مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم {وَلَ تَنْهَرْهُُا }، ولا تزجرهما،{وَقُلْ لََُمَ قَوْلًَ كَرِيمًَ }، حسناً جميلاً ليناً قال ابن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ، وقال مجاهد: لا تسميهما ولا تكنهما وقل لهما يا أبتاه يا أماه. وقال مجاهد: فِ هذه الآية أيضا إذا بلغا عندك من الكبر ما يبولان فلا تتقذرهما ولا تقل لهما أف حين تميط عنهما الخلاء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيرا" . وقال الطبري :"وقوله{فَلَ تَقُلْ لََُمََ أُف } يقول: فلا تؤفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذّى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب فِ الأجر صبرك عليه منهما، كما صبرا عليك فِ صغرك" . وقال مجاهد فِ قوله: "{فَلَ تَقُلْ لََُمََ أُفٍّ وَلَ تَنْهَرْهَُُا }: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويخرآن، فلا تقل لهما أف تقذّرهما، وقال: {إما يَبْلُغانه عِندك الكبَ فلَ تَقُل لَمَ أف } حين ترى الأذى، وتميط عنهما الخلاء والبول، كما كانا يميطانه عنك صغيرا، ولا تؤذهما" . وقال عطاء بن أبي رَباح فِ قوله: {فَلَ تَقُلْ لََُمََ أُفٍّ وَلَ تَنْهَرْهَُُا } :"لا تنفض يدك على والديك، يقال منه: نهََرَه يَنهره نهَْرا، وانتهره ينتهره انتهارا " . وقال العلامة الشنقيطي :"يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ بَابِ أَوْلىَ حُرْمَةُ ضرَْبهِِماَ " . (57) تفسير البغوي، إحياء التراث3/127 .) (58) تفسير الطبري17/415 .) (59) المصدر السابق17/415 .) (60) المصدر السابق17/417 .) (61) أضواء البيان فِ إيضاح القرآن بالقرآن1/324 .)
عدد الصفحات ٣٤مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وقال ابن جرير الطبري :"وأما قوله{وَقُلْ لََُمََ قَوْلَ كَرِيمًَ } فإنه يقول جلّ ثناؤه: وقل لهما قولا جميلا حسنا، كما قال ابن جريج فِ قوله: {وَقُلْ لََُمََ قَوْ كَرِيمًَ }: أحسن ما تجد من القول وعن قتادة: {وَقُلْ لََُمََ قَوْلَ كَرِيمًَ }: أي: قولا ليِّنا سه" . وقال القرطبي :"أي لا تقل لهما ما يكون فيه أدنى تبرم" . قال الماوردي :"{فَلََ تَقُل لَهُمََ أُفه } يعني حين ترى منهما الأذى وتميط عنهما الخلا، وتزيل عنهما القذى فلا تضجر، كما كانا يميطانه عنك وأنت صغير من غير ضجر" . وقال الطاهر ابن عاشور :"ووصينا الإنسان حسنا بوالديه حتى زمن بلوغه الأشد، أي أن لا يفتر عن الإحسان إليهما بكل وجه حتى بالدعاء لهما، وإنما خص زمان بلوغه الأشد؛ لأنه زمن يكثر فيه الكلف بالسعي للرزق إذ يكون له فيه زوجة وأبناء وتكثر تكاليف المرأة فيكون لها فيه زوج وبيت وأبناء فيكونان مظنة أن تشغلهما التكاليف عن تعهد والديهما والإحسان إليهما فنبها بأن لا يفترا عن الإحسان إلى الوالدين. ومعنى: {قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي } أنه دعا ربه بذلك، ومعناه: أنه مأمور بالدعاء إليهما بأنه لا يشغله الدعاء لنفسه عن الدعاء لهما وبأنه يحسن إليهما بظهر الغيب منهما حين مناجاته ربه، فلا جرم أن إحسانه إليهما فِ المواجهة حاصل بفحوى (62) انظر: تفسير الطبري17/417.) (63) تفسير القرطبي10/242 .) (64) النكت والعيون3/238 .)
عدد الصفحات ٣٥مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم الخطاب كما فِ طريقة الفحوى فِ النهي عن أذاهما بقوله تعالى: {فَلََ تَقُل لَهُمََ أُفه } [23]. وحاصل المعنى: أن الله أمر بالإحسان إلى الوالدين فِ المشاهدة والغيبة وبجميع وسائل الإحسان الذي غايته حصول النفع لهما، وهو معنى قوله تعالى: {وَقُل رهب ارْحَْْهُمََ كَمََ رَبهيَانِِ صَغِيرًا }" . وقال الإمام الرازي :"اتفق أكثر العلماء على أنه يجب تعظيم الوالدين وإن كانا كافرين ويدل عليه وجوه: أحدها: أن قوله فِ هذه الآية: {وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً } غير مقيد بكونهما مؤمن أم لا ولأنه ثبت فِ أصول الفقه أن الحكم المرتب على الوصف مشعر بعلية الوصف فدلت هذه الآية على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين وذلك يقتضي العموم وهكذا الاستدلال بقوله تعالى: {وَقَضََ رَبُّكَ أَلَه تَعْبُدُواْ إِلَه إِيهاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَاناً }. وثانيها: قوله تعا{فَلََ تَقُل لَهُمََ أُفه وَلََ تَنْهَرْهَُُا } الآية وهذا نهاية المبالغة المنع من إياذئهما ثم إنه تعالى قال فِ آخر الآية: {وَقُل رهبه ارْحَْْهُمََ كَمََ رَبهيَانِى صَغِيرًا } فصرح ببيان السبب فِ وجوب هذا التعظيم وثالثها: أن الله تعالى حكى عن إبراهيم أنه كيف تلطف فِ دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان فِ قوله: {لأَِبِيهِ يَا أَبَتِ لَِِ تَعْبُدُ مَا لََ يَسْمَعُ وَلََ يُبْصُِِ وَلََ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا } [42] ثم إن أباه كان يؤذيه ويذكر الجواب الغليظ وهو (65) التحرير والتنوير26/32 .)
عدد الصفحات ٣٦مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم كان يتحمل ذلك وإذا ثبت ذلك فِ حق إبراهيم ثبت مثله حق هذه الأمة لقوله تعالى: {ثُمه أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتهبِعْ مِلهة َ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا } [ النحل123]. المسألة الرابعة: اعلم أن الإحسان إليهما هو ألا يؤذيهما ألبتة ويوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجان إليه فيدخل فيه دعوتهما إلى الإيمان إن كانا كافرين، وأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين" . قال الماوردي : وفِ تأويل{أُف} ثلاثة أوجه أحدها: أنه كل ما غلظ من الكلام وقبح، قاله مقاتل. الثاني: أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة، قاله الكلبي. الثالث: أنها كلمة تدل على التبرم والضجر، خرجت مخرج الأصوات المحكية، والعرب أف وتف، فالأف وسخ الأظفار، والتُّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقير" . وقال ابن سعدي :"{إِمها يَبْلُغَنه عِنْدَكَ الْكِبَََ أَحَدُهَُُا أَوْ كِلَهَُُا } أي إذا وصلا إلى هذا السن الذي تضعف فيه قواهما ويحتاجان من اللطف والإحسان ما هو معروف، {فَلَ تَقُلْ لََُمََ أُف } وهذا أدنى مراتب الأذى نبه به على ما سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية. {وَلَ تَنْهَرْهَُُا } أي: تزجرهما وتتكلم لهما كلاما خشناً،{وَقُلْ لََُمََ قَوْلَ كَرِيمًَ } بلفظ يحبانه وتأدب وتلطف بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما وتطمئن به نفوسهما، (66) مفاتيح الغيب، لرازي3/151.) (67) النكت والعيون(3/238 .)
عدد الصفحات ٣٧مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان، {وَاخْفِضْ لََُمََ جَنَاحَ الذُّل مِنَ الرهحَْْةِ } أي: تواضع لهما ذلا لهما ورحمة واحتسابا للأجر لا لأجل الخوف منه أو الرجاء لما لهما، ونحو ذلك من المقاصد التي لا يؤجر عليها العبد. {وَقُلْ رَبِّ ارْحَْْهُمََ } أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتا، جزاء على تربيتهما إياك صغيرا. وفهم من هذا أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق، وكذلك من تولى تربية الإنسان فِ دينه ودنياه تربية صالحة غير الأبوين فإن له على من رباه حق التربية" . فعلى الإنسان أن يكون ذليلاً متواضعاً لوالديه رحيماً بهما، داعياً لهما مستغفراً لهما بعد موتهما؛ لأن الله أمرك ببرهما، والإحسان إليهما، فهما سبب وجودك، وربياك صغيراً ضعيفاً. (68) تفسير السعدي456 .)
عدد الصفحات ٣٨مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فالحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث الماتع أسأل الله عــز وجــل أن ينفعني به فِ الدارين، وأن يجعله لي ذخراً يوم الدين، فقــد كــان الحــديث فيــه الأم ومكانتها وتكريم القرآن لها، وبينا أن الإسلام أعطى للأم مكانة عالية فِ الإسلام فِ نصوص كثيرة من القرآن والسنة كما سبق، والأم هي مصــدر الحنــان والرعايــة والعطاء بلا حدود، وكلها حسنات وطاعات بجميع مراحل عمرها منذ ولادتهــا حتى وفاتها. وقد قيل فِ فضل الأم ومكانتها فِ جميع مراحــل عمرهــا: مــا رأيــت كــالأنثى فضلاً تُدخِلُ أباها الجنةَ طفلة، وتُكملُ نصف ديــن زوجهــا شــابة، والجنــةُ تحــت قدميها أُمّاً..!! وقد أمر الله تبارك وتعالى بطاعتها والإحسان إليها والترفق بها وخفــض الجنــاح لهــا فهي من تعبت وعانت فِ الحمل والولادة والرضاعة . رزقنا وإياكم البر بأمهاتنا، والحمد لله رب العالمين.
عدد الصفحات ٣٩مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم فهرس المراجع
عدد الصفحات ٤٠مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم
عدد الصفحات ٤١مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم
عدد الصفحات ٤٢مكانة الأم ومظاهر تكريمها في القرآن الكريم فهارس المحتويات المقدمة: ................................................................................. 2 المسألة الأولى: وجوب طاعتها فِ المعروف .............................................. 6 المسألة الثانية: وجوب الإحسان إليها ................................................. 14 المسألة الثالثة: تخصيصها بالذكر عند الحملوالفصال لمشقتها .......................... 22 المسألة الرابعة: وجوب الترفق بها وخفض الجناح لها عند الخطاب .................... 31 الخاتمة ................................................................................ 38 فهرس المراجع ........................................................................ 39 فهارس المحتويات .................................................................... 42
عدد الصفحات ٤٣