لم يعرف تاريخ البشر كلُّه حادثاً جماعي اً ، كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين، بهذا الحب ِّ الكريم ، وبهذا البذل السَّخي ِّ ، وبهذه المشاركة الفعَّالة ، وبهذا التَّسابق إلى الإيواء ، واحتمال الأعباء ، فقد طُب ِّقت الأخوَّة في الواقع العملي ِّ لحياة الصَّحابة رضي الله عنهم. إنَّ ما أقامه الرَّسول (ص) بين أصحابه من مبدأ تاريخي ٍ لم يكن مجرَّد شعارٍ في كلمةٍ أجراها على ألسنتهم؛ وإنمَّا كان حقيقةً عمليَّةً ، تتَّصل بواقع الحياة ، وبكل ِّ أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين ، فقد جعل النَّبيُّ (ص) من هذه الأخوة مسؤوليَّةً حقيقيَّةً ، تشيع بين هؤلاء الإخوة ، وكانت هذه المسؤوليَّة تؤدَّى فيما بينهم على خير وجهٍ ، ولذلك جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ حقَّ الميراث منوطاً بهذا التَّـاخي دون حقوق القرابة والرَّحم ، فقد كان من حكمة التَّشريع أن تتجلَّى الأخوَّة الإسلاميَّة حقيقةً محسوسةً في أذهان المسلمين ، وأن يعلموا أنَّ ما بين المسلمين من التاخي والتَّحابب ، ليس شعاراً ، وكلاماً مجرَّدين؛ وإنمَّا هي حقيقةٌ قائمةٌ ، ذات نتائج اجتماعيَّةٍ محسوسةٍ ، تكو ِّن أهمَّ أسس نظام العدالة الاجتماعيَّة. أمَّا حكمة نسخ التَّوارث على أساس هذه الأخوَّة فيما بعد ، فهي أنَّ نظام الميراث الَّذي استقرَّ أخيراً إنمَّا هو نفسه قائم على أخوَّة الإسلام ب ين المتوارثين؛ إذ لا توارث بين ذوي دينين مختلفين؛ إلا أنَّ الفتّة الأولى من الهجرة ، وضعت كلاً من الأنصار والمهاجرين ، أمام مسؤوليَّةٍ خاصَّةٍ من التعاون ، والتَّناصر ، والمؤانسة؛ بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم ، وتركهم ديَّرهم ، وأموالهم في مكَّة ، ونزولهم ضيوفاً على إخوانهم الأنصار في المدينة ، فكان من إقامة الرَّسول (ص) من التَّـاخي بين أفراد المهاجرين ، والأنصار ضمانةٌ لتحقيق هذه المسؤوليَّة ، ولقد كان من مقتضى هذه المسؤوليَّة أن يكون هذا التاخي أقوى في حقيقته ، وأثره من أُخوَّة الرَّحم المجرَّدة ، فلمَّا استقرَّ أمر المهاجرين في المدينة ، وتمكَّن الإسلام فيها؛ غدت الرُّوح الإسلاميَّة هي وحدها العصب الطَّبيعيُّ للمجتمع الجديد في المدينة456.]) ولمَّا ألِّفَ المهاجرون جوَّ المدينة ، وعرفوا مسالك الر ِّزق فيها ، وأصابوا من غنائم بدرٍ الكبرى ما كفاهم؛ رجع التَّ وارث إلى وضعه الطَّبيعي ِّ ، المنسجم مع الفطرة البشريَّة ، على أساس صلة الرَّحم ، وأبطل التَّوارث بين المتاخين ، وذلك بنص ِّ القران الكريم. قال تعا مَعَكُمْ فَلُولَئِّكَ مِّنْكُمْ وَأُولُو الأَرْحَامِّ بـَعْضُهُمْ أَوْلىَ بِّبـَعْضٍ فيِّ كِّتَابِّ اللََِّّّ إِّنَّ اللَََّّ بِّكُل ِّ شَيْءٍ عَلِّيمٌ [75.]
عدد الصفحات ١١٤فهذه الاية نسخت التَّوارث بَّوجب نظام المؤاخاة457]) المتاخ458]) ذلك عند قوله تعا الْوَالِّدَانِّ وَالأَقـْرَبُونَ وَالَّذِّينَ عَقَدَتْ أَيمَْانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِّيبـَهُمْ إِّنَّ اللَََّّ كَانَ عَلَى كُل ِّ شَيْءٍ شَهِّيدًا [33. ] قال {} قال: ورثةً{ وَالَّذِّينَ عَقَدَتْ أَيمَْانُكُمْ كان المهاجرون لمَّا قدموا المدينة يرثُ المهاجرُ الأنصاريَّ دون ذوي رحمه؛ للأُخوة الَّتي اخى النَّبيُّ (ص) بينهم ، فلمَّا نزلت { مَوَاليَِّ ؛ نسخت، ثمَّ قالأَيمَْانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِّيبـَهُمْ [459]) النصر، والر ِّفادة والنَّصيحة ، وقد ذهب الميراثُ ، ويُوصي له 2292 و4580 و6747) وأبو داود (2922) والنسائي في السنن الكبرى11037. ]) 6 ـ قيمٌ إنسانيَّة ومبادأى مثاليَّةٌ من خلال الرَّوابط الوثيقة الَّ تي ألَّفَتْ بين المهاجرين ، والأنصار أُرْسِّيَتْ قيمٌ إنسانيَّـةٌ ، واجتماعيَّـةٌ ، ومبادأى مثاليَّـةٌ لا عهد للمجتمع القبلي ِّ بها؛ وإنمَّا هي من شلن المجتمعات المتحض ِّرة الفاضلة ، وفي مقدمة تلك القيم قيمة العمل الشَّريف كوسيلةٍ لكسب الر ِّزق ، فلقد قَبِّلَ المهاجرون في أوَّل الأمر ما أظهره إخوانهم الأنصار من كرم الضيافة ، ولكنَّهم أبوا بعد ذلك إلا أن يبحثوا عن موارد رزقٍ لهم ، ولا يُعو ِّلُوا على رابطة المؤاخاة الَّتي سعد بها الأنصار ، فكان منهم من اشتغل بالت ِّجارة ، ومنهم من عمل بالز ِّراعة ، مستعذبين متاعب العمل على أن يكونوا عالةً على إخوانهم؛ ذلك لأنَّ عزَّة الإيمان لا ترضى لصاحبها أن يكون عالةً على أحدٍ ، بل تطلب منه أن يعطي أكثر ممَّا يأخذ ، فاليد العليا خيرٌ ، وأحبُّ إلى الله من اليد السُّفلى ، وقد فهم الصَّحابة الكرام من تعاليم الإسلام: أنَّ العمل عبادةٌ ، وهي منزلةٌ لم تصل إليها النُّظم المعاصرة ، الَّتي قصرت فائدتها على سد ِّ حاجات الإنسان الماد ِّيَّة والمعنويَّة ، وفي ضوء هذا المفهوم الإسلامي ِّ نستطيع أن نقول: إنَّ الإخاء ، والعمل كانا حَجَرَ الزَّاوية في بناء مجتمع دار المهجر ، وبالتَّالي في تأسيس الحضارة الإسلامي ة؛ الَّتي بُنيت أصولها في المدينة بعد إقامة أوَّل دولةٍ في الإسلام ، برئاسة النَّبي ِّ (ص) ، ثمَّ ترعرعت حتََّّ أصبحت شجرةً يتفيَّل ظلالهَا العالمُ كلُّه 460.]) 7 ـ تذويب الفوارق الإقليمية والقبلية
عدد الصفحات ١١٥إنَّ القضاء على الفوارق الإقليميَّة ، والقبليَّة ، ليس بالأمر الهين ِّ في المجتمعات الجاهليَّة؛ حيث العصبية هي الد ِّين عندهم ، وعملية المؤاخاة تهدف إلى إذابة هذه الفوارق بصورةٍ واقعيَّةٍ ، منطلقةٍ من قلب البيئة الجاهليَّة. إنَّ من الأمراض في الصَّف ِّ الإسلامي ِّ المعاصر ، سيطرةَ الرُّوح الإقليميَّة ، والعصبيَّة في نفوس بعض الدُّعاة ، وهذه الأمراض تحول بينهم وبين التَّمكين ، وتُضعف الصُّفوف؛ بل تُشت ِّتها ، وينشغل الصَّفُّ بنفسه عن أهدافه الكبار. وقد أصيبت بعض الحركات الإسلاميَّة بداء العصبية الإقليميَّة ، والعصبيَّة الشَّخصيَّة ، والعصبية القُطريَّة ، و العصبية حتََّّ على مستوى المدينة ، والقرية الصَّغيرة 461]) تولَّد هذا عن أمراضٍ في نفوس بعض الأفراد ، بسبب بـُعْدِّهم عن القران الكريم ، وسنَّة سي ِّد المرسل (ص) ، فلم يتّبَّوا عليها؛ ولذلك كثر التَّناحر ، والتَّباغض. إنَّ المسلمين اليوم في أشد ِّ الحاجة إلى مثل هذه المؤاخاة؛ الَّتي حدثت بين المهاجرين ، والأنصار؛ لأنَّه يستحيل أن تُسْتَلْنف حياةٌ إسلاميَّةٌ عزيزةٌ قويَّةٌ؛ إذا لم تتخلَّق المجتمعات الإسلاميَّة بهذه الأخلاق الكريمة ، وترتقي إلى هذا المستوى الإيماني ِّ الرَّفيع ، وإلى هذه التَّضحيات الكبيرة ، وأمَّا المظاهر الزَّائفة من الأخوة (بالل ِّسان)؛ فلا تجدي فتيلاً. إنَّ الفرد المسلم حين يشعر: أنَّ له إخوةً يحبُّهم ، ويحبُّونه ، وينصرهم ، وينصرونه ، خاصَّةً إذا تفاقمت الأزمات ، وضاقت عليه الأرض بَّا رَحُبَتْ ، فإنَّ هذا ممَّا يرفع من رُوحه المعنويَّة؛ بل ويرفع قدراته الذَّاتية ، ويجعله أقوى مضاءً ، وعزيمةً ، وإنَّ فقدان مثل هذه المؤاخاة ، ممَّا يضعف الصفَّ الإسلاميَّ ، ويجعل الفرد المسلم يشعر أحياناً: أنَّه وحيدٌ أمام أعداء يكنُّون له كلَّ حقدٍ ، ويحيطون به من كل ِّ جانبٍ ، فكيف يستطيع حمل كل ِّ هذه الضُّ غوط النَّفسيَّة والماد ِّيَّة؟462.]) وقد حفظ لنا التَّاريخ جهاد المجتمع المسلم مع أعدائه ، بعد تحقيق وحدته الاجتماعيَّة ، وهو لا يزال دَوْرِّ نشلته ، وتكوينه ، وكثيراً من المحاولات الإفساديَّة ، الَّتي كان الأعداء يدب ِّرون مكايدها؛ ليشعلوا بها نيران ا لفتن بين صفوف المجتمع المسلم ، ليفر ِّقوا جمعه ، ويفك ِّكوا وحدته ، ولكنَّ هذه المحاولات الإفسادية كانت تبوء بالخسران؛ لأنهَّا كانت تصطدم بقوَّة تماسك المجتمع المسلم ، في تركيبه الإيماني ِّ والاجتماعي ِّ ، فيذيبها في تلك القوَّة ، الَّتي جعلت من تركيبه الاجتماعي ِّ وحدةً مدمجَّة العناصر دمجاً لا يقبل التَّفريق ، ولا تنفصم عراه ، ولا تحَُلُّ روابطه463.]) 8 ـ المؤاخاة بين المسلمين من أسباب التَّمكين المعنويَّة
عدد الصفحات ١١٦إنَّ من أسباب التَّمكين المعنويَّة العملَ على تربية الأفراد تربيةً ربانيَّةً ، وإعداد القيادة الرنيَّة ، ومحاربة أسباب الفُرْقة ، والأخذ بأصول الوحدة ، والاتح ِّاد 464.]) وأهمُّ أصول الوحدة ، والاتح ِّاد وحدةُ العقيدة ، وصدق الانتماء إلى الإسلام ، وطلب الحق ِّ ، والتَّحري في ذلك ، وتحقيق الأخوَّة بين أفراد المسلمين. إنَّ من الأصول العظيمة؛ التي تحق ِّق وحدة الصَّف ، وقوَّة التَّلاحم ، ومتانة التَّماسك بين أفراد المسلمين تحقيق الأخوَّة في أوساطهم. إنَّ الأُخوَّة منحةٌ من الله ـ عزَّ وجلَّ ـ يعطيها الله للمخلصين من عباده ، والأصفياء ، والأتقياء من أوليائه ، وجنده. قال تعا وكَ فَإِّنَّ حَسْبَكَ اللََُّّ هُوَ الَّذِّي أَيَّدَكَ بِّنَصْرِّهِّ وَباِّلْمُؤْمِّنِّينَ *وَأَلَّفَ بـَينَْ قـُلُوبهِِّّمْ لَوْ أَنـْفَقْتَ مَا فيِّ الأَرْضِّ جمَِّيعًا مَا أَلَّفْتَ بـَينَْ قـُلُوبهِِّّمْ وَ لَكِّنَّ اللَََّّ أَلَّفَ بـَيـْنـَهُمْ إِّنَّهُ عَزِّيزٌ حَكِّيمٌ[فال62 ـ63.] وهي قوَّةٌ إيمانيَّةٌ ، تورث شعوراً عميقاً بعاطفةٍ صادقةٍ ، ومحبَّةٍ وود ٍ ، واحتّامٍ ، وثقةٍ متبادلةٍ مع كل ِّ مَنْ تربطنا بهم عقيدة التَّوحيد ، ومنهج الإسلام الخالد ، يتبعها ، ويستلزمها تعاونٌ ، وإيثارٌ ، ورحمةٌ ، وعفوٌ ، وتسامحٌ ، وتكافلٌ ، وتازرٌ ، وهي ملازمةٌ للإيمان. قال تعا أَخَوَيْكُمْ وَاتـَّقُوا اللَََّّ لَعَلَّكُمْ تـُرْحمَُونَ[10. ] ولا يذوق حلاوة الإيمان ، إلا من أشرب هذه الأُخوَّة. قال (ص«ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوةَ الإيمان: أن يكون اللهُ ، ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهما ، وأن يحُبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يـُقْذَفَ في النَّار »[16) ومسلم43. ]) إنَّ القران الكريم يرسم لنا صورةً جميلةً لأصحاب رسول الله (ص . قال تعالى: {محَُّمَّدٌ رَّسُولُ اللََِّّّ وَالَّذِّينَ مَعَهُ أَشِّدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِّ رُحمََاءُ بـَيـْنـَهُمْ تـَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يـَبـْتـَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللََِّّّ وَرِّضْوَاناً سِّيمَاهُمْ فيِّ وُجُوهِّهِّمْ مِّنْ أَثَرِّ السُّجُودِّ ذَلِّكَ مَثـَلُهُمْ فيِّ التـَّوْرَاةِّ وَمَثـَلُهُمْ فيِّ الإِّنجِّْيلِّ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتـَغْلَظَ فَاسْتـَوَى عَلَى سُوقِّهِّ يـُعْجِّبُ الزُّرَّاعَ لِّيَغِّيظَ بهِِّّمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللََُّّ الَّذِّينَ آمَنُوا وَعَمِّلُوا الصَّا لحَِّاتِّ مِّنـْهُمْ مَغْفِّرَةً وَأَجْرً ا عَظِّيمًا[29. ] إنَّ القران الكريم حين وضع بين دفتيه هذه الصُّورة إنمَّا يخبرنا بتكريم الله ـ عزَّ وجلَّ ـ؛ فـَهُمْ: أشدَّاء على الكفَّار؛ ولو كان فيهمهذه الأخوَّة في الحق ِّ أخوَّةٌ في الد ِّين. إن الأخوَّة في الله من أهم الأسباب التي تعمل على الصُّمود في وجه
عدد الصفحات ١١٧أعتَّ المحن الَّتي تنزل بالمسلمين ، كما أنَّ الفهم المتبادل ، والكامل للأخوَّة في الله من أسباب تماسك صفوف المسلمين ، وقوَّتهم ، ومن أسباب شَوخهم ، و التَّمكين لهم465.]) 9 ـ من فضائل الأنصار تسميتهم بالأنصار: سمَّاهم الله ، ورسولُه (ص) بهذا الاسم حين بايعوا على الإسلام ، وقاموا بإيواء المؤمنين ، ونصرة دين الله ، ورسول الله (ص) ، ولم يكونوا معروفين بذلك مِّنْ قبل 466]) غَيْلان بن جرير ـ رحمه! ـ قال: قلتُ لأنسٍ رضي الله عنه: أرأيتَ اسم (الأنصار) كنتم تُسَمَّوْنَ به ، أم سمَّاكم الله؟ قال: بل سمَّا3776. ]) أمَّا مناقبهم ، وفضائلهم ، فكثيرةٌ ، لا تحصى ، منها مناقب عامَّةٌ لجميع الأنصار ، ومناقب خاصَّة بأفراد من الأنصار. أمَّا المناقب العامَّة الواردة في القران الكريم مايلي: فقد وصفهم المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ بأنهَّم من المؤمنين حق اً ، فقال تعا فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ وَالَّذِّينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِّكَ هُمُ الْمُؤْمِّنُونَ حَقًّا لهَُ مْ مَغْفِّرَةٌ وَرِّزْقٌ كَرِّيمٌ[74. ] وبشَّرهم ربهُّم برضاه عنهم، وامتدح رضاهم عنه ، فقال تعا وَالأَنْصَارِّ وَالَّذِّينَ اتـَّبـَعُوهُمْ بإِِّّحْسَانٍ رَضِّيَ اللََُّّ عَنـْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَ عَدَّ لهَُمْ جَنَّاتٍ تجَْرِّي تحَْتـَهَا الأَنـْهَارُ خَالِّدِّينَ فِّيهَا أَبَدًا ذَلِّكَ الْفَوْزُ الْعَظِّيمُ [100. ] ووصفهم المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ بالفلاح. قال تعا نْ هَ اجَرَ إِّلَيْهِّمْ وَلاَ يجَِّدُونَ فيِّ صُدُورِّهِّمْ حَاجَةً ممَِّّا أُوتُوا وَيـُؤْثِّرُونَ عَلَى أَنـْفُسِّهِّمْ وَلَوْ كَانَ بهِِّّمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نـَفْسِّهِّ فَلُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ [9. ] وأمَّا الأحاديث الَّتي تحدَّثت عن ماثر الأنصار؛ فمنها: حبُّ النَّبي ِّ (ص) للأنصار: عن أنسٍ رضي الله عنه قال: رأى النَّبيُّ (ص) الن ِّساءَ ، والص ِّبيان مقبلين ـ قال: حَسِّبْتُ: أنَّه قال: مِّنْ عُرس ـ فقام النَّبيُّ (ص) ممُْتَناً 467])«اللَّهمَّ أنتم مِّنْ أحب النَّاس إليَّ »قالها ثلاث مِّرارٍ [3785) ومسلم2508. ]) حبُّ الأنصار علامة الإيمان ، وبغضهم علامة الن ِّفاق: عن البـَرَاء بن عازبٍ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله (ص) يقول: «الأنصار لا يحبُّهم إلا مؤمنٌ ، ولا يـُبْغِّضُهم إلا منافقٌ ، فَمَنْ أحبَّهم أحبَّه الله ، ومَنْ أبغضهم أبغضه الله»[3783) ومسلم75. ])
عدد الصفحات ١١٨مَنْ أحبَّهم فاز بحب ِّ الله إيََّّه ، ومن أبغضهم شقي ببغض الله إيََّّه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسولُ الله (ص) : «من أحَبَّ الأنصارَ أحبَّه اللهُ ، ومن أبغض الأنصارَ أبغضه »[ (2/501 و527) وأبو يعلى(7367) والبزار 2792 و2793) ومجمع الزوائد10/39. ]) الشَّهادة لهم بالعفاف ، والصَّبر: العفة والصَّبر شيمتان كريمتان ، تدلاَّن على أصالة معدن المتخل ِّق بهما ، وتمام مروءته ، وكمال رجولته ، وفتوته ، وقد شهد النَّبيُّ (ص) للأنصار بهما ، وما أعظمها من شهادةٍ! وما أعظمه من شاهدٍ468]) «ما يضرُّ امرأةً نزلت بين بيتين من الأنصار ، أو نزلت بين أبويها »[6/257) وابن حبان (7267) والحاكم4/83) والبزار 2806) ومجمع الزوائد10/40. ]) رغبة النَّبي ِّ (ص) في ا نتساب إليهم لولا الهجرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبي ِّ (ص) قال: «لو أنَّ الأنصار سلكوا واديًَّ ، أو شعباً ، لسلكت في وادي الأنصار ، ولولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار»[3779 و7344) وأحمد2/410) والنسائي في السنن الكبرى8261. ]) دعاء النَّبي ِّ (ص) بالمغفرة لهم ، ولأبنائهم ، ولأزواجهم ، ولذراريهم: لاشكَّ أنَّ دعاء الرَّسول (ص) مستجابٌ ، وقد فاز الأنصار بهذا الفضل ، فقد روى البخاريُّ عن عبد الله بن الفضل: أنَّه سمع أنس بن مالكٍ يقول: «حَزِّنْتُ على من أُصيبَ بالحَرَّة 469])دُ بنُ أرقم ـ وبـَلَغَهُ شِّدَّةُ حُزني ـ يذكر: أنَّه سمع رسول الله (ص) يقول: «الل هُمَّ اغفر للأنصار! ولأبناء الأنصار»وشكَّ ابنُ الفضل في أبناء أبناء الأنصار 470]) فقال: هو الذي يقولُ رسولُ الله (ص) ، هذا الَّذي أو الله له بأذنِّه471 »])[4906 ) ومسلم2506. ]) وصية النَّبي ِّ (ص) بالإحسان إليهم ، وعدم إفزاعهم: كان جهاد الأنصار في سبيل الد ِّين عظيماً ، وكان فضلهم في نشره ، والد ِّفاع عنه بليغاً؛ إذ لم يمنعهم من الخفَّة إلى الخروج في سبيل الله عسرٌ، ولا يسرٌ، و حفظ الله لهم ذلك في قوله تعافيِّ سَاعَةِّ الْعُسْرَةِّ مِّنْ بـَعْدِّ مَا كَادَ يَزِّيغُ قـُلُوبُ فَرِّيقٍ مِّنـْهُمْ ثمَُّ تاَبَ عَلَيْهِّمْ إِّنَّهُ بهِِّّمْ رَؤُوفٌ رَحِّ يمٌ }*[ 117. ] وَمِّنْ ثمََّ كانت وصيَّة رسول الله (ص) بالأنصار ، والإحسان إلى محسنهم ، والتَّجاوز عن مسيئهم ، وكان ترهيبه (ص) من ترويعهم ، وتفزيعهم وكانت توصيته بالأنصار خيراً472])
عدد الصفحات ١١٩الله عنه: أنَّ رسول الله (ص) قال «الأنصار كَرِّشي ، وعَيْـبَ473]) ويَـقِّلُّون474]) »[3801) ومسلم (2510. ]) وعنه أيضاً ، قال: خرج نبيُّ الله (ص) ، فتلقَّته الأنصار بينهم ، فقال«والذي نفسُ محمَّدٍ بيده! إ لأحِّبُّكم ، وإنَّ الأ نصار قد قضوا ما عليهم ، وبقي الَّذي لهم475]) وتجاوزوا عن مُسيئهم»[3/187) والنسائي في السنن الكبرى8270) وابن حبان7266 و7271) وأبو يعلى3770]) على المنبر للأنصار« :فمن ولي الأنصار؛ فليحسن إلى محسنهم ، وليتجاوز عن مسيئهم ، ومَنْ أفزعهم؛ فقد أفزع هذا الَّذي بين هاتين ، وأشار إلى نـَفْسِّه (ص) [»476.]) * * * المبحث الثَّالث الوثيقة أو الصَّحيفة نظَّم النَّبيُّ (ص) العلاقات بين سكان المدينة ، وكتب في ذلك كتاباً أوردته المصادر التَّاريخية ، واستهدف هذا الكتاب ، أو الصَّحيفة توضيح التزامات جميع الأطراف داخل المدينة ، وتحديد الحقوق ، والواجبات ، وقد سمُ ِّيت في المصادر القديمة بالكتاب ، والصَّحيفة ، وأطلقت الأبحاث الحديثة عليها لفظة (الدُّستور). ولقد تعرَّض الدُّكتور أكرم ضياء العمري في كتابه «الس ِّيرة النَّبويَّة الصَّحيحة »لدراسة طرق ورود الوثيقة ، وقال: «ترقى بَّجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصَّحيحة[»477]) عن أصالتها؛«فنصوصها مكوَّنةٌ من كلماتٍ ، وتعابير كانت مللوفةً في عصر الرَّسو ل (ص) ، ثم قَلَّ استعمالها فيما بعد ، حتََّّ أصبحت مغلقةً على غير المتعم ِّقين في دراسة تلك الفتّة. وليس في هذه الوثيقة نصوصٌ تمدح ، أو تقدح فرداً ، أو جماعةً ، أو تخصُّ أحداً بالإطراء ، أو الذَّم ِّ؛ لذلك يمكن القول بأنهَّا وثيقةٌ أصليةٌ ، وغير مزوَّرةٍ [»478]) كُتُبِّ النَّبي ِّ (ص) يعطيها توثيقاً اخر
عدد الصفحات ١٢٠أولاً: كتابه (ص) بين المهاجرين والأنصار واليهود نصُّ الوثيقة479:]) 1 ـ هذا كتابٌ من محمَّد الن «رسول »بين المؤمنين ، والمسلمين من قريشٍ ، «وأهل يثرب »، وَمَنْ تبعهم ، فلحق بهم ، وجاهد معهم. 2 ـ إنهَّم أمَّةٌ واحدةٌ من دون النَّاس 3 ـ المهاجرون من قريشٍ على رِّبْعتهم 480])481]) بالمعروف والقسط بين المؤمن 4 ـ وبنو عَوْف على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم482]) والقسط بين المؤمن 5 ـ وبنو الحارث «بنو الخزرج »على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلُّ طائفةٍ تـَفْدي عانِّيَها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 6 ـ وبنو ساعدة على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم اولى ، وكلُّ طائفةٍ تـَفْدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 7 ـ وبنو جُشَم على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلُّ طائفةٍ تـَفْدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 8 ـ وبنو النَّجار على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلُّ طائفةٍ تـَفْديعانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 9 ـ وبنو عمرو بن عوف على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلُّ طائفةٍ تـَفْدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 10 ـ وبنو النَّبيت على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلُّ طائفة تـَفْدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 11 ـ وبنو الأوس على رِّبْعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكلُّ طائفة تـَفْدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. 12 ـ وإنَّ المؤمنين لا يتّكون مُفْرَحاً 483]) يحالف مؤمنٌ مولى مؤمنٍ دونَه.
عدد الصفحات ١٢١13 ـ وإنَّ المؤمنين المتَّق«أيديهم»على«كل»مَنْ بغى منهم ، أو ابتغى دَسِّيعةَ 484]) إثماً ، أو عدواناً ، أو فساداً بين المؤمنين ، وإنَّ أيديهم عليه جميعاً ، ولو كان وَلَدَ أحدهِّم 14 ـ ولا يـَقْتُل مؤمنٌ مؤمناً في كافرٍ ، ولا يـَنْصُر كافراً على مؤمنٍ. 15 ـ وإنَّ ذمة الله واحدةٌ ، يجُير عليهم أدناهم ، وإنَّ المؤمنين بعضهم موالي بعضٍ دون النَّاس 16 ـ وإنَّـه مَنْ تبعنا من يهود ، فإنَّ لـه النَّصرَ ، والأُسوة غير مظلوميـن ، ولا متناصرٍ عليهم 17 ـ وإنَّ سِّلْمَ المؤمنين واحدةٌ ، لا يسا مؤمنٌ دون مؤمنٍ في قتالٍ في سبيل الله إلا على سواءٍ ، وعدلٍ بينهم. 18 ـ وإنَّ كلَّ غازيةٍ غزت معنا يـُعْقب بعضها بعضاً 19 ـ وإنَّ المؤمنين يُبِّلى485]) 20 ـ وإنَّ المؤمنين المتَّقين على أحسن هدىً ، وأقومه ،وإنَّه لا يجير مشركٌ مالاً لقريشٍ ، ولا نفساً ، ولا يحول دونه على مؤمنٍ. 21 ـ وإنَّه من اعتبط486])487]) (العَقْل) ، وإنَّ المؤمنين عليه كافَّةً ، ولا يحلُّ لهم إلا قيامٌ عليه 22 ـ وإنَّه لا يحلُّ لمؤمن أقرَّ بَِّّا في هذه الصَّحيفة ، وامن بالله واليوم الاخر ، أن ينصر محُْدِّثاً 488 ]) ، أو يـُؤْوِّيه ، وإنَّ مَنْ نصره ، أو اواه ، فإنَّ عليه لعنةَ الله ، وغضبه يوم القيامة ، ولا يـُؤْخذ منه صرفٌ ، ولا عدلٌ. 23 ـ وإنَّه مهما اختلفتم فيه من شيءٍ ، فإنَّ مردَّه إلى الله ، وإلى محمَّدٍ (ص) . 24 ـ وإنَّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محارب 25 ـ وإن يهود بني عوف أمَّةٌ مع المؤمنين؛ لليهود دينهم ، وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إ من ظلم نفسه ، وأَثمَِّ ، فإنَّـه لا يُوتِّغُ489]) نفسَه ، وأهلَ بيته 26 ـوإنَّ ليهود بني النَّجار مثل ما ليهود بني عوفٍ 27 ـ وإنَّ ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوفٍ 28 ـ وإنَّ ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوفٍ 29 ـ وإن ليهود بني جُشَم مثل ما ليهود بني عوفٍ
عدد الصفحات ١٢٢30 ـ وإنَّ ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوفٍ. 31 ـ وإنَّ ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوفٍ ، إلا من ظَلَمَ ، وأَثمَِّ ، فإنَّه لا يُوتِّغُ إلا نفسَه ، وأهلَ بيته. 32 ـ وإنَّ جَفْنَةَ بطنٍ مِّن ثعلبة كلنفسهم 33 ـ وإنَّ لبني الشُّطَيبة مثل ما ليهود بني عوفٍ ، وإنَّ البر دون ا 34 ـ وإنَّ موالي ثعلبة كلنفسهم 35 ـ وإنَّ بطانة يهود كلنفسهم. (بطانة الرَّجل: أي: خاصَّته ، وأهل بيته 36 ـ وإنَّه لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمَّد (ص 37 ـ وإنَّ على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وإنَّ بينهم النَّصرَ على من حارب أهل هذه الصَّحيفة ، وإنَّ بينهم النُّصح ، والنَّصيحة ، والبرُّ دون الإثم. 38 ـ وإنَّه لا يأثم امرؤٌ بحليفه ، وإنَّ النَّصر للمظلوم 39 ـ وإنَّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محارب 40 ـ وإنَّ يثرب حرامٌ جَوْفُها لأهل هذه الصَّحيفة 41 ـ وإنَّ الجار كالنَّفس غير مُضار ٍ ، ولا اثم. 42 ـ وإنَّه لا تجُار حُرمةٌ إلا بإذن أهلها 43 ـ وإنَّه ما كان بين أهل هذه الصَّحيفة من حدثٍ ، أو اشتجار يخُاف فسادُه ، فإنَّ مَرَدَّهُ إلى الله ـ عزَّ و جلَّ ـ وإلى محمَّدٍ رسول الله (ص) ، وإنَّ الله على أتقى ما في هذه الصَّحيفة وأبر ِّه (أي: إنَّ الله ، وحزبه المؤمنين على الر ِّضا به). 44 ـ وإنَّه لا تجُارُ قريشٌ ، ولا مَنْ نصرها ، وإنَّ بينهم النَّصرَ على من دَهَمَ يثربَ 45 ـ وإذا دُعوا إلى صلحٍ يصالحونه ، ويـَلْبَسونه؛ فإنهَّم يصالحونه ، ويلبسونه ، وإنهَّم إذا دُعوا إلى مثل ذلك؛ فإنَّه لهم على المؤمنين ، إلا مَنْ حارب في الد ِّين. وعلى كل ِّ أناسٍ حِّصَّتُهم من جانبهم الَّذي قِّبـَلَهم. 46 ـ وإنَّ يهود الأوس ـ مواليهم ، وأنفسهم ـ على مثل ما لأهل هذه الصَّحيفة ، مع البر ِّ المحض من أهل هذه الصَّحيفة ، وإنَّ البرَّ دون الإثم ، لا يكسب كاسبٌ إلا على نفسه ، وإنَّ الله على أصدق ما في هذه الصَّحيفة وأبر ِّه.
عدد الصفحات ١٢٣47 ـ وإنَّه لا يحول هذا الكتاب دون ظالمٍ ، أو اثمٍ ، وإنَّه مَنْ خرج امنٌ ، ومن قعد امنٌ بالمدينة ، إ من ظَلم ، وَأَثمَِّ ، وإنَّ الله جارٌ لمن برَّ ، واتقى ، ومحمَّدٌ رسولُ الله (ص 490. ]) ثانياً: دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد من الوثيقة 1 ـ تحديد مفهوم الأمَّة تضمَّنت الصَّحيفة مبادأى عامَّةً ، درجت دساتير الدُّول الحديثة على وضعها فيها ، وفي طليعة هذه المبادأى ، تحديد مفهوم الأمَّة؛ فالأمَّة في الصَّحيفة تضمُّ المسلمين جميعهم ، مهاجريهم ، وأنصارهم ، وَمَنْ تبعهم ممَّن لحق بهم ، وجاهد معهم ، أمَّةٌ واحدةٌ من دون النَّاس491]) الجدَّة في تاريخ الحياة الس ِّياسيَّة في جزيرة العرب؛ إذ نقل الرَّسول (ص) قومه من شعار القبليَّة ، والتَّبعيَّة لها، إلى شعار الأمَّة ، الَّتي تضمُّ كلَّ من اعتنق الد ِّين الجديد ، فلقد قالت الصَّحيفة عنهم: «إنهَّم أمَّةٌ واحدةٌ »(الفقرة 1 ،2). وقد جاء به القران الكريم. قال تعا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون[92]ذه الأمَّة في قوله تعا جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِّ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِّيدًا [143] ووضَّح ـ سبحانه وتعالى ـ: أنهَّا أمَّةٌ إيجابيَّة؛ فهي لا تقف موقف المتفر ِّج من قضايَّ عصرها؛بل تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتدعو إلى الفضائل ، وتحذ ِّر من الرَّذائل492]) خَيـْرَ أُمَةٍ أُخْرِّجَتْ لِّلنَّاسِّ تأَْمُرُونَ باِّلْمَعْرُوفِّ وَتـَنـْهَوْنَ عَنِّ الْمُنْكَرِّ وَتـُؤْمِّنُونَ باِّللََِّّّ وَلَوْ آمَ نَ أَهْلُ الْكِّتَابِّ لَ كَانَ خَيـْرًا لهَُمْ مِّنـْهُمُ الْمُؤْمِّنُونَ وَأَكْثـَرُهُمُ الْفَاسِّقُونَ [عمران 110. ] وبهذا الاسم الَّذي أُطلق على جماعةٍ من المسلمين ، والمؤمنين ، ومَنْ تبعهم من أهل يثرب اندمج المسلمون على اختلاف قبائلهم في هذه الجماعة؛ الَّتي ترتبط فيما بينها برابطة الإسلام؛ فهم يتكافلون فيما بينهم ، وهم ينصرون المظلوم على الظَّالم ، وهم يرعون حقوق القرابة ، والمحبَّة ، والجوار493 .]) لقد انصهرت طائفتا الأوس ، والخزرج في جماعة الأنصار ، ثمَّ انصهر الأنصار والمهاجرون في جماعة المسلمين ، وأصبحوا أمَّةً واحدةً494]) ، وتتَّحد أفكارهم ، وتتَّحد قبلتهم ، ووجهتهم ، وولاؤهم لله وليس للقبيلة ، واحتكامهم للشَّرع وليس للعُرْف ، وهم يتمايزون بذلك كل ِّه على بقيَّة النَّاس «من دون النَّاس »، فهذه الرَّوابط تقتصر على المسلمين ، ولا تشمل غيرهم من اليهود ، والحلفاء ، ولا شكَّ: أنَّ تمييز الجماعة الد ِّينية كان أمراً مقصوداً ، يستهدف زيَّدة تماسكها ، واعتزازها بذاتها 495 ])
عدد الصفحات ١٢٤، ويتَّضح ذلك في تمييزها بالقبلة ، واتجاهها إلى الكعبة ، بعد أن اتجَّهت ستة عشر ، أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس496.]) وقد مضى النَّبيُّ (ص) يمي ِّز أتباعه عمَّن سواهم في أمورٍ كثيرةٍ ، ويوض ِّح لهم: أنَّه يقصد بذلك مخالفة اليهود ، ومن ذلك: أنَّ اليهود لا يُصلُّون بالخِّفاف ، فلذن النَّبيُّ (ص) لأصحابه أن يصلُّوا بالخُف ِّ ، واليهود لا تصبغ الشَّيب ، فصبغ المسلمون شيب رؤوسهم بالحنَّاء ، والكَتَم497]) عاشوراء ، والنبيُّ (ص) يصومه أيضاً ، ثمَّ اعتزم في أواخر حياته أن يصوم تاسوعاء معه؛ مخالفةً لهم498])«مَنْ تشبَّه بقومٍ فهو منهم »[2/50 و92) وأبو داود4031) وعبد بن حميد848]) أيضاً«لا تشبَّهوا باليهود»[1/165) والنسائي8/137) وأبو يعلى681]) في ذلك كثيرةٌ ، وهي تفيد معنَّ تميُّز المسلمين ، واستعلائهم على غيرهم ، ولا شك: أن التشبُّه، والمحاكاة للاخرين يتنافَّ مع الاعتزاز بالذَّات، والاستعلاء على الكفار، ولكن هذا التَّميُّز ، والاستعلاء ، لا يشك ِّل حاجزاً بين المسلمين ، وغيرهم ، فكيان الجماعة الإسلاميَّة مفتوح ، وقابلٌ للتوسُّع ، ويستطيع الانضمامَ إليه مَنْ يؤمن بعقيدته499.]) واعتبرت الصَّحيفة اليهود جزءاً من مواطني الدَّولة الإسلاميَّة ، وعنصراً من عناصرها؛ ولذلك قيل الصَّحيفة: «وإنَّه من تبعنا من يهود ، فإنَّ له النَّصر والأسوة ، غير مظلومين ، ولا متناصرٌ عليهم » (الفقرة 16) ، ثمَّ زاد هذا الحكم إيضاحاً ، في الفقرة25) وما يليها؛ حيث نصَّ فيها صراحةً بقوله «وإنَّ يهود بني عوف أمَّةٌ مع المؤمن» وبهذا ترى: أنَّ الإسلام قد اعتبر أهل الكتاب؛ الَّذين يعيشون في أرجائه مواطنين ، وأنهَّم أمَّةٌ مع المؤمنين ، ما داموا قائمين بالواجبات المتّت ِّبة عليهم؛ فاختلاف الد ِّين ليس ـ بَّقتضى أحكام الصَّحيفة ـ سبباً للحرمان من مبدأ المواطنة500.]) 2 ـ المرجعيَّة العليا لله ورسوله (ص جعلت الصَّحيفة الفصل في كل الأمور بالمدينة يعود إلى الله ، ورسوله (ص) ، فقد نصَّت على مرجع فض ِّ الخلاف في الفقرة ( 23) ، وقد جاء فيها«وإنَّه مهما اختلفتم فيه من شيءٍ ، فإنَّ مردَّه إلى الله ، وإلى محمَّد (ص) »والمغزى من ذلك واضحٌ ، وهو تأكيدُ سلطةٍ عليا دينيَّةٍ ، تهُيمن على المدينة ، وتفصل في الخلافات؛ منعاً لقيام اضطراباتٍ في الدَّاخل من جرَّاء تعدُّد السُّلطات، وفي الوقت نفسه
عدد الصفحات ١٢٥تأكيدٌ ضمنيٌّ برئاسة ال رَّسول (ص) على الدَّولة501]) الثلاثة: التَّشريعية، والقضائية، والتَّنفيذية، فكان رسول الله (ص) ، حريصاً على تنفيذ أوامر الله، من خلال دولته الجديدة؛ لأنَّ تحقيق الحاكمية لله على الأمَّة هو محض العبوديَّة لله تعالى؛ لأ نَّه بذلك يتحقَّق التَّوحيد ، ويقوم الد ِّين. قال تعاالد ِّينُ الْقَي ِّمُ وَلَكِّنَّ أَكْثـَرَ النَّاسِّ لاَ يـَعْلَمُونَ [40. ] يع«ما الحكم الحـقُّ في الرُّبوبيـة ، والعقائـد ، والعبادات ، والمعاملات إلا لله وحده ، يوحيه لمن اصطفاه من رسله ، لا يمكن لبشرٍ أن يحكم فيه برأيه وهواه ، ولا بعقله واستدلاله ، ولا باجتهاده واستحسانه ، فهذه القاعدة هي أساس دين الله تعالى على ألسنة جميع رسله ، لا تختلف باختلاف الأزمنة ، والأمكن ة[»502.]) لقد نزل القران الكريم من أجل تحقيق العبوديَّة ، والحاكميَّة لله تعالى ، قال تعا الْكِّتَابَ باِّلحَْق ِّ فَاعْبُدِّ اللَََّّ مخُْلِّصًا لَهُ الد ِّينَ *أَلاَ للََِِّّّّ الد ِّينُ الخَْالِّصُ وَالَّذِّينَ اتخََّذُوا مِّنْ دُونِّهِّ أَوْلِّيَاءَ مَا نـَعْبُدُهُمْ إِّلاَّ لِّيـُقَر ِّبُوناَ إِّلىَ اللََِّّّ زُلْفَى إِّنَّ اللَََّّ يحَْكُمُ بـَيـْنـَهُمْ فيِّ مَا هُمْ فِّيهِّ يخَْتَلِّفُونَ إِّنَّ اللَََّّ لاَ يـَهْدِّي مَنْ هُوَ كَاذِّبٌ كَفَّارٌ2 ـ3. ] وقـال تعالـىكَ الْكِّتَابَ باِّلحَْق ِّ لِّتَحْكُمَ بـَينَْ النَّاسِّ بََِّّا أَرَاكَ اللََُّّ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِّنِّينَ خَصِّيمًا }*[105] من إنزاله ، وكما أنَّ العبادة لا تكون إلا عن وحي مُنـَزَّل؛ فكذلك لا ينبغي أن يحُكم إلا بشرع منزَّلٍ ، أو بَّا له أصلٌ في شرعٍ مُنزَّلٍ503.]) إنَّ تحقيق الحاكميَّة تمكينٌ للعبوديَّة ، وقيامٌ بالغاية الَّتي من أجلها خُلق الإنسان ، والجان ، قال تعا}*[56. ] وقد اعتّف اليهود في هذه الصَّحيفة بوجود سلطة قضائيَّة عليا ، يرجع إليها سكَّان المدينة ـ بَّا فيهم اليهود ـ بَّوجب بند رقم ( 43) ، لكنَّ اليهود لم يُلزَموا بالرُّجوع إلى القضاء الإسلامي ِّ دائماً؛ بل فقط عندما يكون الحدث ، أو الاشتجار بينهم وبين المسلمين ، أمَّا في قضايَّهم الخاصَّة ، وأحوالهم الشَّخصيَّة ، فهم يحتكمون إلى التَّوراة ، ويقضي بينهم أحبارها ، ولكن إذا شاؤوا؛ فبوسعهم الاحتكام إلى النَّبي ِّ (ص) ، وقد خيرَّ القران الكريم النَّبيَّ (ص) بين قبول الحكم فيهم ، أو رد ِّهم إلى أحبارهم ، ق ال تعارِّضْ
عدد الصفحات ١٢٦عَنـْهُمْ فـَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيـْئًا وَإِّنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بـَيـْنـَهُمْ باِّلْقِّسْطِّ إِّنَّ اللَََّّ يحُِّبُّ الْمُقْسِّطِّينَ [ 42. ] ومن القضايَّ التي أراد اليهود تحكيم الرَّسول (ص) فيها اختلافُ بني النَّضير ، وبني قريظة في دِّيَة القتلى بينهما ، فقد كانت بنو النَّضير أعزَّ من بني قريظة ، فكانت تفرض عليهم دِّيَةً مضاعفةً لقتلاها ، فلمَّا ظهر الإسلام في المدينة؛ امتنعت بنو قريظة عن دفع الض ِّعف ، وطالبت بالمساواة في الد ِّيَة504]) فنزلت الاية نَ باِّلأُذُنِّ وَالس ِّنَّ باِّلس ِّن ِّ وَالجُْرُوحَ قِّصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّ قَ بِّهِّ فـَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لمَْ يحَْكُمْ بََِّّا أَنـْزَلَ اللََُّّ فَلُولَئِّكَ هُمُ الظَّالِّمُونَ [45. ] وبهذه الصَّحيفة ـ الَّتي أقرَّت المادة43): على«أنَّه ما كان بين أهل هذه الصَّحيفة من حدثٍ ، أو اشتجارٍ يخُاف فساده. فإنَّ مردَّ ه إلى الله ، وإلى محمَّدٍ رسوله (ص) »ـ أصبح للرَّسول (ص) سلطةٌ قضائيَّةٌ مركزيَّةٌ عليا ، يرجع إليها الجميع ، وجعلها ترجع إلى الله وإلى الرَّسول (ص) ، ولها قوَّةٌ تنفيذيَّةٌ؛ لأنَّ أوامر الله واجبة الطَّاعة ، وملزمة التَّنفيذ، كما أنَّ أوامر الرَّسول (ص) هي من الله ، وطاعتها واجبةٌ505.]) وبذلك أصبح رسول الله (ص) رئيسَ الدَّولة ، وفي الوقت نفسه رئيس السُّلطة القضائيَّة ، والتَّنفيذيَّة ، والتَّشريعية؛ فقد تولىَّ رسول الله (ص) السُّلطات الثلاث ، بصفته رسول الله (ص) ، المكلَّف بتبليغ شرع الله ، والمفس ِّر ل كلام الله ، والسُّلطة التَّنفيذيَّة بصفته الرَّسول الحاكم ، ورئيس الدَّولة ، فقد تولىَّ رئاسة الدَّولة وَفْقَ نصوص الصَّحيفة ، وباتفاق الطَّوائف المختلفة الموجودة في المدينة ، ممَّن شَلتهم نصوص الصَّحيفة في المادة (36) ، الَّتي تقر ِّر: أنَّه«لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمَّدٍ (ص) »ولهذا تأثيرٌ كبيرٌ في عدم السَّماح لهم بَّحالفة قريش ، أو غيرها من القبائل المعادية. وهناك المادَّة (44) الَّتي ذهبت إلى ما هو أبعد ، وأصرح من ذلك؛ إذ قرَّرت: أنَّه: «لا تجُارُ قريشٌ ، ولا مَنْ نَصَرَها »، ولم يَرِّدْ في الصَّحيفة اسمٌ لأي ِّ شخصٍ ما عدا رسولِّ الله (ص506. ]) 3 ـ إقليم الدَّولة وجاء في الصَّحيفة: «إنَّ يثرب حرامٌ جوفها لأهل هذه الصَّحيفة »مادة40) ، وأصل التَّحريم أ يقطع شجرها ، ولا يقتل طيرها ، فإذا كان هذا هو الحكم في الشَّجر والطَّير ، فما بالك في الأموال ،
عدد الصفحات ١٢٧والأنفس؟507]) حاكمةٌ يـُرْجَع إليها ، وتحَْكُم بَّا أنزل إنَّ المدينة كانت بداية إقليم الدَّولة الإسلاميَّة ، ونقطة الانطلاق ، ومركز الدَّائرة؛ الَّتي كان الإقليم يتَّ سع منها ، حتََّّ يضع حدَّاً للقلاقل والاضطرابات ، ويسوده السلم ، والأمن العام. وقد أرسل النَّبيُّ (ص) أصحابه ليثب ِّتوا أعلاماً على حدود حرم المدينة من جميع الجهات ، وحدود المدينة بين لابـَتـَيْها شرقاً وغرباً ، وبين جبل ثـَوْر في الشمال ، وجبل عَيرْ في الجنوب508.]) ثمَّ اتسع«الإقليم»بات ِّساع الفتح ، ودخول شعوب البلاد المفتوحة في الإسلام ، حتََّّ عمَّ مساحةً واسعةً في الأرض ، والبحر ، وما يعلوهما من فضاء ، فمن المحيط الأطلسي غرباً ، ومناطق واسعةٍ من غرب أوربة ، وجنوبها ، ومناطق فسيحةٍ من غرب اسية وجنوبها ، إلى أكثر أهل الص ِّين وروسية شرقاً ، وكل ِّ شَال إفريقية وأواسطها 509]) يبدأ من عاصمة الدَّولة«المدينة»، ويتَّسع حتََّّ يشمل الكرة الأرضيَّة بأسرها قال تعالِّقَوْمِّهِّ اسْتَعِّينُوا باِّللََِّّّ وَاصْبرُِّوا إِّنَّ الأَرْضَ للََِِّّّّ يُورِّثـُهَا مَنْ يَشَاءُ مِّنْ عِّبَادِّهِّ وَالْعَاقِّبَةُ لِّلْمُتَّقِّينَ [128] ممتدَّةٌ لتشمل الإنسانيَّة كلَّها ، إذا ما استجابت لدين الله تعالى؛ الذي ارتضاه لخلقه ، ولبني ادم أينما كانوا ، فالدَّولة الإسلاميَّة دولةُ الر ِّسالة العالمية ، لكل ِّ فردٍ من أبناء المعمورة نصيبٌ فيها ، وهي تتوسَّع بوسيلة الجهاد 510.]) 4 ـ الحر ِّيََّّت وحقوق الإنسان إنَّ الصَّحيفة تدلُّ بوضوحٍ ، وجلاءٍ على عبقرية الرَّسول (ص) في صياغة مواد ِّها ، وتحديد علاقات الأطراف بعضها ببعضٍ؛ فقد كانت موادُّها متّابطةً ، وشاملةً ، وتصلح لعلاج الأوضاع في المدينة انذاك ، وفيها من القواعد والمبادأى ما يحق ِّق العدالة المطلقة ، والمساواة التَّامَّة بين البشر ، وأن يتمتَّع بنو الإنسان على اختلاف ألوانهم، ولغاتهم، وأديَّنهم، بالحقوق والحر ِّيََّّت بأنواعها 511]) الأستاذ محمد سليم العوَّا«ولا تزال المبادأى التي تضمَّنها الدستور ـ في جملتها ـ معمولاً بها ، والأغلب أنهَّا ستظل كذلك في مختلف نُظُم الحكم المعروفة إلى اليوم... وصل إليها الناس بعد قرون من تقريرها، في أوَّل وثيقة سياسيَّة دوَّنها الرَّسول (ص) [»512.])
عدد الصفحات ١٢٨فقد أعلنت الصَّحيفة: أنَّ الحر ِّيَّت مصونةٌ؛ كحرية العقيدة ، والعبادة ، وحق ِّ الأمن... إلخ ، فحرية الد ِّين مكفولةٌ: «للمسلمين دينهم ، ولليهود دينهم»قال تعا مِّنَ الْغَي ِّ فَمَنْ يَكْفُرْ باِّلطَّاغُوتِّ وَيـُؤْمِّنْ باِّللََِّّّ فـَقَدِّ اسْتَمْسَكَ باِّلْعُرْوَةِّ الْوُثـْقَى لاَ انْفِّصَامَ لهََ ا وَاللََُّّ سمَِّيعٌ عَلِّيمٌ }*[256]حيفة بإنزال الوعيد ، وإهلاك من يخالف هذا المبدأ ، أو يكسر هذه القاعدة ، وقد نصَّت الوثيقة على تحقيق العدالة بين النَّاس ، وعلى تحقيق مبدأ المساواة. إنَّ الدَّولة الإسلاميَّة واجبٌ عليها أن تقيم العدل بين الناس ، وتفسح المجال وتيس ِّر السُّبل أمام كل ِّ إنسانٍ ـ يطلب حقَّه ـ أن يصل إلى حق ِّه بأيسر السُّبل ، وأسرعها ، دون أن يكل ِّفه ذلك جهداً ، أو مالاً513]) الوصول إلى حق ِّه لقد أوجب الإسلام على الحكَّام أن يقيموا العدلَ بين النَّ اس دون الن ظر إلى لغاتهم ، أو أوطانهم ، أو أحوالهم الاجتماعيَّة ، فهو يعدل بين المتخاصمين ، ويحكم بالحق ِّ ، ولا يهمُّه أن يكون المحكوم لهم أصدقاء ، أو أعداء ، أغنياء ، أو فقراء ، عمالاً أو أصحاب عمل. قال تعا كُونُوا قـَوَّامِّينَ للََِِّّّّ شُهَدَاءَ باِّلْقِّسْطِّ وَلاَ يجَْرِّمَنَّكُمْ شَنَآنُ قـَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تـَعْدِّلُوا اعْدِّلُوا هُوَ أَقـْرَبُ لِّلتـَّ قْوَى وَاتـَّقُوا اللَََّّ إِّنَّ اللَََّّ خَبِّيرٌ بََِّّا تـَعْمَلُونَ[8] لا يحملنَّكم بُغض قومٍ على ظلمهم ، ومقت ضى هذا أنَّه لا يحملنَّكم حبُّ قوم على محاباتهم ، والميل إليهم514.]) يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي ـ رحمه الله ـ معق ِّباً على قوله تعا وَلاَ تـَتَّبِّعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بََِّّا أَنـْزَلَ اللََُّّ مِّنْ كِّتَابٍ وَأُمِّرْتُ لأََِّعْدِّلَ بـَيـْنَكُمْ اللََُّّ رَبـُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لاَ حُجَّةَ بـَيـْنـَنَا وَبـَيـْنَكُمْ اللََُّّ يجَْمَعُ بـَيـْنـَنَا وَإِّلَيْهِّ الْمَصِّيرُ[15]«يع أنَّني ملمور بالإنصاف دون عداوةٍ ، فليس من شلني أن أتعصَّب لأحدٍ ، أو ضدَّ أحدٍ ، وعلاقتي بالنَّاس كل ِّهم سواءٌ ، وهي علاقة العدل ، والإنصاف ، فلنا نصيرُ مَنْ كان الحقُّ في جانبه ، وخصيم من كان الحق ضدَّه ، وليس في ديني أيُّ امتيازات لأي ِّ فردٍ كائناً مَنْ كان ، وليس لأقاربي حقوقٌ ، وللغرباء حقوقٌ أخرى ، ولا للأكابر عندي ممي ِّزاتٌ لا يحصل عليها الأصاغر ، والشُّرفاء والوضعاء عندي سواءٌ ، فالحقُّ حقٌّ للجميع ، والذَّنب والجُرْم ذنبٌ للجميع ، والحرام حرامٌ على الكل ِّ ، والحلال حلالٌ للكُل ِّ ، والفرض فرض على الكل ِّ، حتََّّ أنا نفسي لست مستثنًَّ من سلطة القانون الإلهي515.])
عدد الصفحات ١٢٩