المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 02

علي محمد الصلابي

صفحة ١٠ من ١٩

لِّئَ يَكُونَ لِّلنَّاسِّ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِّلاَّ الَّذِّينَ ظَلَمُواْ مِّنـْهُمْ فَلاَ تخَْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنيِّ وَلأُتمَِّّ نِّعْمَتيِّ عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تـَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَا فِّيكُمْ رَسُولاً م ِّنكُمْ يـَتـْلُو عَلَيْكُمْ آيََّتِّنَا وَيـُزَك ِّيكُمْ وَيـُعَل ِّمُكُمُ الْكِّتَابَ وَالحِّْكْمَةَ وَيـُعَل ِّمُكُم مَّا لمَْ تَكُونُواْ تـَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونيِّ أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ ليِّ وَلاَ تَكْفُرُونِّ }[149 ـ152.] إنَّ نعمة توجيهكم إلى قبلتكم، وتمييزكم بشخصيَّتكم من نعم الله عليكم، وقد سبقتها آلاء من الله كثيرةٌ عليكم؛ منها: ـ كَمَا أَرْسَلْنَا فِّيكُمْ رَسُولاً م ِّنكُمْ } خصيصة هذه النخبة القيَّاديَّة، الَّتي شرَّفها الله تعالى بأن يكون هو المسؤول عن تربيتها؛ فقيه النُّفوس، وطبيب القلوب، ونور الأفئدة، فهو النُّور، والبرهان، والحجَّة. ـ يـَتـْلُو عَلَيْكُمْ آيََّتِّنَا} لنزوله أوَّل الأمر غضَّاً طريًََّّ، فكان جيلاً متمي ِّزاً في تاريخ الإنسانيَّة ـ وَيـُزَك ِّ يكُمْ }، فهو المسؤول عن عمليَّة التّبيَّة، وهو الَّذي بـَلَغَ من الخُلُق، والتَّطبيق لأحكام القرآن الكريم ما وصفه الله تعالى به من هذا الوصف الجامع المانع، الذي تفرَّد به (ص) من دون البشريَّة كافَّةً، قال تعالى: {وَإِّنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِّيمٍ }[4] عائشة رضي الله عنها، بأعظم ما يملك بشرٌ أن يصف به نبيَّاً، فقالت: «كان خُلُق نبي ِّ الله القران » [308) وأحمد6/91) والنسائي في السنن الكبرى11287]) الصَّحابة يسمعون القران الَّذي يُتلى من فم رسول الله (ص) ، ويرون القران الَّذي يمشي على الأرض ، متجس ِّداً في خلُقه الكريم (ص) . ـ : فهذه هي المهمَّة فالقران الكريم لكي يكون مؤثراً في الأمَّة لا بدَّ من المربي ِّ الرَّباَّني ِّ الَّذي يزك ِّي النُّفوس ، ويطه ِّر القلوب ، ويعل ِّمها شرع الله تعالى من خلال القران الكريم ، وسنَّة سي ِّد المرسلين (ص) ؛ فيشرح للمسلمين غامضَه ، ويبين ِّ محُْكَمَهُ ، ويفص ِّل مجمله ، ويسلل عن تطبيقه ، ويصح ِّح خطل الفهم لهم؛ إن و جد. كان الرَّسول (ص) ، يعل ِّم ، ويربي ِّ أصحابه؛ لكي يُعل ِّموا ، ويربُّوا النَّاس على المنهج الرَّباَّني ِّ ، فتعلَّم الصَّحابة من رسول الله (ص) منهج التَّعليم ، ومنهج التَّّبية ، ومنهج الدَّعوة ، ومنهج القيادة للأمَّة من خلال ما تسمع ، وما تبصر ، ومن خلال ما تعاني وتجاهد ، فاستطاع (ص) أن يعدَّ الجيل إعداداً كاملاً ،

عدد الصفحات ١٤٦

ومؤه ِّلاً لقيادة البشريَّة ، وانطلق أصحابه من بعده يحملون التَّّبية القرانيَّة ، والتَّّبية النَّبويَّة إلى كل صُقْعٍ575]) ـ{لَمُونَ: ماذا كانوا قبل الوحي والر ِّسالة؟ وماذا أصبحوا ذلك؟ كانوا في حروبٍ ، وصراعٍ ، وجاهليَّةٍ عمياء ، وأصبحوا بفضل الله ، ومَن ِّهِّ ، وكرمه أمةً عظيمةً ، لها رسالةٌ ، وهدفٌ في الحياة ، لا همَّ لها إلا العمل ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى ، وحقَّقوا الع بوديَّة لله وحده ، والطاعة للهِّ وحده ، ولرسوله (ص) ، وانتقلوا من نزعة الفردية ، والأنانيَّة ، والهوى إلى البناء الجماعي ، بنـاء الأمَّة ، وبنـاء الدَّولـة ، وصناعة الحضارة ، واستحقَّت بفضل الله ، ومَن ِّـه أعظمَ وسَامَينِّْ في الوجود 576])نـْتُمْ خَيـْرَ أُمَةٍ أُخْرِّجَتْ لِّلنَّاسِّ تأَْمُرُونَ باِّلْمَعْرُوفِّ وَتـَنـْهَوْنَ عَنِّ الْمُنْكَر وَتـُؤْمِّنُونَ[عمران 110] ـ النَّاسِّ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِّيدًا[143.] ـ{: فهذهالمنن ، وهذه العطايَّ ، وهذه الخيرات تحتاج لذكر الله في الغدو ِّ ، والاصال ، وشكره عليها ، وحثَّهم المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ على ذكره ، وبكرمه يُذكرون في الملأ الأعلى ، بعدما كانوا تائهين في الصَّحاري ، ضائعين في الفيافي ، وحُقَّ لهذه النعم جميعاً أن تُشْكَر577.!]) وهكذا الايَّت الكريمة تربي ِّ الصَّحابة من خلال الأحداث العظيمة ، وتصوغ الشَّخصيَّة المسلمة القويَّة ، الَّتي لا ترضى إلا بالإسلام ديناً ، و التيَّ تعرَّفت على طبيعة اليهود من خلال القران الكريم ، وبدأت تتعمَّق في ثنايَّ طبيعتهم الحقيقيَّة ، وانتهت إلى الصُّورة الكل ِّيَّة الن ِّهائيَّة ، الَّتي تربوا عليها من خلال القران الكريم ، والتَّّبيَة النَّبويَّة. قال تعا دُ وَلاَ النَّصَارَى حَتََّّ تـَتَّبِّعَ مِّلَّتـَهُمْ قُلْ إِّنَّ هُدَى اللَّ ِّ هُوَ الهُْدَى وَلَئِّنِّ اتـَّبـَعْتَ أَهْوَاءهُم بـَعْدَ الَّذِّي جَاءكَ مِّنَ الْعِّلْمِّ مَا لَكَ مِّنَ اللَّ ِّ مِّن وَليِّ ٍ وَلاَ نَصِّيرٍ } [120. ] 8 ـ من صفات اليهود في القران الكريم: إنَّ المتتب ِّع لتاريخ اليهود ، ومواقفهم مع المصطفى (ص) يشاهد تلك الأفعال القبيحة ، والأخلاق الرَّذيلة ، الَّتي يتَّصف بها هؤلاء البشر ، ولا غرابة في ذلك ، فهي طبيعة كل ِّ ادمي ٍ ينسلخ من دينه الصَّحيح ، وعقيدته السَّليمة.

عدد الصفحات ١٤٧

كانت معاناة رسول الله (ص) و المسلمين من اليهود شديدةً ، وأليمةً ، فالقران الكريم تحدَّث عن بعضها ، وكتب السُّنَّة ، والتَّاريخ ، والس ِّير حافلةٌ بالأحداث الجسيمة مع اليهود ، وقد تحدَّث القران الكريم ، وبيَّنت السُّنَّة النَّبويَّة صفاتهم القبيحة؛ كالن ِّفاق ، وسوء الأدب مع الله ، ورسو له (ص) ، والمكر ، والخداع ، والمداهنة ، وعدم الانتفاع بالعلم ، والحقد ، والكراهية ، والحسد ، والجشع ، والبُخل ، ونكران الجميل ، وعدم الحياء ، والغرور ، والتكبرُّ ، وحبُّ الظهور ، والإشراك في العبادة ، ومحاربة الأنبياء ، والصَّالحين ، والتَّقليد الأعمى ، وكتمان العلم ، وتحريف المعلومات ، والتَّحايل على المحرمات ، والتَّفرُّق ، والطَّبقيَّة في تنفيذ الأحكام ، والر ِّشوة ، والكذب ، والقذارة578]) بعض هذه الص ِّفات الذَّميمة؛ التي جاءت في القران الكر 1 ـ الإشراك في العبادة فعبادة اليهود شركيَّ ةٌ باطلةٌ؛ حيث يعتقدون: أنَّ لله ولداً ، ويشركون معه في عِّبادته غيره ، وقد سجَّل الله ـ عزَّ وجل ـ عليهم بعض مظاهر الإشراك. قال تعا الْمَسِّيحُ ابْنُ اللََِّّّ ذَلِّكَ قـَوْلهُُمْ بأَِّفـْوَاهِّ هِّمْ يُضَاهِّئُونَ قـَوْلَ الَّذِّينَ كَفَرُوا مِّنْ قـَبْلُ قَاتـَلَهُمُ اللََُّّ أَنىَّ يـُؤْفَكُونَ *اتخََّذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانـَهُمْ أَرْباَباً مِّنْ دُونِّ اللََِّّّ وَالْمَسِّيحَ ابْنَ مَرْيمََ وَمَا أُمِّرُوا إِّلاَّ لِّيـَ عْبُدُوا إِّلهًَا وَاحِّدًا لاَ إِّلَ هَ إِّلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِّكُونَ [30 ـ31. ] فهم لم يكتفوا في الإشراك بالقول المتقد ِّم؛ بل عبدوا أنبياءهم ، وصالحيهم ، واتخذوا قبورهم مساجد ، وأوثاناً يعبدونها من دون579])«قاتَلَ اللهُ اليهودَ؛ اتخَّذوا قبورَ أنبيائهم مساجد»[437) ومسلم530. ]) 2 ـ محاربة الأنبياء والصَّا في الوقت الَّذي يقد ِّسون فيه أحبارهم ، ورهبانهم إلى درجة العبادة نجدهم في المقابل لا يتورَّعون عن محاربة أنبيائهم ، وصالحيهم ، ويشنُّون عليهم الحملات المغرضة بشتََّّ الطُّرق ، والوسا ئل كافَّةً ، ولا يمتنعون حتََّّ عن قتلهم؛ كما فعلوا بزكريَّ ، ويحيى عليهما السَّلام 580]) عنهم بذلك ، فبعد أن بينَّ ـ عزَّ وجلَّ ـ ألواناً من العذاب أوقعه عليهم؛ قال وَالْمَسْكَنَةُ وَباَءُ وا بِّغَضَبٍ مِّنَ اللََِّّّ ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِِّيََّتِّ اللََِّّّ وَيـَقْتـُلُونَ الْنَّبِّي ِّينَ بِّغَيرِّْ الحَْق ِّ ذَلِّكَ بََِّّا عَصَوْا وَكَانُوا يـَعْتَدُونَ[61. ] 3 ـ كتمانهم العلم ، وتحريفهم للحقائق

عدد الصفحات ١٤٨

إنَّ كتمان العلم ، وتحريف اقائق صفتان ملازمتان لليهود من قديم الزَّمن ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله (ص) : «قيل لبني إسرائيل ودخلوا يزحفون على أَسْتَاههم ، وقالوا: حَبَّةٌ في شَعرةٍ »[3403) ومسلم (3015. ]) ومن أعظم العلوم الَّتي كتمها أحبار اليهود ، وحاولوا إخفاء حقيقتها علمُ نبوَّة محمَّدٍ (ص) ، فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: جاء رسول الله (ص) رافعُ بن حارثة ، وسلام بن مِّشْكم ، ومالك بن الصَّيف ، ورافع بن حُريملة ، فقالوا: يَّ محمد! ألستَ تزعم أنَّك على م لَّة إبراهيم ، ودينه ، وتؤمن بَّا عندنا من التَّوراة ، وتشهد أنهَّا من الله حقٌّ؟ فقال رسول الله (ص) : «بلى؛ ولكنَّكم أحدثتم ، وجحدتم ما فيها ، ممَّا أخذ الله عليكم من الميثاق فيها ، وكتمتم منها ما أُمرتم أن تُبي ِّنوه للنَّاس ، فـَبرَِّئْتُ من إحداثكم»قالوا: فإناَّ نأخذ بَّا في أيدينا ، فإناَّ على الهدى والحق ِّ ، ولا نؤمن بك ، ولا نتبعك ، فلنزل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فيهم 2/217) وابن جرير في تفسيره 6/310{ :]) الْكِّتَابِّ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتََّّ تُقِّيمُوا التـَّوْرَاةَ وَالإِّنجِّْيلَ وَ مَا أُنْزِّلَ إِّلَيْكُمْ مِّنْ رَب ِّكُمْ وَلَيَزِّيدَنَّ كَثِّيرًا مِّنـْهُمْ مَا أُنْزِّلَ إِّلَيْكَ مِّنْ رَب ِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْرًا فَلاَ تأَْسَ عَلَى الْقَوْمِّ الْكَافِّرِّينَ [68. ] 4 ـ التَّفـرُّق إنَّ اليهود دائماً ، وأبداً مختلفون في الأفكار ، مفتّقون في الأحكام ، تحسبهم جميعاً؛ وقلوبهم شتََّّ ، تماماً كما وصفهم الباري ـ عزَّ وجل ـ في قوله تعا محَُصَّنَةٍ أَوْ مِّنَ وَرَاءِّ جُدُرٍ بأَْسُهُمْ بـَيـْنـَهُمْ شَدِّيدٌ تحَْسَبـُهُمْ جمَِّيعًا وَقـُلُوبـُهُمْ شَتََّّ ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ قـَوْمٌ لاَ يـَعْقِّلُونَ }*[14. ] 5 ـ الر ِّشوة إنَّ من سمات اليهود في معالم مجتمعاتهم بحثَهم عن تحقيق الغاية التي ينشدونها ، بشتََّّ السُّبل ، والوسائل؛ ولو كانت مخالفةً لشرعهم؛ كدفع الر ِّشوة ، والمال الحرام ، فلكل السُّحت من رشوةٍ ، ومال حرامٍ من طباعهم ، وقد وصفهم الحقُّ ـ سبحانه وتعالى ـ بذلك فَإِّنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بـَيـْنـَهُمْ أَوْ أَعْرِّضْ عَنـْهُمْ وَإِّنْ تـُعْرِّضْ عَنـْهُمْ فـَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيـْئًا وَإِّنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بـَيـْنـَهُمْ باِّلْقِّسْطِّ إِّنَّ اللَََّّ يحُِّبُّ الْمُقْسِّطِّينَ [42. ] 6 ـ الن ِّفاق

عدد الصفحات ١٤٩

وقد أظهر بعضُ زعماء اليهود الإسلام حين قويت شوكة المسلمين بالمدينة ، وتستَّّوا بالن ِّفاق ، وقد سجل الله عليهم ذلك في قولـه تعا مَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنـُؤْمِّنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِّنـَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِّنْ لاَ يـَعْلَمُونَ *وَإِّذَا لَقُوا الَّذِّينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِّ ذَا خَلَوْا إِّلىَ شَيَاطِّينِّهِّمْ قَالُوا إِّناَّ مَعَكُمْ إِّنمََّا نحَْنُ مُسْتـَ هْزِّئُونَ[13 ـ14. ] 7 ـ المداهنة فكانوا يسايرون الواقع والمجتمع ، ولا ينكرون المنكر؛ ولذلك لعنهم الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وسجَّل لعنته عليهم في كتابـه العزيز. قال تعـاعِّيسَى ابْنِّ مَرْيمََ ذَلِّكَ بََِّّا عَصَوْا وَكَانُوا يـَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يـَتـَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فـَعَلُوهُ لَبِّئْسَ مَا كَانُوا يـَفْعَلُونَ [78 ـ 79. ] 8 ـ عدم الانتفاع بالعلم وقد أخبرنا الله تعالى بذلك ، وصوَّر هذه الص ِّفة تصويراً دقيقاً581]) التـَّوْرَاةَ ثمَُّ لمَْ يحَْمِّلُوهَا كَمَثَلِّ الحِّْمَارِّ يحَْمِّلُ أَسْفَارًا بِّئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِّ الَّذِّينَ كَذَّبُوا بِِّيََّ تِّ اللََِّّّ وَاللََُّّ لاَ يـَهْدِّي الْقَوْمَ الظَّالِّمِّينَ[5. ] 9 ـ الحقد ، والكراهية من صفات اليهودِّ المستقرَّة في أعماق نفوسهم الحقدُ على كل ِّ شيءٍ ليس منهم ، والكراهية لكل ِّ ما هو غير يهودي ٍ؛ مهما كان نوعه ومصدره ، وخاصَّةً إذا كان يمتُّ إلى رسول الله (ص) بصلةٍ ، كما حصل في أمر القبلة ، وما حصل في تحريم الخمر ، فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: لما نزلت اية تحريم الخمر ، قالت اليهود: أليس إخوانكم الذين ماتوا كانوا يشربونها؟ 4/143 ـ 144])مَا اتـَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِّلُوا الصَّالحَِّاتِّ ثمَُّ اتـَّقَوْا وَآمَنُوا ثمَُّ اتـَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللََُّّ يحُِّبُّ الْمُحْ سِّنِّينَ [93 ] . 10 ـ الحسد فقد حسد اليهودُ النَّبيَّ (ص) على الر ِّسالة؛ إذ كانوا يظنُّون: أنَّ الرَّسول الَّذي سيبعث ، سيكون منهم ، يتجمَّعون حوله ، ويقاتلون به أعداءهم ، فلمَّا بُعِّث الرَّسول (ص) من غيرهم؛ جُنَّ جنونهم ، وطار صوابهم ، ووقفوا يعادونه عداوةً شديدةً ، ولقد حسدوا أصحابه على الإيمان ، ونعمة الهدى؛ الَّتي شرح

عدد الصفحات ١٥٠

الله صدورهم لها 582])وَمِّنْ شَر ِّ النـَفَّاثاَتِّ فيِّ الْعُقَدِّ *وَمِّنْ شَر ِّ حَاسِّدٍ إِّذَا حَسَدَ[4 ـ5]«الفلق»و«النَّاس »تعوَّذ بهما الرَّسول (ص) حينما سحرته اليهود. وقال تعالى: {وَد كَثِّيرٌ م ِّنْ أَهْلِّ الْكِّتَابِّ لَوْ يـَرُدُّونَكُم م ِّن بـَعْدِّ إِّيمَانِّكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا م ِّنْ عِّندِّ أَنفُسِّهِّم م ِّن بـَعْدِّ مَا تـَبـَينََّ لهَُمُ الحَْقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتََّّ يأَْتيَِّ اللَّ ُ بأَِّمْرِّهِّ إِّنَّ اللَّ َ عَلَى كُل ِّ شَيْءٍ قَدِّيرٌ } [109. ] 11 ـ الغرور والتَّك اتَّصف اليهود بالغر ور ، والتَّكبرُّ على الخلق من قديم الزَّمان ، فهم يرون أنهَّم أرقى من النَّاس ، وأفضل من النَّاس ، ويزعمون أنهَّم شعب الله المختار ، ويعتقدون أنَّ الجنَّة لليهود ، وأنَّ طريق اليهودية هو طريق الهداية ، وسواها ضلالٌ ، وقد أخبر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ في كتابه عن هذه الخصلة الذَّميمة فيهم583]) بـُرْهَانَكُمْ إِّنْ كُنـْتُمْ صَادِّقِّينَ[111] الله (ص) ، بشتََّّ الوسائل والصُّور ، ومن ذلك هذه الصُّورة 584:]) عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: أتى رسولَ الله (ص) نُعمانُ بن أضاء ، وبحَْريُّ بن عمرو ، وشلسُ بن عدي ٍ ، فكلَّموه ، وكلَّمهم رسول الله (ص) ، ودعاهم إلى الله ، وحذَّرهم نِّقمته ، فقالوا: ما تخَُو ِّفنا يَّ محمد! نحن أبناء الله ، وأحبَّاؤه ـ كقول النَّصارى ـ فلنزل الله تعالى فيهم أَنـْتُمْ بَشَرٌ ممَِّنْ خَلَقَ يـَغْفِّرُ لِّمَنْ يَشَاءُ وَيـُعَذ ِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَللََِِّّّّ مُلْكُ السَّمَاوَاتِّ وَالأَرْضِّ وَمَا بـَيـْنـَهُمَا وَإِّلَيْهِّ الْمَصِّيرُ [ 18. ] 12 ـ البخل من صفات اليهود القديمة بخلُهم بالمال ، وعدم إنفاقه في سبيل الخير ، فكانوا يأتون رجالاً من الأنصار ويقولون لهم: لا تنفقوا أموالكم؛ فإناَّ نخشى عليكم الفقر في ذهابها ، ولا تسارعوا في النَّفقة؛ فإنَّكم لا تدرون علامَ يكون585])يـَبْخَلُونَ وَيأَْمُرُونَ النَّاسَ باِّلْبُخْلِّ وَيَكْتُمُونَ مَا آتاَهُمُ اللََُّّ مِّنْ فَضْلِّهِّ وَأَعْتَدْناَ لِّلْكَافِّرِّينَ عَذَاباً مُهِّيناً [37] ما جاء به محمَّد (ص وَالْيـَوْمِّ الآخِّرِّ وَأَنـْفَقُوا ممَِّّا رَزَقـَهُمُ اللََُّّ وَكَانَ اللََُّّ بهِِّّمْ عَلِّيمًا[39. ]

عدد الصفحات ١٥١

13 ـ العناد برغم قيام الأدلَّة ، والبراهين على صدق نبوَّة ورسالة محمَّدٍ (ص) ، إلا أنَّ اليهود بسبب عنادهم ، امتنعوا عن الإيمان ، وانغمسوا في الكفر ، والتكذيب؛ لأنَّ العناد يقفل العقول بأقفال الهوى ، وقد بينَّ المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ هذه الص ِّفة في قوله تعابـْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِّتَابِّعٍ قِّبـْلَتـَهُمْ وَمَا بـَعْضُهُمْ بِّتَابِّعٍ قِّبـْلَةَ بـَعْضٍ وَلَئِّنِّ اتـَّبـَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِّنْ بـَعْدِّ مَا جَاءَكَ مِّنَ الْعِّلْمِّ إِّنَّكَ إِّذًا لَمِّنَ الظَّالِّمِّينَ [145] وما غيرَّوا ، وما بدَّلوا ، ويصدق فيهم قول تعا586{ :]) وَمَا تـُغْنيِّ الآيََّتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قـَوْمٍ لاَ يـُؤْمِّنُونَ [101. ] هذه بعض الص ِّفات الَّتي تجسَّدت في الشَّخصية اليهوديَّة ، والَّتي أشار القران الكريم إليها؛ لنعرف اليهود على حقيقتهم ، حتََّّ لا يغ 587]) رابعاً: (إنَّ الله لا يصلح عمل المفسدين إنَّ هذه الوثيقة وضَّحت مدى العدالة الَّتي تميَّزت بها معاملة النَّبي ِّ (ص) لليهود ، وأعطت لمواطني الدَّولة مفهوم الحرية الد ِّينيَّة ، وضربت عُرْضَ 588]) الأفكار والمعتقدات ، ولم تكن المسللةُ مسللةَ تكتيكٍ مرحلي ٍ ، ريثما يتسنََّّ للرَّسول (ص) تصفية أعدائه في الخارج ، لكي يبدأ تصفيةً أخرى إزاء أولئك الَّذين عاهدهم.. وحاشاه؛ وإنمَّا صدر هذا الموقف وَفْقَ سياسةٍ إسلاميَّةٍ منبثقةٍ من شريعةٍ رباَّنيَّة589.]) لقد عقد الرَّسول (ص) مع اليهود المعاهدات الَّتي تؤم ِّن لهم الحياة الكريمة في ظل ِّ الدَّولة الإسلاميَّة ، بحكم أنهَّم أهل كتاب (أهل الذ ِّمَّة) ، ولكن طبيعة اليهود الغدر والخيانة ، وعدم الوفاء ، ولم يستطيعوا ـ ولن يستطيعوا لؤماً وخسَّةً ـ أن يتخلَّوا عن تلك الص ِّفات الذَّميمة ، فنقضوا عهودهم مع رسول الله (ص) ، وكانت نهايتهم بَّا يتلاءم مع تلك الأفعال؛ حيث أجلى رسولُ الله (ص) بني قينقاع ، وبني النَّضير ، وَقـَتَل رجالَ بني قريظة 590]) سوف نراه ـ بإذن الله تعالى ـ في هذا الكتاب ، ولقد أشار القران الكريم إلى طبيعة اليهود مع العهود ، فقال تعا عَهْدَهُمْ فيِّ كُل ِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يـَتـَّقُونَ [56. ] والعهد هنا ما عقده رسولُ (ص) مع اليهود ، من عهودٍ ، ومواثيق ، بألا يحاربوه ، ولا يعاونوا عليه ، كما بينَّ ذلك المفس ِّرون( 1.)

عدد الصفحات ١٥٢

لقد سلك اليهود وسائل عدَّةً ، ومتغايرةً ، ومتنو ِّعةً للكيد لرسول الله (ص) ، والَّذين امنوا معه ، ومقاومتهم ، إلا أنَّ هذه الوسائل لم تفلح ، ولم تؤتِّ ثمار ها المرجوَّة منها ، وهي القضاء على جماعة المسلمين ، ودولتهم ، وكيانهم الس ِّياسي ِّ ، فما أسباب ذلك؟ إنَّ ذلك يرجع إلى تلك التَّّبية النَّبويَّة الرَّشيدة ، الَّتي غرست معاني الإيمان في القلوب ، وحقَّقت العبوديَّة الخالصة لله ، وحاربت الش ِّرك بجميع أشكاله ، وعلَّمت الصَّحابة الأخذ بأسباب النُّهوض ، والتَّمكين المعنويَّة ، والماد ِّيَّة ، فقد ربىَّ النَّبيُّ (ص) أصحابه على العزَّة ، والنَّخوة ، والرُّجولة ، والشَّجاعة ، ورفض الذل ِّ ، ومقاومة الظُّلم ، وعدم الاستسلام لمؤامرات اليهود ، وغيرهم؛ بل مقاومتها ، والقض اء عليها، وعلى أهلها، فثابروا، وصابروا، حتََّّ انتصروا على أعدائهم 591.]) كان مكر اليهود في غاية الدَّهاء، تكاد تزول منه الجبال؛ ولكنَّه لم يفلح مع الرَّعيل الأوَّل، بسبب القيادة النَّبوية، والمنهج الرَّباني ِّ الَّذي سار عليه رسول الله (ص 592. ]) إنَّ المسلمين اليوم يتساقطون أمام المخطَّطات اليهوديَّة ، ومؤامراتها؛ لبـُعْدهم عن المنهاج النَّبوي ِّ في تربية الأمَّة ، وكيفيَّة التَّعامل مع اليهود ، فالأمَّة في أشد ِّ الحاجة للقيادة الرَّبانيَّة ، الحكيمة ، الواعية ، الموفَّقة من عند الله ، الخبيرة بأخلاق اليهود ، وصفاتهم ، فتتعامل معهم معاملةً واعيةً ، مستمدَّةً أصولها من الس ِّياسة النَّبوي ة الرَّاشدة ، في التَّعامل مع هذا الص ِّنف المنحرف من البشر. لقد تغلغلت في عصرنا هذا الأصابع اليهوديَّة القذرة في مجالاتٍ عديدةٍ من حياة الشُّعوب ، والدُّول ، تلك الأصابع الَّ تي تهدف إلى غايةٍ محدَّدةٍ ، هي (الفساد في الأرض) ، وهذا هو التَّعبير القرانيُّ: {[64. ] إنَّ استعمال الفعل المضارع في الاية ، يدل على التَّجدُّد ، والاستمرار ، فليس سعيهم للفساد مرحلةً تاريخيَّةً انتهت؛ لكنَّ ه قدرهم الكونيُّ إلى يوم يبعثون ، وقد استطاع اليهود أن يهيمنوا على كثير من مقدَّرات الأمم من خلال كيدهم المدروس ، وفي غيبة الوجود الإسلامي ِّ القادر على إحباط مؤامراتهم ، وفضح ألاعيبهم. إنَّ العبقريَّة اليهوديَّة في الهدم ، والتخريب ، ليست موضعَ جدلٍ ، تلك العبقرية الَّتي تستغلُّ الأحداث ، وتستثمرها لمصلحتها. إنَّ لليهود وجوداً مؤث ِّراً في الدُّول الكبرى ، اقتصاديَّ ً ، وسياسي اً ، وإعلامي اً ، ولم يكونوا غائبين في الن ِّظامين العالميين: الرَّأسمالية ، والشيوعية ، ولا عن الثَّورات الكبرى في العالم ، وهناك

عدد الصفحات ١٥٣

عددٌ من المنظَّمات العالمية ، تبذل جهداً ضخماً في تحقيق أهداف اليهود ، أبرزها (الماسونية) ، و(الليونز) ، و(الرُّوتاري) ، و(شهود يهوه)... إلخ. ألا يحسُّ الباحث الواعي: أنَّ في الأمر نوعاً من المبالغة المقصودة ، أو غير المقصودة؟! هذه الصُّورة الجاثمة في عقول الكثيرين: أنَّ اليهود هم الذين يحر ِّكون العالم ، وهم زعماؤه الس ِّياسيُّون ، ومفكروه ، ومبدعوه و... و... وأنَّ الشَّخصيات المهمَّة من غير اليهود ، ما هي إلا «أحجار على رقعة الشَّطرنج» على حد ِّ تعب«وليام غاي كار [»593.]) إنَّ هذا الكمَّ الهائل من الكتب ال تتحدَّث عن اليهود ، ودورهم العالمي الخطير تساهم في تهيئة الجو ِّ للتسليم بالأمر الواقع ، وتمنح تفسيراً جاهزاً لجميع الهزائم الَّتي مُنِّيَتْ 594]) الحضاريَّة ، والعسكرية على حد ٍ سواءٍ إنَّ إحساس النَّاس بأنَّ كلَّ شيءٍ مدبـَّرٌ ، ومُ بـَيَّتٌ ، ومدروسٌ من قِّبَلِّ اليهود ، أو محافلهم يقعد بهم عن المقاومة ، والمواجهة ، والجهاد. وما يقال عن اليهود يمكن أن يقال عن أي ِّ عدو ٍ اخر ، ينتهج سياسة الإرهاب الفكري ِّ ، والعسكري ِّ. هذه الجماعات تجد ـ أحياناً ـ من يـُهَو ِّل من شلنها ، ويعطيها أكبر من حجمها ، فكلُّ من يتحدَّث ـ مثلاً ـ عن هذه الفئة الغالية المنحرفة ، أو يكتب ، أو يحاضر ، فهو مهدَّدٌ في رزقه ، وحياته ، إذاً: فليسكت الجميع حفاظاً على أرزاقهم ، وأرواحهم595]) ليس له حقيقةٌ؛ لأنَّ أولياء الشَّيط ان كيدهم مهما عظُم ، وكبرُ ضعيفٌ. قال تعا يـُقَاتِّلُونَ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ وَالَّذِّينَ كَفَرُوا يـُقَاتِّلُونَ فيِّ سَبِّيلِّ الطَّاغُوتِّ فـَقَاتِّلُوا أَوْلِّيَاءَ الشَّيْطَا نِّ إِّنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِّ كَانَ ضَعِّيفًا[76] قوَّتهم بسبب ضعف إيماننا ، وبـُعْدنا عن منهج رب ِّنا؛ لأنَّ الإيمان الصَّحيح تنهار أمامه جميع المؤامرات ، وتفشل بسببه جميع الخطط ، لكن لا بدَّ من نزع عنصر الخوف الَّذي قتل كثيراً من الهِّمَم ، وأحبط كثيراً من الأعمال. والأحداثُ تؤك ِّد أنَّ (الوهم) قد يقتل. و حين توجد الفئة المؤمنة الصَّابرة يتحطَّم الكيد كلُّه؛ يهوديَّ ً كان أم غير يهودي ٍ أمام عوامل التصد ِّي والنُّهوض. قال تعاتـَتـَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَ يْدُهُمْ شَيـْئًا إِّنَّ اللَََّّ بََِّّا يـَعْمَلُونَ محُِّيطٌ [آل عمران: 120. ] وهذا لا يعني ـ بحالٍ من الأحوال ـ تجاهل قوَّة العدو ِّ ، أو التَّقليل من شلنه ، حتََّّ لو كان عدو اً حقيراً ، فضلاً عن عدو مُدَجَّجٍ ، وقديم (الْمُدَجَّجُ: من عليه سلاحه).

عدد الصفحات ١٥٤

والمطلوب أن نسلك طريق الاعتدال في تقدير حجم العدو ِّ ، فلا نبالغ في تهويل قوَّته بَّا يوهن قوانا ، ويفت ِّت عزيمتنا ، ويُسو ِّغ لنا الهزيمة ، وفي المقابل لا نستهين به ، أو نتجاهل وجوده 596 .]) وستمضي في اليهود وغيرهم سنَّة الله تعا الْمُفْسِّدِّينَ [81. ] * * * المبحث الرَّابع سنَّة التَّدافع وحركة السَّرايَّ أولاً: سنَّة التَّدافع: إنَّ من السُّنن الَّتي تعامل معها النَّبيُّ (ص) ، سنَّةَ التَّدافع ، وتظهر جلي اً في الفتّة المدنيَّة مع حركة السَّرايَّ، والبُعوث، والغزوات الَّتي خاضها النَّبيُّ (ص) ضدَّ المشركين، وهذه السنَّة متعلقةٌ تعلُّقاً وطيداً بالتَّمكين لهذا الد ِّين ، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه العزيز ، وجاء التَّنصيص عليها في قوله تعالى: { }[ 251]يََّرِّهِّمْ بِّغَيرِّْ حَق ٍ إِّلاَّ أَنْ يـَقُولُوا رَبـُّنَا اللََُّّ وَلَوْلاَ دَفْعُ ا النَّاسَ بـَعْضَهُمْ بِّبـَعْضٍ لهَُد ِّمَتْ صَوَامِّعُ وَبِّيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِّدُ يُذْكَرُ فِّيهَا اسْمُ اللََِّّّ كَثِّيرًا وَ لَيـَنْصُرَنَّ اللََُّّ مَنْ يـَنْصُرُهُ إِّنَّ اللَََّّ لَقَوِّيٌّ عَزِّيزٌ[40.] ونلاحظ في اية البقرة: أنهَّا جاءت بعد ذكر نموذج من نماذج الص ِّراع بين الحق ِّ والباطل ، المتمث ِّل هنا طالوتَ وجنوده المؤمنين ، وجالوتَ وأتباعه ، ويذي ِّل الله تعالى الاية بقوله ى الْعَالَمِّينَ[251]«ممَّا يفيد: أنَّ دفع الفساد بهذا الطَّريق ، إنعامٌ يعمُّ النَّاسَ كلَّهم[»597.]) وتأتي اية الحج بعد إعلان الله تعالى: أنَّه يدافع عن أوليائه المؤمنين ، وبعد إذنه لهم ـ سبحانه ـ بقتال عدو ِّهم ، ويختتم الاية بتقريرٍ لقاعدةٍ أساسيَّةٍ: {وَلَيـَنْصُرَنَّ اللََُّّ مَنْ يـَنْصُرُهُ إِّنَّ اللَََّّ لَقَوِّيٌّ عَزِّيزٌ لقد أدرك الصَّحابة هذه السُّنَّة ، وعلموا: أنَّ القضاء على الباطل وتدميره ، لابدَّ له من أمَّةٍ لها قيادةٌ ومنهجٌ ، وقوَّةٌ تدمغ الباطل ، وتزهقه ، وأيقنوا أنَّ الحقَّ يحتاج إلى عزائمَ تنهض به ، وسواعدَ تمضي به ،

عدد الصفحات ١٥٥

وقلوب تحنو عليه ، وأعصاب ترتبط به. لقد علَّمهم النَّبيُّ (ص) كيف يتعاملون مع هذه السُّنَّة ، فاستجابوا لأمر الله تعالى عندما أمرهم بالجهاد في سبيله ، فقد شرع الله ـ عزَّ وجلَّ ـ الجهاد لهذه الأمَّة ، وجعله فري ضةً ماضيةً إلى يوم القيامة ، لا يبطله جورُ جائرٍ ، ولا عدلُ عادل ، وما تركه قومٌ إلا أذلهَّم الله ، وسلَّط عليهم عدوَّهم. وقد شرع الله ـ عزَّ وجلَّ ـ الجهاد على مراحل؛ ليكون أروضَ للنَّفس ، وأكثر ملاءمةً للطَّبع البشري ، وأحسن موافقةً لِّسَيرِّْ الدَّعوة ، و طريقة تخطيطها 598]) المرحلة الأولى: الحظر ، وذلك عندما كان المسلمون في مكَّة ، وكانوا يطالبون النَّبيَّ (ص) بالإذن لهم القتال ، فيجيبهم (ص) : «اصبروا؛ فإني ِّ لم أُؤمر بالقتال »[4/199([])599.]) المرحلة الثانية: الإذ ن به من غير إيجابٍ. قال تعا نَصْرِّهِّمْ لَقَدِّيرٌ[39. ] المرحلة الثالثة: وجوب قتال من قاتل المسلمين. قال تعامْ وَلاَ تـَعْتَدُوا إِّنَّ اللَََّّ لاَ يحُِّبُّ الْمُعْتَدِّينَ [190. ] المرحلة الرابعة: فرض قتال عموم الكفَّار على المسلمين. قال تعا يـُقَاتِّلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَََّّ مَعَ الْمُتَّقِّينَ }* [36. ] إنَّ هذا التدرُّج في حكم القتال ، كان يقتضيه وضعُ الدَّولة الإسلاميَّة الناشئة ، وحالة الجيش الإسلامي الَّذي كان اخذاً في التَّكوين ، من حيث العَدد ، والعُدد والتَّدريب ، وما إلى ذلك ، فكان لابُدَّ من مُضي ِّ فتّةٍ من الوقت ، يكون الت عرُّضُ فيها لأعداء الدَّعوة الإسلاميَّة من كفَّار قريش ـ الَّذين اذوا المسلمين ، واضطروهم إلى الخروج من ديَّرهم .. يكون فيها ذلك التعرُّض لأعداء الدَّعوة ، إنمَّا هو على سبيل الاختيار ، لا على سبيل الإجبار ، وذلك إلى أن يَصْلُب عودُ الدَّولة الإسلاميَّة ، و يشتدَّ بأسُها ، بحيث تستطيع الصُّمود أمام قوى الكفر في الجزيرة العربيَّة ، حتََّّ لو عملت قريش على تأليبها ضدَّ المسلمين ، كما وقع فيما بعد! وحينئذٍ يأتي وجوب القتال ، في حالةٍ تكون فيها أوضاع الدَّولة الإسلاميَّة ، والجيش الإسلامي ، على أُهْبَةِّ الاستعداد لمواجهة الاحتمالات كافَّةً ، هذا فيما يتَّصل بالقتال الَّذي يتعرَّض فيه المسلمون لكفَّار قريش ، جاء النَّصُّ بالإذن ، أي بالإباحة ، لا بالوجوب ، أمَّا في حالة ما لو تعرَّض المسلمون ـ وهم في دولتهم في المدينة ـ لهجوم الأعداء عليهم؛ فالقتال هنا فرضٌ ، لا مجا ل فيه للخيار ، وليس مجرَّد أمرٍ ملذون فيه ، وذلك تطبيقاً لبيعة الحرب ، بيعة العقبة

عدد الصفحات ١٥٦

الثَّانية ، الَّتي أوجبت على الأنصار حرب الأحمر ، والأسود من النَّاس ، في سبيل الذَّود عن الدَّعوة الإسلاميَّة ، وصاحبها (ص) ، وأتباعها600.]) ومع نزول الإذن بالقتال شرع ر سولُ الله (ص) في تدريب أصحابه على فنون القتال ، والحروب ، واشتّك معهم في التَّمارين ، والمناورات ، والمعارك ، وعَدَّ السَّعي في هذه الميادين من أجل ِّ القربات ، وأقدس العبادات؛ التي يـُتـَقَرَّب بها إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ وقد قام النَّبيُّ (ص) بتطبيق قول الله تعالى: {آخَرِّينَ مِّنْ دُونهِِّّمْ لاَ تـَعْلَمُونـَهُمُ اللََُّّ يـَعْلَمُهُمْ وَمَا تـُنْفِّقُوا مِّنْ شَيْءٍ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ يـُوَفَّ إِّلَيْكُمْ وَأَنـْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [ 60] والتَّدريب العملي 1 ـ التَّوجيه المعنوي كان (ص) يسعى إلى رفع معنويَّت المجاهدين؛ فيمنحهم أملاً يقيني اً بالنَّصر ، أو الجنَّة ، ومنذ تلك اللَّحظات وفيما بعد ، ظلَّ هذا (الأمل) يحدو الجنديَّ المسلم في ساحات القتال ، ويدفعه إلى بذل كل ِّ طاقاته النَّفسيَّة ، والجسدية ، والفن ِّيَّة من أجل كسب المعارك ، أو الموت تحت ظلال السُّيوف601 ]) ، فمن أقواله (ص) في حث أصحابه على الجهاد: «والَّذي نفسي بيده! لولا أنَّ رجالاً من المؤمن تَطيبُ أنفسُهم أن يتخلَّفوا عني ِّ ، ولا أجد ما أحملهم عليه؛ ما تخلَّفت عن سريَّةٍ تغدو في سبيل الله ، والذي نفسي بيده! لوددت أني ِّ أُقتلُ في سبيل الله ، ثمَّ أُحيا ، ثم أُقتل ، ثمَّ أُ حْيا ، ثمَّ أُقتل ، ثمَّ أُحيا ، ثمَّ أقتلُ »[2797) والنسائي6/8])«ما أحدٌ يدخلُ الجنةَ ، يحُب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء ، إلا الشهيدُ؛ يتمنَّ أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل عشر مراتٍ؛ لما يرى من الكرامة »[2817) ومسلم1877/109. ]) 2 ـ التَّدريب العملي سعى النَّبيُّ (ص) إلى اعتماد كل ِّ طاقات الأمَّة القادرة على البذل ، والعطاء ، رجالاً ، ونساءً ، وصبياناً ، وشباباً ، وشيوخاً ، وإلى التَّمرُّس على كل ِّ مهارةٍ في القتال ، طعناً بالرُّمح ، وضرباً بالسَّيف ، ورمياً بالنَّبل ، ومناورةً على ظهور الخيل ، وكان (ص) يمزج خَطَّي التَّّبية العسكريَّة المتوازنين: التَّوجيه ، والتدريب ، والأمل في النَّصر ، أو الجنة ، وتقديم الجهد في ساحات القتال ، ويحضُّ المسلمين على إتقان ما تعلَّموا من فنون الر ِّماية. قال رسول الله (ص) : «من عَلِّمَ الرَّمي ثمَّ تركه؛ فليس منَّا ، أو: قدْ

عدد الصفحات ١٥٧

عَصَى»[1919) وأحمد4/148) وابن ماجه2814]) وحتََّّ مَنْ دخلوا في سن ِّ الشيخوخة ، للتَّدريب على إصابة الهدف ، ومهارة اليد ، ونشاط الحركة. إنَّ الإسلام يهتمُّ بطاقات الأ مَّة جميعها ، ويوج ِّهها نحو المعالي ، وعلو ِّ الهمَّة. وكان (ص) يهتمُّ بالأعداء على حسب كل ِّ ظرفٍ وحالٍ ، ويحثُّ على كل ِّ وسيلةٍ يستطيعها المسلمون ، وقد ثبت عنه (ص) : أنَّه قال: «وأعد ِّوا لهم ما استطعتم من قوة: ألا إنَّ القوَّة الرَّمي! ألا إنَّ القوَّة الرَّ ميُ! ألا إنَّ القوَّة الرَّميُ! »[1917) وأبو داود1514) والتّمذي3083) وابن ماجه (2883. ]) إنَّ القران الكريم ، والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة يعلمان المسلمين الإعداد على الأصعدة المعنويَّة ، والماد ِّيَّة كافَّةً ، وأن يأخذوا حذرهم. قال تعالى: { [71] ذلك جميع أنواع الإعداد؛ المتعل ِّقة بالأسلحة ، والأبدان ، وتدريب المجاهدين على أنواع الأسلحة ، وكيفيَّة استعمالها ، وتوجيههم إلى ما يعينهم على جهاد عدوهم ، والسَّلامة من مكائده ، والله ـ عزَّ وجلَّ ـ أطلق الأمر بالإعداد ، وأخْذِّ الحذر ، ولم يذكر نوعاً دون نوعٍ ، ولا حالاً دون حالٍ ، وما ذلك إلا لأنَّ الأوقات تختلف ، والأسلحة تتنوَّع ، والعدوَّ يقلُّ ويكثر ، ويضعف ويقوى. كان الجهاد في فهم الصَّحابة مدرسةً عظيمةً في تزكية النَّفس ، وأيقنوا: أنَّه لكي يثمر الجهاد ثمراته المرجوَّة ، فعليهم أن يخلصوا لله سبحانه في جهادهم ، وأن يعملوا بَّا امنوا به ، ودعوا النَّاس إليه ، فقد بينَّ لهم ا لرَّسول (ص) خطورة الر ِّيَّء في الأعمال. فقد قال (ص) : «إنَّ أوَّل النَّاس يـُقْضى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهدَ ، فلُتي به ، فعرَّفه نِّعَمَهُ ، فعَرَفَها ، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتََّّ استُشْهِّدتُ ، قال: كَذبت! ولكنَّك قاتلت؛ لأن يُقال: جَرِّيءٌ ، فقد قيل ، ثمَُّ أُمِّرَ به فسُحِّبَ على وجهه؛ حتََّّ أُلقي في النَّار ، ورجلٌ تعَلَّمَ العلمَ ، وعلَّمه ، وقرأ القران ، فلُتي به ، فعرَّفه نِّعَمَهُ ، فـَعَرَفها ، قال: فما عَمِّلْتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلمَ ، وعلَّمتُه ، وقرأتُ فيك القران ، قال: كذبتَ! ول كنَّك تعلَّمت العلمَ؛ ليقال: عالمٌ ، وقرأتَ القران؛ ليقال: هو قارىءٌ ، فقد قيل ، ثمَّ أُمر به ، فسُحب على وجهه ، حتََّّ أُلقي في النَّار ، ورجلٌ وسَّع الله عليه ، وأعطاه من أصناف المال كل ِّه ، فلُتي به ، فعرَّفه نِّعَمَهُ ، فـَعَرَفَها ، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يـُنـْفَقَ فيه إلا أنفقت فيها

عدد الصفحات ١٥٨

لك. قال: كذبتَ! ولكنَّك فعلت؛ ليقال: هو جَوَادٌ ، فقد قيل ، ثمَّ أُمر به ، فسُحب على وجهه ، أُلقي في النَّار»[1905) وأحمد2/322) والنسائي6/23. ]) ولذلك أخلص الصَّحابة في جهادهم لله تعالى؛ طمعاً في ثوابه ، وخوفاً من عقابه ، فكان كلامهم لله ، وأنفقوا أموالهم ابتغاء مرضاة الله ، وقدَّموا أنفسهم دفاعاً عن دين الله ، ومن أجل إعلاء كلمة الله تعالى ، وكان لجهاد الصَّحابة في سبيل الله تعالى اثارُه العظيمة في تزكية نفوسهم ، والَّتي تتجلَّى في الجوانب التَّالية: (أ) تحرير النَّفس من حب ِّ الحياة ، والتَّعلُّق بها: الجهاد في سبيل الله تدريبٌ عمليٌّ على الزُّهد في الدُّنيا ، والتَّطلُّع إلى الاخرة ، والتَّشوُّق لما أعدَّه الله لعباده في الجنَّة ، وهذا من أعظم ما يهدف إليه المنهج الإسلاميُّ في تزكية النَّفس؛ فالمجاهد يبيع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته ، والله سبحانه واهب الأنفس ، والأموال ، ومالكُها ، يكرم عباده المجاهدين بأن يشتّي منهم ما وهبهم؛ إذا بذلوها في سبيله602.]) قال تعامْ بأَِّنَّ لهَُمُ الجَْنَّةَ يـُقَاتِّلُونَ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ فـَيـَقْتـُلُونَ وَيـُقْتـَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِّ حَقًّا فيِّ التـَّوْرَاةِّ وَالإِّنجِّْيلِّ وَالْقُرْآنِّ وَمَنْ أَوْفََّ بِّعَهْدِّهِّ مِّنَ اللََِّّّ فَاسْ تـَبْشِّرُوا بِّبـَيْعِّكُمُ الَّذِّي باَيـَعْتُمْ بِّهِّ وَ ذَلِّكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِّيمُ *التَّائِّبُونَ الْعَابِّدُونَ الحَْامِّدُونَ السَّائِّحُونَ الرَّاكِّعُونَ السَّاجِّدُونَ الآمِّرُ ونَ باِّلْمَعْرُوفِّ وَالنَّاهُونَ عَنِّ الْمُنْكَرِّ وَالحَْافِّظُونَ لحُِّدُودِّ اللََِّّّ وَبَش ِّرِّ الْمُؤْمِّنِّينَ [111 ـ112] . (ب) تمحيص النَّفس ، وتدريبها على الصَّبر ، والفداء أيقن الصَّحابة الكرام من تربية النَّبي ِّ (ص) لهم: أنَّ الجنَّة محفوفةٌ بالمكاره ، ولا تُنال براحة البدن ، ولابدَّ من تعويد النَّفس على المشاق ِّ ، والص ِّعاب؛ ليقوى بنيانها ، وتصمد في وجه الشَّدائد ، والأهوال ، وتدع الخمول ، والكسل ، والتَّواني ، وتعلَّمُوا من القران الكريم: أنَّ حكمة الله سبحانه اقتضت أن تتعرَّض النُّفوس للتَّمحيص؛ ليظهر ثباتها ، ويستقيم حالها ، وأنَّ ميدان الجهاد من أكبر الميادين لهذا التمحيص603.]) قال تعاحٌ فـَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قـَرْحٌ مِّثـْلُهُ وَتِّلْكَ الأَيََّّمُ نُدَاوِّلهَُا بـَينَْ النَّاسِّ وَلِّيـَعْلَمَ اللََُّّ الَّذِّينَ آمَنُوا وَيـَتَّخِّذَ مِّنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللََُّّ لاَ يحُِّبُّ الظَّالِّمِّينَ *وَلِّيُمَح ِّصَ اللََُّّ الَّذِّينَ آمَنُوا وَيمَْحَقَ الْكَافِّرِّينَ *أَمْ حَسِّبـْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَْنَّةَ وَلَمَّا يـَعْلَمِّ اللََُّّ الَّذِّينَ جَاهَدُوا مِّنْكُمْ وَيـَعْلَمَ الصَّابِّرِّينَ *وَلَقَ دْ كُنـْتُمْ تمََنـَّوْنَ الْمَوْتَ مِّنْ قـَبْلِّ أَنْ تـَلْقَوْهُ فـَقَدْ رَأَيـْتُمُوهُ وَأَنـْتُمْ تـَنْظُرُونَ [عمرا ن: 140 ـ143. ]

عدد الصفحات ١٥٩

(ج) الجهاد عزَّةٌ للنَّفس ، وقوَّةٌ لها وتعلَّم الصَّحابة رضي الله عنهم من الهدي النَّبوي ِّ الكريم: أنَّ الجهاد في سبيل الله تعالى وسيلةٌ عظيمةٌ لتنمية العزَّة في نفس المسلم ، وتقوية كيانها ، وتطهيرها من الذ ِّلَّة ، والمهانة ، والخمول ، وغير ذلك من الص ِّفات المهلكة للفرد ، والمجتمع ، فقد بينَّ لهم سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أنَّ المؤمن عزيز الجانب؛ لأنَّه يستمدُّ العزَّة من إيمانه بربه ، وتمسُّكه بدينه؛ قال تعا وَلِّلْمُؤْمِّنِّينَ وَلَكِّنَّ الْمُنَافِّ قِّينَ لاَ يـَعْلَمُونَ[8. ] فإذا تخلَّى المسلم عن الجهاد ، وشُغل بالدُّنيا عن الاخرة؛ تعوَّدت نفسه الذ ِّلَّة ، والهوان ، والاستكانة ، والخُنُوع (أي: الذُّلَّ ، والخضوع) قال (ص) : «إذا تبايعتم بالعينة 604]) البقر605])م بالزَّرع ، وتركتُم الجهاد ، سلَّط الله عليكم ذلاً ، لا ينزعه حتََّّ ترجعوا إ دينكم»[3462) وأحمد2/42 و84. ]) ويخُشى على منْ جعل الدُّنيا أكبر هم ِّه ، ومبلغ علمه ، ولا يعمل إلا لها ، ولا يفكر إلا من أجلها أن يكون ممَّن قال الله تعالى فيهمنَّ الَّذِّينَ لاَ يـَرْجُونَ لِّقَاءَناَ وَرَضُوا باِّلحَْيَاةِّ الدُّنـْيَا وَاطْمَلَنُّوا بهَِّا وَالَّذِّينَ هُمْ عَنْ آيََّتِّنَا غَافِّلُونَ *أُولَئِّكَ مَلْوَاهُمُ النَّارُ بََِّّا كَانُوا يَكْسِّبُونَ [7 ـ8. ] وقد قال (ص«مَنْ مات؛ ولم يـَغْزُ ، و يحَُد ِّث به نـَفْسَه؛ مات على شعبةٍ من نفاقٍ »[ (1910) وأحمد2/374) وأبو داود2502) والنسائي6/8. ]) إنَّ الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم ، سلكوا طريق الجهاد بأنواعه ، وبذلك حظوا بالبشارة العظمى ، وهي قوله تعايـَنـَّهُمْ سُبـُلَنَا وَإِّنَّ اللَََّّ لَمَعَ الْمُحْسِّنِّينَ [69 ] . ثانياً: من أهداف الجهاد في سبيل الله تعا 1 ـ حماية حرية العقيدة قال تعاإِّنَّ اللَََّّ بََِّّا يـَعْمَلُونَ بَصِّيرٌ *وَإِّنْ تـَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَََّّ مَوْلاَكُمْ نِّعْمَ الْمَوْلىَ وَنِّعْمَ النَّصِّيرُ [39 ـ40. ] قال صاحب الظ ِّلال«هناك واجبٌ اخر على الجماعة المسلمة ، وهو أن تحَُط ِّم كلَّ قوَّةٍ تعتّض طريق الدَّعوة ، وإبلاغها للنَّاس في حر ِّيَّةٍ ، أو تهد ِّد حرية اعتناق العقيدة ، وتفتن النَّاس عنهـا ، وأن تـظلَّ تجاهد حتََّّ تصبح الفتنـة للمؤمنين بالله غير ممكنةٍ لقوَّةٍ في الأرض ، ويكون الد ِّين لله؛ لا بَّعنَّ إكراه

عدد الصفحات ١٦٠

الناس على الإيمان ، ولكن بَّعنَّ استعلاء دين في الأرض ، بحيث لا يخشى أن يدخل فيه من يريد الدُّخول ، ولا يخاف قوَّةً في الأرض تصدُّه عن دين الله أن يبلغـه ، وأن يستجيب له ، وأن يبقى عليه ، وبحيث لا يكون في الأرض وضعٌ ، أو نظامٌ يحجب نور الله وهداه عن أهله ، ويضلَّهم عن سبيل الله بأيَّة وسيلةٍ ، وبأيَّة أداةٍ ، وفي حدود هذه المبادأى العامَّة كان الجهاد في الإسلام. إنَّه الجهاد للعقيدة ، لحمايتها من الحصار ، وحمايتها من الفتنة ، وحماية منهجها ، وشريعتها في الحياة ، وإقرار رايتهـا في الأرض؛ بحيث يَـرْهَبُها من يهمُّ بالاعتـداء عليهـا ، وبحيث يلجـل إليها كلُّ راغبٍ فيهـا ، لا يخشى قـوَّةً أخرى في الأرض تتعرَّض لـه ، أو تمنعه ، أو تفتنه. وهذا هو الجهاد الوحيد الَّذي يأمر به الإسلام ، ويقرُّه ، ويثبت عليه ، ويـَعْتَبرِّ الَّذين يقاتلون فيه شهداء ، والَّذين يحَْتَمِّلون أعباءه أولياء[»606.]) 2 ـ حماية الشَّعائر ، والعبادات: قال تعا يـُقَاتـَلُونَ بأَِّنـَّهُمْ ظُلِّمُوا وَإِّنَّ اللَََّّ عَلَى نَصْرِّهِّمْ لَقَدِّيرٌ *الَّذِّينَ أُخْرِّجُوا مِّنْ دِّيََّرِّهِّ مْ بِّغَيرِّْ حَق ٍ إِّلاَّ أَنْ يـَقُولُوا رَبـُّنَا اللََُّّ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللََِّّّ النَّاسَ بـَعْضَهُمْ بِّبـَعْضٍ لهَُد ِّمَتْ صَوَامِّعُ وَبِّيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِّدُ يُذْكَرُ فِّيهَا اسْمُ اللََِّّّ كَثِّ يرًا وَلَيـَنْصُرَنَّ اللََُّّ مَنْ يـَنْصُرُهُ إِّنَّ اللَََّّ لَقَوِّيٌّ عَزِّيزٌ *الَّذِّينَ إِّنْ مَكَّنَّاهُمْ فيِّ الأَرْضِّ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتـَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا باِّلْمَعْ رُوفِّ وَنـَهَوْا عَنِّ الْمُنْكَرِّ وَللََِِّّّّ عَاقِّبَةُ الأُمُور[38 ـ41. ] قال النَّسفي ـ رحمه الله! ـ «أي: لولا إظهاره ، وتسليطه المسلمين على الكافرين بالمجاهدة؛ لاستولى المشركون على أهل الملل المختلفة في أزمنتهم ، وعلى متعبَّداتهم ، فهدموها ، ولم يتّكوا للنَّصارى بيعاً ، ولا لرهبانهم صوامع ، ولا لليهود صلواتٍ؛ أي: كنائس ، ولا للمسلمين مساجد ، أو لغلب المشركون في أمَّة محمَّ دٍ (ص) على المسلمين، وعلى أهل الكتاب الَّذين في ذمَّتهم، وهدموا متعبَّدات الفريقين ، وقدَّم غير المساجد عليها؛ لتقدُّمها وجوداً ، أو لقربها من التَّهديم[»607.]) 3 ـ دفع الفساد عن الأرض قال تعاا أَفْرِّغْ عَلَيـْنَا صَبـْرًا وَثـَب ِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْناَ عَلَى الْقَوْمِّ الْكَافِّرِّينَ *فـَهَزَمُوهُمْ بإِِّّذْنِّ اللََِّّّ وَقـَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتاَهُ اللََُّّ الْمُلْكَ وَالحِّْكْمَةَ وَعَلَّمَهُ ممَِّّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللََِّّّ النَّاسَ بـَعْضَهُمْ بِّبـَعْضٍ لَفَسَدَتِّ الأَرْضُ وَلَكِّنَّ اللَََّّ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِّينَ *تِّلْكَ آيََّتُ اللََِّّّ نـَتـْلُوهَا عَلَيْكَ باِّلحَْق ِّ وَإِّنَّكَ لَمِّنَ الْمُرْسَلِّينَ [250 ـ252. ]

عدد الصفحات ١٦١