المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 02

علي محمد الصلابي

صفحة ٩ من ١٩

إنَّ تربية المجتمع المسلم وإعداده لقيادة الإنسانيَّة بخصائصه؛ التي احتواها منهجه التّبويُّ حفيَّةٌ أشد الحفاوة بِّشِّرْعَةِّ العدل، وإقامته بين الأفراد ، والجماعات ، والأمم ، والشُّعوب؛ لأنَّ العدل في شَول مواطنه هو دعامةُ القيادة الموفَّقة. قال تعاوَالِّدَيْنِّ وَالأَقـْرَبِّينَ إِّنْ يَكُنْ غَنِّيًّا أَوْ فَقِّيرًا فَاللََُّّ أَوْلىَ بهِِّّمَا فَلاَ تـَتَّ بِّعُوا الهَْوَى أَنْ تـَعْدِّلُوا وَإِّنْ تـَلْوُوا أَوْ تـُعْرِّضُوا فَإِّنَّ اللَََّّ كَانَ بََِّّا تـَعْمَلُونَ خَبِّيرًا[135. ] وهذا نصٌّ قرانيٌّ صريحٌ في تكليف المجتمع القيادي ِّ المسلم بتحقيق العدل على أتم ِّ صوره ، وأكمل أحواله ، فالعدل على النفس ، وعلى أقرب ذوي القربى كالعدل مع غير النفس ، وأبعد البـُعَدَاء ، وفي قوله تعا وحيثما كانوا في أوطانهم المتقاربة ، أو المتباعدة ، وهو أمر كينونة يُشْعر بَّادَّته بالإلزام ، والالتزام ، والتَّهيُّؤ والانبعاث للقيام بإقامة منهج العدل في الحياة ، وفي قوله تعالى: بصيغة يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم من النهوض بإقامة معالم العدل بكل ِّ ما أوتي من قوة ماد ِّية ، ورُوحية ، مشم ِّراً علىساق العزم في بذل الجهد ، والتحفُّز للعمل في سبيل توطيد دعائم العدل الاجتماعي ِّ. إنَّ القران الكريم ـ وهو دستور المجتمع المسلم ـ لا يقف في أسلوبه الَّذي يحضُّ به على الاستمساك بالعدل عند سفح الحياة ، ولكنَّه يَلِّجُ516]) في إقامة العدل لعاطفة تتملَّق الغنيَّ لغناه ، وسعة ثروته من المال ، أو يتملَّق عاطفة الرَّحمة ، فيرحم الفق لفقره ، فيلوي عنه عنق العدل حتَّ لا يرى ما يقع منه من ظلمٍ ، وحَيْفٍ على الحق. والقران بذلك لا يرضى للمجتمع المسلم ، أن يحمله تعزُّز الغني بثرائه ، وغناه على ألا يقام معه العدل ، ويظلم له الفقير ، ولا يرضى لهذا المجتمع المسلم أن تحمله الرَّحمة للفقير ، فيُحابي بظلم الغني ِّ لأجله. ولا يرضى القران الحكيم لمجتمعه المسلم ، أن يميل مع الهوى ، ويخضع للعواطف ، فيحيد عن العدل لي اً بالحق ، وإعراضاً عنه. وقد جاءت أخت هذه الاية ، في نسق أسلوبها ، وألفاظها؛ لتكم ِّل صورة إقامة العدل على أتم ِّ وجوهه ، ولتقر ِّر: أنَّ موازين العدل يجب أن يتساوى فيها المحبُّ والمُبْغض ، والقريب والبعيد ، والصَّديق والعدوُّ ، فقال تعا للََِِّّّّ شُهَدَاءَ باِّلْقِّسْطِّ وَلاَ يجَْرِّمَنَّكُمْ شَنَآنُ قـَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تـَعْدِّلُوا اعْدِّلُوا هُوَ أَقـْرَبُ لِّلتـَّقْوَى وَاتـَّقُوا اللَََّّ إِّنَّ اللَََّّ خَبِّيرٌ بََِّّا تـَعْمَلُونَ[8. ]

عدد الصفحات ١٣٠

فصورة الخطاب الكينوني هنامن العدل طبيعة خلائق المجتمع المسلم؛ الَّذي نيطَ به قيادة الإنسانيَّة ـ هي صورته هناك؛ لأنَّ العدل أمانة هذا المجتمع المسلم العظمى الَّتي حملوها؛ ليؤدُّوها إلى النَّاس في حياتهم 517])العدل باعتباره أصلاً من أصول الر ِّسالة الخالدة الخاتمة؛ الَّذي يعمُّ الحياة من جميع جوانبها؛ ففي الاية الأولى وجَّه الأمر للمجتمع المسلم بأشرف أوصافه ـ قال تعا بالعدل ، ولو كان في ذلك مراغمةُ منازع الحب ِّ ، والود ِّ ، والقربى ، وفي هذه الاية الثانية وجَّه الأمر للمجتمع بعنوانه المشر ِّف ، إلى أن يكون قوَّاماً بالعدل ، ولو كان في ذلك مراغمةُ جميع عواطف البغض ، والعداوة518.]) وملتقى الايتين الكريمتين في توجيه المجتمع المسلم توجيهاً صارماً لا هوادة فيهإلى أن يكون نهَّاضاً بالعدل ، قائماً به بين النَّاس ، له قيادته للإنسانيَّة ، وليخلص له التوجُّه إلى الله تعالى في إخلاص العبوديَّة له وحده ، لا تحمله محبَّةٌ مهما عظمت ، أو بغضٌ مهما اشتدَّ على الإعراض عن إقامـة العدل؛ إحقاقـاً للحق ِّ ، وإنصافاً للمظلوم ، ونصراً للضَّعيف519.]) أمَّا مبدأ المساواة؛ فقد جاءت نصوصٌ صريحةٌ في الصَّحيفة حولها ، منها«أن ذمَّة الله واحدة»، وأن المسلمين «يجير عليهم أدناهم »، وأن «المؤمنين بعضهم موالي بعضٍ دون النَّاس »، ومعنَّ الفقرة الأخيرة: أنهَّم يتناصرون في السَّراء والضَّ رَّاء (الفقرة 15). وتضمَّنت الفقرة19): أن«المؤمنين يُبيء بعضهم على بعضٍ ، بَّا نال دماءهم في سبيل الله »، قال السُّهيلي ـ شارح السيرة ـ في كتابه (الرَّوض الأنف): «ومعنَّ قوله يبيء: هو من البـَوَاء ، أي: المساواة[»520.]) ويعدُّ مبدأ المساواة أحد المبادأى العامَّة الَّتي أقرَّها الإسلام ، وهو من المبادأى الَّتي تساهم في بناء المجتمع المسلم ، ولقد أقرَّ هذا المبدأ ، وسبق به تشريعات ، وقوانين العصر الحديث ، وممَّا ورد في القران الكريم تأكيداً لمبدأ المساواة قوله تعااكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنـْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقـَبَائِّلَ لِّتـَعَارَفُوا إِّنَّ أَكْرَمَكُمْ عِّنْدَ اللََِّّّ أَتـْقَاكُمْ إِّنَّ اللَََّّ عَلِّيمٌ خَبِّيرٌ[13. ] وقال رسول الله (ص «يَّ أيها النَّاس! ألا إنَّ ربَّكم واحدٌ ، وإنَّ أباكم واحد ،ألا لا فضل لعربي ٍ على أعجمي ٍ ، ولا لأعجمي ٍ على عربي ٍ ، ولا لأحمرَ على أسودَ ، ولا لأسودَ على أحمرَ ، إلا بالتَّقوى. أَبـَلَّغْتُ؟»[5/411. ])

عدد الصفحات ١٣١

إنَّ هـذا المبدأ كان من أهم المبادأى الَّتي جذبت الكثيـر من الشُّعـوب قديماً نحو الإسلام ، فكان هذا المبدأ مصدراً من مصادر القوَّة للمسلمين الأوَّل521.]) وليس المقصود بالمساواة هنا ، (المساواة العامَّة) بين النَّاس جميعاً في أمور الحياة كافَّةً ، كما ينادي بعض المخدوعين ، ويرون ذلك عدلاً 522]) الدَّرجاتغايةٌ من غايَّت الخلق523]) ، مساواةٌ مقيَّدةٌ بأحوالٍ فيها التَّساوي ، وليست مطلقةً في جميع الأحوال 524]) معاملة النَّاس أمام الشَّرع ، والقضاء ، والأحكام الإسلاميَّة كافَّةً ، والحقوق العامَّة دون تفريق بسبب الأصل أو الجنس ، أو اللَّون ، أو الثروة ، أو الجاه ، أو غير ذلك525.]) إنَّ النَّاس جميعاً في نظر الإسلام سواسيةٌ ، الحاكم ، والمحكوم ، الر ِّجال والنساء ، العرب والعجم ، الأبيض والأسود ، لقد ألغى الإسلام الفوارق بين النَّاس بسبب الجنس ، واللون ، أو النَّسب ، أو الطَّبقة ، والحكَّام والمحكومون كلُّهم في نظر الشَّرع سواء؛ ولذلك كانت الدَّولة الإسلاميَّة الأولى ، تعمل على تطبيق هذا المبدأ بين النَّاس وكانت تراعي الاتي: ـ إنَّ مبدأ المساواة أمرٌ تعبُّديٌّ ، تؤجر عليه من خالق الخلق سبحانه وتعالى. ـ إسقاط الاعتبارات الطَّبقية ، والعُرْفية ، والقبليَّة ، والعنصريَّة ، والقوميَّة ، والوطنية ، والإقليمية ، وغير ذلك من الش ِّعارات الماحقة لمبدأ المساواة الإنسانيَّة ، وإحلال المعيار الإلهي ِّ بدلاً عنها للتَّفاضل ، ألا وهو التَّقوى. ـ ضرورة مراعاة مبدأ تكافؤ الفرص للجميع ، ولا يُراعى أحدٌ لجاهه ، أو سلطانه ، أو حسبه ونسبه؛ وإنمَّا الفرص للجميع ، وكلٌّ على حسب قدراته ، وكفاءاته ، ومواهبه ، وطاقته ، وإنتاجه. ـ إنَّ تطبيق مبدأ المساواة بين رعايَّ الدَّولة الإسلاميَّة ، يقو ِّي صفَّها ، ويوح ِّد كلمتها ، وينتج عنه مجتمعٌ متماسكٌ متّاحمٌ يعيش لعقيدةٍ ، ومنهجٍ ، ومبدأ 526.]) كانت الوثيقة قد اشتملت على أتم ِّ ما قد تحتاجه الدَّولة ، من مقو ِّماتها الدُّستوريَّة ، والإداريَّة ، وعلاقة الأفراد بالدَّولة ، وظَلَّ القران يتنزَّل في المدينة عشر سنين ، يرسم للمسلمين خلالها مناهج الحياة ، ويرسي مبادأى الحكم ، وأصول الس ِّياسة ، وشؤون المجتمع ، وأحكام الحرام والحلال ، وأسس التَّقاضي ، وقواعد العدل ، وقوانين الدَّولة المسلمة في الدَّاخل ، والخارج ، والسُّنَّة الشريفة تدعم هذا ، وتشيده ،

عدد الصفحات ١٣٢

وتفص ِّلـه في تنوير وتبصرةٍ ، فالوثيقة خطَّت خطوطاً عريضة في التَّّتيبات الدُّستورية ، وتـُعَدُّ في قمَّة المعاهدات الَّتي تحد ِّد صلة المسلمين بالأجانب الكفَّار المقيمين معهم، في شيءٍ كثيرٍ من التَّسامح، والعدل، والمساواة ، وعلى التَّخصيص إذا لُوحِّظَ أنهَّا أوَّل وثيقةٍ إسلا ميَّة ، تُسَجَّل ، وتنفَّذ في أقوامٍ كانوا ـ منذ قريب ـ وقبل الإسلام ـ أسرى العصبية القَبَلِّيَّة ، ولا يشعرون بوجودهم إلا من وراء الغلبة ، والتسلُّط ، وبالتَّخوض في حقوق الاخرين ، وأشيائهم527.]) كانت هذه الوثيقة ، فيها من المعاني الحضاريَّة الشيء الكث ، وما توافق النَّاس على تسميته اليوم بحقوق الإنسان ، وأنَّه لا بدَّ على الجانبين المتعاقدين أن يلتزموا ببنودها ، فهل حدث هذا الالتزام 528.]) ثالثاً: موقف اليهود في المدينة لقد قامت الحجج القاطعة ، والبراهين السَّاطعة لليهود على صدق رسالة الرَّسول (ص) ، ولكنَّ ذلك لم يزدْهم إلا عناداً ، وعداوةً ، واستكباراً ، وحقداً ، وحسداً على الرَّسول (ص) والَّذين امنوا معه ، فعن صفية بنت حُيَي ِّ بن أخطب: أنهَّا قالت: كنتُ أحَبَّ ولدِّ أبي إليه ، وإلى عم ِّي أبي يَّسر ، لم ألقَهُما قطُّ مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه ، قالت: فلمَّا قدم رسولُ الله (ص) المدينة ، ونزل قُباء ، في بني عمرو بن عوف ، غدا عليه أبي حُيَيُّ بن أخطب ، وعم ِّي أبو يَّسر بن أخطب ، مُغَل ِّسَينْ. قالت: فلم يرجعا حتَّ كانا مع غروب الشمس ، قالت: فلتيا كالَّينِّْ ، كسلانينِّ ، ساقطينِّ ، يمشيان الهُوَيـْنََّ. قالت: فـَهَشِّشْتُ إليهما ، كما كنت أصنع ، فوالله ما التفت إليَّ واحدٌ منهما ، مع ما بهما من الغَم ِّ. قالت: وسمعتُ عم ِّي أبا يَّسر ، وهو يقول لأبي حُيَي ِّ بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله! قال: أتعرفه ، وتـُثْبته؟ قال: نعم ، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله! ما بَقِّيتُ529.]) وقد شنَّ اليهودُ على رسول الله (ص) والذين امنوا معه ، حملاتٍ إعلاميَّةً لتشويه صورة الرَّسول (ص) ، وتنفير النَّاس منه ، ونـَزْع الث ِّقة بينه ، وبين النَّاس. لقد شعر اليهود بخطورة هذا الد ِّين على مصالحهم ، وعلى عقيدتهم المنحرفة المزيَّفة ، القائمة على الاستعلاء ، واحتقار النَّاس ، عدا الجنسَ اليهوديَّ؛ لقد جاء ينادي بعقيدة التَّوحيد ، وهم يقولون: «عزير ابن »، وجاء ينادي بالمساواة بين أفراد الجنس البشري ِّ ، وأنَّه لا يعلو شعبٌ على شعبٍ ، ولا جماعةٌ على جماعةٍ ، وهم يرون: أنهَّم شعب الله المختار ، يتّفَّعون عن بقيَّة الأجناس ، وينظرون إليهم على أنهَّم دونهم ، وأقلُّ منهم530])

عدد الصفحات ١٣٣

ببنود الوثيقة ، وشرعوا في التَّشكيك في نبوَّة الرَّسول (ص) ورسالته ، وأكثروا من الأسئلة لإحراج رسول الله (ص) ، وخدعوا المؤمنين ، ودلَّسوا عليهم531]) 1 ـ محاولة اليهود تصديع الجبهة الدَّاخلية ومن وسائلهم الخبيثة في حرب الإسلام محاولاتهُم المستمرَّة لتمزيق الصَّف ِّ المسلم ، وتخريبه بتقطيع أواصر المحبَّة بين المسلمين ، وذلك بإثارة الفتن الدَّاخلية ، والش ِّعارات الجاهليَّ ة ، والنَّعرات الإقليميَّة ، والدَّعوات القوميَّة ، والقَبَلِّيَّة ، والسَّعي بالدَّسيسة والوقيعة بين الإخوة المتالفين المتواد ِّين المتحاب ِّين ، فهم في تواد ِّهم ، وتعاطفهم ، وتراحمهم كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضوٌ؛ تداعى له سائر الأعضاء بالحُمَّى والسَّ هر532.]) فقد تفتَّق ذهنُ أحد شيوخهم الكبار في السن ِّ ، عن حيلةٍ هدف بها إلى تفريق وحدة الأنصار ، وذلك بإثارة العصبيَّة القبليَّة بينهم؛ ليعودوا إلى جاهليتهم ، فتعود الحروب بينهم كما كانت ، ويخسر النَّبيُّ (ص) بذلك أقوى أنصاره 533]) يقول محمَّد بن إسحاق ـ رحمه الله تعالى! ـ ومَرَّ شلس بن قيس ـ وكان شيخاً قد عَسَا 534]) شديدَ الحسد لهم ـ على نفرٍ من أصحاب رسول الله (ص) من الأوس ، والخزرج ، في مجلسٍ قد جمعهم يتحدَّثون فيه ، فغاظه ما رأى من أُلْفَتِّهم ، وجماعتهم ، وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الَّذي كان بينهم في الجاهليَّة ، فقال: قد اجتمع ملأ بني قـَيـْلَة535]) إذا اجتمع مَلَؤهم بها ـ من قرارٍ ، فلمر فتًَّ شابا ً من يهود كان معهم ، فقال: اعْمِّدْ إلي هم ، فاجلس معهم ، ثمَّ اذكر يوم بُعاث ، وما كان قـَبـْلَه ، وأنشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار. وكان يومُ بُعاث يوماً اقتتلتْ فيه الأوس والخزرج ، وكان الظَّفَر فيه يومئذٍ للأوس على الخزرج ، وكان على الأوس يومئذٍ حُضَيرْ بن سماك الأشهليُّ أبو أُسيد بن حُضَير ، وعلى الخزرج عمرو بن النُّعمان البـَيَاضي ، فـَقُتِّلا جميعاً. قال ابن إسحاق: ففعل ، فتكلَّم القوم عند ذلك ، وتنازعوا ، وتفاخروا ، حتََّّ تواثب رجلانِّ من الحَْيـَّينِّْ على الرُّكب: أوس بن قـَيْظي ٍ ـ أحد بني حارثة بن الحارث، من الأوس ـ وجبَّار بن صخر ـ أحد بني سلمة من الخزرج ـ فتقاولا ، ثمَّ قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها الان جَذَعَة536]) الفريقان جميعاً ، وقالوا: قد فعلنا ، موعدكم الظَّاهرة ـ والظَّاهرة: الحَرَّة ـ الس ِّلاحَ الس ِّلاحَ ، فخرجوا إليها

عدد الصفحات ١٣٤

فبلغ ذلك رسولَ الله (ص) ، فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين حتََّّ جاءهم ، فقال: يَّ معشرَ المسلمين! اللهَ اللهَ! أَبِّدَعْوَى الجاهلية ، وأنا بين أظهُركم بعد أن هداكم الله للإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع به عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألَّف به بين قلوبكم؟! فعرف القوم أنهَّا نزغةٌ من الشَّيطان ، وكيدٌ من عدو ِّهم ، فبكوا ، وعانق الر ِّجال من الأوس والخزرج بعضُهم بعضاً ، ثمَّ انصرفوا مع رسول الله (ص) سامعين مطيعين ، قد أطفل الله عنهم كيد عدو ِّ الله شلس بن قيس ، فلنزل الله تعالى في شلس بن قيس ، وما صنع تَكْفُرُونَ بِِّيََّتِّ اللََِّّّ وَاللََُّّ شَهِّيدٌ عَلَى مَا تـَعْمَلُونَ *قُلْ يََّأَهْلَ الْكِّتَابِّ لمَِّ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِّيلِّ اللََِّّّ مَنْ آمَنَ تـَ بـْغُونـَهَا عِّوَجًا وَأَنـْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللََُّّ بِّغَافِّلٍ عَمَّا تـَعْمَلُونَ [عمران 98 ـ99 ]وأنزل الله في أوس بن قـَيْظي ٍ ، وجبَّار بن صخر ، ومن كان معهما من قومهما؛ الَّذين صنعوا ما أدخل عليهم شلس من أمر الجاهلية537{ :]) كَافرِّينَ *وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنـْتُمْ تـُتـْلَى عَلَيْكُمْ آيََّتُ اللََِّّّ وَفِّيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يـَعْتَصِّمْ باِّللََِّّّ فـَقَ دْ هُدِّيَ إِّلىَ صِّرَاطٍ مُسْتَقِّيمٍ *يََّأَيـُّهَا الَّذِّينَ آمَنُوا اتـَّقُوا اللَََّّ حَقَّ تـُقَاتِّهِّ وَلاَ تمَُوتُنَّ إِّلاَّ وَأَنـْ تُمْ مُسْلِّمُونَ * وَاعْتَصِّمُوا بحَِّبْلِّ اللََِّّّ جمَِّيعًا وَلاَ تـَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِّعْمَةَ اللََِّّّ عَلَيْكُمْ إِّذْ كُنـْتُمْ أَعْدَاءً فَلَلَّفَ بـَينَْ قـُلُوبِّكُ مْ فَلَصْبَحْتُمْ بِّنِّعْمَتِّهِّ إِّخْوَاناً وَكُنـْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِّ فَ لَنـْقَذَكُمْ مِّنـْهَا كَذَلِّكَ يـُبـَين ُِّ اللََُّّ لَكُمْ آيََّتِّهِّ لَعَلَّكُمْ تـَهْتَدُونَ *وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِّلىَ الخَْيرِّْ وَيأَْمُرُونَ باِّلْمَعْرُوفِّ وَيـَنـْهَوْنَ عَنِّ الْمُنْكَرِّ وَأُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّ ذِّينَ تـَفَرَّقُوا وَاخْتـَلَفُوا مِّنْ بـَعْدِّ مَا جَاءَهُمُ الْبـَي ِّنَاتُ وَأُولَئِّكَ لهَُمْ عَذَابٌ عَظِّيمٌ [آل عمران: 100 ـ105. ] ونرى من خلال القصَّة ، قدرة القيادة النَّبويَّة على إحباط مخطَّط اليهود الهادف لتفتيت وحدة الصف ِّ ، واهتمام النَّبي ِّ (ص) بأمور المسلمين ، وإشفاقه عليهم ، وفزعه ممَّا يصيبهم من الفتن والمصائب ، فقد أسرع إلى الأنصار ، وذكَّرهم بالله ، وبينَّ لهم: أنَّ ما أقدموا عليه من أمر الجاهليَّة ، وذكَّرهم بالإسلام ، وما أكرمهم الله به من القضاء على الحروب والفتن ، وتطهير النُّفوس من الضَّ غائن ، وتأليف القلوب بالإيمان ، وكانت لكلمات النَّبي ِّ (ص) أثرٌ في نفوسهم ، وسرت في كيانهم رُوحٌ جديدةٌ ، مسحت كل أثرٍ لأمر الجاهليَّة بفضل الله تعالى ، ثمَّ بكلمات نبي ِّه (ص) المعبر ِّة ، ورُوحه القويَّة المؤث ِّرة ، وهيئته الوثاَّبة المنذرة ، وأدركوا: أن ما وقعوا فيه كـان من وساوس الشَّيطان ، وكيد عدو ِّهم من اليهـود ، فبكوا ندمـاً على ما وقعوا فيه من الذُّنوب ، وتعانق رجال الإسلام؛ تعبيراً عن محبَّتهم الإيمانيَّة لبعضهم538.])

عدد الصفحات ١٣٥

2 ـ التَّهجم على الذَّات الإلهيَّـة ذكر غيرُ واحدٍ من كُتَّاب الس ِّير ، والمف س ِّرين: أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه ، قد دخل بيت الْمِّدْرَاس539]) (فِّنْحاص) ، وكان من علمائهم ، وأحبارهم ، ومعه حَبـْرٌ من أحبارهم ، يقال له: (أشيع) ، فقال أبو بكر لفِّنْحاص: ويحَك! اتَّ ق الله ، وأَسْلِّم ، فوالله! إنَّك تعلم: إنَّ محمداً لَرسولُ اللهِّ ، قد جاءكم بالحق ِّ من عنده ، تجدونه مكتوباً عندكم في التَّوراة ، والإنجيل. فقال فِّنْحاص لأبي بكرٍ: والله! يَّ أبا بكر! ما بنا إلى الله من فـَقْرٍ ، وإنَّه إلينا لفقير ، وما نتضرَّع إليه كما يتضرَّع إلينا ، وإناَّ عنه لأغنياء ، وما هو عنَّا بغني ٍ ، ولو كان عنَّـا غني اً ما استقرضنا أموالنـا ، كما يزعم صاحبكم ، ينهاكم عن الر ِّبا ويـُعْطِّينـاه ، ولو كان عنا غني اً ما أعطانا الر ِّبـا. فغضب أبو بكر ، فضرب وجه فِّنْحاص ضرباً شديداً ، وقال: والذي نفسي بيده! لولا العهدُ الذي بيننا وبينكم؛ لضربتُ رأسَك أيْ عدوَّ الله! فذهب فِّنْحاص إلى رسول الله (ص) ، فقال: يَّ محمد! انظر ما صنع بي صاحبك ! فقال رسول الله (ص) لأبي بكرٍ: «ما حملك على ما صنعت؟»فقال أبو بكر: يَّ رسول الله! إنَّ عدوَّ الله قال قولاً عظيماً؛ إن ه يزعم: أنَّ الله فقيرٌ ، وأنهَّم أغنياء ، فلمَّا قال ذلك؛ غضبتُ لله ممَّا قال ، وضربتُ وجهه! فجحد ذلك فِّنْحاص ، وقال: ما قلتُ ذلك؛ فلنزل الله تعالى فيما قال فنحاص؛ ردَّاً عليه ، وتصديقاً لأبي بكر الَّذِّينَ قَالُوا إِّنَّ اللَََّّ فَقِّيرٌ وَنحَْنُ أَغْنِّيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقـَتـْلَهُمُ الأَنْبِّيَاءَ بِّغَيرِّْ حَق ٍ وَنـَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَْرِّيق[عمران 181. ] ونزل في أبي بكرٍ الص ِّديق رضي الله عنه ، وما بلغه في ذلك من الغضب 540{ :]) أَمْوَالِّكُمْ وَأَنـْفُسِّكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِّنَ الَّذِّينَ أُوتُوا الْكِّتَابَ مِّنْ قـَبْلِّكُمْ وَمِّنَ الَّذِّينَ أَشْرَكُوا أَ ذىً كَثِّيرًا وَإِّنْ تَصْبرُِّوا وَتـَتـَّقُوا فَإِّنَّ ذَلِّكَ مِّنْ عَزْمِّ الأُمُور [آل عمران: 186([]541. ]) وذكر القران الكريم في أكثر من موضعٍ ، سوءَ أدبهم مع الله ـ سبحانه وتعالى ـ وعـدم تنزيهـه عن النَّقائص ، وَوَصْفَـه بَّا لا يليق به سبحانه ، وهذا عين الوقاحة ، وانعدام الأدب؛ ومن هذه الايَّت قول الله تعاتْ أَيْدِّيهِّمْ وَلُعِّنُوا بََِّّا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِّ يـُنْفِّقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِّيدَنَّ كَثِّيرًا مِّنـْهُمْ مَا أُنْزِّلَ إِّلَيْكَ مِّنْ رَب ِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرًا وَأَلْقَيـْنَا بـَيـْنـَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبـَغْضَاءَ إِّلىَ يـَوْمِّ الْقِّيَامَ ةِّ كُلَّمَا أَوْقَدُوا ناَرًا لِّلْحَرْبِّ أَطْفَلَهَا اللََُّّ وَيَسْعَوْنَ فيِّ الأَرْضِّ فَسَادًا وَاللََُّّ لاَ يحُِّبُّ الْمُفْسِّدِّ ينَ[ 64. ]

عدد الصفحات ١٣٦

ويبدو من مضمون الاية: أنَّ هذا الموقف الَّذي وقفوه ، كان منبعثاً ممَّا كان يملأ صدورهم من الغيظ ، والسُّ خط من رسوخ قدم النَّبي ِّ (ص) وانتشار دعوته ، ولعلَّ ممَّا يصحُّ أن يضاف إلى هذا الاحتمال كون المسلمين قد انصرفوا عنهم ، أو قاطعوهم بسبب مواقف الكيد ، والجحود؛ الَّتي ما فتئوا يقفونها ، واستجابةً لأمر القران ، ونهيه ، وتحذيره ، فلثَّر ذلك في حالتهم الاقتصاديَّة تأثيراً سيئاً ، فزاد سخطهم ، وغيظهم ، وتـَبـَرُّمُهم ، ودفعهم إلى ما كان منهم من سوء الأدب في حق ِّ الله ، ومن رد ٍ غير جميلٍ لرسول الله (ص 542. ]) وقد جاء بعد هذه الاية ما يدلُّ على صحَّة ما ذهبتُ إليه ، قال تعا نُوا واتـَّقَوْا لَكَفَّرْناَ عَنـْهُمْ سَي ِّئَاتهِِّّمْ وَلأَََدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِّ النَّعِّيمِّ *وَلَوْ أَنـَّهُمْ أَقَامُوا التـَّوْرَ اةَ وَالإِّنجِّْيلَ وَمَا أُنْزِّلَ إِّلَيْهِّمْ مِّنْ رَبه ِِّّمْ لأَكَلُوا مِّنْ فـَوْقِّهِّمْ وَمِّنْ تحَْتِّ أَرْجُلِّهِّمْ مِّنـْهُمْ أُمَّ ةٌ مُقْتَصِّدَةٌ وَكَثِّيرٌ مِّنـْهُمْ سَاءَ مَا يـَعْمَلُونَ المائدة: 65 ـ66. ] 3 ـ سوء أدبهم مع رسول الله (ص) والنَّيل من الرُّسل الكرام والقران الكر وكان اليهود يسيئـون الأدب مع رسول الله (ص) ، في حضرتـه ، وأثناء خطابـه؛ إذ يلمزونه، ويحي ِّونه بتحيَّةٍ فيها من الأذى والتهجُّم ما يدلُّ على سوء أخلاقهم ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء ناسٌ من اليهود إلى رسول الله (ص) فقالوا: السَّامُ543]) وفعل الله بكم! فقال رسول الله (ص «مَهْ يَّ عائشة! فإنَّ الله لا يحب الفحش ، ولا التفحُّش»، فقلت: يَّ رسول الله! ترى ما يقولون؟ فقال: «ألستِّ تريني أردُّ عليهم ما يقولون؟ وأقول: وعليكم »، قالت: فنزلت هذه الاية في ذلك 2935) ومسلم 2165/11([])544]) تعاثمَُّ يـَعُودُونَ لِّمَا نـُهُوا عَنْهُ ويـَتـَنَاجَوْنَ باِّلإِّثمِّْ وَالْعُدْوَانِّ وَمَعْصِّيَةِّ الرَّسُولِّ وَإِّذَا جَاءُوكَ حَيـَّوْكَ بََِّّا لمَْ يحَُي ِّكَ بِّهِّ اللََُّّ وَيـَقُولُونَ فيِّ أَنـْفُسِّهِّمْ لَوْلاَ يـُعَذ ِّبـُنَا اللََُّّ بََِّّا نـَقُولُ حَسْبـُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنـَهَا فَبِّئْسَ الْمَصِّيرُ[8. ] وهذه الاية تُظْهِّر الحقد الَّذي هيمن على نفوس اليهود ، ودفعهم إلى استخدام كل ِّ الوسائل، والطُّرق لهدم الإسلام، والتخلُّص من صاحب الر ِّسالة (ص) ، والسَّيطرة على المسلمين ، ولكن يظهر من دعاء بعض اليهود على الرَّسول (ص) بالموت ـ مع التَّظاهر بالسَّلام عليه ـ الضَّعفُ الَّذي كانوا عليه عند التجائهم إلى هذا النَّوع من السَّلام ، فالممارس لمثل ما قام به اليهوديُّ الَّذي سلَّم على الرَّسول (ص)

عدد الصفحات ١٣٧

بقوله«السَّام عليك»يعيش أزمةً نفسيَّةً متول ِّدة عن فقدان عز ٍ كان يظنُّ أنه ينعم فيه ، لقد تغلَّبت قوىً جديدةٌ على ماضيه وحاضره ، ولم يستطع أن يتفاعل مع مَنْ تغلَّب عليه ، ومنعهم الحسد والغيرة من الانقياد للد ِّين الجديد ، وممَّا زاد في تأزُّم اليهود: أنهم جرَّبوا محاربة الإسلام بوسائلهم الَّتي كانوا يظنُّون أنهَّا لا تُ قهر ، فكان الفشل حليفهم ، لذلك لجؤوا إلى الطُّرق السَّلبيَّة ، والوسائل الملتوية ، فالدُّعاء على الخصم مع التَّظاهر بالسَّلام ، هو سلاح العاجزين ، ووسيلة الخائبين ، وتِّرْيََّقُ الحاقدين545.]) ولمَّا سمع رسولُ الله (ص) ما صدر عن عائشة رضي الله عنها ، دعاها إلى الر ِّفق ، والل ِّين ، وبينَّ لها: أنَّ المسلم لا يجوز له أن يتّك الغضبَ يتحكَّم فيه ، فالر ِّفق في الإسلام ثمرةٌ لا يثمرها إلا حسن الخُلُق ، فالله رفيقٌ يحبُّ الر ِّفق ، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف 546.]) وأمَّا نـَيـْلُهم من المرسلين: فقد أتى رسولَ (ص) نفرٌ من يهود ، فيهم أبو يَّسر ابن أخطب ، ونافع بن أبي نافع ، وعازر بن أبي عازر ، وغيرهم ، وسللوا رسولَ الله (ص) عمَّن يؤمن به من الرُّسل ، فقال (ص) : «نؤمن بالله ، وما أُنزل إلينا ، وما أُنزل إلى إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، والأسباط ، وما أُوتي موسى وعيسى ، وما أُوتي النبيون من ربهم ، لا نفر ِّق بين أحد منهم ، ونحن له مسلمون»، فلما ذكر عيسى ابن مريم عليه السلام جحدوا نبوَّته ، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ابن مريم ، ولا بَّن امن به 547])ونَ مِّنَّا إِّلاَّ أَنْ آمَنَّا باِّللََِّّّ وَمَا أُنْزِّلَ إِّلَيـْنَا وَمَا أُنْزِّلَ مِّنْ قـَبْلُ وَأَنَّ أَكْثـَرَكُمْ فَاسِّقُونَ [59. ] وأمَّا عن محاولاتهم للنَّيل من القران الكريم في أسئلتهم ، ونقاشهم ، الَّذي لا ينتهي: فعن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: لمَّا قدم رسول الله (ص) المدينة؛ قالت أحبار اليهود: يَّ محمد! أرأيتَ قولك أُوتِّيتُمْ مِّنَ الْعِّلْمِّ إِّلاَّ قَلِّيلاً[85]«كُ»، قالوا: فإنَّك تتلو فيما جاءك: أنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيءٍ ، فقال رسول الله (ص) : «إنهَّا في عِّلْم الله قليلٌ ، وعندكم في ذلك ما يكفيكم؛ لو أقمتموه [»548]) ذلكا نَفِّدَتْ كَلِّمَاتُ اللََِّّّ إِّنَّ اللَََّّ عَزِّيزٌ حَكِّيمٌ[27. ] 4 ـ دعم حزب المنافقين ، وتامرهم معهم حدَّثنا القران الكريم ، عن قيادة اليهود الفكريَّة لحزب المنافقين ، فهم شياطين المنافقين؛

عدد الصفحات ١٣٨

يخط ِّطون لهم ، ويوج ِّهونهم ، ويدرسون لهم أساليب الكيد ، والمكر ، والخداع ، والدَّهاء ، وإثارة الفتن. قال تعاا نحَْنُ مُسْتـَهْزِّئُونَ }*[14. ] قال النَّسفي في تفسيره «وشياطينهم الَّذين ماثلوا الشَّياطين في تمرُّدهم ، هم اليهود[»549.]) وكان اليهود في المدينة يتامرون مع المنافقين ضدَّ المسلمين ، وفي هذا التامر يقول تعا الْمُنَافِّقِّينَ بأَِّنَّ لهَُمْ عَذَاباً أَلِّيمًا *الَّذِّينَ يـَتَّخِّذُونَ الْكَافِّرِّينَ أَولِّيَاءَ مِّنْ دُونِّ الْمُؤْمِّنِّينَ أَيـَبـْتـَغُونَ عِّنْدَهُمُ الْعِّزَّةَ فَإِّنَّ الْعِّزَّةَ للََِِّّّّ جمَِّيعًا[138 ـ139. ] قال الأستاذ محمد دَرْوَزَة«وجمهور المفسرين على أنَّ الكافرين هنا هم اليهود ، وفي الاية قرينةٌ على صحَّة ذلك ، كما أنَّ فيما بعدها قرينةً ثانيةً أيضاً ، وواضحٌ: أن اتخ ِّـاذ المنافقين اليهـود أولياء ، وتواثـقهم معهم ، إنمَّـا هما أثران من اثار التامر الموطَّد بين اليهود ، والمنافقين تجـاه الدَّعوة والقوَّة الإسلاميَّة[»550.]) وقال تعا بـَعْدِّ مَا تـَبـَينََّ لهَُمُ الهُْدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لهَُمْ وَأَمْلَى لهَُمْ *ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ قَالُوا لِّلَّذِّينَ كَرِّهُوا مَا نـَزَّلَ اللََُّّ سَنُطِّيعُكُمْ فيِّ بـَعْضِّ الأَمْرِّ وَاللََُّّ يـَعْلَمُ إِّسْ رَارَهُمْ[25 ـ26. ] والجمهور على أن الاية الأولى عَنَتِّ المنافقين ، وأنَّ الَّذين كرهوا ما نزَّل الله هم اليهود ، وهكذا تبدو في الاية الثَّانية صورةٌ من صور التامر بين الفريقين ضدَّ الإسلام ، والمسلمين ، ونلفت النَّظر إلى ما حَكَتْهُ الاية الثَّانية ، من وَعْد المنافقين لليهود بطاعتهم ، والسَّير على الخطَّة ؛ الَّتي يضعونها ، ففي هـذا كما هو ظاهرٌ صورةٌ لبعض ما كان لليهود من التَّوجيه والتَّلثير والنُّفوذ في المنافقين ، وحركتهم ، وأعمالهم551.]) وقال تعا نْكُمْ وَلاَ مِّنـْهُمْ وَيحَْلِّفُونَ عَلَى الْكَذِّبِّ وَهُمْ يـَعْلَمُونَ *أَعَدَّ اللََُّّ لهَُمْ عَذَاباً شَدِّيدًا إِّنـَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يـَعْمَلُونَ *اتخََّذُوا أَ يمَْانـَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِّيلِّ اللََِّّّ فـَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِّينٌ [ :14 ـ16. ] قال الماورديُّ في تفسيره لهذه الاية «يعني: المنافقين؛ تولَّوا قوماً غضب الله عليهم: هم اليهود[»552])2.)

عدد الصفحات ١٣٩

ودفع اليهود المنافقين لإشعال حربٍ ضدَّ رسول الله (ص) . فع ن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنـه قال: إنَّ رسول الله (ص) ركب على حمارٍ على قطيفـةٍ فَدَكِّيَّة553]) سعدَ بن عُبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر ، قال: حتََّّ مرَّ بَّجلسٍ فيه عبد الله بن أُبي ِّ بن سَلول ، وذلك قبل أن يُسْلم عبد الله بن أُبي ِّ ، فإذا في المجلس أخلاطٌ من المسلمين ، والمشركين عبدة الأوثان ، واليهود ، وفي المجلس عبد الله بن رَواحة ، فلمَّا غَشِّيَتِّ المجلسَ عَجَاجةُ الدَّابة ، خمََّر عبد الله بن أُبي ٍ أنفَه بردائه ، ثمَّ قال: لا تُغبر ِّوا علينا ، فسلَّم رس ول الله (ص) عليهم ، ثم وقف ، فنزل فدعاهم إلى الله ، وقرأ عليهم القران ، فقال عبد الله بن أُبي ِّ بن سَلول: أيها المرءُ! إنَّه لا أحسنَ ممَّا تقول ـ إن كان حقَّاً ـ فلا تـُؤْذِّناَ به في مجلسنا ، ارجع إلى رَحْلك فمن جاءك فاقصص عليه ، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يَّ رسول الله! فَاغْشَنَا به في مجالسنا ، فإناَّ نحبُّ ذلك ، فاستبَّ المسلمون ، والمشركون ، واليهود ، حتََّّ كادوا يتثاورون 554]) (ص) دابته ، فسار حتَّ دخل على سعد بن عبادة ، فقال له النبيُّ (ص) : «يَّ سعدُ! ألم تسمع ما قال أبو حُبَاب ـ يريد عبد الله بن أُبي ٍ ـ قال كذا ، وكذا »قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: يَّ رسول الله! اُعْفُ عنه ، واصفحْ ، فوالَّذي أنزل عليك الكتاب! لقد جاء الله بالحق ِّ الذي أَنزل عليك ، ولقد اصطلح أهلُ هذه البحيرة(555])556]) ذلك بالحق ِّ الذي أعطاك الله شَرِّقَ بذلك ، فذلك فعل به ما رأيتَ. فعفا عنه رسول الله (ص [4566. ]) 5 ـ طعنُ اليهود في مَنْ امن من الأحبار (عبد الله بن سَلام) رضي الله عنه «بلغَ عبدَ الله بن سَلام مَقْدَمُ رسول الله (ص) المدينةَ ، فلتاه ، فقال: إني ِّ سائلُك عن ثلاث لا يعلمهنَّ إلا نبيٌّ ، قال: ما أوَّل أشراط السَّاعة؟ وما أوَّل طعامٍ يأكله أهل الجنة؟ ومن أي ِّ شيءٍ يـَنْزِّعُ الولدُ إلى أبيه؟ ومن أي ِّ شيء يـَنْزِّعُ إلى أخواله؟ فقا ل رسول الله (ص) : «خَبـَّرَني بهنَّ انفاً جبريلُ»، قال: فقال عبد الله: ذاك عدوُّ اليهود من الملائكة ، فقال رسول الله (ص) : «أمَّا أوَّلُ أشراط السَّاعة ، فنارٌ تحشر الناسَ من المشرق إلى المغرب ، وأمَّا أولُ طعامٍ يأكله أهلُ الجنة ، فزِّيََّدَةُ كَبِّدِّ حُوتٍ ، وأما الشَّبهُ في الولد ، فإنَّ الرَّجل إذا غَشيَ المرأةَ ، فسبقها ماؤه؛ كان الشَّبه له ، وإذا سبق ماؤها؛ كان الشَّبهُ لها»قال: أشهد أنَّك رسول الله ، ثمَّ قال: يَّ رسول الله! إنَّ اليهود قومٌ بـُهْتٌ ، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسللهم بهتوني عندك ، فجاءت اليهود ، ودخل عبدُ الله البيت

عدد الصفحات ١٤٠

، فقال رسول الله (ص «أيُّ رجل فيكم عبدُ الله بن سلام »قالوا: أعلمُنا وابن أعلمِّنا ، وأخبرُ وابن أخبرِّنا ، فقال رسول الله (ص) : «أفرأيتم إن أسلم عبد »قالوا: أعاذه اللهُ من ذلك. فخرج عبد الله إليهم ، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمَّداً رسول الله ، فقالوا: شَرُّنا ، وابن شَر ِّنا ، ووقعوا فيه»[3329]) ويقذفونهم بتهمٍ باطلةٍ قبيحةٍ ، وقد حدَّثنا القران الكريم عن هذه الوسيلة ، ودافع عن هؤلاء المؤمنين ، الَّذين وجَّه اليهود ضدَّهم تلك الحملات الظَّالمة557.]) قال الله تعا { *يـُؤْمِّنُونَ باِّللََِّّّ وَالْيـَوْمِّ الآخِّرِّ وَيأَْمُرُونَ باِّلْمَعْرُوفِّ وَيـَنـْهَوْنَ عَنِّ الْمُنْكَرِّ وَيُسَارِّعُونَ فيِّ الخَْ يـْرَاتِّ وَ أُولَئِّكَ مِّنَ الصَّالحِِّّينَ *وَمَا يـَفْعَلُوا مِّنْ خَيرٍْ فـَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللََُّّ عَلِّيمٌ باِّلْمُتَّقِّينَ[عمران 113 ـ115. ] قال الواحديُّ في (أسباب النُّزول«قال ابن عباسٍ ، ومقاتلٍ: لمَّا أسلم عبد الله بن سلام ، وثعلبة بن سعيد ، وأسيد بن سعية ، وأسد بن عُبيد ، ومن أسلم من اليهود ، قالت أحبار اليهود: ما امن لمحمَّد إلا شرارُنا ، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين ابائهم ، وقالوا لهم: لقد خُنتم حين استبدلتم بدينكم ديناً غيره ، فلنزل الله تعا[»558.]) 6 ـ بثُّ الإشا عات والشَّماتة بالنَّبي ِّ (ص) والمسلمين: كان اليهود يتحيَّنون الفرص للنَّيل من المسلمين ، والبحث عمَّا يفر ِّق كلمتهم ، ومن ذلك استغلالهم ـ في الأشهر الأولى من الشَّهر ـ لوفاة أحد النُّقباء ، الَّذين بايعوا رسولَ الله (ص) بيعة العقبة ، وهو أبو أُمامة أسعد بن زُرَارةَ الأنصاريُّ الخزرجيُّ رضي الله عنه ، فعندما أخذته الشَّوْكة 559]) رسول الله (ص) يعوده ، فقال: بئس المي ِّتُ ليهود ـ مرَّتين ـ سيقولون: لولا دفع عنه صاحبه ، ولا أملك له ضر اً ، ولا نفعاً ، ولأتمََحَّلَن560]) »، فلمر به ، فكُوِّيَطَّين فوق رأسه فمات ، (4/138) والحاكم4/214) ومجمع الزوائد5/98]) حَوْران561])«بئس الميتُ لليهود ، يقولون: قد داواه صاحبه ، أفلا نفعه!»[5584) وعبد الرزاق المصنف (19515) ومجمع الزوائد (5/98. ]) ولم تكن حادثة أبي أُمامة هي الحدث الوحيد الَّذي أبان الحقد اليهوديَّ على المسلمين ، فقد أشاعوا أوَّل الهجرة: أنهَّم سحروا المسلمين ، فلا يُولد لهم ولد ، أشاعوا ذلك ليضي ِّقوا على المسلمين الخناق ،

عدد الصفحات ١٤١

ويفسدوا عليهم حياتهم الجديدة ، التي عاشوها في مدينة رسول الله (ص) ، وليعك ِّروا ذلك الجوَّ الصَّافي؛ الَّذي يملؤه الحبُّ ، والتالف بين المسلمين. وممَّا يدلُّ على مقدار ما فعلته تلك الإشاعة بين المسلمين ، شدَّة الفرحة التي اعتّتهم حيث ولد بينهم أوَّل مولودٍ ذكر من المهاجرين ، وهو عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنه562]) بكر رضي الله عنها «أنهَّا حمََلَتْ بعبد الله بن الزُّبير في مكَّة ، قالت: فخرجت وأنا مُتِّمٌّ ، فلتيت المدينة ، فنزلت قُباءً ، فولدت بقُباء ، ثم أتيت به رسولَ الله (ص) ، فوضعتُه في حجره ، ثمَّ دعا بتمرةٍ ، فمضغها ، ثمَّ تفل في فيه ، فكان أوَّل شيءٍ دخل جوفه ريقُ رسول الله (ص) ، ثمَّ حَنَّكَه بالتَّمرة ، ثمَّ دعا له ، فـَبـَرَّك عليه ، وكان أولَ مولود وُلِّدَ في الإسلام ، ففرحوا به فرحاً شديداً؛ لأنهَّم قيل لهم: إنَّ اليهود قد سحرتكم ، فلا يُولدُ لكم»[5469) ومسلم2146/26]) ([2146/25« :])وسمَّاه عبد الله ، ثمَّ جاء بعدُ وهو ابن سبعٍ، أو ابن ثماني سنين، يبايع النَّبيَّ (ص) ، أمره الزُّبير رضي الله عنه بذلك ، فتبسم النَّبيُّ (ص) حين راه مقبلاً ، وبايعه»، وكان أوَّل منوُلِّدَ في الإسلام بالمدينة بعد مَقْدَمِّ رسول الله (ص) ، وكانت اليهود تقول: قد أخذناهم ، فلا يُولدُ لهم بالمدينة وُلد ذكر ، فكبـَّرَ أصحابُ رسول الله (ص) حين وُلد عبد3/548. ]) 7 ـ موقفهم من تحويل القبلة تكاد تكون حادثة تحويل القبلة ، من بيت المقدس إلى الكعبة المشرَّفة هي الفاصل بين الحرب الكلاميَّة ، وحرب المناوشات ، والتدخُّل الفعليَّ من جانب اليهود ، لزعزعة الدَّولة الإسلاميَّة الناشئة563]) فعن البـَرَاء بن عازبٍ رضي الله عنه: أنَّ النَّبيَّ (ص) كان أولَ ما قَدِّمَ المدينة نزل على أجداده ـ أو قال: أخواله ـ من الأنصار ، وأنَّه (ص) صلَّى قِّبَلَ بيت المقدس ستةَ عَشَرَ شهراً ، أو سبعةَ عَشَرَ شهراً ، وكان يُعجبه أن تكون قبلتُه قِّبَلَ البيت ، وأنَّه (ص) صلَّى أوَّل صلاةٍ صلاها ، صلاةَ العصر ، وصلَّى معه قومٌ ، فخرج رجلٌ ممَّن صلَّى معه ، فمرَّ ع لى أهل مسجدٍ؛ وهم راكعون ، فقال: أشهد بالله! لقد صليت مع رسول الله (ص) قِّبَلَ مكَّة ، فداروا كما هم قِّبَلَ البيت ، وكانت اليهود قد أعجبهم أنَّه كان يُصل ِّي قِّبَلَ بيت المقدس ، وأهلُ564]) قِّبَلَ البيت؛ أنكروا ذلك40) ومسلم (525]) فيها عِّبـَرٌ ، وحكمٌ ودروسٌ للصف ِّ المسلم

عدد الصفحات ١٤٢

قال تعا بِّغَافِّلٍ عَمَّا تـَعْمَلُونَ *وَمِّ نْ حَيْثُ خَرَجْتَ فـَوَل ِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِّدِّ الحَْرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنـْتُمْ فـَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِّئَلاَّ يَكُونَ لِّلنَّاسِّ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِّلاَّ الَّذِّينَ ظَلَمُوا مِّنـْهُمْ فَلاَ تخَْشَوْهُمْ وَاخْشُوْنيِّ وَلأُ تمَِّّ نِّعْمَتيِّ عَ لَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تـَهْتَدُونَ *كَمَا أَرْسَلْنَا فِّيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يـَتـْلُو عَلَيْكُمْ آيََّتِّنَا وَيـُزَك ِّيكُمْ وَيـُعَل ِّمُ كُمُ الْكِّتَابَ وَالحِّْكْمَةَ وَيـُعَل ِّمُكُمْ مَا لمَْ تَكُونُوا تـَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونيِّ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا ليِّ وَلاَ تَكْفُرُون [149 ـ152 ] . { *[142] تبارك وتعالى ـ بَّا سيقوله اليهود عند تحوُّل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة من إثارةالشُّكوك ، والتَّساؤلات قبل وقوع الأمر ، ولهذا دلالته؛ فهو يدلُّ على نبوَّة محمَّدٍ (ص) ؛ إذ هو أمر غيبيٌّ ، فلخبر عنه قبل وقوعه ، ثمَّ وقع ، فدلَّ ذلك على أنَّ محمداً (ص) رسولٌ ، ونبيٌّ يخبره الوحي بَّا سيقع؛ إذ من الأدلَّة على صدق رسالة الرَّسول (ص) ، أن يخبر بأمور غيبية ثمَّ تقع بعد ذلك. وهو يدلُّ أيضاً على علاجٍ للمشاكل قبل حدوثها ، حتََّّ يستعدَّ المسلمون ، ويهي ِّئوا أنفسهم لهذه المشاكل للتغلُّب عليها ، والرد ِّ عليها ، ودفعها؛ لأنَّ الأمر حين يكون مفاجئاً لهم ، يكون وقعه على النفس أشدَّ ، ويربك المفاجل ، أمَّا حين يحُدَّثون عنه قبل وقوعه ، فالحديث يطمئنهم ، ويوط ِّن نفوسهم ، ويعدُّها لمواجهة الشَّدائد565])«وأخبر بالأمر قبل وقوعه؛ لتوط النُّفوس ، وإعدادها على ما يبكتهم ، فإنَّ مفاجلة المكروه على النَّفس أشقُّ ، وأشدُّ ، والجو اب العتيد لشغب الخصم الألد أردُّ [»566]) القبلة ، وللكيد ضدَّ رسول الله (ص) . قال أبو السعود «والسفهاء الذين خفَّت أحلامُهم ، واستمهنوها بالتَّقليد ، والإعراض عن التدبُّر ، والنَّظر. وقولهم: ثوبٌ س فيهٌ ، إذا كان خفيف النَّسيج ، وقيل: السَّفيه: البهَّات الكذَّاب ، المتعم ِّد خلاف ما يعلم ، وقيل: الظَّلوم الجهول ، والسُّفهاء هم اليهود[»567.]) { *مْ شَهِّيدًا [ 143([]568])«يقول تعالى: إنما حوَّلناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام ، واختّناها لكم ، لنجعلكم خيارَ الأمم؛ لتكونوا يوم القيامة شهداءَ الأمم؛ لأنَّ الجميع معتّفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار ، والأجود ، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً ، أي: خيرها ، وكان

عدد الصفحات ١٤٣

رسول الله (ص) وسطاً في قومه ، أي أشرفهم نسباً ، ومنه الصَّلاة الوسطى الَّتي هي أفضل الصَّلوات وهي العصر[»569.]) فهي أمَّـةٌ وسطٌ في التَّصوُّر والاعتقاد ، في التَّفكيـر والشُّعـور ، في التَّنظيم والتَّنسيق ، في الارتباطات والعلاقـات ، في المكان في سـرَّة الأرض وأوسـط بقاعها570.]) { *قِّبـَيْهِّ وَإِّنْ كَانَتْ لَكَبِّيرَةً إِّلاَّ عَلَى الَّ ذِّينَ هَدَى اللََُّّ[143. ] فالاية تذك ِّر أنَّ الصَّلاة نحو بيت المقدس كانت فتنةً؛ أي: اختباراً ، والتَّحوُّل من بيت المقدس إ الكعبة كان أيضاً اختباراً ، وامتحاناً. قال البيضاويُّ في تفسيره: «وما جعلنا قبلتك بيت المقدس إ لنعلم مَنْ يتَّبع الرَّ سول ، ممَّن ينقلب على عقبيه ، إلا لنمتحن به النَّاس ، ونعلم من يتَّبعك في الصَّلاة إليها ، ممَّن يرتدُّ عن دينك إلفاً لقبلة ابائه ، أو لنعلم من يتَّبع الرَّسول ممَّن لا يتَّبعه ، وما كان لعارض يزول بزواله ، وعلى الأول: معناه: ما رددناك إلى الَّتي كنت عليها ، إلا لنعلم الثَّابت على الإسلام ، ممَّن ينكص على عقبيه؛ لقلقه ، وضعف إيمانه[»571.]) فالصَّلاة إلى الكعبة في بداية الأمر ، ثمَّ الصَّلاة إلى بيت المقدس ، ثمَّ العودة إلى الكعبة ، واستمرار ذلك لا شيء فيه؛ ما دام الباري سبحانه أمر بذلك ، ومن ثمََّ فالتَّو جه في كل ِّ حالةٍ هو عبادة ، وما على الناس إلا أن ينقادوا لأمر الله ـ تبارك وتعالى ـ ، ويلتزموا بأمره ، فالذي يتَّبع الرسول وينقاد لأوامره في القبلة يـُعَدُّ فائزاً في الاختبار ، والامتحان ، والَّذي يجد في نفسه مخالفة حكمٍ من الأحكام الشَّرعيَّة كان ساقطاً ، وهالكاً ، والإيمان الحقُّ هو الَّذي يُلزم صاحبه بالات ِّباع ، ومخالفة الهوى572]) عمر رضي الله عنه قال: بينا النَّاس يصلُّون الصُّبح في مسجد قُباء؛ إذ جاء رجلٌ فقال: قد أُنزل على النَّبي ِّ (ص) قران ، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة ، فاسْتقبِّلُوها. فتوجَّهوا إلى الكعبة573.]) { *[143. ] تبين ِّ الاية الكريمة حرص المؤمنين على إخوانهم ، وحبَّ الخير لهم ، فحينما نزلت الايَّت؛ الَّتي تأمر المؤمنين بتحويل القبـلة إلى الكعبـة؛ تساءل المؤمنون مشفقين عن مصير عبادة إخوانهم ، الَّذين ماتوا؛ وقد صلوا نحو بيت المقدس ، فلخبر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: أنَّ صلاتهم مقبولةٌ ، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: لما وُج ِّه النَّ بيُّ (ص) إلى الكعبة؛ قالوا: يَّ رسول الله! كيف بإخواننا الَّذين ماتوا وهم يصلُّون

عدد الصفحات ١٤٤

إلى بيت المقدس؟ ، فلنزل الله تعا [143[ ]4680) والتّمذي2964) وأحمد (1/295 و304 و322 و347]) وبينَّ لهم: أنَّه رؤوف رحيمٌ ، «وبهذا يسكب في قلوب المسلمين الطُّملنينة ، ويذهب عنها القـلق ، ويفيض عليها الر ِّضا ، والث ِّقة ، واليقين[»574.]) { *اهَا فـَوَل ِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِّدِّ الحَْرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنـْتُمْ فـَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِّنَّ الَّذِّينَ أُوتُوا الْكِّتَابَ لَيـَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَْقُّ مِّنْ رَبه ِِّّمْ وَمَا اللََُّّ بِّغَافِّلٍ عَمَّا يـَعْمَلُونَ *وَلَئِّنْ أَتـَيْتَ الَّذِّ ينَ أُوتُوا الْكِّتَابَ بِّكُل ِّ آيَةٍ مَا تَبِّعُوا قِّبـْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِّتَابِّعٍ قِّبـْلَتـَهُمْ وَمَا بـَعْضُهُمْ بِّتَابِّعٍ قِّبـْلَةَ بـَعْضٍ وَلَئِّنِّ اتـَّبـَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِّنْ بـَعْدِّ مَا جَاءَكَ مِّنَ الْعِّلْمِّ إِّنَّكَ إِّذًا لَمِّنَ الظَّ الِّمِّينَ *الَّذِّي نَ آتـَيـْنَاهُمُ الْكِّتَابَ يـَعْرِّفُونَهُ كَمَا يـَعْرِّفُونَ أَبـْنَاءَهُمْ وَإِّنَّ فَرِّيقًا مِّنـْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَْقَّ وَهُمْ يـَعْلَمُونَ *الحَْقُّ مِّنْ رَب ِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِّنَ الْمُمْتَِّّينَ * وَلِّكُل ٍ وِّجْهَةٌ هُوَ مُوَل ِّيهَا فَاسْتَبِّقُوا الخَْ يـْرَاتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يأَْتِّ بِّكُمُ اللََُّّ جمَِّيعًا إِّنَّ اللَََّّ عَلَى كُل ِّ شَيْءٍ قَدِّيرٌ [144 ـ148. ] كان رسول الله (ص) ، حريصاً على أن يتوجَّه في صلاته إلى قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام ، فهو أو النَّاس به؛ لأنَّه من ثمرة دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام ، وحامل لواء التَّوحيد بحق ٍ كما حملها إبراهيم عليه السلام ، وهو (ص) كان يحرص على أن يكون مستقلاً ، ومتمي ِّزاً عن أهل الد ِّيَّنات السَّابقة؛ الَّذين حرَّفوا ، وبدَّلوا ، وغيرَّوا؛ كاليهود ، والنَّصارى؛ ولهذا كان ينهى عن تقليدهم والتَّ شبُّه بهم؛ بل يأمر بَّخالفتهم، ويحذ ِّر من الوقوع فيما وقعوا فيه من الزَّلل، والخطل[575]، والانحراف، ومقتضى هذا الحرص أن يتوجَّه في صلاته بشكل دائم إلى قيلة أبي الأنبياء، وهو أول بيت وضع للناس[576]). إن لحادثة تحويل القبلة أبعاداً كثيرة: منها الس ِّياسيُّ، ومنها العسكريُّ، ومنها الد ِّينيُّ البحت، ومنها التاريخيُّ؛ فبعدها السياسيُّ: أنها جعلت الجزية العربية محور الأحداث، وبعدها التَّاريخيُّ: أنها ربطت هذا العالم بالإرث العربي ِّ لإبراهيم ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وبعدها العسكريُّ: أنهَّا مهَّدت لفتح مكة ، وإنهاء الوضع الشَّاذ ِّ في المسجد الحرام، حيث أصبح مركز التَّوحيد مركزاً لعبادة الأصنام، وبُعدها الدينيُّ: أنها ربطت القلب بالحنفيَّة، وميَّزت الأمة الإسلامية عن غيرها، والعبادة في الإسلام في بقية الأديَّن[577]). *{وَمِّنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فـَوَل ِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِّدِّ الحَْرَامِّ وَإِّنَّهُ لَلْحَقُّ مِّن رَّب ِّكَ وَمَا اللَّ ُ بِّغَافِّلٍ عَمَّا تـَعْمَلُونَ * وَمِّنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فـَوَل ِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِّدِّ الحَْرَامِّ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فـَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

عدد الصفحات ١٤٥