المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم

محمد العبدلي

صفحة ١ من ٣

مـكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم ت ألي ف محمد ب ن عب دالله ب ن محمد حزام العب دلي الج مهوري ة الي من ي ة – صي عاء

عدد الصفحات ١

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم المق دمة : إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستهديه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: إن الدين الإسلامي عظَّم حق الوالدين، وقرن حقهما بأعظم الحقوق وهو توحيد الله سبحانه وتعالى، ولم يرض لهما دون مقام الإحسان؛ قال رب العزة والجلال: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلََ تُشِْْكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [ النساء36]، وقال جل وع{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرهمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَه تُشِْْكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [151]. وأمر بالتواضع والذل وخفض الجناح لهما، ونهى عن أدنى درجات الإيذاء ولو بقول: أف، فقال عز وجل: {وَقَضََ رَبُّكَ أَلَه تَعْبُدُوا إِلَه إِيهاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمها يَبْلُغَنه عِنْدَكَ الْكِبَََ أَحَدُهَُُا أَوْ كِلََهَُُا فَلََ تَقُلْ لََُمََ أُفٍّ وَلََ تَنْهَرْهَُُا وَقُلْ لََُمََ قَوْلًَ كَرِيمًَ * وَاخْفِضْ لََُمََ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرهحَْْةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَْْهُمََ كَمََ رَبهيَانِِ صَغِيرًا } [ الإسراء23-24 ]. وأمر بشكرهما وصحبتهما بالمعروف وطاعتهما حتى ولو كفرا بالله تعالى، إلا إذا

عدد الصفحات ٣

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم أمرا بمعصية الله جل وعلا قال عز وجل: {وَوَصهيْنَا الِْْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشِْْكَ بِِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلََ تُطِعْهُمََ إِلََه مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمََ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [8] . وقال{وَوَصهيْنَا الِْْنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حََْلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلََ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِِ عَامَيِْْ أَنِ اشْكُرْ لَِ وَلِوَالِدَيْكَ إِلََه الَْْصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلََ أَنْ تُشِْْكَ بِِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلََ تُطِعْهُمََ وَصَاحِبْهُمََ فِِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتهبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلََه ثُمه إِلََه مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمََ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [14-15]. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم برهما من أفضل الأعمال، حتى قدمه ع الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، فعَنْ عَبْدِاللهَِّ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهَِّ صَلىَّ اللهَُّ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا »، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ »، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «الجِْهَادُ فِِ سَبِيلِ ا » ، متفق عليه. وأقبل رجلٌ إِلى نبِيِّ اللهَِّ صلىَّ اللهَّ عليه وسلم فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلىَ الهِْجْرَةِ وَالجِْهَادِ أَبْتَغِي الأَْجْرَ مِنْ اللهَِّ، قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ »، قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلاَهمَُا، قَالَ: «فَتَبْتَغِي الأَْجْرَ مِنْ اللهَِّ؟ »، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ «فَارْجِعْ إِلىَ وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُماَ » ، رواه مسلم (1) رواه البخاري، كِتَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلاَةِ، بَابُ فَضْلِ الصَّلاَةِ لِوَقْتِهَا، برقم 527)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم (85 .) (2) رواه مسلم، أول كتاب البر والصلة والآداب، برقم2549 .)

عدد الصفحات ٤

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وقرن النبي صلى الله عليه وسلم بين أكبر الكبائر وهو الشرك بالله المخلد لصاحبه فِ النار وبين عقوق الوالدين، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبرُِكُمْ بِأَكْبرَِ الْكَبَائِرِ؟ »، قَالُوا: بَلىَ يَا رَسُولَ اللهَِّ، قَالَ «الإِْشرَْاكُ بِاللهَِّ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ » . وخص صلى الله عليه وسلم حق الأمهات وحرج فِ انتهاكه، فقال النبي ص الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهََّ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُْمَّهَاتِ » . وقدم حق الأم على حق الأب وكرره عليه ثلاث مرات، فقد سئل النبي ص الله عليه وسلم عنْ أَحَقّ النَّاسِ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ فقَالَ: «أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ » . قال ابن الجوزي رحمه ا"فإنما خص الأمهات بالذكر لعظم حقهن، وحقهن مقدم على حق الأب، كما قدمهن فِ البر، وإنما يخص الشيء بالذكر من بين جنسه لمعنى فيه يزيد على غيره " . ولأن العقوق إليهن أسرع من الآباء لضعف النساء، ولينبه على أن بر الأم مقدم (3) رواه البخاري، كِتَابُ الاِسْتِئْذَانِ، بابُ مَنِ اتَّكَأَ بَينَْ يَدَيْ أَصْحَابِهِ، برقم 6273)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم (85 .) (4) رواه البخاري، كِتَابُ الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، برقم 5975)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، والنهي عن منع وهات، وهو الامتناع من أداء حق لزمه، أو طلب ما لا يستحقه، برقم (593 .) (5) رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم2548 .) (6) كشف المشكل من حديث الصحيحين، لأبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي، 1/1094)، دار الوطن - الرياض، سنة النشر: 1418هـ- 1997م

عدد الصفحات ٥

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم على بر الأب فِ التلطف والحنو، ونحو ذلك. وقال المناوي رحمه الله: "خصهن وإن كان عقوق الآباء عظيماً؛ لأن عقوقهن أقبح أو أكثر وقوعاً، والعقوق ما يتأذى به من قول أو فعل غير محرّم " . ولأهمية هذا الموضوع: (مكانة الأم ومظاهر تكريمها فِ القرآن الكريم ) وضرورته للناس كان الكلام عليه، نسأل الله الكريم أن يرزقنا البر بوالدينا، ونسأله أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، ونسأله جل وعلا أن يجنبنا الزلل فِ القول والعمل ، إنه على كل شيء قدير. وبيان مكانة الأم ومظاهر تكريمها يتجلى فِ المسائل التالية: المسألة الأولى: وجوب طاعتها فِ المعروف. المسألة الثانية: وجوب الإحسان إليها. المسألة الثالثة: تخصيصها بالذكر عند الحمل والفصال لمشقتها. المسألة الرابعة: وجوب الترفق بها وخفض الجناح لها عند الخطاب. أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن محمد حزام العبدلي. غفر الله له ولوالديه وأزواجه وجميع المسلمين. اليمن - صنعاء. الأحد: 27 جمادى الأول1445هجري (7) انظر: فيض القدير، لعبد الرؤوف المناوي 2/227)،المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط 1، سنة النشر:1356هـ

عدد الصفحات ٦

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم المسألة الأولى: وجوب طاعتها في المعروف الأم لها مكانة عظيمة، ومنزلة رفيعة، رفع الله قدرها وأعظم شأنها، وحرم عقوقها، وأوجب طاعتها فِ المعروف؛ لعظم حقها، فلا حق على الإنسان أعظم ولا أكبر بعد حق الله  وحق رسوله  من حق الوالدين، حتى أنه  قرن حقهما بحقه  فقال{وَقَضََ رَبُّكَ أَلَه تَعْبُدُواْ إِلَه إِيهاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [23]، وذكره  فِ هذه الآيات بر الوالدين مقروناً بتوحيده  فِ عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين . فيجب على الأبناء طاعة والديهما فِ كل أمر أمرا به، أو دعيا إليه مالم يكن فِ ذلك معصية لرب الأرض والسماء، فإنه لا طاعة لمخلوق فِ معصية الخالق، لقوله  :{وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَ أَن تُشِْْكَ بِِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلََ تُطِعْهُمََ وَصَاحِبْهُمََ فِِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتهبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلََه ثُمه إِلََه مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِ مََ كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [15]، أي: وإن حَرَصا عليك أن تتابعهما على دينهما إذا كانا مشركين، فإياك وإياهما، لا تطعهما فِ ذلك، فإن مرجعكم إلي يوم القيامة، فأجزيك بإحسانك إليهما، وصبرك على دينك، وأحشرك مع الصالحين لا فِ زمرة والديك، وإن كنت أقرب الناس إليهما فِ الدنيا، فإن المرء إنما يحشر يوم القيامة مع (8) أضواء البيان فِ إيضاح القرآن بالقرآن3/85 .)

عدد الصفحات ٧

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم مَنْ أحب، أي: حبا دينيا؛ ولهذا قال: {وَالهذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصهالَِِاتِ لَنُدْخِلَنههُمْ فِِ الصهالِِِيَْ } . وقال الإمام الطبري  :"يقول تعالى ذكره: وإن جاهدك أيها الإنسان، والداك على أن تشرك بي فِ عبادتك إياي معي غيري، مما لا تعلم أنه لي شريك، ولا شريك له تعالى ذكره علوّاً كبيراً، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك بي، {وَصَاحِبْهُمََ فِِ الدُّنْيا مَعْرُوفًا } يقول: وصاحبهما فِ الدنيا بالطاعة لهما فيما لا تبعة عليك فيه، فيما بينك وبين ربك ولا إثم. وقوله: {وَاتهبِعْ سَبِيلَ مَنْ أنابَ إلَه } يقول: واسلك طريق من تاب من شركه، ورجع إلى الإسلام، واتبع محمدا " ، ويقول الرازي  : "يعني أن خدمتهما واجبة، وطاعتهما لازمة، ما لم يكن فيها ترك طاعة الله، أما إذا أفضى إليه فلا تطعهما،...، وقال ههنا: {وَاتهبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَه } يعني صاحبه بجسمك فإن حقهما على جسمك، واتبع سبيل النبي  بعقلك فإنه مر عقلك كما أن الوالد مربي جسمك" . والشوكاني  يقول"أي طلبا منك وألزماك أن تشرك بي إلهاً ليس لك به علم بكونه إلها فلا تطعهما فإنه لا طاعة لمخلوق فِ معصية الخالق وعبر بنفي العلم عن نفي الإله لأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه فكيف بما علم بطلانه؟ وإذا لم تجز طاعة الأبوين فِ هذا المطلب مع المجاهدة منهما له فعدم جوازها مع مجرد (9) تفسير ابن كث6/265 .) (10) تفسير الطبري20/139 ) (11) مفاتيح الغيب، للإمام الرازي25/129 )

عدد الصفحات ٨

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم الطلب بدون مجاهدة منهما أولى ويلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه فلا طاعة لهما فيما هو معصية لله" . ففي هذه الآية يتبن لنا سماحة الإسلام وعظمته حيث أن الله  أمر ب الوالدين والإحسان إليهما بغض النظر عن دينهما، مالم يأمرا بمعصية الله  كما فِ آية لقمان، والعناية والاهتمام بالوالدين حتى ولو كانا كافرين تصد سعد بن أبي وقاص  أن يتخذ الحزم مع أمه حين أرادت أن تصده عن الإسلام، وقد كان بها باراً، فأمرته أن يترك دينه فلم يفعل وهدته بترك الطعام والشراب إلى أن تموت فلم ترده عن دينه وفِ شأنه أنزل الله سبحانه: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلََ أَنْ تُشِْْكَ بِِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلََ تُطِعْهُمََ وَصَاحِبْهُمََ فِِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا }، فلما رأت عزمه أكلت . فأرشد الله لطاعة الوالدين ولو كانا كافرين والمصاحبة لهما فِ هذه الحياة بالمعروف فإن أمرا بالمعصية فلا طاعة لهما، وبهذا يظهر سماحة هذا الدين الحنيف. والحكمة من وجوب طاعة الوالدين فِ المعروف أن ذلك طاعة للرحمن ؛ لأنه  الآمر بالطاعة فِ المعروف، والفرق بين الطاعة والتبعية والتقليد تظهر فِ كون الطاعة تكون فِ المعروف وتكون فِ غير معصية الرحمن، أما التبعية والتقليد لهما فقد تكون فِ طاعة وقد تكون فِ معصية والمتبع لهما أو المقلد لهما يكون تبعاً لهما فِ الخير والشر، فِ المعروف والمعصية، والله تعالى أعلم. (12) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية،للإمام الشوكاني (4/274 ) (13) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة ، باب فِ فضل سعد بن أبي وقاص ، برقم (1748.)

عدد الصفحات ٩

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم ففي طاعتهما الخير العظيم، والأجر الكثير من رب العالمين فِ الدنيا والآخرة، وفِ معصيتهما شر وفساد عظيم، ووبال كبير فِ الدنيا والآخرة، فطاعة الوالدين واجبة فِ كل أمر إلا أمراً فيه معصية، حتى ولو أمرا الولد أن يخرج من دنياه لحديث أبى الدرداء  قال: أوصا رسول الله  بتسع« لا تشرك بالله شيئاً وإن قُطِّعْت أو حُرِّقت، ولا تتركن الصلاة المكتوبة متعمداً، ومن تركها متعمداً برئت منه الذمة، ولا تشربنَّ الخمر فإنهَّا مفتاح كل شر، وأطعْ والديك وإن أمراك أن تخرج من دنياك فاخرج لهما، ولا تنازعنَّ ولاة الأمر وإن رأيت أنك أنت ولا تفرر من الزحف وإن هلكت وفر أصحابك وأنفق من طولك على أهلك، ولا ترفع عصاك على أهلك وأخفهم فِ الله » . بر الوالدين من أفضل الأعمال لحديث عبد الله بن مسعود : سألت رسول الله  قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: (الصلاة على ميقاتها»، قلت: ثم أي؟ قال«ثم بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال«الجهاد فِ سبيل الله»، فسكت عن رسول ا ولو استزدته لزاد" . فأفضل الأعمال فِ حق الله الصلاة على وقتها، وأفضل حقوق العباد هو بر الوالدين، وبر الوالدين يشمل طاعتهما والإحسان إليهما بما لا يخالف الشرع . وطاعة الوالدين هي طاعة للرحمن؛ لأن الله أمر ببرهما وطاعتهما والإحسان (14) أخرجه البخاري فِ الأدب المفرد، برقم (18)، وحسنه الألباني فِ إرواء الغليل برقم2026 .) (15) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، برقم (2630)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال، برقم (85 .) (16) انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوى1/362 .)

عدد الصفحات ١٠

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم إليهما فِ كثير من الآيات كقوله: {وَقَضََ رَبُّكَ أَلَه تَعْبُدُواْ إِلَه إِيهاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا }، وعن عبد الله بن عمرو : عن النبي  قال «رضي الرب فِ رضى الوالد، وسخط الرب فِ سخط الوالد» ، ورواه البيهقي فِ شعب الإيمان بلفظ: «رضا الله فِ رضا الوالدين وسخط الله فِ سخط الوالدين» . قال المباركفوري  :"قوله«رضا الرب فِ رضا الوالد » وكذا حكم الوالدة بل هو أولى ورواه الطبراني بلفظ: «رضا الرب فِ رضا الوالدين وسخطه فِ سخطهما»،«وسخط الرب» بفتحتين ضد الرضا«فِ سخط الوالد»؛ لأنه تعا أمر أن يطاع الأب ويكرم فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن أغضبه فقد أغضب الله وهذا وعيد شديد يفيد أن العقوق كبيرة" . طاعة الوالدين أفضل من الجهاد فِ سبيل الله عزوجل، بل وجعل طاعتهما من الجهاد فِ الصحيحين عن عَبْد اللهَِّ بْن عَمْرٍو  قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلىَ النَّبِي  فَاسْتَأْذَنَهُ فِِ الجِْهَادِ فَقَالَ «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ »، قَالَ: نَعَمْ! قَالَ «فَفِيهِماَ فَجَاهِدْ » . قال الحافظ ابن حجر  :"قوله"فيهما فجاهد " أي: خصصهما بجهاد (17) أخرجه الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله ، باب ما جاء من الفضل فِ رضا الوالدين، برقم (1899)، وحسنه الألباني فِ السلسلة الصحيحة برقم516 .) (18) أخرجه البيهقي فِ شعب الإيمان، برقم (7830)، وصححه الألباني فِ صحيح الجامع، برقم3507 .) (19) تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي6/22)، دار الكتب العلمية، بيروت (20) أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب الجهاد بإذن الأبوين، برقم ( 2842)، ومسلم، كتاب ال والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2549 .)

عدد الصفحات ١١

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم النفس فِ رضاهما، ويستفاد منه جواز التعبير عن الشيء بضده إذا فهم المعنى؛ لأن صيغة الأمر فِ قوله: "فجاهد" ظاهرها إيصال الضرر الذي كان يحصل لغيرهما لهما، وليس ذلك مرادا قطعا، وإنما المراد إيصال القدر المشترك من كلفة الجهاد وهو تعب البدن والمآل، ويؤخذ منه أن كل شيء يتعب النفس يسمى جهادا، وفيه أن بر الوالد قد يكون أفضل من الجهاد،...، قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين، لأن برهما فرض عين عليه والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن " . وفِ لفظ لمسلم: عن عَبْد اللهَِّ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ  قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلىَ نَبِيِّ اللهَِّ  فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلىَ الهِْجْرَةِ وَالجِْهَادِ أَبْتَغِي الأَْجْرَ مِنْ اللهَِّ، قَالَ: «فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ »، قَالَ: نَعَمْ بَلْ كِلاَهمَُا، قَالَ «فَتَبْتَغِي الأَْجْرَ مِنْ اللهَِّ؟ »، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ «فَارْجِعْ إِلىَ وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُماَ » . قال الإمام النووي :"هذا كله دليل لعظم فضيلة برهما، وأنه آكد من الجهاد، وفيه حجة لما قاله العلماء أنه لا يجوز الجهاد إلا بإذنهما إذا كانا مسلمين، أو بإذن المسلم منهما، فلو كانا مشركين لم يشترط إذنهما عند الشافعي ومن وافقه، وشرطه الثوري، هذا كله إذا لم يحضر الصف ويتعين القتال، وإلا فحينئذ يجوز بغير إذن، وأجمع العلماء على الأمر ببرِّ الوالدين، وأن عقوقهما حرام من الكبائر" . (21) فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسق6/140 .) (22) أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، برقم (2549 .) (23) شرح النووي على مسلم، لأبي زكريا يحيى بن شرف الدين النووي16/104)، دار إحياء التراث العر

عدد الصفحات ١٢

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم عقوق الوالدين من الكبائر لحديث أنس  عن النبي فِ الكبائر قال«الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وقول الزور» . قال الإمام النووي :" وأما عقوق الوالدين فهو مأخوذ من العق وهو القطع، وذكر الأزهري أنه يقال: عق والده يعقه بضم العين عقا وعقوقاً إذا قطعه ولم يصل رحمه، وجمع العاق عققة بفتح الحروف كلها، وعقق بضم العين والقاف، وقال صاحب المحكم: رجل عقق وعقق وعق وعاق بمعنى واحد، وهو الذي شق عصا الطاعة لوالده، هذا قول أهل اللغة، وأما حقيقة العقوق المحرم شرعاً فقل من ضبطه وقد قال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبدالسلام : لم أقف عقوق الوالدين وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمده فإنه يجب طاعتهما فِ كل ما يأمران به وينهيان عنه باتفاق العلماء. وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه هذا كلام الشيخ أبى محمد، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح  فِ فتاويه: العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد أو نحوه تأذياً ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة، قال: وربما قيل طاعة الوالدين واجبة فِ كل ما ليس بمعصية ومخالفة أمرهما فِ ذلك عقوق، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما فِ الشبهات، قال: وليس قول من قال من علمائنا: - بيروت، ط 2، سنة الن1392هـ (24 )أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر، برقم (5632)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، برقم ( 88.)

عدد الصفحات ١٣

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم يجوز له السفر فِ طلب العلم، وفِ التجارة بغير إذنهما مخالفاً لما ذكرته فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق، والله أعلم" . فيجب على الأبناء طاعة الآباء ما لم يأمرا بمعصية؛ لأن الله أوجب عليهم ذلك فِ كتابه الكريم، والأم طاعتها مقدمة على طاعة الأب لضعفها. (25) شرح النووي على مسلم 2/87)، وبنحوه قال العيني فِ عمدة القاري شرح صحيح البخاري (22/86 .)

عدد الصفحات ١٤

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم المسألة الثانية: وجوب الإحسان إليها إن لله  حقوقاً محضةً كالعبادات، وحقوقاً متعلقة بالوالدين والقرابة والجيران، وعموم من نتعامل معه من الناس، ولا حق على الإنسان أعظم وأكبر بعد حق الله  وحق رسوله من حق الوالدين، وقد ورد كتاب الله وسنة نبيه  ما يدل على ذلك، وأخذ الله سبحانه ميثاق من كانوا قبلنا عليه فقال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيْثَاقَ بَنِي إِسَْْائِيْلَ لََ تَعْبُدُوْنَ إِلَه اللََّ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَاً } [83] . وأوجب تعالى حقهما علينا بأقوى الصيغ وأبلغ العبارات، وقرنه بتوحيده سبحانه، والنهي عن الشرك به فقال: {وَاعْبُدُوا اللََّ وَلََ تُشِْْكُوا بِهِ شَيْئَاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَاً } [36]،{وَقَضََ رَبُّكَ أَلَه تَعْبُدُوا إِلَه إِيهاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَاً } [ الإسراء:23]، فعبر عنه بصيغة القضاء التي هي من أَقوى صيغ الأمر والإلزام؛ فإن قضاء القاضي نافذ، والله  أحكم الحاكمين وأعدلهم، بل جعل الله سبحانه بر الوالدين من وصاياه التي وصى بها عباده وأمر بالإحسان لهما فقال: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرهمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَه تُشِْْكُوْا بِهِ شَيْئَاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانَاً }، ثم ختم الآية بقول {ذَلِكُمْ وَصهاكُمْ بِهِ لَعَلهكُمْ تَعْقِلُوْنَ } [151] . وأخبر ا فِ قوله{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسَْْائِيلَ لََ تَعْبُدُونَ إِلَه اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً... } [83]،بأنه أخذ الميثاق على بني إسرائيل بأن

عدد الصفحات ١٥

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم يعبدوا الله وحده لا شريك له والإحسان للوالدين قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } أَيْ وَوَصَّيْنَاهُمْ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، بِرًّا بهِِماَ وَعَطْفًا عَلَيْهِماَ وَنُزُولاً عِنْدَ أَمْرِهمَِا، فِيماَ لاَ يخَُالِفُ أَمْرَ اللهَِّ تَعَالىَ ، وقال الإمام القرطبي : أي وأمرناهم بالوالدين إحساناً، وقرن الله  فِ هذه الآية حق الوالدين بالتوحيد، لأن النشأة الأو من عند الله، والنشء الثاني - وهو التربية - من جهة الوالدين، ولهذا قرن تعالى الشكر لهما بشكره فقال: {أَنِ اشْكُرْ لَِ وَلِوالِدَيْكَ } [14]، والإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف، والتواضع لهما، وامتثال أمرهما، والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما، وصلة أهل ودهما" . و"إِحْساناً " نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه، تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا . ولفظ الإحسان عام يشمل كل إحسان فأحسنوا إليهم بالقول الكريم، والخطاب اللطيف، والفعل الجميل بطاعة أمرهما، واجتناب نهيهما، والإنفاق عليهما، وإكرام من له تعلق بهما وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا بهما، ويتضمن النهي عن الإساءة إلى الوالدين؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وللإحسان ضدان كما يقول ابن سعدي  الإساءة، وهي أعظم جرماً، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول . (26) معالم التنزيل فِ تفسير القرآن، للإمام البغوي1/117)، مؤسسة طيبة (27) الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي2/13 .) (28) المصدر السابق7/132.) (29) انظر: تيسير الكريم الرحمن فِ تفسير كلام المنان (57)، وانظر(ص: 177 .)

عدد الصفحات ١٦

مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وأمر الله سبحانه بإفراد العبادة له، ونهى عن الشرك به شيئاً، ثم قرن هذا الأمر بالأمر بالإحسان للوالدين كما فِ قوله: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلََ تُشِْْكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [36]، فالله  جعلهما سبباً لخروج الإنسان من العدم إلى الوجود، وكثيرا ما يقرنُ الله، سبحانه، بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله: {أَنِ اشْكُرْ لَِ وَلِوَالِدَيْكَ } [14]، وكقوله: {وَقَضََ رَبُّكَ ألَ تَعْبُدُوا إِلَ إِيهاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [ الإسراء23] . وقال العلامة الشنقيطي فِ قوله تعا{وَقَضََ رَبُّكَ ألَ تَعْبُدُوا إِلَ إِيهاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } :"أمر فِ هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين. وجعله بر الوالدين مقروناً بعبادته وحده  المذكور هنا ذكره فِ آيات أخر؛ كقوله فِ سورة النساء: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلََ تُشِْْكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } الآية، وقوله فِ البقرة{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسَْْائِيلَ لََ تَعْبُدُونَ إِلَه اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً }، وقوله فِ سورة لقمان {أَنِ اشْكُرْ لَِ وَلِوَالِدَيْكَ إِلََه الَْْصِيرُ } . وبين فِ موضع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركه؛ كقوله فِ لقمان: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَ أَن تُشِْْكَ بِِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلََ تُطِعْهُمََ وَصَاحِبْهُمََ فِِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } [15] . (30) انظر: تفسير ابن كث2/298.)

عدد الصفحات ١٧