عن طلقٍ ، قال: فقلت: يَّ رسولَ الله! أأنقل كما ينقلون؟ قال «لا ، ولكن اخلطْ لهمُ الط ِّين؛ فلنت أعلم به»[1122([])403. ]) فقد اهتمَّ النَّبيُّ (ص) بهذا الوافد الجديد على المدينة ، والَّذي لم يكن من المسلمين الأوائل ، ووظَّف خبرته في خلط الط ِّين ، وفي قوَّة العمل ، وهو درسٌ للمسلمين في الثَّناء على الكفاءات ، والاستفادة منها ، وإرشادٌ نبويٌّ كريمٌ في كيفيَّة التعامل معها ، وما أحوجَنَا إلى هذا الفهم العميق404.]) 5 ـ شعار الدَّولة المسلمة: إنَّ أذان الصَّلاة شعارٌ لأوَّل دولةٍ إسلاميَّة عالميَّةٍ: «الله أكبر ، الله أك»إنهَّا تعني: أنَّ الله أكبر من أولئك الطُّغاة ، وأكبر من صانعي العقبات ، وهو الغالب على أمره. «أشهد أن لا إله إ»أي: لا حاكمية ، ولا سيادة ، ولا سلطة ، إ لله رب ِّ العالمين ، إ «أشهد أنَّ محمداً رسول»أسْلَمَهُ الله تعالى القيادة ، فليس لأحدٍ أن ينزعها منه ، فهو ماضٍ بها إلى أن يُكمل الله دينه بَّا ينزله على رسوله من قران ، وبَّا يلهمه إيََّّه من سُنَّة405]) الاعتّاف لرسول الله بالر ِّسالة ، والزَّعامة الد ِّينيَّة والدُّنيويَّة ، والسَّمع والطَّاعة له406.]) «حَيَّ علـى الصَّلاة.. حيَّ علـى الفلاح »أقبل يَّ أيها الإنسان للانضواء تحت لواء هذه الدولة الَّتي أخلصت لله ، وجعلت من أهدافها تمتين العلاقة بين المسلم وخالقه ، وتمتين العلاقة بين المؤمنين على أساسٍ من القيم السَّامية. «قد قامت الصَّلاة»وقد اختيرت الصَّلاة من بين سـائر العبادات؛ لأنهَّا عماد الد ِّين كل ِّه ، ولأنهَّا بَّا فيها من الشَّعائر ك الرُّكوع ، والسُّجود ، والقيام أعظم مظهرٍ لمظاهر «العبادة»بَّعناها الواسع؛ الَّتي تعني: الخضوع ، والتذلُّل ، والاستكانة ، فهي خضوعٌ ليس بعده خضوعٌ ، فكلُّ طاعـةٍ لله على وجـه الخضوع ، والتذلُّل عبادةٌ ، فهي طاعـة العبد لسي ِّده ، فيقف بين يديـه قـد أسلم نفسه طاعةً وتذلُّـلاً. قال تعا وَأُمِّرْتُ أَنْ أُسْلِّمَ لِّرَب ِّ الْعَالَمِّينَ [66. ] وهذا الارتباط بين شعار الدَّولة الرَّسمياكمية الله ، وسيادة الشَّرع ، وسقوط الطَّواغيت ، وقوانينهم ، وأنظمتهم ، وشرائعهم ، بـ «حيَّ على الفلاح... قد قامت الصَّلاة»يشير إ أنَّه: لا قيام للصَّلاة ، ولا إقامة لها كما ينبغي إلا في ظل ِّ دولةٍ تقوم عليها ، وتقوم بها ، ولها ، فقد كان
عدد الصفحات ٩٨المسلمون يصلُّون خِّفْيَةً في شِّعاب مكَّة قبل قيام دولتهم ، أما وقد قامت تحت حماية سيوف الأنصار ، فليجهروا بالأذان ، والإقامة ، وليركعوا ويسجدوا لله رب ِّ العالمين. إنَّ الواقع التَّاريخيَّ خيرُ شاهدٍ على أنَّ الله لا يـُعْبَدُ في الأرض حقَّ عبادته ، إلا في ظل ِّ دولةٍ قويَّ ةٍ ، تحمي رعايَّها من أعداء الد ِّين. ثمَّ تتكرَّر كلمات الأذان: «الله أكبر... الله أك»للتلكيد على المعاني السَّابقة407.]) إنَّنا بحاجةٍ ماسَّةٍ لفهم الأذان ، وإدراك معانيه ، والعمل على ترجمته ترجمةً عمليَّةً؛ لنجاهد في الله حق جهاده ، حتََّّ ندم ِّر شع ارات الكفر ، ونرفع شعارات الإيمان ، ونقيم دولة التَّوحيد ، الَّتي تحكم بشرع الله ، ومنهجه القويم. 6 ـ حكم تشييد المساجد ، ونقشها ، وزخرفتها والتَّشييد: أن تقام عمارة المسجد بالحجارة ، ممَّا يزيد في قوَّة بنائه ، ومتانة سقفه وأركانه. والنَّقش ، والزَّخرفة: ما جاوز أصل البناء من شتََّّ أنواع الز ِّينة. فلمَّا التشييد: فقد أجازه ، واستحسنه العلماء عامَّةً؛ بدليل ما فعله عمر ، وعثمان رضي الله عنهما من إعادة بناء مسجده (ص) ؛ لأنَّ في ذلك عنايةً ، واهتماماً بشعائر الله تعالى ، واستدلَّ العلماء على ذلك بقوله تعالى: { رِّجَالٌ يحُِّبُّونَ أَنْ يـَتَطَهَّرُوا وَاللََُّّ يحُِّبُّ الْمُطَّه ِّرِّينَ [108. ] وأمَّا النَّقش ، والزَّخرفة؛ فقد أجمع العلماء على كراهتهما ، ثمَّ هم في ذلك بين محر ِّمٍ ، ومكر ِّهٍ كراهةَ تنزيه؛ غير أنَّ الذين قالوا بالحرمة ، والَّذين قالوا بالكراهة اتَّفقوا على أنَّه يحرم صرف المال الموقوف لعمارة المساجد على شيءٍ من الزَّخرفة ، والنَّقش408])بن عبد الملك بن مَرْوان ، ومن يومها والنَّاس شرعوا يغالون في بناء المساجد ، وزخرفتها ، حتَّ أصبح بعضها من قبيل المتاحف ، وكلُّ ذلك خارج عن هَدي النُّبوَّة409]) وخرجت عن نمط البساطة؛ الَّذي أرشد إليه النَّبيُّ (ص) ، بخعَ الأسفُ ن فوسَ المستضعفين ، وتنافس في شهوات التَّزخرف الفارغون من عواصم الإيمان410.]) إنَّ الذين يهتمُّون بتعمير المساجد ، وتشييدها ، وينصرفون بكل ِّ جهودهم إلى التَّفنُّن في تزيينها ، ونقشها ، وإضفاء مختلف مظاهر الأبهَّة عليها قد وقعوا في خطل عظيمٍ؛ حتََّّ إنَّ الد اخل إليها لا يكاد
عدد الصفحات ٩٩يستشعر أيَّ معنًَّ من ذل ِّ العبودية لله ـ عزَّ وجلَّ ـ وإنمَّا يستشعر ما ينطق به لسان حالها من الافتخار بَّا ارتقى إليه فنُّ الهندسة المعماريَّة ، وفنون الزَّخرفة العربيَّة. إنَّ الفقراء لم يعودوا يستطيعون أن يتهرَّبوا من مظاهر الإغراء الدُّ نيوي ِّ إلى أي ِّ جهةٍ ، لقد كان في المساجد ما يعز ِّي الفقير بفقره ، ويخرجه من جو ِّ الدُّنيا ، وزخرفها إلى الاخرة ، وفضلها ، فلصبحوا يجدون حتََّّ في مظهر هذه المساجد ما يذك ِّرهم بزخارف الدُّنيا الَّتي حُرموها ، ويشعرهم بنكد الفقر ، وأوضاره ، فما أسوأ ما وقع فيه المسلمون من هجران لحقائق إسلامهم ، وانشغالٍ بَّظاهر كاذبةٍ ، ظاهرها الد ِّين ، وباطنها الدُّنيا بكل ِّ ما فيها من شهواتٍ ، وأهواءٍ 411.]) 7 ـ فضائل المسجد النَّبوي تحدَّث النَّبيُّ (ص) عن فضائل المسجد النَّبوي ِّ؛ ولذلك تعلَّق الصَّحابة به. ويمكننا تل خيص هذه الفضائل في الاتي: أ ـ تأسيس المسجد النَّبوي ِّ على التَّقوى: عن أبي سعيدٍ الخدري ِّ رضي الله عنه ، قال: دخلتُ على رسول الله (ص) في بيت بعض نسائه ، فقلت: يَّ رسول الله! أيُّ المسجدينِّ الَّذي أُس ِّسَ على التَّقوى؟ قال: فلخذ كفاً من حَصْبَاء ، فضرب به الأرض ، ثمَّ قال: «هو مسجدكم هذا »[1398) والتّمذي3099) والنسائي2/36 ) وأحمد3/8]) وقد تكلَّم بعض العلماء ، في الأحاديث الَّتي أشارت إلى أنَّ المسجد النَّبويَّ هو الَّذي أُس ِّس على التَّقوى؛ بحجَّة أنهَّا معارضةٌ لقوله تعا أَحَقُّ أَنْ تـَقُومَ فِّيهِّ فِّيهِّ رِّجَالٌ يحُِّبُّونَ أَنْ يـَتَطَهَّرُوا وَاللََُّّ يحُِّبُّ الْمُطَّه ِّرِّينَ [108. ] وقد اختلف العلماء في المراد بالمسجد الَّذي أسس على التَّقوى في الاية السَّابقة ، فقال بعضهم: هو مسجد النَّبي ِّ (ص) ، وقال اخرون: هو مسجد قُباء ، وقد ذكر أقوالهم مح مَّدُ بن جريـرٍ الطَّبريُّ في تفسيره ، ثمَّ قال: «وأولى القولين في ذلك عندي بالصَّواب ، قول مَنْ قال هـو مسجد الرَّسول (ص) ؛ لصحَّة الخبر بذلك عن رسول الله (ص) [»412.]) ولا معارضة بين الحديث والاية السَّابقة على القول بأنَّ المراد بالمسجد الَّذي أُس ِّس على التَّقوى فيها هو مسجد قُباء؛ لأنَّ كلاً من المسجدين أُس ِّس على التَّقوى 413]) أنَّ الاية السَّابقة نزلت بسبب مسجد قُباء ، ثمَّ قال«لكن الحكم يتناوله ، ويتناول ما هو أحقُّ منه
عدد الصفحات ١٠٠بذلك ، وهو مسجد المدينة ، وهذا يوج ِّه ما ثبت في الصَّحيح عن النَّبي ِّ (ص) : أنَّه سئل عن المسجد الذي أُس ِّس على التَّقوى ، فقال: «هو مسجدي هذا»[414.]) وقال في موضع اخر«فتبينَّ أنَّ كلا المسجدين أُس ِّس على التَّقوى ، لكن مسجد المدينة أكمل هذا النَّعت ، فهو أحقُّ بهذا الاسم ، ومسجد قُباء كان سبب نزول الاية[»415.]) وذكر الحافظ ابن حجرٍ: أنَّ الس ِّرَّ في جوابه (ص) بأنَّ المسجد الَّذي أُس ِّس على التَّقوى مسجده رفعُ توهم أنَّ ذلك خاصٌّ بَّسجد قُباء416.]) ب ـ فضل الصَّلاة في المسجد النَّبوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) : «صلاةٌ في مسجدي هذا ، خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه ، إلا المسجد الحرامَ »[1190) ومسلم1394/506 و507. ]) ج ـ أحد المساجد الثَّلاثة الَّتي لا تُشَدُّ الر ِّحالُ إلا إليها عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبي ِّ (ص) : أنَّه قال: «لا تُشَدُّ الر ِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد «المسجد الحرام ، ومسجد الرَّسول (ص) ، ومسجد الأقصى »[1189) ومسلم (1397/511. ]) د ـ الرَّوضة في المسجد النَّبوي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبي ِّ (ص) قال: «ما بين بيتي ومِّنْبري روضةٌ من ريَّض الجنَّة ،ومنبري على حوضي»[1196) ومسلم1391. ]) هـ فضل التَّعلُّم والتَّعليم في المسجد النَّبوي عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّه سمع رسولَ الله (ص) يقول: «مَنْ دخل مسجدنا هذا؛ يتعلَّم خيراً ، أو يعَل ِّمه؛ كان كالمجاهد في سبيل الله ، ومَنْ دخله لغير ذلك؛ كان كالنَّاظر إلى ما ليس له » [2/350) وابن ماجه227) والحاكم1/91. ]) 8 ـ ايةٌ نزلت في أهل الصُّفَّة وفقراء المهاجرين قال تعااهِّلُ أَغْنِّيَاءَ مِّنَ التـَّعَفُّفِّ تـَعْرِّفـُهُمْ بِّسِّيمَاهُمْ لاَ يَسْلَلُونَ النَّاسَ إِّلحَْافًا وَمَا تـُنْفِّقُوا مِّنْ خَيرٍْ فَإِّنَّ اللَََّّ بِّهِّ عَلِّيمٌ[ 273. ]
عدد الصفحات ١٠١ذكر ابن سعدٍ بسنده إلى ابن كعبٍ القرظي ِّ ، قال: هُمْ أصحاب الصُّفَّة 417]) الطَّبري بأسانيده عن مجاهدٍ والسُّد ِّي ِّ: أنهَّا في فقراء المهاجرين418.]) إنَّ الأحداث الَّتي تتعلَّق بالد ِّعامة الأولى في المجتمع كثيرةٌ ، وكذلك ما يتعلَّق بها من أحكام؛ كضمان حقوق الأيتام ، وجواز نبش القبور الدَّارسة ، واتخ ِّاذ موضعها مسجداً إذا نظف ت ، وطابت أرضُها ، إلاَّ أنني أكتفي بهذه الدُّروس ، والعبر ، والفوائد فيما يتعلَّق بالمسجد؛ خوفاً من الإطالة. * * * المبحث الثَّاني المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كان مِّنْ أولى الدَّعائم الَّتي اعتمدها الرَّسول (ص) في برنامجه الإصلاحي ِّ والتَّنظيمي ِّ ل لأمَّة ، وللدَّولة ، والحكم ، الاستمرار في الدَّعوة إلى التَّوحيد ، والمنهج القراني ِّ ، وبناء المسجد ، وتقرير المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ، وهي خطوةٌ لا تقلُّ أهم ِّيَّةً عن الخطوة الأولى في بناء المسجد؛ لكي يتلاحم المجتمع المسلم ، ويتالف ، وتتَّضح معالم تكوينه الجديد419.]) كان مبدأ التَّـاخي العام بين المسلمين قائماً ، منذ بداية الدَّعوة في عهدها المك ِّي ِّ، ونهى الرَّسول (ص عن كل ِّ ما يؤد ِّي إلى التَّباغض بين المسلمين ، فقال (ص) : «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا ، ولا تَدَابروا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيََّّمٍ »[6065 و6076 ) ومسلم2559])«المسلم أخو المسلم ، لا يظلِّمُهُ ، ولا يُسْلِّمُهُ420]) في حاجة أخيه ، كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلمٍ كربة421])نه كربةً من كُرُبات يوم القيامة ، ومن ستّ مسلماً ، ستّه الله يوم القيامة »[2442) ومسلم (2580. ]) وقد أكَّد القران الكريم الأُخوَّة العامَّة بين أبناء الأمَّة ، في قوله تعا تـَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِّعْمَةَ اللََِّّّ عَلَيْكُمْ إِّذْ كُنـْتُمْ أَعْدَاءً فَلَلَّفَ بـَينَْ قـُلُوبِّكُمْ فَلَصْبَحْتُمْ بِّنِّعْمَتِّهِّ إِّخْوَاناً وَكُنـْ تُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِّ فَلَنـْقَذَكُمْ مِّنـْهَا كَذَلِّكَ يـُبـَين ُِّ اللََُّّ لَكُمْ آيََّتِّهِّ لَعَلَّكُمْ تـَهْتَدُونَ }* [آل عمران: 103]
عدد الصفحات ١٠٢وقولـه تعالـىنَّ اللَََّّ أَلَّفَ بـَيـْنـَهُمْ إِّنَّهُ عَزِّيزٌ حَكِّيمٌ63. ] أمَّا موضوع هذا البحث، فهو المؤاخاة الخاصَّـة؛ الَّتي شُـرِّعت ، وترتبت عليهـا حقوقٌ ، وواجبـاتٌ أخصُّ من الحقوق ، والواجبات العامَّـة بين المؤمنين كافَّةً422.]) وقد تحدَّث بعض العلماء عن وجود مؤاخاةٍ كانت في مكَّة بين المهاجرين ، فقد أشار البلاذري إلى أن النَّبيَّ (ص) اخى بين المسلمين في مكَّة قبل الهجرة على الحق ِّ ، والمواساة ، فاخى بين حمزة ، وزيد بن حارثة ، وبين أبي بكرٍ ، وعمر ، وبين عثمان بن عفَّان وعبد الرَّحمن بن عوف، وبين الزُّبير بن العوَّام، وعبد الله بن مسعودٍ، وبين عبيدة بن الحارث ، وبلالٍ الحبشي ِّ ، وبين مصعب بن عميرٍ ، وسعد ابن أبي وقَّاصٍ ، وبين أبي عبيدة بن الجرَّاح ، وسالمٍ مولى أبي حذيفة ، وبين سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ، وطلحة بن عبيد الله ، وبينه وبين علي ِّ بن أبي طالب 423])276 هـ) أقدم مَنْ أشار إلى المؤاخاة المك ِّيَّة ، وقد تابعه في ذلك ابن عبد البر ِّ (ت 463هـ) دون أن يصر ِّح بالنَّقل عنه ، كما تابعهما ابن سي ِّد النَّاس دون التَّصريح بالنَّقل عن أحدهما424.]) وقد أخرج الحاكم في المستدرك ، من طريق جميع بن عمير ، عن ابن عمر رضي الله عنهما «اخى رسولُ الله (ص) بين أبي بكرٍ، وعمر ، وبين طلحة ، والزبير ، وبين عبد الرحمن بن عوف ، وعثمان[»425])«اخى النَّبيُّ (ص) بين الزُّبير ، وابن مسعودٍ »[ (3/314([])426. ]) وذهب كلٌّ مِّنْ: ابن القي ِّم ، وابن كثير إلى عدم وقوع المؤاخاة بَّكَّة ، فقال ابن القي ِّم«وقد قيل: إنَّه ـ أي النَّبيَّ (ص) ـ اخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض ، مؤاخاةً ثانيةً ، واتخَّذ فيها علي اً أخاً لنفسه ، والثَّابت الأوَّل427]) عقـدٍ مؤاخـاةٍ ، بخلاف المهاجرين مع الأنصار[»428])ا ابن كثيرٍ؛ فقد ذكر: أنَّ من العلماء من ينكر هذه المؤاخاة للعلَّـة نفسها ، الَّتي ذكرها ابن القي ِّم429.]) لم تُشِّرْ كتب الس ِّيرة الأولى المختصَّة ، إلى وقوع المؤاخاة بَّكَّة ، والبلاذريُّ ساق الخبر بلفظ «قالوا»دون إسنادٍ؛ ممَّا يضع ِّف الر ِّواية ، كما أنَّ البلاذريَّ نفسه ضعَّفه النُّقاد ، وعلى فرض صحَّة هذه المؤاخاة بَّكَّة ، فإنها تقتصر على المؤازرة ، والنَّصيحة بين المتاخين؛ دون أن تتّتب عليها حقوق التَّوارث430.])
عدد الصفحات ١٠٣أولاً: المؤاخاة في المدينة أسهم نظام المؤاخاة في ربط الأمَّة بعضها ببعض ، فقد أقام الرَّسول (ص) هذه الص ِّلة على أساس الإخاء الكامل بينهم ، هذا الإخاء الَّذي تذوب فيه عصبيَّات الجاهليَّة ، فلا حمَيَّة إلا للإسلام ، وتسقط به فوارق النَّسب ، واللَّون ، والوطن ، فلا يتلخَّر أحدٌ ، أو يتقدَّم ، إلا بَّروءته ، وتقواه. وقد جعل الرَّسولُ (ص) هذه الأ خوَّة عقداً نافذاً ، لا لفظاً فارغاً ، وعملاً يرتبط بالد ِّماء ، والأموال ، لا تحية تثرثر بها الألسنة ، ولا يقوم لها أثرٌ. وكانت عواطف الإيثار ، والمواساة ، والمؤانسة تمتزج في هذه الأُخوَّة ، وتملأ المجتمع الجديد بأروع الأمثال431.]) والسَّبب الَّذي أدَّى إلى تقوية هذه الأُخوَّة بين المهاجرين والأنصار هو أنَّ أهل هذا المجتمع ، ممَّن التقوا على دين الله وحده ، نشَّلهم دينهم الَّذي اعتنقوه ، على أن يقولوا ، ويفعلوا ، وعلَّمهم الإيمانَ ، والعملَ جميعاً ، فهم أبعد ما يكونون عن الش ِّعارات الَّتي لا تتجاوز أطراف الألسنة ، وكانوا على النَّحو الَّذي حكاه الله عنهم في قوله تعابـَيـْنـَهُمْ أَنْ يـَقُولُوا سمَِّعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ 51. ] وبذلك الَّذي درج عليه المسلمون كفل البقاء ، والاستمرار لهذه الأخوَّة؛ الَّتي شدَّ الله بها أَزْرَ دينه ، ورسوله (ص) ، حتََّّ اتت ثمارَها في كل ِّ أطوار الدَّعوة ، طوال حياته (ص) ، وامتدَّ أثرها ، فجمع كلمة المهاجرين والأنصار عند استخلاف الص ِّد ِّيق رضي الله عنه دو ن أن تطو ِّع لهم أنفسهم (أي: للأنصار) أن يحدثوا صدعاً في شَل الأمَّة ، مستجيبين في ذلك لشهوات السُّلطة ، وغريزة السَّيطرة ، لذلك فإنَّ سياسة المؤاخاة بين المهاجرين ، والأنصار نوع من السَّبق الس ِّياسي ِّ: الَّذي اتَّبعه رسول الله (ص) ، في تأصيل المودة ، وتمكينها في مشاعر المهاجرين ، والأنصار ، الَّذين سهروا جميعاً على رعاية هذه المودَّة ، وذلك الإخاء؛ بل كانوا يتسابقون في تنفيذ بنوده 432]) ولا سيما الأنصار ، الَّذين لا يجد الكُتَّاب ، والباحثون مهما تساموا إلى ذروة البيان ، خيراً من حديث الله عنهم433.]) قال تعا صُدُورِّهِّمْ حَاجَةً ممَِّّا أُوتُوا وَيـُؤْثِّرُونَ عَلَى أَنـْفُسِّهِّمْ وَلَوْ كَانَ بهِِّّمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نـَفْسِّهِّ فَ لُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ }*[9. ]
عدد الصفحات ١٠٤ونلحظ في الاية السَّابقة: أنَّ الله تعالى شهد لهم بخمس شهادات 1 ـ تبوَّؤوا الدَّار ، والإيمان من قبلهم 2 ـ يحبُّون من هاجر إليهم 3 ـ لا يجدون في صدورهم حاجةً ممَّا أُوتوا 4 ـ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. 5 ـ ومن يوق شُحَّ نفسه فلولئك هم المفلحون434.]) وفي الاية السَّابقة فوائدُ عظيمةٌ ، وحكمٌ جليلةٌ؛ منها (أ) التَّعبير عن المدينة بلفظ «الدَّار»إشعارٌ بأنهَّا دارٌ خاصَّةٌ لكل ِّ متوط ِّنٍ بها ، متبو ِّأًى لها ، فهي بالن ِّسبة لأهلها كدارٍ خاصَّةٍ للفرد ، يهنل بالأمن ، والاستقرار ، وهو في داخلها ، وفي هذا الإشعار نوعٌ من الأُنس السَّري ِّ في النَّفس ، يزيدها رُوْحاً ، وطُملْنِّينَةً ، فالأنصار في دارهم ، وإيمانهم متمك ِّنون من الأمن ، والاستقرار الماد ِّي ِّ ، تتنزَّل عليهم السَّكينة ، فتحفُّهم بنورها ، كلنهَّ ا سياجٌ من الرَّحمة مضروبٌ عليهم ، لا يلحقهم فزعٌ ، ولا يدخل عليهم قلقُ. (ب) أمَّا قولـه تعالى: فالضَّمير فيه داراً لهم ، وتبوَّؤوا معها الإيمان من قبل هجرة المهاجرين إليهم؛ لأنَّ المهاجرين وإن تبوَّؤوا الإيمان قبل الأنصار؛ لأنهَّم سبقوهم إليـه ، وتمكَّنـوا منـه أعظم تمكُّنٍ ، وتمكَّن هو منهـم أبلغ تمكُّنٍ؛ لكنَّهم لم يتبوَّؤوا مع الإيمان داراً يتمكَّنون فيها من الاستقرار الحس ِّي ِّ الماد ِّي ِّ ، والأمن على أنفسهم ، وإيمانهم من فز عات الأعداء ، وسطواتهم ، فكان للمهاجرين في تـَبـَوُّؤ الإيمان دون تـَبَوؤ الدَّار ، وكان للأنصار تـَبـَوُّؤُهما معاً في قرنٍ واحدٍ. (ج) ومن لطائف القران الحكيم: أنَّه ساق مدْحَةَ المهاجرين قبل مِّدْحَة الأنصار ، مفتتحاً لها بقولهوَرِّضْوَاناً وَيـَنْصُرُونَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ أُولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ [8. ] فجعل فـَقْد بعض ما كان مدحةً للأنصار منتـَبـَوُّؤ الدَّار ، والإيمان مدحةً للمهاجرين؛ لأنهَّم فقدوه ابتغاء فضل الله ورضوانه ، ونصرهم الله بنصر دينه ، ونصر رسوله (ص) بنصر رسالته ، ودعوته ، ووصفهم بأنهَّم هم الصَّادقون ، وأنَّ الناس تـَبَعٌ لهم في ذلك ، فقال يشر ِّفهم بهذا الاختصاص
عدد الصفحات ١٠٥هُمُ الصَّادِّقُونَ وقال لعامَّة المؤمنين: {[ 119. ] فالقَبْلِّيَّةُ ـ أي: قوله تعا إخوانهم الَّذين هاجروا إليهم ، تاركين ديَّرهم ، وأموالهم ابتغاء فضل الله ، ورضوانه ، والتَّفرُّغ لنصرة دينه ، ونصرة رسوله ، فالدَّار الَّتي فقدها المهاجرون بَّا فيها من أموالٍ، وفلذات أكبادٍ إنمَّا فقدوها تقرُّباً بفقدها إلى الله، فلووا إلى الأنصار يتبوَّؤون معهم دارهم ، دار الأمن ، والاستقرار ، مع سبق تَبوُّئهم الإيمان قبل الأنصار ، فكمل لهم بهذه الهجرة تبوُّءُ الدَّار والإيمان ، وانفردوا بسبق تـَبـَوُّئِّهم الإيمان. فضيلةٌ لا يشاركهم فيها غيرهم من سائر المؤمنين ، وفي طليعتهم الأنصار ، الَّذين جعلوا من الإيواء والنُّصرة دعامتين للمؤاخاة القائمة على الحب ِّ الصَّادق ، فقيل في وصفهم: وهذا حب إِّلَيْهِّمْ وأموالهم؛ ابتغاء مرضاة الله ، وتعرُّضاً لفضله المنهمر عليهم غيثُه ديمة لا ينقطع ، ولا يفتّ ، وهم يحملون بين جوانحهم قلوباً عامرةً بالحب ِّ لإخوانهم الأنصار ، الَّذين وُصفوا بالإخلاص الصَّفي ِّ ، الَّذي كان ثمرة الحب في الله ، ولله ، فقيل عنهم: أي: أنهَّم نفوسهم إلى فضلٍ ناله إخوانهم المهاجرون من سبقهم بالإيمان ، وتضحيتهم بَّفارقة ديَّرهم ، وأموالهم ، وانتهاضهم لنصرة دين الله ، ورسالاته ، ولا يتطلَّعون إلى شيءٍ منه تطلباً له ، أو مشاركةً فيه435.]) (د) وفي قوله: : والحبُّ الَّذي يسج ِّله ربُّ العزَّة ونَ مَنْ هَاجَرَ إِّلَيْهِّمْ ايَّتٍ بي ِّنات تُتلى ، ويُـتعبَّد بها في روعة إعجازها ، وبراعة أسلوبها ، وسمو ِّ منهجها في الهداية ، لا يمكن أن يبقى معه في حنايَّ النَّفس المؤمنة اثارُ حزازةٍ تحسد المهاجرين على ما اتاهم الله من مكار م الإيمان ، والتَّضحية في سبيله بالد ِّيَّر ، والأموال ، بله متعةً ماد ِّيَّةً زائلةً تافهةً. وصفات المدحة السَّلبيَّة لا تذكر في مقامها إلا إذا كانت ممكنة الوقوع ، فيكون نفيُها عنصراً من عناصر المدح المقتضية إحلال ما يقابلها من صفاتٍ إيجابيَّةٍ في بناء المد حة المشر ِّفة436.]) فإذا قيل في وصف الأنصار بعد وصفهم بحب ِّهم المهاجرين معنَّ ذلك: أنَّ هؤلاء الأنصار سمََوا في حب ِّهم لإخوانهم المهاجرين إلى ذِّروة الصَّفاء ، والإخلاص ، ووحدة الشُّعور ، وامتلأت صدورهم بهذا الحب ِّ القدسي ِّ ، فلم تعد تتَّسع لشيءٍ معه ، إلا أن يكون
عدد الصفحات ١٠٦ذلك الشَّيء أثراً من اثار الحب ِّ ، وليس ذلك إلا ذِّروة الفضائل ، وهو إيثارهم على أنفسهم بكل مكرمة ، ولو كانوا هم في أشد ِّ الحاجة إليها437.]) (هـ) ومجيء قوله تعا {وَيـُؤْثِّرُونَ عَلَى أَنفُسِّهِّمْ }عقب قوله عزَّ شلنُه {يحُِّبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِّلَيْهِّمْ } بيـانٌ لثمرة هذا الحب ، وهي ثمرةٌ سما بها الأنصار إلى افاقٍ لم تصل إليها البشريَّة في تاريخها البعيد السَّحيق ، ولا في تاريخها الدَّاني القريب ، تلك هي ثمرة الإيثار على النَّفس ، الَّتي أثمرها الحبُّ الإيما438.]) (و) ثمَّ وُصِّفُوا بالفلاح على جهة الاختصاص به في مقابلة اختصاص المهاجرين بالص ِّدق في عزائمهم ، والإخلاص في إيمانهم ، فقيل فيهم بعد تقرير: أنهَّم بهذا الإيثار صفَتْ نفوسُهم من كُدورات التَّطلُّعات ، والحزازات ، وأخلصوا الحبَّ لإخوانهم المهاجرين ، وطُه ِّروا من رشح الشُّح ، فتوقَّوه بفضيلة الكرم والسَّخاء المؤثرمَنْ يُوقَ شُحَّ نـَفْسِّهِّ فَلُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ كان هذا الحبُّ الأخويُّ بين المهاجرين والأنصار ، هو الأساس الَّذي قامت على دعائمه المؤاخاة الاجتماعيَّة؛ الَّتي عقدها النَّبيُّ (ص) بين أصحابه بعد مَقْدِّمِّه المدينة ، فقد كانت هذه المؤاخاة ، من أسبق الأعمال؛ الَّتي قام بها رسول الله (ص) أوَّل ما استقرَّ في مقامه ، وأخذ في بناء مسجده الأعظم439.]) والظاهر: أنَّ ابتداءها كان في المسجد؛ وهو يُـبْنَّ ، والنَّبيُّ (ص) مشغولٌ في بنائه مع أصحابه من المهاجرين ، والأنصار ، وكان ذلك المكان الطَّاهر ، والعمل الشَّريف الخالص لوجه الله ـ تبارك وتعالى ـ أنسب الأمكنة لبدء المؤاخاة ، لما فيهما من اقتضاء التَّّافق ، والتَّعاون ، والتَّعاضد ، والتَّواسي ، والتَّناصر ، والتوادُد ، وتقوية اصرة الأخوَّة الإيمانيَّة ، فاخى رسول الله (ص) بين العاملين معه في بناء المسجد أوَّلاً ، ثمَّ اخى بين قومٍ اخرين في دار أنسٍ ، وتكرَّر ذلك منه (ص) ، حتََّّ استوعبت المؤاخاة عدد طلائع المهاجرين ، والأنصار ، وكانوا نحو المئة ، نصفهم من المهاجرين ، ونصفهم من الأنصار 440.]) بعض أسماء المهاجرين والأنصار ممَّن تاخوا أبو بكرٍ الص ِّ ديق رضي الله عنه ، وخارجة بن زهيرٍ. وعمر بن الخطَّاب ، وعتبان بن مالكٍ. وأبو عبيدة بن الجرَّاح ، وسعد بن معاذ. وعبد الرَّحمن بن عوفٍ ، وسعد بن الرَّبيع. والزُّبير بن العوام ، وسلامة بن سلامة بن وَقْشٍ. وطلحة ابن عُبيد الله ، وكعب بن مالكٍ. وسعيد بن زيدٍ ، وأُبيُّ بن كعبٍ. ومصعب
عدد الصفحات ١٠٧بن عميرٍ ، وأبو أيوبٍ خالد بن زيد. وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وعبَّاد بن بشر بن وَقْش. وعمَّار بن يَّسر ، وحذيفة بن اليمان. وأبو ذر ٍ الغفاريُّ ، والمنذر بن عمرو. وحاطب بن أبي بلتعة441]) وعُوَيم بن ساعدة. وسلمان الفارسي ، وأبوالدَّرداء. وبلال مؤذ ِّن رسول الله (ص) ، وأبو رُوَيحْة عبد الله بن عبد الرَّحمن الخَثْعمي442.]) ثانياً: الدُّروس ، والعبر ، والفوائد 1 ـ اصرة العقيدة هي أساس الارتباط إنَّ المجتمع المدنيَّ الَّذي أقامه الإسلام كان مجتمعاً عقديَّ ً يرتبط بالإسلام ، ولا يعرف الموالاة إلا لله ، ولرسوله ، وللمؤمنين ، وهو أعلى أنواع الارتباط ، وأرقاه؛ إذ يتَّصل بوحدة العقيدة ، والفكر ، والرُّوح443.]) إنَّ الولاء لله ، ولرسوله (ص) ، وللمؤمنين من أهم ِّ الاثار ، والنَّتائج المتّت ِّبة على الهجرة ، وكان القران الكريم يربي ِّ الم سلمين على هذه المعاني الرَّفيعة ، فقد بينَّ الحقُّ ـ سبحانه وتعالى ـ: أنَّ ابن نوحٍ وإن كان من أهله باعتبار القرابة؛ لكنَّه لم يـَعُدْ من أهله لمَّا فارق الحقَّ ، وكفر بالله ، ولم يتَّبع نبيَّ الله. قال تعالى: {نيِّ مِّنْ أَهْلِّي وَإِّنَّ وَعْدَكَ الحَْقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الحَْاكِّمِّينَ *قَال يَّنُوحُ إِّنَّهُ لَيْسَ مِّنْ أَهْلِّكَ إِّنَّهُ عَمَلٌ غَيـْرُ صَالِّحٍ فَلاَ تَسْلَلْنِّ مَا لَيْسَ لَكَ بِّهِّ عِّلْمٌ إِّني ِّ أَعِّظُكَ أَنْ تَكُونَ مِّنَ الجَْاهِّلِّينَ }*[45 ،46. ] وقد حصر الإسلامُ الأُخوَّة والموالاة بين المؤمنين فقط. قال تعا أَخَوَيْكُمْ وَاتـَّقُوا اللَََّّ لَعَلَّكُمْ تـُرْحمَُونَ[10] والكافرين من المشركين ، واليهو د ، والنَّصارى ، حتََّّ لو كانوا اباءهم ، أو إخوانهم ، أو أبناءهم ، ووصف مَنْ يفعل ذلك من المؤمنين بالظُّلم ، ممَّا يدلُّ على أنَّ موالاة المؤمنين للكافرين ، من أعظم الذُّنوب. قال تعامْ أَوْلِّيَاءَ إِّنِّ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِّيمَانِّ وَمَنْ يـَتـَوَلهَُّمْ مِّنْكُمْ فَلُولَئِّكَ هُمُ الظَّالِّمُونَ [23. ] وقال تعالْمَوَدَّةِّ وَقَدْ كَفَرُوا بََِّّا جَاءَكُمْ مِّنَ الحَْق ِّ يخُْرِّجُونَ الرَّسُولَ وَإِّيََّّكُمْ أَنْ تـُؤْمِّنُوا باِّللََِّّّ رَب ِّكُمْ إِّنْ كُنـْتُمْ خَرَجْتُمْ جِّهَ ادًا فيِّ سَبِّيلِّي وَابْتِّغَاءَ مَرْضَاتيِّ تُسِّرُّونَ إِّلَيْهِّمْ باِّلْمَوَدَّةِّ وَأَناَ أَعْلَمُ بََِّّا أَخْفَيـْتُمْ وَمَا أَعْلَنـْتُمْ وَمَنْ يـَفْعَلْهُ مِّنْكُمْ فـَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِّيلِّ
عدد الصفحات ١٠٨*إِّنْ يـَثـْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيـَبْسُطُوا إِّلَيْكُمْ أَيْدِّيـَهُمْ وَأَلْسِّنـَتـَهُمْ باِّلسُّوءِّ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ *لَنْ تـَنـْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ يـَوْمَ الْقِّيَامَةِّ يـَفْصِّلُ بـَيـْنَكُمْ وَاللََُّّ بََِّّا تـَعْمَلُونَ بَصِّيرٌ[1 ـ3. ] فإذا كان الله سبحانه يحذ ِّر المؤمنين في الايَّت السَّابقة من موالاة الكفَّار عامَّةً ، فهناك ايَّتٌ كثيرةٌ وردت في تحذير المؤ منين ، ونهيهم عن طاعة أهل الكتاب خاصَّةً ، أو اتخاذهم أولياء ، أو الرُّكون إليهم444.]) قال تعادَى وَلَئِّنِّ اتـَّبـَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بـَ عْدَ الَّذِّي جَاءَكَ مِّنَ الْعِّلْمِّ مَا لَكَ مِّنَ اللََِّّّ مِّنْ وَليِّ ٍ وَلاَ نَصِّيرٍ [120] تعامْ كَافِّرِّينَ[ عمران: 100] بـَعْضٍ وَمَنْ يـَتـَوَلهَُّمْ مِّنْكُمْ فَإِّنَّهُ مِّنـْهُمْ إِّنَّ اللَََّّ لاَ يـَهْدِّي الْقَوْمَ الظَّالِّمِّينَ [51. ] قال صاحب الظ ِّلال«هذا الن ِّداء موجَّهٌ إلى الجماعة المسلمة في المدينة ، ولكنَّه في الوقت ذاته موجَّهٌ لكل ِّ جماعةٍ مسلمةٍ ، تقوم في أي ِّ ركنٍ من أركان الأرض إلى يوم القيامة ، ولقد كانت المناسبة الحاضرة إذ ذاك لتوجيه هذا النداء لِّلَّذين امنوا: أنَّ المفاصلة لم تكن كاملةً ، ولا حاسمةً بين بعض المسلمين في المدينة ، وبعض أهل الكتاب ، وبخاصَّةٍ اليهود ، فقد كانت هناك علاقات ولاءٍ ، وحلفٍ ، وعلاقات اقتصادٍ ، وتعاملٍ ، وعلاقات جيرةٍ ، وصحبةٍ ، وكان هذا كلُّه طبيعياً مع الوضع التَّاريخي ، والاقتصادي ِّ ، والاجتماعي ِّ في المدينة قبل الإسلام بين أهل المدينة من العرب ، وبين اليهود بصفةٍ خاصَّةٍ ، وكان هذا الوضع يتيح لليهود أن يقوموا بدورهم في الكيد لهذا الد ِّين وأهله بكل صنوف الكيد؛ التي عدَّدَتهْا ، وكشفتها النُّصوص القرانيَّة الكثيرة. ونزل القران؛ ليبثَّ الوعي اللاَّزم للمسلم في المعركة الَّتي يخوضها بعقيدته ، لتحقيق منهجه الجديد في واقع الحياة؛ ولينشلى في ضمير المسلم تلك المفاصلة الكاملة ، بينه وبين كل ِّ من لا ينتمي إلى الجماعة المسلمة ، ولا يقف تحت رايتها الخاصَّة. المفاصلة الَّتي لا تُنهي السَّماحة الخلقيَّة ، فهذه صفة المسلم دائماً ، ولكنَّها تنهي الولاء الَّذي لا يكون في قلب المسلم إلا لله ، ورسوله ، والذين امنوا. الوعي ، والمفاصلة اللَّذان لابُدَّ منهما في كل ِّ أرضٍ ، وفي كل ِّ جيلٍ [51] إنهَّا حقيقةٌ لا علاقة لها بالزَّمن؛ لأنهَّا حقيقةٌ نابعةٌ من طبيعة الأشياء ، إنهَّم لن يكونوا أولياء للجماعة المسلمة في أي ِّ أرضٍ ، ولا في أي ِّ تاريخٍ ، وقد مضت القرون تلو القرون ، ترسم مصداق هذه المقولة
عدد الصفحات ١٠٩الصَّادقة ، ولم تختلَّ هذه القاعدة مرَّةً واحدةً ، ولم يقع في هذه الأرض إلا ما قرَّره القران الكريم في صيغة الوصف الدَّائم ، لا الحادث المفرد ، واختيار الجملة الاسميَّة على هذا النَّحو ، [51] الأصيل[»445.]) وقد نهى الله ـ سبحانه ـ المؤمنين عن اتخاذ المنافقين أولياء؛ وذلك لأنَّ من أبرز صفاتهم موالاة الكفار ، وكراهية دين الله. قال تعاأَولِّيَاءَ مِّنْ دُو نِّ الْمُؤْمِّنِّينَ أَيـَبـْتـَغُونَ عِّنْدَهُمُ الْعِّزَّةَ فَإِّنَّ الْعِّزَّةَ للََِِّّّّ جمَِّيعًا[138 ـ139. ] وقد جاءت ايَّتٌ توض ِّح صور هذه المفاصلة في القران المدني ِّ ، ومنها قوله تعا الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِّقِّينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِّمْ وَمَلْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِّئْسَ الْمَصِّيرُ[73. ] ونهى المولى ـ عزَّ وجل ـ عن الص لاة عليهم ، أو القيام على قبورهم. قال تعا مِّنـْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تـَقُمْ عَلَى قـَبرِّْهِّ إِّنـَّهُمْ كَفَرُوا باِّللََِّّّ وَرَسُولِّهِّ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِّقُونَ [84. ] وحدَّد المولى ـ عزَّ وجل ـ لِّلَّذين امنوا جه ة الولاء الوحيدة ، الَّتي تتَّفق مع صفة الإيمان ، وبينَّ لهم من يتولَّون. قال تعا الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِّعُونَ *وَمَنْ يـَتـَوَلَّ اللَََّّ وَرَسُولَهُ وَالَّذِّينَ آمَنُوا فَإِّنَّ حِّزْبَ اللََِّّّ هُمُ الْغَالِّبُونَ [55 ـ56. ] فقد فهم الصحابة: أنَّ ولاءهم لا يكون إلا لقيادتهم ، وإخلاصهم لا يكون إلا لعقيدتهم ، وجهادهم يكون إلا لإعلاء كلمة الله ، فحقَّقوا ذلك كلَّه في أنفسهم ، وطبَّقوه على حياتهم ، فمحَّضوا ولاءهم ، وجعلوه لله ، ورسوله ، والمؤمنين ، وأصبح تاريخهم حافلاً بالمواقف الرَّائعة ، الَّتي تدلُّ على فهمهم العميق لمعنَّ الولاء ، الذي منحوه لخالقهم ، ولدينهم ، وعقيدتهم ، وإخوانهم. إنَّ التَّـاخي الَّذي تمَّ بين المهاجرين ، والأنصار كان مسبوقاً بعقيدةٍ تمَّ الل ِّقاء عليها ، والإيمان بها؛ فالتاخي بين شخصين يـُؤْمِّن كلٌّ منهما بفكرةٍ ، أو عقيدةٍ مخالفةٍ للأخرى خرافةٌ ، ووَهْمٌ ، خصوصاً إذا كانت تلك الفكرة ، أو العقيدة ، ممَّا تحَْمِّلُ صاحبها على سلوكٍ معينٍَّ في الحياة العمليَّة ، ولذلك كانت العقيدة الإسلاميَّة الَّتي جاء بها رسولُ الله (ص) من عند الله تعالى هي العمود الفقريَّ للمؤاخاة التي حدثت؛ لأنَّ تلك العقيدة تضع الناس كلَّهم في مصاف ِّ العبودية الخالصة لله ، دون الاعتبار لأي ِّ فارقٍ ، إلا فارق التَّقوى ، والعمل الصَّالح؛ إذ ليس من المتوقَّ ع أن يسود الإخاء ، والتَّعاون
عدد الصفحات ١١٠، والإيثار بين أناسٍ شَتـَّتـَتـْهُمُ العقائد ، والأفكار المختلفة ، فلصبح كلٌّ منهم ملكاً لأنانيته ، وأثرته ، وأهوائه446.]) 2 ـ الحبُّ في الله أساسُ بنية المجتمع المد إنَّ المؤاخاة على الحب ِّ في الله من أقوى الدَّعائم في بناء الأمَّة المسلمة ، فإذا وَهَتْ؛ تاكل كلُّ بنيانها447]) ، فقد قال (ص«إنَّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابُّون بجلالي؟ اليوم أُظلُّهم في ظل ِّي؛ يوم ظلَّ إلا ظِّل ِّي»[2566) وأحمد2/237 و535) ومالك في الموطل2/952.] ) وقال«قال الله تبارك وتعالى: حقَّت محبَّتي للمتحاب ِّين فيَّ ، وحقَّت محبَّتي للمتواصلين فيَّ ، وحقَّت محب للمتباذلين فيَّ. المتحابُّون فيَّ على منابرَ من نورٍ ، يغبطهم النَّبيُّون ، والص ِّد ِّيقون ، والشُّهداء»[ (5/229 و239) وابن حبان577) وروى التّمذي2390) طرفه الأخ كانت توجيهات النَّبي ِّ (ص) ، تحثُّ الصَّحابة على معاني الحب ِّ والتَّكافل ، واحتّام المسلمين بعضهم بعضاً ، فلا يستعلي غنيٌّ على فقيرٍ ، ولا حاكمٌ على محكومٍ ، ولا قويٌّ على ضعيفٍ ، وكان للحب ِّ في الله أثرُه في المجتمع المدني ِّ الجديد ، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري ٍ بالمدينة نخلاً ، وكان أحبَّ أمواله إليه بـَيـْرُحَاء ، وكانت مُستقبلةَ المسجد ، وكان رسول الله (ص) يدخلها ، ويشرب من ماءٍ فيها طي ِّبٍ ، فلمَّا نزلت شَيْءٍ فَإِّنَّ اللَََّّ بِّهِّ عَلِّيمٌ[عمران 92] تـَنَالُوا الْبرَِّّ حَتََّّ تـُ نْفِّقُوا ممَِّّا تحُِّبُّونَ وذُخْرها عند الله ، فضعها يَّ رسول الله! حيث أراك الله. قال رسول الله (ص) : «ذلك مالٌ رابحٌ! ذلك مالٌ رابحٌ! وقد سمعتُ ما قلتَ ، وإني ِّ أرى أن تجعلها في الأقربين »، فقال أبو طلحة: أفعلُ يَّ رسول الله! فقسَّمها أبو طلحة في أقاربه وبني عم ِّه [1461([)448])998. ]) وهذا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يحد ِّثنا عن هذه المعاني الرَّفيعة ، حيث قال: لمَّا قدمنا المدينة؛ اخى رسولُ الله (ص) بيني ، وبين سعدٍ بن الرَّبيع ، فقال سعد بن الرَّبيع: إني ِّ أكثر الأنصار مالاً ، فلَقسمُ لك نصف مالي ، وانظر أيَّ زوجتيَّ هويتَ؛ نـَزَلْتُ لك عنها ، فإذا حَلَّتْ 449])
عدد الصفحات ١١١قال: فقال له عبد الرَّحمن: لا حاجة لي في ذلك ، هل من سوقٍ فيه تجارةً؟ قال: سوق قينقاع (450.]) قال: فغدا إليه عبد الرَّحمن فلتى بأقطٍ ، وسمنٍ ، قال: ثمَّ تابع الغُدُو 451]) الرَّحمن عليه أثـَرُ صُفرةٍ ، فقال رسول الله (ص«تـَزَوَّجتَ؟ »قال: نعم. قال«ومَنْ؟»قال: امرأةً من الأنصار. قال: «كم سُقْتَ؟ »قال: زِّنَةَ نواةٍ من ذهبٍ ـ أو: نواةً من ذهب ـ فقال له النَّبيُّ (ص) : «أوْلمِّْ ولو بشاةٍ»[2048 و3780) ومسلم1426.]) ونلاحظ: أنَّ كرم سعد بن الرَّبيع قابله عفةُ وكرمُ نفسٍ من عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنهما ، و يكن مسلك عبد الرَّحمن بن عوفٍ خاص اً به؛ بل إنَّ الكثير من المهاجرين كان مكوثهم يسيراً في بيوت إخوانهم من الأنصار ، ثمَّ باشروا العمل ، والكسب ، واشتّوا بيوتاً لأنفسهم ، وتكفَّلوا بنفقة أنفسهم؛ ومن هؤلاء: أبو بكرٍ ، وعمر ، وعثمان ، وغيرُهم رضي الله عنهم. 3 ـ النَّصيحة بين المتاخ كان للمؤ اخاة أثرٌ في المناصحة بين المسلمين ، فقد اخى النَّبيُّ (ص) بين سلمان ، وأبي الدَّرداء ، فزار سلمانُ أبا الدَّرداء ، فرأى أمَّ الدرداء ، مُتـَبَذ ِّلَةً ، فقال لها: ما شلنُكِّ؟ قالت: أخوك أبو الدَّرداء ، ليس له حاجةٌ في الدُّنيا. فجاء أبو الدَّرداء فصنع له طعاماً ، فقال له: كلْ ، فإني ِّ صائم ، قال: ما أنا باكلٍ حتََّّ تأكل. قال: فلكل ، فلمَّا كان اللَّيل؛ ذهب أبو الدَّرداء يقوم ، قال: نََْ ، فنام ، ثمَّ ذهب يقوم ، فقال: نََْ. فلمَّا كان اخر اللَّيل ، قال سلمان: قم الان ، فصَلَّيا. فقال له سلمان: إنَّ لرب ِّك عليك حقاً ، ولنفسك عليك حقاً ، ولأهلك عليك حقاً ، فلعط كلَّ ذي حق ٍ حقَّه. فلتى النبيَّ (ص) فذكر ذلك له ، فقال له النَّبيُّ (ص) : «صَدَقَ سلمان »[1968 و6139) والتّمذي2413. ]) 4 ـ لا ما أثنيتم عليهم ، ودعوتم الله لهم كان الأنصار قد واسوا إخوانهم المهاجرين بأنفسهم ، وزادوا على ذلك بأن اثروهم على أنفسهم بخير الدُّنيا ، وهذا شاهدٌ على صدق محبَّتهم ، وقوَّة إيمانهم ، فقد رويت نماذج عالية من مواقف الأنصار ، الَّتي كان لها أثرٌ عميق في نفوس المهاجرين ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قالت الأنصارُ للن: اقْسِّمْ بيننا وبين إخواننا النَّخيلَ. قال: لا. فقالوا: تكفوننا المؤونة ، ونشرككم في الثَّمرة. قالوا: سمعنا ، وأطعنا»[2325. ])
عدد الصفحات ١١٢فهذا الحديث يفيد: أنَّ الأنصار عرضوا على النَّبي ِّ (ص) ، أن يتولىَّ قسمة أموالهم بينهم ، وبين إخوانهم المهاجرين ، و قد كانت أموالهم هي النَّخيل ، فلبى عليهم النَّبيُّ (ص) ، وأراد أمراً تكون فيه المواساة من غير إجحافٍ بالأنصار بزوال ملكية أموالهم عنهم ، فقال الأنصار للمهاجرين: تكفوننا المؤونة ـ أي: العمل في النَّخيل من سقيها ، وإصلاحها ـ ونشرككم في الثَّمرة ، فلمَّا قالو ا ذلك؛ رأى رسولُ الله (ص) : أنَّ هذا الرأي ضمن سد ِّ حاجة المهاجرين ، مع الإرفاق بالأنصار ، فلقرَّهم على ذلك؛ فقالوا جميعاً: سمعنا ، وأطعنا452.]) وقد قام الأنصار بالمؤونة ، وأشركوا المهاجرين في الثَّمرة ، ولعلَّ المهاجرين كانوا يساعدونهم في العمل ، ولكنَّ أكثر العمل عند الأنصار. وقد شكر المهاجرون للأنصار فعلهم ، ومواقفهم الرَّفيعة في الإيثار ، والكرم ، وقالوا: يَّ رسول الله! ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساةً في قليلٍ ، ولا أحسن بذلاً في كثيرٍ ، ولقد كفونا المؤونة وأشركونا في المهنل453])د حسبنا أن يذهبوا بالأجر كل ِّه ، قال: «لا ، ما أثنيتم عليهم ، ودعوتم الله ـ عزَّ وجل ـ لهم »[3/200 ـ201) والتّمذي (2487) وابن أبي شيبة9/68. ]) وفي إشارة المهاجرين إلى الأجر الأخروي ِّ بيانٌ لعمق تصوُّرهم للحياة الاخرة ، وهيمنة هذا التَّصور على تفكير هم454.]) وقد أراد النَّبيُّ (ص) أن يكافلى الأنصار على تلك المكارم العظيمة ، الَّتي قدَّموها لإخوانهم المهاجرين ، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «دعا النَّبيُّ (ص) الأنصارَ إلى أن يـُقْطِّعَ لهمُ البحرين ، فقالوا لا ، إلا أن تـُقْطِّع لإخواننا من المهاجرين مثلَها. قال: إمَّا لا؛ فاصبروا حتََّّ تلْقَوني؛ فإنَّه سيصيبكم بعدي أَثـَرَةٌ »[3794. ]) لقد حقَّقتْ هذه المؤاخاةُ أهدافها ، فمنها إذهاب وحشة الغربة للمهاجرين ، ومؤانستهم عن مفارقة الأهل ، والعشيرة ، وشد ِّ أزر بعضهم بعضاً ، ومنها نهوض الدَّ ولة الجديدة؛ لأنَّ أيَّ دولةٍ لا يمكن أن تنهض ، وتقوم إلا على أساس من وحدة الأمَّة ، وتساندها ، ولا يمكن لكل ٍ من الوحدة والتَّساند أن يتمَّ بغير عاملِّ التَّـاخي والمحبَّـة المتبادلة ، فكلُّ جماعةٍ لا تؤلف بينها اصرة المودة ، والتَّـاخي الحقيقية لا يمكن أن تتَّحد حول مبدأ ما ، وما لم يكن الاتح ِّاد حقيقةً قائمةً في الأمَّة ، أو الجماعة ، فلا يمكن أن تتللَّف منها دولةٌ455.]) 5 ـ الإرث بالمؤاخاة
عدد الصفحات ١١٣