بدأها في سجنه مع الفتيي، بل بدأها مع واتخاذ ذلك سبيلاً، امرأة العزيز من قبل حي راودته عن نفسه فقال لها: معاذ الله! ولا يتصور أن نبياً من أنبياء الله - تعالى - لا يكون همه إلا إنقاذ الناس من المفسدة الدنيوية، ويترك المفسدة الأعظم من الكفر بالله والشرك به، ولقد دل القرآن الكريم على أن يوسف - عليه السلام - دعا قوم مصر للإيمان بالله قال الله - تعالى - مبيناً - ولا يقدح في ذلك قلة أو انعدام المستجيبي له - {دعوة يوسف لأهل مصر على لسان مؤمن آل فرعون مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مَِّّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ .2 - 9 انظر: حكم المشاركة، د/عمر الأشقر، ص1

عدد الصفحات ٢١٩

2 2 0المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد ، فقد جاءهم بالبينات ودعاهم إلى ربهم، لكن منهم بَعْدِهِ رَسُولاً من كان فاسد اليمان حتى إنه كان يشك فيما جاء به يوسف - عليه السلام، فلما مات زعموا أن الرسالة قد انقطعت وأن الله - تعالى - لن يبعث من بعده رسولاً، قال ابن تيمية إلى توحيد الله وعبادته، كما أخبر الله أن يوسف - عليه السلام - دعا أهل مصر، لكن بغير معاداة لمن لم يؤمن، ولا إظهار مناوأة بالذم والعيب والطعن لما هم عليه، كما كان نبينا أول ما أنزل عليه الوحي، وكانت قريش إذ ذاك تقره ولا تنكر عليه، إلى أن أظهر عيب آلهتهم ودينهم، وعيب ما كانت عليه آباؤهم وسفه أحلامهم، فهنالك عادوه وآذوه وكان ذلك جهاداً باللسان قبل أن يؤمر .1بجهاد اليد على أن هناك من أهل العلم من يرى أن يوسف - عليه السلام - لم يكن مكلفاً بدعوة الملك وقومه أصلاً، ومن ثم فلا يكون مطالباً بإنفاذ شريعة الله بينهم، يقول الطاهر ابن عاشور واضحة ولكنهم لم يستخلصوا منها استدلالاً يقتفون به أثره في صلاح آخرتهم، وحرصوا على الانتفاع به في تدبير أمور دنياهم فأودعوه خزائن أموالهم وتدبير مملكتهم، فقال له الملِك: إنك اليوم لدينا مكي أم يسْترشدوا به في سلوكهم الديني. فإن قلت: إذا لم يهتدوا إلى الاسترشاد بيوسف - عليه السلام - في أمور .225 النبوات، لابن تيمية، ص1

عدد الصفحات ٢٢٠

2 2 1 الفصل الثاني دينهم وألهاهم الاعتناء بتدبير الدنيا عن تدبير الدين؛ فلماذا لم يدْعُهم يوسف اجعلني على خزائن الأرض إلى الاعتقاد بالحق واقتصر على أن سَأَل من الملك: إني حفيظ عليم؟ قلت: لأن الله لم يأمره بالدعوة للإِرشاد إلا إذا سُئل منه ذلك، لحكمة كما علمت آنفاً، فأقامه الله مقام المفتي والمرشد لمن استرشد لا مقام المحتسب المغيِّر ، فلما أقامه الله كذلك {للمنكر، و وعَلِم يوسف من قول الملك: إنك اليوم لدينا مكي أمي، أن الملك لا يريد إلا .1تدبير مملكته وأمواله، لم يسأله أكثر مما يفي له بذلك لم على هذا القول: - فإذا لم يكن يوسف - عليه السلام - مكلفاً بالدعوة يجز القول إنه ارتكب مفسدة عدم الحكم بالشريعة في سبيل مصلحة أكبر منها وهي إنقاذ المصريي من المجاعة. وأما القول: إنه لم يكن يقدر على مخالفة دين الملك فقد تبي من قصة والذي ،ولا يقدح في ذلك أنه خالفه بحيلة كادها الله له أخذه لأخيه أنه خالفه، تدل عليه الآيات - كما مر - أن يوسف - عليه السلام - كان ممكَّناً وخاصة فيما يتعلق بأمر ولايته، فانظر إلى أمره المباشر لفتيانه: اجعلوا بضاعتهم بضاعة وانظر إلى محاورة إخوته له قبل معرفته إخوته في رحالهم، وطاعة الفتيان له، {ومناداته بلقب العزيز، وانظر كيف رده عليهم، قالوا له ، ولم يذهبوا إلى أحد غيره، لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ .5 التحرير والتنوير، لابن عاشور، سورة يوسف، آية رقم1

عدد الصفحات ٢٢١

2 2 2المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد وطبيعة النفس في مثل هذه الأحوال تذهب إلى من بيده الأمر والنهي حتى يحقق مطلوبهم، ولو كان هناك فوق يوسف - عليه السلام - في ذلك الأمر لذهبوا إليه، وقد رد عليهم بقوله: معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده، فهو إذن متحكم ويقضي بما يراه، ولما استيأسوا من موافقة يوسف - عليه السلام - على ما عرضوه عليه من أخذ واحد منهم بدلاً من أخيه؛ لم يفكروا في الذهاب إلى أحد غيره أعلى منه منصباً يحل لهم هذا الشكال، وإنما بحثوا كيف يجيبون أباهم عن عهدهم، ولما أتوا مرة أخرى نادوه باللقب نفسه، قالوا: يا أيها العزيز! مسنا وأهلنا الضر، وفي نهاية القصة رفع يوسف أبويه على العرش مما يعني علو مكانة يوسف، وهو قد قال: رب قد آتيتني من الملك، فأي ملك هذا الذي يكون فيه، إذا كان لا يملك الخروج عن دين الملك؟ وتصوير عمل يوسف - عليه السلام - على أن مرحلة المجاعة المقبلة نظراً إلى ما يرجوه من دفع شر القحط الذي سيرهق العباد لسنوات عدة؛ فيه اختزال كبير لدوره - عليه السلام، وكأن دوره قاصر على إنقاذ المجتمع المشرك من المجاعة، وهذا التسويغ لو كان صحيحاً للزم منه جواز أن يعمل المسلم وزيراً في نظام يهودي أو نصراني أو بوذي أو هندوسي، مع عدم تمكنه من تنفيذ ما يعلم من شرع الله، بل ومع وقوعه في بعض المخالفات، إذا كان يأمل من وراء ذلك إنقاذهم من مجاعة أو نحو ذلك، وهو غير صحيح. ثم يقال بعد هذا للمحتجي بقصة يوسف - عليه السلام -: أرونا حادثة واحدة أو واقعة ثبت فيها بالدليل الصحيح أن يوسف نب حكم فيها بغير شرع الله، فإذا لم يكن هناك دليل على ذلك فإن المسلم يربأ بنفسه

عدد الصفحات ٢٢٢

2 2 الفصل الثاني عن أن يوقعها في الهلكة، وينسب لنبي من أنبياء الله دعا إلى توحيد الله وهو في { سجنه، وأعلنها بقوة ^# ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إنِ الْـحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ أن ينسب له إيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنه حكم بغير شريعة الله - تعالى، ولا ينبغي للعاقل أن يقع في العظماء وينسب لهم ما لا يدل عليه الدليل من أجل أن يسوغ مواقفه وتصرفاته. وفي نهاية هذه المسألة نقول: من استطاع أن يتولى ولاية أو أن يكون وزيراً في نظام غير إسلامي، وأن ينفذ شرع الله - تعالى - في وزارت ولو أن يحتال في تحقيق ذلك كما فعل يوسف - عليه السلام، ويحقق بعض المصالح الحقيقية لا الوهمية التي يدعو إليها السلام، وإن لم يتمكن من فعل كل ما يريد من الحق والخير، من غير الدخول في الموافقة على ما يناقض دين الله، أو يأمر من هم تحت ولايته بما يناقض دين الله، أو السهام في نشر الباطل الناتجة عن السكوت وعدم - من غير تصريح - ولو كان بإظهار الموافقة الضمنية الاعتراض؛ فليفعل والله يعينه ويتولاه. ومن المعلوم أن المشاركة في ال تحكم وتحتكم إلى غير ما أنزل الله غير جائز باتفاق المانعي والمجيزين، وإنما أجازه من أجازه على أنه استثناء من أصل المنع لأسباب يرونها تجيز الاستثناء،

عدد الصفحات ٢٢٣

2 2المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد وشأن الاستثناء ألا يتوسع فيه بل يقتصر فيه على القدر الذي لا بد منه فقط. أما من كان يتولى بعض تلك الولايات من غير أن يحقق من وراء ذلك مصلحة من المصالح التي حض عليها الس محدودة ويقع في مفسدة عظيمة، أو يحقق مصلحة من وجهة نظره هو، وهي غير معتد بها في ميزان الشرع، فلا يحق له أن يحتج بفعل يوسف عليه السلام، وليس له في تصرفه حجة أو دليل. وكأن من قدر يوسف عليه السلام أن يفترى عليه قديما وحديثا، ففي القديم يتهم بإرادة السوء بامرأة العزيز، وفي الحديث يتهم بالحكم بغير ما أنزل الله، فسبحان الله الحليم الحكيم. - مناقشة الاحتجاج بقصة النجاشي - رحمه الله تعالى -:2 وهذا الاستدلال يمكن مناقشته بالتالي - ليس في قصة النجاشي - رحمه الله تعالى - دليل للمجيزين: ما تقدم من حجج الذين يرون أن النجاشي - رحمه الله - لم يحكم بشرع الله؛ ليس فيها في الحقيقة أي دليل على هذه الدعوى العريضة، فلم ينقل منهم أحد شيئاً محدداً يبي ذلك أو يدل عليه، كل ما ذكروه في الموضوع هو تصور عدم إمكانية ذلك بناء على بعض المقتطفات المبتورة من سيرته، فأحد الباحثي يقول: «

عدد الصفحات ٢٢٤

2 2 5 الفصل الثاني وليس هذا دليلاً، بل هو مجرد تصور 1ومن العقبات التي تعترض طريقه شخصي لا يرقى لمكانة الدليل، ولعلنا بعد أن نسرد بعض الوقائع المفصلة التي تبي لنا ظاهر الحال التي كانت سائدة في بلاد النجاشي ينقلب الاستدلال. ومما ذكره مستدلاً به على العقبات التي تعترض طريق النجاشي - رحمه « :#قوله في رسالته إلى الرسول الله تعالى - المستدل لو أورد الكلام كاملاً لظهر منه عكس ما يريد إيصاله إلى القارئ، فقد جواباً لرسالته # كتب النجاشي - رحمه الله تعالى - رسالة إلى رسول الله التي أرسلها إليه يدعوه فيها إلى السلام، فقال من النجاشي الأصحم بن أبجر سلام عليك يا نبي #إلى محمد رسول الله الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هداني إلى السلام، فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربِّ السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقاً ومصدقاً، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمي، وقد بعثت إليك يا نبي الله بأريحا بن الأصحم بن أبجر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن آتيك فعلت يا رسول #، فهذه الرسالة فيه2الله، فإني أشهد أن ما تقول حق وبما نزل عليه من ربه، وباليمان بما نزل في حق عيسى - عليه السلام، وأنه .7 حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية، د/ عمر بن سليمان الأشقر ص1 ، البداية والنهاية/2، السيرة النبوية، لابن كثير10 - 09/2 دلائل النبوة للبيهقي2 .105/

عدد الصفحات ٢٢٥

2 2 6المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد اهتدى إلى السلام، وبايع على ذلك، وهو يعلن استعداده للهجرة وترك الملك ، وقد يستفاد منها أنه لم يطاوعه على #الذي هو فيه إن شاء ذلك رسول الله السلام أحد، لكن ليس فيها أنه لم يحكم بشريعة الله، وبي الأمرين فرق، والقول: إنه لم يحكم بشريعة الله يلزم منه أنه حكم بغيرها؛ لأنه ملك والملك من شأنه أن يحكم، فإما أن يحكم بشريعة الله وإما أن يحكم بغيرها. ستي رجلاً # على أن هناك بعض الروايات التي تبي أنه أرسل للرسول مما يدل على أن هناك من طاوعه على السلام، وقد جاء في مجموعة 1مع ابنه أن النجاشي كتب رسالة الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة وفيها #إلى رسول الله من أهل الحبشة وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ، وأياً كان 2ما تقوله حق، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الأمر فليس يظهر من قوله {الله، ومن قبله قال موسى - عليه السلام فهل في هذا ما يدل على أن موسى فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَينَْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ - عليه السلام - لم يكن يحكم في اليهود بشرع الله - تعالى؟ ومما أورده المحتج في بيان العقبات التي كانت تعترض النجاشي وتحول بينه بعد #وبي الحكم بالشريعة قوله المحاورة التي جرت بينه وبي جعفر بن أبي طالب...قال الخلَّص من أصحابه: ، وكذلك أسد الغابة.7/2، تاريخ ابن خلدون12/2 تاريخ الطبري1 . مجموعة الوثائق السياسية، د/ محمد حميد الله الحيدر آبادي، ص2

عدد الصفحات ٢٢٦

2 2 7 الفصل الثاني والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنا، وعندما اعت ه - والخطاب لجعفر - ما ع بطارقته معارضتهم هذه عن إعلان التمسك بالحق؟ لو أورد المحتج الرواية كاملة بدلاً من هذه المقتطفات لتبي ثبات النجاشي وعدم تضعضعه أمام هؤلاء المعارضي، مما يبي أن معارضتهم له لم تكن لتحول بينه وبي العمل بما علمه من الحق وأُمر به، ففي الرواية المذكورة لما قال لجعفر له جعفر: نقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فدَلَّى النجاشي يده إلى الأرض فأخذ عوداً بي أصبعيه فقال: ما عدا عيسى بن مريم مما قلتَ هذا العُويد، فتناخرت بطارقته فقال: وإن تناخرتم والله! ومن سبَّكم غرم، من سبَّكم - الشيوم الآمنون - اذهبوا فأنتم شيوم في الأرض غرم، من سبَّكم غرم - ثلاثاً - ما أحب أن لي دبراً وإن فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حي رد عليَّ ملكي، - والدبر بلسانهم الذهب - فالنجاشي - رحمه الله - لم يهتز أمام 1ولا أطاع الناس فيَّ فأطيع الناس فيه تناخرهم، بل تحداهم بقوله: وإن تناخرتم والله، ثم أم على من سبَّهم عقوبة وهي الغرامة، وبي أنه لا يخاف الناس ولا يطيعه « :27/2، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 22/2 السيرة النبوية لابن كثير 1 ورجاله رجال الصحيح غيرابن إسحق وقد صرح بالسماع . والشيوم قد وردت في بعض المصادر السيوم، والكلمة ليست عربية، فالله أعلم أي ذلك 176 هو الصواب. العويد: تصغير عود. والنخير صوت الأنف، نخر النسان والحمار والفرس بأنفه ينخِر وينخُر نخيراً مد الصوت والنفس في خياشيمه.

عدد الصفحات ٢٢٧

2 2 8المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد أنه ترك - الله - تعالى، أفمن كان هذه حاله يجوز أن ينسب إليه - بغير بينة بع هذه القصة الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وابن العذراء البتول، فأخذ أي: النجاشي رحمه الله عوداً وقال: والله ما زاد ابن مريم على هذا وزن هذا العود، فقال عظماء الحبشة: والله لئن سمعت الحبشة لتخلعنك، فقال: والله لا أقول في عيسى غير هذا أبداً، وما أطاع الله الناس فيَّ حي ردَّ عليَّ ملكي، ، فلم يأبه بما قاله له عظماء 1فأطع الناس في دين الله، معاذ الله من ذل الحبشة من خلع الحبشة له، وما رده ذلك عن التمسك بالحق وإعلانه، بل أقسم بالله أنه لا يقول في عيسى غير مقالته الأولى أبداً. رسل قريش عمرو ومما جرى مجرى الروايات المتقدمة ما ورد في محاولة فقال عمرو بن العاص ومن معه أن يوقعوا بي النجاشي وبي المسلمي يخالفونك في عيسى بن مريم، قال: فما تقولون في عيسى بن مريم وأمه؟ قال جعفر: نقول كما قال الله: هو كلمته وروحه ألقاها إلى العذراء البتول، التي لم يمسها بشر، ولم يفرضها ولد. قال: فرفع عوداً من الأرض ثم قال: يا معشر الحبشة والقسيسي والرهبان! والله ما يزيدون على الذي نقول فيه ما سوى هذا، مرحباً بكم وبمن جئتم من ، قال البيهقي10/1 دلائل النبوة 1 .19/2. السيرة النبوية لابن كثير25. الخصائص الكبرى للسيوطي، ص7/والنهاية .17صحيح السيرة للألباني، ص

عدد الصفحات ٢٢٨

2 2 9 الفصل الثاني وأنه الذي نجد في النجيل، وأنه الرسول الذي # عنده، أشهد أنه رسول الله بشَّر به عيسى بن مريم، انزلوا حيث شئتم، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته ، ففي هذه الرواية يواجه النجاشي 1حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضِّئُه الحبشة والقسيسي والرهبان ويجهر بالاعتقاد الصحيح في عيسى، ويشهد أن محمداً رسول الله وأنه الذي يجد في النجيل، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم. وقد حمى النجاشي المسلمي ودافع عنهم فجعل من ملكه ملاذاً وحماية لهم، فمنع من أذيتهم وجعل عقوبة على من فعل ذلك، فقال لهم بعدما سمع قولهم في عيسى بن مريم - عليه السلام منادٍ: من آذى أحداً منهم فأغرموه أربعة دراهم، ثم قال: أيكفيكم؟ قلنا: لا، . 2فأضعفها ومما أورده المحتج مستدلاً على العقبات التي تعترض النجاشي ما ذكره من أن الحبشة لما علمت بإسلامه خرجوا عليه، وأنه احتال عليهم ليسكنهم، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، ثم . البداية والنه150/1. عيون الأثر168 أخرجه أحمد في المسند، رقم 1 ، وقال: وهذا إسناد جيد قوي وسياق حسن. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة نحوه88/ ، وقال: وهذا166 - 16وقال: هذا إسناد صحيح. وساقه الألباني في صحيح السيرة، ص إسناد جيد قوي وسياق حسن. ، أوردها ابن كثير نقلاً عن تاريخ الحافظ ابن عساكر، وقال الحافظ ابن 91/ البداية والنهاية2 عساكر: حسن غريب

عدد الصفحات ٢٢٩

20المشاركة في البرلمان والوزارة.. عرض ونقد جعله في قبائه عند المنكب ا ديننا وزعمت أن عيسى عبد الله ورسوله، قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول: هو ابن الله، فقال النجاشي ووضع يده على صدره وقبائه: وهو يشهد أن عيسى لم يزد على ه يتعارض مع ما تقدم ذكره من الروايات التي تبي تصريحه بإيمانه أمام القسيسي والرهبان والجهر بعقيدته في عيسى - عليه السلام، وعدم اعتداده بمن يعارضه في ذلك، والقصة مع ذلك ليس فيها أنه تكلم بالباطل، غاية ما فيها أنه احتال في كلمة الحق بحيث لا يتغلبون عليه، وهذا من المعاريض، ومثل هذا مما يجوز .في شرعنا - التحقيق في نسبة عدم الحكم بما أنزل الله - تعالى - للنجاشي: ونحن هنا نود أن نشير إلى بعض الأمور المهمة التي تعي - بفضل الله - على تحقيق هذه المسألة: وشهد # - أن النجاشي - رحمه الله - عبد صالح صلى عليه الرسول 1 له بحسن الخاتمة واستغفر له، فلا ينبغي لأحد أن ينسب إليه شيئاً يغضُّ من منزلته بالظن والحدس، ليسوغ لنفسه موقفاً قد اختاره في المسألة المعروضة. - أن الوارد إلينا من إيمان النجاشي - رحمه الله - والأحداث التي وقعت 2 معه لا يتجاوز هذا الذي نقلناه، ولا يخرج عن معناه، مما يجعل الجزم بشيء من هذه الأمور الخارجة عما تقدم من غير دلالة واضحة تبرأ بها العهدة نوعاً من التهور في الأحكام غير محمود.

عدد الصفحات ٢٣٠