مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وقوله فِ العنكبوت: {وَوَصهيْنَا الِْْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشِْْكَ بِِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلََ تُطِعْهُمََ إِلََه مَرْجِعُكُمْ } الآية[8 ]. وذكره فِ هذه الآيات بر الوالدين مقروناً بتوحيده فِ عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين" . فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له، والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان، فقال تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لَِ وَلِوَالِدَيْكَ } . وبر الأم مقدم على الأب، ولها من الحقوق على الأبناء أكثر من حقوق الأب عليهم؛ لأن الشرع الحنيف ورد بذلك؛ ولأنها أضعف من الأب، وتعاني من الوحم وآلام الولادة، ثم الرضاعة، قال الله سبحانه: {حََْلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنَاً عَلََ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِِْ عَامَيِْْ } [14] . وقال فِ آية أخرى {حََْلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهَاً وَحَْْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلََثُوْنَ شَهْرَاً } [15]، وقدمها فِ المحرمية على سائر المحارم فقال {حُرِّمهتْ عَلَيْكُمْ أُمههَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ... } الآية[23]، فالإحسان الإحسان إلى من وصاك الله بالإحسان إليه، الكلمة الطيبة إحسان، طاعتهما إحسان، خفض الجناح إحسان، إلانة الخطاب إحسان، الإنفاق عليهما إحسان، صلة صديقهما بعد موتهما إحسان، الدعاء لهما بعد الموت إحسان، التصدق عنهما إحسان، فقد أوصى بالإحسان رب العالمين، وأمر به، وحث عليه (31) أضواء البيان فِ إيضاح القرآن بالقرآن3/85 .) (32) انظر: تفسير القرطبي5/182.)
عدد الصفحات ١٨مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وأوجبه نبينا الكريم . فهذا مكانة الأم فِ شريعة الإسلام معززة مكرمة، أمر بالإحسان إليها، وجعل الله سبحانه الجنة تحت قدمها لكن الذي يتأمل مكانة الأم والمرأة فِ الديانات الأخرى يجدها كما يقول عبد الرحمن الطوخي فِ مقال له بعنوان: "مكانة المرأة فِ بعض الحضارات القديمة والأديان الأخرى" : كانتِ المرأةُ ممسوخةَ الهُوية، فاقِدة الأهلية، منزوعة الحريَّة، لا قِيمةَ لها تُذكر، أو شأن يُعتبر، بل كانتْ تُقاسي فِ عامَّة أحوالها -باستثناء عصور الرِّسالات الإلهيَّة - ألوانًا من الظُّلم والقهْر، والشَّقاء والذُّل، صاغتْها أهواءٌ ضالَّة، أو عقائدُ فاسِدة. ولا جرمَ أنَّ الباحثَ فِ وضْع المرأة قبلَ الإسلام لن يجدَ ما يسرُّه؛ إذ يرى نفسَه أمامَ إجماع عالمَي على تجريدِ هذه المخلوقة مِن جميع الحقوق الإنسانيَّة. فكانتِ المرأة عندَ الإغريق محتقرةً مَهينة، حتى سموها رجسًا مِن عمِل الشيطان، وكانتْ كسقط المتاع تُباع وتشترَى فِ الأسواق، مسلوبة الحقوق، محرومة من حقِّ الميراث وحقِّ التصرُّف فِ المال، وكانتْ فِ غايةِ الانحطاط سوء الحال مِن حيث نظرية الأخلاق والحقوق القانونيَّة والسلوك الاجتماعي جميعًا. وممَّا يُذكر عن فيلسوفِهم سقراط قوله: "إنَّ وجودَ المرأة هو أكبر منشأ ومصْدر للأزمة والانهيار فِ العالمَ، إنَّ المرأة تُشبه شجرةً مَسْمومة، حيث يكون ظاهرها جميلاً، ولكن عندما تأكل منها العصافير تموت حالاً " . وممَّا لاقته المرأة فِ العصور الرُّومانية تحتَ شعارهم المعروف "ليس للمرأة (33) فِ موقع الألوكة بتصرف يسير على الرابط التا: //:https2o/pw.u4wc1Fy . (34) الحجاب للمودودي12)، وعودة الحجاب د. محمد المقدم2/47.)
عدد الصفحات ١٩مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم رُوح " تَعذيبها بسَكْب الزَّيْت الحار على بَدنهِا، وربْطها بالأعمدة، بل كانوا يَربطون البريئاتِ بذُيول الخيول، ويُسرعون بها إلى أقْصى سرُْعة حتى تموت . وفِ شرائعِ الهندوس أنَّه: "ليس الصبر المقدَّر، والرِّيح، والموت، والجحيم، والسُّم، والأفاعي، والنار، أسوأَ مِن المرأة "!، يقول الدكتور مصطفى السباعي: "ولم يكن للمرأةِ فِ شريعة "مانو" حقٌّ فِ الاستقلال عن أبيها أو زوْجها أو ولدها، فإذا مات هؤلاء جميعًا وجَب أن تنتمي إلى رجلٍ من أقارب زوْجها، وهي قاصرةٌ طِيلةَ حياتها، ولم يكن لها حقٌّ فِ الحياة بعْدَ وفاة زوْجها، بل يجب أن تموتَ يومَ مات زوجها، وأن تحُرَق معه وهي حيَّة على موقِد واحد، واستمرَّتْ هذه العادة حتى القرن السابع عشر، حتى أُبطلت على كُرْه من رِجال الدّين الهنود، وكانت تُقدَّم قربانًا للآلهة لترْضىَ، أو تَأمُر بالمطر أو الرِّزق، وفِ بعض مناطق الهند القديمة شجرةٌ يجب أن يُقدِّم لها أهلُ المنطقة فتاةً تأكلها كلَّ سَنَة !. وكانتْ بعض طوائف اليهود تَعتبر البنتَ فِ مرتبة الخادم، وكان لأبيها الحقُّ فِ أن يبيعها قاصرِة، وما كانت تَرِث إلا إذا لم يكن لأبيها ذريةٌ من البنين، وإلا ما كان يتبرَّع لها به أبوها فِ حياته. والمتأمِّل لحال المرأة فِ المجتمع اليهودي يجَِدها لا تختلف عن المجتمعاتِ البدائية، فهي مملوكةٌ لأبيها قبلَ الزواج، ثم تُشترَى منه عندَ نِكاحها؛ لأنَّ المهر كان يدفع لأبيها أو لأخيها على أنَّه ثمن شراء، وبذلك تُصبح مملوكةً لزوجها، وهو سيِّدها المطلَق؛ إذ إنَّ العقد فِ شريعتهم عقد سِيادة لا عقد زواج. (35) عودة الحجاب2 /48 .) (36) المرأة بين الفقه والقانون (ص18.)
عدد الصفحات ٢٠مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم والمرأة فِ الشريعة اليهودية تُورَث كجزء مِن تركة الميِّت، فإذا مات زوجُها وَرِثها وارثُه مع بقية المتروكات، وله أن يبيعَها أو يعضلها، ثم إنَّ المرأة غيرُ طاهرة عندَهم فِ اليوم الذي تبدأ فيه بالشُّعور بأنَّ عادتها الشهرية قد اقتربَتْ، وحتى إذا لم يكن هناك أثرٌ ظاهِر، وعلى الزَّوْج عدم ملامستها، ولا حتى بأصبعه الصَّغير، ولا يسمح له بمناولتها أي شيء، ولا حتى شيئًا طويلاً، ولا أنْ يأخذ منها شيئًا من يدِه إليها أو العكس غير مسموح به أيضًا، ولا يسمح لها بالأكْل مع زَوْجها على مائدة واحدة، ولا يُسمح له بشرُْب ما تفضل منها فِ الكوب، ولا يُسمح لهما فِ المبيت فِ السرَّير نفْسه، ولا فِ الرُّكوب معه فِ عَرَبة واحدة . وهالَ رِجالَ النصرانية الأوائل ما رَأَوا فِ المجتمع الرُّوماني مِن انتشار الفواحش والمنكرات، وما آل إليه المجتمعُ مِن انحلال أخلاقي شَنيع، فاعتبروا المرأةَ مسؤولة عنْ هذا كلِّه؛ لأنهَّا كانت تخرج إلى المجتمعات، وتتمتَّع بما تشاء مِن اللهو، وكذلك فقد عدُّوها أصْلَ الخطيئة، ورأس الشر؛ لأنهَّا سببُ الفساد، وسبب خروج آدمَ مِن الجنة، فكانت المرأة نتيجةً لذلك مُطالَبةً بنوع من سلوك معينَّ، حتى وهي داخل الكنيسة، فقد أصدر "بولس" أوامرَ صارمة لأتْباعه، وكما يقول صاحب قصَّة الحضارة: "لتصمتْ نِساؤكم داخلَ الكنيسة؛ لأنَّه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمْنَ، ولكن إذا كُنَّ يُردْنَ أن يتعلمْنَ شيئًا فليسألْنَ رجالهنَّ فِ البيت؛ لأنَّه قبيح بالنساء أن تتكلَّم فِ الكنيسة" . وقد وصَمت الكنيسةُ العلاقة الزَّوجيَّة بين الرجل والمرأة بالنجاسة؛ ولذا يجب (37) حقوق المرأة فِ ضوء السنة النبوية (ص31)، عودة الحجاب2/51 .) (38) قصة الحضارة"لول ديورانت" (3/278) نقلاً عن حقوق المرأة فِ ضوء السنة النبوية (ص32.)
عدد الصفحات ٢١مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم أن تجُتنب، ولو كانت عن طريق نِكاح مشروع، ومِن هذه النظرة انتشرتِ الرهبانيةُ لدَى كثير من الرجال، وامتنعوا عنِ الزواج، كما انتشرتْ نظرية الازدراء لمَن يكشف عن زواجه؛ لأنَّ علاقة الزواج مبنيَّة على أمرٍ نَجِس . وقد حرَّمت الكنيسةُ الطلاق، مهما بلغ التباغُض بين الزوجين مداه، وأقصى ما يمكن اتخاذُه فِ مثل هذه الحال أن يفرق بينهما جسديًّا مع امتناع كلٍّ منهما عن الزواج حتى يفرقَ بينهما بالموت . (39) مقام المرأة فِ الإسلام؛ لمحمود بايللي (ص37.) (40) المرجع السابق
عدد الصفحات ٢٢مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم المسألة الثالثة: تخصيصها بالذكر عند الحمل والفصال لمشقتها لعظم حق الأم على الأبناء خصها الله سبحانه بالوصية، والله ينسب الأمور إلى نفسه فِ الأمور المهمة وأمور الخير، فقال سبحانه: {وَوَصهيْنَا الِْْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ } [14]، ولم يقل بأبويه، ولم يذكر الأب فِ الآية وإنما ذكر الأم فقال بعدها: {حََْلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِِ عَامَيِْْ أَنِ اشْكُرْ لَِ وَلِوَالِدَيْكَ إِلََه الَْْصِيرُ }، فذكر الحمل والفصال وهو الفطام من الرضاع وهذا يتعلق بالأم وليس بالأب، وفِ هذا إشارة إلى أنه ينبغي الإحسان إلى الأم أكثر من الأب، ومصاحبة الأم أكثر من الأب، لأن الولادة من شأن الأم وليست من شأن الأب، وعندما قال فِ الآية: {بِوَالِدَيْهِ } ذكر سبحانه ما يتعلق بالأم، قال الحافظ ابن كث فِ قوله {وَوَصهيْنَا الْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حََْلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ } :"قال مجاهد: مشقة وَهْن الولد، وقال قتادة: جهدًا على جهد، وقال عطاء الخراساني: ضعفاً على ضعف. وقوله: {وَفِصَالُهُ فِِ عَامَيِْْ } أي: تربيته وإرضاعه بعد وضعه فِ عامين، ك قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنه حَوْلَيِْْ كَامِلَيِْْ لَِْنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمه الرهضَاعَةَ } [233] . ومن هاهنا استنبط ابن عباس وغيره من الأئمة أن أقل مدة الحمل ستة أشهر؛ لأنه قال تعالى فِ الآية الأخرى: {وَحَْْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَثُونَ شَهْرًا } [
عدد الصفحات ٢٣مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم الأحقاف:15] . وإنما يذكر تعالى تربيةَ الوالدة وتعبها ومشقتها فِ سهرها ليلا ونهارًا، ليُذكّر الولد بإحسانها المتقدم إليه، كما قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ ارْحَْْهُمََ كَمََ رَبهيَانِِ صَغِيرًا } [24]؛ ولهذا قال {أَنِ اشْكُرْ لَِ وَلِوَالِدَيْكَ إِلََه الَْْصِيرُ } أي: فإ سأجزيك على ذلك أوفر الجزاء" . قال أبو جعفر الطبري :"وقوله{أن اشْكُرْ لَِ وَلِوَالِدَيْكَ } يقول وعهدنا إليه أن اشكر لي على نعمي عليك، ولوالديك تربيتهما إياك، وعلاجهما فيك ما عالجا من المشقة حتى استحكم قواك، وقوله: {إلَه الَْصِيرُ } يقول: إلى ا مصيرك أيها الإنسان، وهو سائلك عما كان من شكرك له على نعمه عليك، وعما كان من شكرك لوالديك، وبرّك بهما على ما لقيا منك من العناء والمشقة فِ حال طفوليتك وصباك، وما اصطنعا إليك فِ برّهما بك، وتحننهما عليك " . وقال العلامة ابن سعدي :"ولما أمر بالقيام بحقه، بترك الشرك الذي من لوازمه القيام بالتوحيد، أمر بالقيام بحق الوالدين فقال: {وَوَصهيْنَا الْنْسَانَ } أي: عهدنا إليه، وجعلناه وصية عنده، سنسأله عن القيام بها، وهل حفظها أم لا؟ فوصيناه {بِوَالِدَيْهِ } وقلنا له{اشْكُرْ لَِ } بالقيام بعبوديتي، وأداء حقوقي، وأن لا تستعين بنعمي على معصيتي، {وَلِوَالِدَيْكَ } بالإحسان إليهما بالقول اللين، والكلام اللطيف، والفعل الجميل، والتواضع لهما، وإكرامهما وإجلالهما، والقيام (41) تفسير ابن كثير، للحافظ ابن كث6/336)، وانظر: تفسير الطبري20/137-138)، وتفسير البغوي إحياء التراث (3/588 .) (42) تفسالطبري (20/138 .)
عدد الصفحات ٢٤مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم بمئونتهما واجتناب الإساءة إليهما من كل وجه، بالقول والفعل. فوصيناه بهذه الوصية، وأخبرناه أن {إِلََه الَْْصِيرُ } أي: سترجع أيها الإنسان إ من وصاك، وكلفك بهذه الحقوق، فيسألك: هل قمت بها، فيثيبك الثواب الجزيل؟ أم ضيعتها، فيعاقبك العقاب الوبيل؟. ثم ذكر السبب الموجب لبر الوالدين فِ الأم، فقال: {حََْلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ } أي: مشقة على مشقة، فلا تزال تلاقي المشاق، من حين يكون نطفة، من الوحم، والمرض، والضعف، والثقل، وتغير الحال، ثم وجع الولادة، ذلك الوجع الشديد. ثم {فِصَالُهُ فِِ عَامَيِْْ } وهو ملازم لحضانة أمه وكفالتها ورضاعها، أفما يحسن بمن تحمل على ولده هذه الشدائد، مع شدة الحب، أن يؤكد على ولده، ويوصي إليه بتمام الإحسان إليه؟ {وَإِنْ جَاهَدَاكَ } أي: اجتهد والداك{عَلَ أَنْ تُشِْْكَ بِِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَ تُطِعْهُمََ } ولا تظن أن هذا داخل فِ الإحسان إليهما، لأن حق اللهّ، مقدم على حق كل أحد، و لا طاعة لمخلوق، فِ معصية الخالق، ولم يقل: "وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فعقهما" بل قال: {فَلَ تُطِعْهُمََ } أي: بالشرك، وأما برهما، فاستمر عليه، ولهذا قال: {وَصَاحِبْهُمََ فِِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } أي: صحبة إحسان إليهما بالمعروف، وأما اتباعهما وهما بحالة الكفر والمعاصي، فلا تتبعهما" . (43) تفسير السعدي648 .)
عدد الصفحات ٢٥مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وأوصى الله بالإحسان للوالدين ثم خص الأم لما تقاسيه من مشاق الحمل والرضاعة، فقال: {وَوَصهيْنَا الِْْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حََْلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَْْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلََثُونَ شَهْرًا حَتهى إِذَا بَلَغَ أَشُدههُ وَبَلَغَ أَرْبَعِيَْ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الهتِي أَنْعَمْتَ عَلََه وَعَلََ وَالِدَيه وَأَنْ أَعْمَلَ صَالًِِا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لَِ فِِ ذُرِّيهتِي إِنِِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِِّ مِنَ الُْْسْلِمِيَْ } [ الأحقاف15]، ففي الوضع كأنها ترى الموت رأي العين، ثم تقاسي فِ الوضع آلاماً شديدةً، ثم الرضاعة حولين كاملين، تتكبد المشاق فِ رعاية الولد، وتتحمل الأم الضعيفة من أجل ولدها التعب الكثير فِ تمريض ولدها والاهتمام به وكثرة الخدمة والحنان والإشفاق على الولد، تسهر الليالي الطوال من أجل راحة الولد، تقوم من مضجعها وقت صراخ الولد، تحتضه عند خوفه وقلقه، تفديه بنفسها من كل شر ومكروه، تجوع ليشبع وتعطش ليروى، تسهر لينام، تلقمه ثديها وتحتضنه فِ حضنها تكاد أن تلقمه قلبها حناناً وشفقةً، قال العلامة الشنقيطي : "قَوْلُهُ تَعَالىَ {حََْلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا }، قَرَأَ هَذَا الحَْرْفَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَهِشَامٌ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ: كَرْهًا بِفَتْحِ الْكَافِ فِِ المَْوْضِعَينِْ. وَقَرَأَهُ عَاصِمٌ وَحمَْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَابْنُ ذَكْوَانَ عَنِ ابْنِ عَامِرٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الْكَافِ فِِ المَْوْضِعَينِْ. وَهمَُا لُغَتَانِ كَالضُّعْفِ وَالضَّعْفِ. وَمَعْنَى حمََلَتْهُ كُرْهًا أَنهََّا فِِ حَالِ حمَْلِهَا بِهِ تُلاَقِي مَشَقَّةً شَدِيدَةً. وَمِنَ المَْعْلُومِ مَا تُلاَقِيهِ الحَْامِلُ مِنَ المَْشَقَّةِ وَالضَّعْفِ، إِذَا أَثْقَلَتْ وَكَبرََ الجَْنِينُ فِِ بَطْنِهَا.
عدد الصفحات ٢٦مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وَمَعْنَى وَضَعَتْهُ كُرْهًا: أَنهََّا فِِ حَالَةِ وَضْعِ الْوَلَدِ تُلاَقِي مِنْ أَلمَِ الطَّلْقِ وَكَرْبِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، كَماَ هُوَ مَعْلُومٌ. وَهَذِهِ المَْشَاقُّ الْعَظِيمَةُ الَّتِي تُلاَقِيهَا الأُْمُّ فِِ حمَْلِ الْوَلَدِ وَوَضْعِهِ، لاَ شَكَّ أَنهََّا يَعْظُمُ حَقُّهَا بهَِا، وَيَتَحَتَّمُ بِرُّهَا وَالإِْحْسَانُ إِلَيْهَا، كَماَ لاَ يخَْفَى. وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ مِنَ المَْشَقَّةِ الَّتِي تُعَانِيهَا الحَْامِلُ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالىَ فِِ لُقْماَنَ: {وَوَصهيْنَا الِْْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حََْلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ }، أَيْ تهَِنُ بِهِ وَهْنًا عَلىَ وَهْنٍ، أَيْ ضَعْفًا عَلىَ ضَعْفٍ ; لأَِنَّ الحَْمْلَ كُلَّماَ تَزَايَدَ وَعَظُمَ فِِ بَطْنِهَا، ازْدَادَتْ ضَعْفًا عَلىَ ضَعْفٍ. وَقَوْلُهُ فِِ آيَةِ الأَْحْقَافِ هَذِهِ كُرْهًا فِِ المَْوْضِعَينِْ مَصــْدَرٌ مُنْكــَّرٌ، وَهــُوَ حــَالٌ، أَيْ حمََلَتْهُ ذَاتَ كــُرْهٍ وَوَضــَعَتْهُ ذَاتَ كــُرْهٍ، وَإِتْيــَانُ المَْصــْدَرِ المُْنْكــَّرِ حــَالاً كَثــِيرٌ، وَقــَالَ بَعْضُهُمْ: كُرْهًا فِِ المَْوْضِعَينِْ نَعْتٌ لمَِصْدَرٍ، أ ََيْ حمََلَتْهُ حمَْلاً ذَا كُرْهٍ، وَوَضَعَتْهُ وَضــْعًا ذَا كُرْهٍ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللهَِّ تَعَالىَ " . قال المفسرون: حملته أمُّه مشقةً على مشقةٍ, ووضعته بمشقَّةٍ وليس المراد ابتداء الحمل فإن ذلك لا يكون مشقة, لقوله تعالى: {فَلَمَه تَغَشهاهَا حََْلَتْ حَْْلًَ خَفِيفاً فَمَرهتْ بِهِ فَلَمَه أَثْقَلَتْ } [189] يريد شدة الطلق، ودلت الآية على أن حق الأم أعظم لأنه تعالى قال{وَوَصهيْنَا الِْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً } فذكرهما معاً, ثم خص الأُمَّ بالذكر فقال {حََْلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } وذلك يدل على أن حقها أعظمُ وأَنَّ وصول المشاقّ إليه (44) أضواء البيان فِ إيضاح القرآن بالقرآن7/222)، بتصرف يس
عدد الصفحات ٢٧مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم بسبب الولد كثيرة . قال العلامة ابن سعدي :"هذا من لطفه تعالى بعباده وشكره للوالدين أن وصى الأولاد وعهد إليهم أن يحسنوا إلى والديهم بالقول اللطيف والكلام اللين وبذل المال والنفقة وغير ذلك من وجوه الإحسان. ثم نبه على ذكر السبب الموجب لذلك فذكر ما تحملته الأم من ولدها وما قاسته من المكاره وقت حملها ثم مشقة ولادتها المشقة الكبيرة ثم مشقة الرضاع وخدمة الحضانة، وليست المذكورات مدة يسيرة ساعة أو ساعتين، وإنما ذلك مدة طويلة قدرها {ثَلَثُونَ شَهْرًا } للحمل تسعة أشهر ونحوها والباقي للرضاع هذا هو الغالب" . فالأم بطبيعة الحال تحتمل النصيب الأوفر من التعب النفسي والروحي، وتجود به فِ انعطاف أشد وأعمق وأحنى وأرفق، وعن بريدة أن رجلاً كان الطواف حاملاً أمه يطوف بها فسأل النبي هل أديت حقها؟ قال «لا ولا بزفرة واحدة» . نلاحظ فِ القرآن الكريم عدم وجود الأمر المباشر ببر الوالدة لا يعني أن حقها مساوئ لحق الأب فحق الأم فِ البر أعظم وأكبر، وذلك وضحته السنة، فهي مبينة للقرآن الكريم، واللفتة الكريمة العظيمة فِ كلام الله جلا وعلا توحي بحق (45) انظر: تفسير اللباب لابن عادل17/393 ) (46) تفسير السعدي781 .) (47 )أخرجه البزار فِ مسنده، برقم (4380)، وقال: وَهَذَا الحَْدِيثُ لا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيّ إِ مِنْ هَذَا الوجه.
عدد الصفحات ٢٨مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم الأم فِ مزيد البر والرعاية والإكرام، قال تعالى: {حََْلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ }، وقال تعالى: {حََْلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَْْلُهُ }، هذه المعاناة فِ الحمل والوضع والرضاع لا يشاركها فيها الوالد، ثم هي أسرع بالعطف والحنو والشفقة عليك مِن والدك . وبين النبي حق الأم وأنه يفوق حق الأب كما فِ المتفق عليه من حديث أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول ا فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال «أمك» قال: ثم من؟ قال «أمك» قال: ثم من؟ قال «أبوك» ، وفِ رواية لمسلم: يا رسول الله من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك » . قال الإمام النووي :"فيه الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب، قال العلماء: وسبب تقديم الأم كثرة تعبها عليه، وشفقتها، وخدمتها، ومعاناة المشاق فِ حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته، وخدمته، وتمريضه، وغير ذلك، ونقل الحارث المحاسبي إجماع العلماء على أن الأم تفضل فِ البر على الأب، وحكى القاضي عياض خلافاً (48) من رسالة بعنوان: بر الوالدين فِ القرآن الكريم، لمنظور محمد رمضان، على موقع جامعة أم القرى، بتصرف يسير. (49) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، برقم (5626)، ومسلم، كتاب ال والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2548 .) (50) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2548 .)
عدد الصفحات ٢٩مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم فِ ذلك فقال الجمهور بتفضيلها، وقال بعضهم: يكون برهما سواء قال ونسب بعضهم هذا إلى مالك والصواب الأول؛ لصريح هذه الأحاديث فِ المعنى المذكور والله اعلم قال القاضي واجمعوا على أن الأم والأب آكد حرمة فِ البر ممن سواهما قال: وتردد بعضهم بين الأجداد والأخوة لقوله :«ثم أدناك أدناك»، قال أصحابنا: يستحب أن تقدم فِ البر الأم ثم الأب" . وقال العيني :"وفيه دلالة على أن محبة الأم والشفقة عليها ينبغي أن تكون أمثال محبة الأب؛ لأنه كررها ثلاثاً وذكر الأب فِ الرابعة فقط وإذا تؤمل هذا المعنى شهد له العيان وذلك أن صعوبة الحمل والوضع والرضاع والتربية تنفرد بها الأم وتشقى بها دون الأب فهذه ثلاث منازل يخلو منها الأب، وحديث أبي هريرة يدل على أن طاعة الأم مقدمة وهو حجة على من خالفه وزعم المحاسبي أن تفضيل الأم على الأب فِ البر والطاعة هو إجماع العلماء، وقيل للحسن: ما بر الوالدين؟ قال: تبذل لهما ما ملكت وتطعيهما فيما أمراك ما لم يكن معصية" . ولعظم حقها جُعلت الجنة تحت قدمها لحديث معاوية بن جاهمة أن جاهمة جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: «هل لك من أم »؟ قال: نعم، قال «فالزمها فإن الجنة عند رجلها» . (51) شرح النووي على مسلم16/102 .) (52) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني (22/82.) (53) أخرجه الإمام أحمد فِ المسند، برقم (15538)، وقال محققوه: إسناده حسن، وقال الألباني: إسناده جيد تحقيق مشكاة المصابيح برقم (4939.)
عدد الصفحات ٣٠مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وفِ رواية: «فالزمها فإن الجنة تحت رجليها» . فمن أراد السعادةوالراحة والاطمئنان والفوز بالجنة، فليبر أمه ويحسن إليها؛ لأن الجنة تحت قدميها، وعقوقها سبب فِ دخول النار والعياذ بالله. (54) أخرجه النسائي، كتاب الجهاد، باب الرخصة فِ التخلف لمن له والدة، برقم (3104)، والبيهقي فِ شعب الإيمان، برقم (7833)، وحسن إسناده الألبا فِ السلسلة الضعيفة2/59)، فِ كلامه على حديث «الجنة تحت أقدام الأمهات»، برقم593 .)
عدد الصفحات ٣١مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم المسألة الرابعة: وجوب الترفق بها وخفض الجناح لها عند الخطاب: ومن الإحسان إليهما عدم التأفف من شيء تراه أو تشمه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك وأحتسب الأجر عليه من الله ك صبرا عليك فِ صغرك، وأحذر الضجر والملل قليلاً أو كثيراً، وعليك بالرفق واللين معهما والله لا يضيع اجر من أحسن عملاً 0 ومن الإحسان إليهما أن لا تنقص عليهما ولا تكدرهما بكلام أو فعل يرضيانه، ولا تزجرهما ولا ترفع صوتك فوق صوتهما، ولا تخالفهما على سبيل الرد عليهما والتكذيب لهما، فإن فعلت ذلك فابشر بالخير الجزيل من الكريم الجليل. ومن الإحسان إليهما مخاطبتهما بلطف واختيار الكلام الحسن الطيب المقرون بالاحترام والتواضع لهما ولين الجانب، وأحذر أن تحدق بعينيك فِ وجههما فإن ذلك من العقوق، أرشدهما وعلمهما الخير والإحسان والدين إذا كان جاهلين ببعض الأحكام، أرشدهما بالأدب والمروءة. {وَقَضََ رَبُّكَ أَلَه تَعْبُدُواْ إِلَه إِيهاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمها يَبْلُغَنه عِندَكَ الْكِبَََ أَحَدُهَُُا أَوْ كِلََهَُُا فَلََ تَقُل لَهُمََ أُفٍّ وَلََ تَنْهَرْهَُُا وَقُل لَهُمََ قَوْلًَ كَرِيمًَ * وَاخْفِضْ لََُمََ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرهحَْْةِ وَقُل رهبِّ ارْحَْْهُمََ كَمََ رَبهيَانِِ صَغِيرًا } [23- 24]، قال الحافظ ابن كث :"وقوله{إِمها يَبْلُغَنه عِنْدَكَ الْكِبَََ أَحَدُهَُُا أَوْ كِلَهَُُا فَلَ تَقُلْ لََُمََ أُفٍّ } أي: لا تسمعهما قولا سيئًا، حتى ولا التأفيف الذي هو
عدد الصفحات ٣٢مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم أدنى مراتب القول السيئ {وَلَ تَنْهَرْهَُُا } أي: ولا يصدر منك إليهما فعل قبيح، كما قال عطاء بن أبي رباح فِ قوله: {وَلَ تَنْهَرْهَُُا } أي: لا تنفض يدك ع والديك. ولما نهاه عن القول القبيح والفعل القبيح، أمره بالقول الحسن والفعل الحسن فقال: {وَقُلْ لََُمََ قَوْلَ كَرِيمًَ } أي: لينًا طيبًا حسنًا بتأدب وتوقير وتعظيم {وَاخْفِضْ لََُمََ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرهحَْْةِ } أي: تواضع لهما بفعلك {وَقُلْ رَب ارْحَْْهُمََ } أي: فِ كبرهما وعند وفا{كَمََ رَبهيَانِِ صَغِيرًا }" . قال ابن جرير الطبري :"القول فِ تأويل قوله تعا {وَاخْفِضْ لََُمََ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرهحَْْةِ وَقُلْ رَبِِّ ارْحَْْهُمََ كَمََ رَبهيَانِِ صَغِيرًا } يقول تعالى ذكره: وكن لهما ذليلاً رحمة منك بهما تطيعهما فيما أمراك به مما لم يكن لله معصية، ولا تخالفهما فيما أحبَّا" . وقال البغوي :"{فَلَ تَقُلْ لََُمَ أُف }، فيه ثلاث لغات، قرأ ابن كث وابن عامر ويعقوب بفتح الفاء، وقرأ أبو جعفر ونافع وحفص بالكسر والتنوين، وقرأ الباقون بكسر الفاء غير منون، ومعناها واحد وهي كلمة كراهية، قال أبو عبيدة: أصل التف والأف الوسخ على الأصابع إذا فتلتها، وقيل: الأف ما يكون فِ المغابن من الوسخ، والتف ما يكون فِ الأصابع، وقيل: الأف وسخ الأذن والتف وسخ الأظفار، وقيل: الأف وسخ الظفر والتف ما رفعته بيدك من الأرض من شيء حقير. (55) تفسير ابن كث5/64 .) (56) تفسير الطبري17/418 .)
عدد الصفحات ٣٣