المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 02

علي محمد الصلابي

صفحة ٦ من ١٩

هذه الأمَّة إلا بَّا صلح به أوَّلها ، وأن تخشى الله لا تخشى سواه ، وأن ترجوه لا ترجو إ إيََّّه350.]) ومن العقوبات الَّتي توعَّد الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بها المتخل ِّفين عن الهجرة سوءُ المصير. قال تع ا تـَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِّكَةُ ظَالِّمِّي أَنـْفُسِّهِّمْ قَالُوا فِّيمَ كُنـْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِّينَ فيِّ الأَرْضِّ قَالُوا أَلمَْ تَكُنْ أَرْضُ اللََِّّّ وَاسِّعَةً فـَتـُهَاجِّرُوا فِّيهَا فَلُولَئِّكَ مَلْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِّيرً ا [97. ] روى البخاريُّ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أنَّ ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين ، يُكثرون سوادَ المشركين على رسول الله (ص) ، يأتي السَّهم يـُرْمَى به ، فيُصيبُ أحدَهم فيقتُله ، أو يُضْرَبُ ، فيُقتل ، فلنزلوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِّكَةُ ظَالِّمِّي أَنـْفُسِّهِّمْ 4596 و7085. ]) عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان قومٌ من أهل مكَّة أسلموا ، وكانوا يَسْتخْفُون بالإسلام ، فلخرجهم المشركون يوم بدرٍ معهم ، فلُصيب بعضهم ، فقال المسلمون: كان أصحابنا مسلمين ، وأُكرهوا ، فاستغفروا لهم ، فنزلت من بقي بَّكَّة من المسلمين بهذه الاية ، لا عذر لهم ، قال: فخرجوا ، فلحقهم المشركون ، فلعطوهم التَّقيَّة ، فنزلت فيهما باِّللََِّّّ فَإِّذَا أُوذِّيَ فيِّ اللََِّّّ جَعَلَ فِّتـْنَةَ النَّاسِّ كَعَذَابِّ اللََِّّّ وَلَئِّنْ جَاءَ نَصْرٌ مِّنْ رَب ِّكَ لَيـَقُولُنَّ إِّناَّ كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللََُّّ بأَِّعْلَمَ بََِّّا فيِّ صُدُورِّ الْعَا لَمِّينَ[ 10. ] فكتب المسلمون إليهم بذلك ، فخرجوا ، وأيسوا من كل ِّ خير ، ثمَّ نزلت فيهم هَاجَرُوا مِّنْ بـَعْدِّ مَا فُتِّنُوا ثمَُّ جَاهَدُوا وَصَبـَرُوا إِّنَّ رَبَّكَ مِّنْ بـَعْدِّهَا لَغَفُورٌ رَحِّيمٌ [ 110([]351. ]) لقد وصف الله ـ سبحانه ـ المتخل ِّف عن الهجرة بأنهَّم ظلموا أنفسهم ، والمراد بالظُّلم في هذه الاية: أنَّ الذين أسلموا في دار الكفر ، وبقوا هناك ، ولم يهاجروا إلى المدينة ظلموا أنفسهم بتّكهم الهجرة 352])ليقة ، وألزموها الحياة في دار الكفر ، تلك الحياة الذَّليلة الخاسئة الضَّعيفة المضطهدة؛ توعَّدهم ممَّا يدلُّ على أنهَّا تعني الَّذين فُتِّنوا عن دينهم353.])

عدد الصفحات ٨٢

وفي هذه الاية الكريمة وعيد للمتخل ِّفين عن الهجرة ، بهذا اصير السَّي ِّلى ، وبالتَّالي التزم الصَّحابة بأمر الله ، وانضمُّوا إلى المجتمع الإسلامي في المدينة؛ تنفيذاً لأمر الله ، وخوفاً من عقابه ، وكان لهذا الوعيد أثرُه في نفوس الصَّحابة رضي الله عنهم ، فهذا ضمْرَة بنُ جُنْدب لمَّا بلغه قوله تعالى: وهو من المستضعفين ، وإني ِّ لأهتدي الطريق ، وإني ِّ لا أبيت اللَّيلة بَّكَّة ، فحملوه على سريرٍ ، متوجهاً إلى المدينة ، وكان شيخاً كبيراً ، فمات بالتَّنعيم ، ولمَّا أدركه الموت ، أخذ يصف ِّق بيمينه على شَاله ، ويقول: اللَّهمَّ هذه لك ، وهذه لرسولك (ص) ، أبايعك على ما بايع عليه رسولك ، ولمَّا بلغ خبرُ موته الصَّحابة رضي الله عنهم ، قالوا: ليته مات بالمدينة! فنزل354])رْ فيِّ سَبِّيل اللََِّّّ يجَِّدْ فيِّ الأَرْضِّ مُرَاغَمًا كَثِّيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يخَْرُجْ مِّنْ بـَيْتِّهِّ مُهَاجِّرًا إِّلىَ اللََِّّّ وَرَسُولِّهِّ ثمَُّ يُدْرِّكْهُ الْمَوْتُ فـَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللََِّّّ وَكَانَ اللََُّّ غَفُورًا رَحِّيمًا [100. ] وهذا الموقف يرينا ما كان عليه جيل الصَّحابة ، من سرعةٍ في امتثال الأمر ، وتنفيذه في النَّشاط ، والش ِّدَّة ، كائنةً ما كانت ظروفهم ، فلا يلتمسون لأنفسهم المعاذير ، ولا يطلبون الرُّخص 355.]) فهذا الصحابيُّ تفيد بعض الر ِّوايَّت: أنَّه كان مريضاً356])أنَّه رأى أنَّه ما دام له مالٌ يستع به ، ويحُمل به إلى المدينة؛ فقد انتفى عذره ، وهذا فقهٌ أملاه الإيمان ، وزكَّاه الإخلاص ، واليق357.]) وبعد أن ذكر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وعيده للمتخل ِّفين عن الهجرة بسوء مصيرهم استثنَّ من ذلك مَنْ لا حيلة لهم في البقاء في دار الكفر ، والتَّعرُّض للفتنة في الد ِّين ، والحرمان من الحياة في دار الإسلام من الشُّيوخ ، والض ِّعاف ، والن ِّساء ، والأطفال ، فيعلقهم بالرَّجاء في عفو الله ، ومغفرته ، ورحمته بسبب عذرهم البين ِّ ، وعجزهم عن الفرار 358])فِّينَ مِّنَ الر ِّجَالِّ وَالن ِّسَاءِّ وَالْوِّلْدَانِّ لاَ يَسْتَطِّيعُونَ حِّيلَةً وَلاَ يـَهْتَدُونَ سَبِّيلاً *فَلُوْلَئِّكَ عَسَى اللََُّّ أَنْ يـَعْفُوَ عَنـْهُمْ وَكَانَ اللََُّّ عَفُوًّا غَفُورًا [98 ـ99. ] * * * الفصل السَّابع دعائم دولة الإسلام في المدينة359])

عدد الصفحات ٨٣

شرع رسول الله (ص) منذ دخوله المدينة يسعى لتثبيت دعائم الدَّولة الجديدة ، على قواعد متينةٍ ، وأسسٍ راسخةٍ ، فكانت أولى خطواته المباركة ، الاهتمام ببناء دعائم الأمَّة؛ كبناء المسجد الأعظم بالمدينة ، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار على الحب ِّ في الله ، وإصدار الوثيقة ، أو الدُّستور الإسلامي ِّ في المدينة ، الَّذي ينظ ِّم العلاقات بين المسلمين، واليهود، ومشركي المدينة ، وإعداد جيش لحماية الدولة، والسَّعي لتحقيق أهدافها، والعمل على حل ِّ مشاكل المجتمع الجديد ، وتربيته على المنهج الرباَّني ِّ في شؤ ون الحياة كافَّةً ، فقد استمرَّ البناء التَّّبويُّ والتَّعليميُّ، واستمرَّ القران الكريم يتحدَّث في المدينة عن عظمة الله، وحقيقة الكون ، والتَّّغيب في الجنَّة ، والتَّّهيب من النَّار ، ويشر ِّع الأحكام لتّبية الأمَّة ، ودعم مقو ِّمات الدَّولة ، الَّتي ستحمل نشر دعوة الله بين النَّاس قاطبةً ، وتجاهد في سبيل الله. وكانت مسيرة الأمَّة العلميَّة ، والتَّّبويَّة ، تتطوَّر مع تطوُّر مراحل الدَّعوة ، وبناء المجتمع ، وتأسيس الدَّولة. وعالج رسول الله (ص) الأزمة الاقتصاديَّة بالمدينة ، من خلال المنهج الرباَّني ِّ ، واست مرَّ البناء التّبويُّ ، ففُرِّض الص ِّيامُ ، وفُرضتِّ الزَّكاة ، وأخذ المجتمع يزدهر ، والدَّولة تتقوَّى على أسسٍ ثابتةٍ ، وقويَّـة. * * * المبحث الأوَّل الد ِّعامة الأولى بناء المسجد الأعظم بالمدينة

عدد الصفحات ٨٤

كان أوَّلَ ما قام به الرَّسول (ص) بالمدينة بناءُ المسجد؛ وذلك لتظهر فيه شعائر الإسلام ، الَّتي طالما حُوربت ، ولتقام فيه الصَّلوات؛ الَّتي تربط المرء برب ِّ العالمين ، وتنق ِّي القلب من أدران الأرض ، وأدناس الحياة الدُّنيا360.]) روى البخاريُّ بسنده: أنَّ رسول الله (ص) دخل المدينة راكباً راحلتَهُ ، فسار شي معه النَّاسُ؛ حتََّّ بـَرَكَتْ عند مسجد رسول الله (ص) بالمدينة ، وهو يصل ِّي فيه يومئذٍ رجالٌ من المسلمين ، وكان مِّرْبَداً361]) (ص) حين بركت به راحلته «هذا إن شاء المنزل »، ثمَّ دعا رسولُ الله (ص) الغلامين ، فساومهما بالمِّرْبَد ليتَّخذَه مسجداً ، فقالا: لا ، بل نهبُهُ لك يَّ رسولَ الله! فلبى رسول الله (ص) أن يقبله منهما هِّبَةً؛ حتََّّ ابتاعه منهما 3906. ]) وفي رواية أنس بن مالكٍ: فكان فيه ما أقول: كان فيه نخَْلٌ ، وقُبورُ المشركين ، وخربٌ ، فلمر رسولُ الله (ص) بالنَّخل ، فقُطع ، وبقبور المشركين ، فنُبِّشَتْ ، وبالخربِّ ، فسُو ِّيَتْ. قال: فَصَفُّوا النَّخلَ قبلةً ، وجعلوا عِّضَادَتـَيْهِّ حجارةً. قال: فكانوا يرتجزون ، ورسولُ الله (ص) معهم؛ وهم يقولون: اللَّهُمَّ! لا خَيـْرَ إلا خَيـْرُ الاخِّرَهْفَانْصُرِّ الأنْصَارَ والمُهَاجِّرَهْ [428) ومسلم524. ]) شرع الرَّسول (ص) في العمل مع أصحابه ، وضرب أوَّل معولٍ في حفر الأساس؛ الَّذي كان عمقه ثلاثة أذرع ، ثمَّ اندفع المسلمون في بناء هذا الأساس بالحجارة ، والجدران ـ الَّتي لم تزد عن قامة الرَّجل إلا قليلاً ـ باللَّبَ؛ الَّذي يعجن بالتُّّاب ، ويسوَّى على شكل أحجارٍ صالحةٍ للبناء[362]). وفي النَّاحية الشَّمالية منه، أقيمت ظلَّةٌ من الجريد على قوائم من جذوع النَّخل، كانت تسمَّى «الصُّفة»أما باقي أجزاء المسجد، فقد تُرِّكت مكشوفةً بلا غطاءٍ [363]). أمَّا أبواب المسجد؛ فكانت ثلاثةٌ: باب في مؤخرته من الجهة الجنوبيَّة، وباب في الجهة الشَّرقيَّة، كان يدخل منه رسول الله (ص) بإزاء باب بيت عائشة، وباب من الجهة الغربية، يقال له: باب الرَّحمة، أو باب عاتكة[364]). أولاً: بيوت النَّبي ِّ (ص) التَّابعة للمسجد: وبُني لرسول الله (ص) حُجَرٌ حول مسجده الشَّريف؛ لتكون مساكن له، ولأهله، ولم تكن الحجر كبيوت الملوك، والأكاسرة، والقياصرة؛ بل كانت بُيوتَ مَنْ تـَرَفَّعَ عن الدُّنيا، وزخارفها، وابتغى الدَّار

عدد الصفحات ٨٥

الآخرة، فقد كانت كمسجده مبينةً من اللَّبَ، والطين، وبعض الحجارة، وكانت سقوفها من جذوع النَّخل، والجريد، وكانت صغيرة الفناء، قصيرة البناء، ينالها الغلام الفارع بيده. قال الحسن البصريُّ ـ وكان غلاماً مع أم ِّه خيرة مولاة أم ِّ سلمة ـ: «قد كنت أنال أول سقفٍ في حُجَرِّ النَّبي ِّ (ص بيدي»([365]). وهكذا كانت بيوت النَّبي ِّ (ص) في غاية البساطة، بينما كانت المدينة تشتهر بالحصون العالية، الَّتي كان يتَّخذها عِّلْيَةُ القوم؛ تباهياً بها في الس ِّلم، واتقاءً بها في الحرب، وكانوا من تفاخرهم بها يضعون لها أسماء، كما كان حصن عبد الله بن أُبي ِّ ابن سلول اسم ه: (مزاحم)، وكما كان حصن حسَّان بن ثابت رضي الله عنه اسمه: (فارع). إنَّ النبي (ص) بنَّ بيوته بذلك الشَّكل المتواضع، وكان باستطاعته أن يبني لنفسه قصوراً شاهقةً، ولو أنَّه أشار إلى رغبته بذلك مجرَّد إشارةٍ، لسارع الأنصار في بنائها له، كما كان بإمكانه أن يشيدها من أموال الدَّولة العامَّة؛ كالفيء، ونحوه، ولكنه (ص) لم يفعل ذلك؛ ليضرب لأمت ِّه مثلاً رفيعاً، وقدرةً عاليةً في التَّواضع والزُّهد في الدُّنيا، وجمع الهمَّة، والعزيمة للعمل لما بعد الموت[366]). ثانياً: الأذان في المدينة[367]): تشاور رسول الله (ص) مع أصحابه لإيجاد عملٍ ينب ِّه النَّائم، ويدرك السَّاهي، ويُعلِّم النَّاس بدخول الوقت لأداء الصَّلاة ، فقال بعضهم: نرفع راية إذا حان وقت الصَّلاة ليراها النَّاس ، فاعتّضوا على هذا الرأي؛ لأنهَّا لا تفيد النَّائم ، ولا الغافل ، وقال اخرون: نُشعل ناراً على مرتفع من الهضاب ، فلم يُقبل هذا الر أي أيضاً ، وأشار اخرون ببوقٍ ـ وهو ما كانت اليهود تستعمله لصلواتهم ـ فكرهه الرَّسول (ص) ؛ لأنه يحبُّ مخالفة أهل الكتاب في أعمالهم ، وأشار بعضُ الصَّحابة باستعمال النَّاقوس ـ وهو ما يستعمله النَّصارى ـ فكر هه الرَّسول (ص) أيضاً ، وأشار فريقٌ بالن ِّداءِّ ، فيقوم بعض الناس إذا حانت الصلاة وينادي بها ، فقُبل هذا الرَّأي ، وكان أحد المنادين عبدَ الله بن زيدٍ الأنصاريَّ ، فبينما هو بين النَّائم واليقظان؛ إذ عرض له شخصٌ وقال: ألا أعلمك كلماتٍ تقولها عند الن ِّداء با لصَّلاة؟ قال: بلى! فقال له: قل: الله أكبر مرَّتين ، وتشهَّد مرَّتين ، ثمَّ قل: حيَّ على الصَّلاة مرَّتين ، ثمَّ قل: حيَّ على الفلاح مرَّتين ، ثمَّ كبر ِّ ربَّك مرَّتين ، ثمَّ قل: لا إله إلا الله. فلما استيقظ توجَّه إلى الرَّسول (ص) ، وأخبره خبر رؤيَّه ، فقال: إنهَّا لرؤيَّ حق ٍ ، ثمَّ قال له: لَق ِّنْ بلالاً؛ فإنَّه أندى صوتاً منك. وبينما بلالٌ يؤذ ِّن للصَّلاة بهذا الأذان؛ جاء عمر بن الخطَّاب يجرُّ رداءه ، فقال: والله لقد رأيت مثله يَّ رسول الله! وكان بلال بن رباح أحد مؤذ ِّنيه بالمدينة ، والاخر عبد الله بنُ أم ِّ مكتومٍ ، وكان بلال يقول

عدد الصفحات ٨٦

في أذان الصُّبح بعد (حيَّ على الفلاح): الصَّلاة خيرٌ من النَّوم مرَّتين ، وأقرَّه الرَّسول (ص) على ذلك ، وكان يُؤذ ِّن في البداءة من مكانٍ مرتفعٍ ، ثمَّ استُحدثت المنارة (الْمئذَنة 4/43) وأبو داود (499) والتّمذي189) وابن ماجه (706) وابن حبان1679([])362. ]) ثالثاً: أوَّل خطبةٍ خطبها رسول الله (ص) بالمدينة كانت أوَّل خطبةٍ خطبها رسولُ الله (ص) بالمدينة: أنه قام فيهم ، فحمِّدَ الله ، وأثنَّ عليه بَّا هو أهله ، ثمَّ قال: «أمَّا بعد: أيُّها النَّاسُ! فقدموا لأنفسكم. تعلمُنَّ و ليُصْعَقَنَّ أحدُكم ، ثمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ ليس لها راعٍ ، ثمَّ ليقولنَّ له ربُّه؛ وليس له ترجمانٌ ، ولا حاجبٌ يحجبه دونه: ألم يأتك رسولي ، فبلَّغك؟! واتيتك مالاً ، وأفضلت عليك ، فما قدَّمت لنفسك؟ فـَلَيـَنْظُرَنَّ يميناً ، وشَالاً ، فلا يرى شيئاً ، ثمَّ لينظرنَّ قُدَّامه ، فلا يرى غير جهنَّم؛ فمن استطاع أن يقي وجهه من النَّار ولو بشق ٍ من تمرةٍ فليفعل ، ومن لم يجد؛ فبكلمةٍ طي ِّبةٍ؛ فإنَّ بها تجُزى الحسنة عشر أمثالها ، إلى سبعمئة ضعفٍ. والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته »[2/524) وابن هشام (2/146. ]) ثمَّ خطب رسول الله (ص) مرَّةً أخرى ، فقال«إنَّ الحمد لله ، أحمده ، وأستعينه ، نعوذ من شرور أنفسنا ، وسي ِّئات أعمالنا ، مَنْ يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يُضْلِّلْ فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له. إنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله تبارك وتعالى. قد أفلح من زَيـَّنَهُ الله في قلبه ، وأدخله في الإسلام بعد الكفر ، واختاره على ما سواه من أحاديث النَّاس ، إنَّه أحسن الحديث ، وأبلغه ، أحِّبُّوا من أحبَّ اللهُ ، أحِّبُّوا الله من كل ِّ قلوبكم ، ولا تمَلُّوا كلام الله وذكرَهُ ، ولا تـَقْسُ عنه قلوبكم؛ فإنَّه من كل ِّ ما يخلق الله يختار ، ويصطفي ، قد سمَّاه الله خيرتَه من الأعمال ، ومُصطفاه من العباد ، والصَّالح من الحديث ، ومن كل ِّ ما أوتي النَّاس الحلالُ والحرامُ ، فاعبدوا الله ، ولا تشركوا به شيئاً ، واتَّقوه حقَّ تقاته ، واصْدُ قوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم ، وتحابُّوا بروح الله بينكم ، إنَّ الله يغضب أن يـُنْكَثَ عهده ، والسَّلام عليكم »[2/524 ـ525) وابن هشام (2/146 ـ147. ]) رابعاً: الصُّفَّة التَّابعة للمسجد النَّبوي لمَّا تمَّ تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرَّفة بأمر الله تعالى ، وذلك بعد ستة عشر شهراً من هجرته (ص) إلى المدينة 40) ومسلم545])

عدد الصفحات ٨٧

النبوي ، فلمر النبي (ص) به ، فظل ِّل ، أو سقف ، وأطلق عليه اسم (الصُّفَّة) أو (الظُّلَّة363 ])، ولم يكن له ما يستُّ جوانبه364.]) قال القاضي عياض: الصُّفَّة ظُلَّةٌ في مؤخرة مسجد رسول الله (ص) ، يأوي إليها المساكين ، وإليها يُنسب أهل الصُّفَّة365.]) وقال ابن تيميَّة: الصُّفَّة كانت في مؤخرة مسجد النَّبي ِّ (ص) ، في شَالي المسجد بالمدينة المنوَّرة[366.]) وقال ابن حَجَرٍ: الصُّفَّة مكانٌ في مؤخَّر المسجد النَّبوي ِّ مظلَّلٌ ، أُعدَّ لنزول الغرباء فيه ، ممَّن لا ملوىً له ، ولا أهل 6/738([])367. ]) 1 ـ أهل الصُّفَّة قال أبو هريرة رضي الله عنه: «وأهلُ الصُّفَّة أضيافُ الإسلام ، لا يأوون إلى أهلٍ ، ولا مالٍ ، ولا على أحدٍ »[6452. ]) إنَّ المهاجرين الأوائل ، الَّذين هاجروا قبل النَّبي ِّ (ص) ، أو معه ، أو بعده؛ حتََّّ نهايـة الفتّة الأولى قبل غزوة بدرٍ ، استطاع الأنصار أن يستضيفوهم في بيوتهم ، وأن يشاركوهم النَّفقة ، ولكن فيما بعد كبر حجم المهاجرين ، فلم يعد هناك قدرةٌ للأنصار على استيعابهم 368])«صار المهاجرون يكثرون بعد ذلك شيئاً بعد شيءٍ؛ فإنَّ الإسلام صار ينتشر ، والنَّاس يدخلون فيه ، ويكثر المهاجرون إلى المدينة من الفقراء ، والأغنياء ، والاهلين ، والعُزَّاب ، فكان مَنْ لم يتيسَّر له مكانٌ يأوي إليه ، يأوي إلى تلك الصُّفُّة في المسجد[»369.]) والَّذي يظهر للباحث: أنَّ المهاجر الَّذي يقدم إلى المدينة كان يلتقي بالرَّسول (ص) ، ثمَّ يوجهه بعد ذلك إلى مَنْ يكفله ، فإن لم يجد فإنَّه يستقرُّ في الصُّفَّة مؤقتاً ، ريثما يجدُ السَّ بيل370]) في المسند عن عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال«كان رسول الله (ص) يُشغل ، فإذا قدم رجلٌ مهاجرٌ على رسول الله (ص) ، دفعه إلى رجلٍ منَّا يعل ِّمه القران ، فدفع إليَّ رسولُ الله (ص) رجلاً ، وكان معي في البيت ، أُعش ِّيه عشاء أهل البيت ، فك نت أُقرئه القران»[5/324]) أول مَنْ نزل الصُّفة المهاجرون 371])372]) وكذلك كان ينزل بها الغرباء من الوفود ، الَّتي كانت تقدم على النَّبي ِّ (ص) معلنةً إسلامَها ، وطاعتها373])إذا قدم على النَّبي ِّ (ص) وكان له عريفٌ؛ نزل عليه ، وإذا لم يكن له

عدد الصفحات ٨٨

عريف؛ نزل مع أصحاب الصُّفَّة374]) القاطنين، ومَنْ نزلها من الطَّارقين، فكان النَّبيُّ (ص) إذا أراد دعوتهم، عهد إلى أبي هريرة ، فدعاهم؛ لمعرفته بهم ، وبَّنازلهم ، ومراتبهم في العبادة ، والمجاهدة 375]) لحياة الزُّهد ، والمجاهدة ، والفقر ، برغم استغنائهم عن ذلك ، ووجود دارٍ لهم في المدينة؛ ككعب بن مالك الأنصاري ِّ ، وحنظلة بن أبي عامرٍ الأنصاري (غسيل الملائكة) ، وحارثة بن النُّعمان الأنصاري ِّ ، وغيرهم376.]) 2 ـ نفقة أهل الصُّفَّة ، ورعاية النَّبي ِّ (ص) والصَّحابة لهم كان النَّبيُّ (ص) يتعهَّد أهل الصُّفَّة بنفسه ، فيزورهم ، ويتفقَّد أحوالهَم ، ويعود مرضاهم ، كما كان يكثر مجالستهم ، ويرشدهم ، ويواسيهم ، ويذك ِّرهم ، ويعل ِّمهم ، ويوج ِّههم إلى قراءة القران الكريم ، ومدارسته ، وذِّكْرِّ الله ، والتَّطلُّع إلى الاخرة377]) ومتنوعةٍ؛ منها 1 ـ«إذا أتته (ص) صدقةٌ؛ بعث بها إليهم ، ولم يتناول منها شيئاً ، وإذا أتته هديَّة ، أرسل إليهم ، وأصاب منها ، وأشركهم فيها »[6452. ]) 2 ـ كثيراً ما كان يدعوهم إلى تناول الطَّعام في إحدى حجرات أمَّهات المؤمنين رضي الله عنهن ، و يكن يغفل عنهم مطلقاً؛ بل كانت حالتُهم ماثلةً أمامه؛ فعن عبد الرَّحمن بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما قال: إنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا أناساً فقراء ، وإنَّ النَّبيَّ (ص) قال مرَّةً: «من كان عنده طعام اثنين؛ فليذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة؛ فليذهب بخامسٍ ، أو سادسٍ ـ أو كما قال ـ وإنَّ أبا بكر جاء بثلاثةٍ ، وانطلق النَّبيُّ (ص) بعشرةٍ »[بخاري 3581) ومسلم 2057]) طخفة بن قيس الغفاري ِّ ، قال «كان أبي من أصحاب الصُّفَّة ، فلمر رسولُ الله (ص) بهم ، فجعل الرَّجل ينقلب بالرَّجل ، والرَّجل بالرَّجلين؛ حتََّّ بقيت خامس خمسة ، فقال رسول الله (ص) : «انطلقوا»، فانطلقنا معه إلى بيت عائشة»[4/429 ـ430) والطيالسي1339. ]) 3 ـ وكان (ص) يطلب من النَّاس أن يوج ِّهوا صدقاتهم إليهم؛ فقد جاء في المسند: أنَّ فاطمة لمَّا ولدت الحسن؛ طلب منها (ص) أن تحلق رأسه ، وتتصدَّق بوزن شعره من فضَّة ، على أهل الصُّفَّة (6/390 ـ391. ])

عدد الصفحات ٨٩

4 ـ وقد كان (ص) يقد ِّم حاجتهم على غيرها ممَّا يطلب منه؛ فقد أُتي بسَبيٍْ مرَّةً ، فلتته فاطمة رضي الله عنها تسلله خادماً ، فكان جوابه ـ كما في المسند عند الإمام أحمد ـ: «والله! لا أعطيكما ، وأدَعُ أهل الصُّفَّة تُطْوى بطونهُم من الجوع ، لا أجد ما أنفق عليهم؛ ولكن أبيعُهم ، وأنفق عليهم أثمانهَم» [3113. ]) 5 ـ وقد أوصى النَّبيُّ (ص) الصَّحابة بالتَّصدُّق على أهل الصُّفَّة 378]) استطاعوا مِّنْ خيرٍ 1/340]) (1/378. ]) 3 ـانقطاعهم للعلم ، والعبادة ، والجهاد: كان أهل الصُّفَّة يعتكفون في المسجد للعبادة ، ويألفون الفقر ، والزُّهد ، فكانوا في خلواتهم يصلُّون ويقرؤون القران ، ويتدارسون ايَّته ، ويذكرون الله تعالى ، ويتعلَّم بعضهم الكتابة ، حتََّّ أهدى أحدُهم قوسَه لعبادة بن الصَّ امت رضي الله عنه؛ لأنَّه كان يعلمهم القران ، والكتابة379]) بالعلم ، وحفظ الحديث عن النَّبي ِّ (ص) ؛ مثل أبي هريرة رضي الله عنه ، الَّذي عُرِّف بكثرة تحديثه ، وحُذَيفة بن اليمان ، الذي اهتم بأحاديث الفتن. وكان أهل الصُّفة يشاركون في الجهاد؛ بل كان منهم الشُّهداء ببدرٍ؛ مثل صفوان ابن بيضاء ، وخريم بن فاتك الأسدي ِّ ، وخبيب بن يساف ، وسالم بن عُمير ، وحارثة بن النُّعمان الأنصاري 380]) ومنهم من استشهد بأحدٍ؛ مثل حنظلة الغسيل1/357]) جرهد بن خويلد 1/353])1/355]) بخيبر؛ مثل ثقيف بن عمرو 381]) البِّجادَين382]) فكانوا رهباناً باللَّيل ، فـُرْساناً في النَّهار383.]) وكان بعض الصَّحابة قد اختاروا المكوث في الصُّفَّة رغبةً منهم لا اضطراراً؛ كلبي هريرة رضي الله عنه ، فقد أحبَّ أن يلازم رسول الله (ص) ، ويعو ِّضَ ما فاته من العلم ، والخير ـ فقد جاء إلى المدينة بعد فتح خيبر في العام السَّابع ـ وحرص على سماع أكبر قدرٍ ممكنٍ من حديثه (ص) ، ومعرفة أحواله ، وتبرُّكاً بخدمته (ص) ، وهذا لا يتوافر له إلا إذا كان قريباً من بيت النَّبي ِّ (ص) ، فكانت الصُّفة هي المكان الوحيد الَّذي يؤم ِّن له ذلك ، ولنستمع إليه يوض ِّح لنا ذلك ، قال أبو هريرة رضي الله عنه: «إنكم

عدد الصفحات ٩٠

تقولون: إنَّ أبا هريرة يُكْثِّرُ الحديث عن رسول الله (ص) ، وتقولون: ما بالُ المهاجرين ، والأنصار يحَُد ِّثُون عن رسول الله (ص) بَّثل حديث أبي هريرة؟! وإنَّ إخوتي من المهاجرين كان يَشغَلُهُم الصَّفْقُ بالأسواق ، وكنت ألزم رسول الله (ص) على ملء بطني ، فل شهدُ إذا غابوا ، وأحفظ إذا نَسُوا ، وكان يَشْغَلُ إخوتي من الأنصار عملُ أموالهم ، وكنت امرأً مسكيناً من مساكين الصُّفَّة ، أعي حين يـَنْسَون» [2047) ومسلم2492. ]) وهكذا يوض ِّح رضي الله عنه: أنه فعل ذلك رغبةً منه في ملازمة النَّبي ِّ (ص) ، ثمَّ إن أبا هريرة كان له سكنٌ في المدينة ، وهو المكان الَّذي تسكنه أمُّه ، والَّتي طلب من النَّبي ِّ (ص) أن يدعو لها بالهداية. [2491) وأحمد2/320. ]) ثمَّ إنَّ أبا هريرة رضي الله عنه لم يكن فقيراً مُعْدماً ، ففي أوَّل يومٍ قدم فيه على النَّبي ِّ (ص) في خي أسهم له (ص) من الغنيمة ، كما أنَّه لمَّا قدم كان معه عبدٌ يخدمه ـ كما ورد في الصَّحيح ـ384]) وإذاً فالَّذي أفقره هو إيثاره ملازمة النَّبي ِّ (ص) ، واستماع أحاديثه ، وكان يستطيع الاستغناء عن الصُّفَّة لو أراد 385.]) كان أهل الصُّفَّة يكثرون ، ويقلُّونبحسب تبدُّل الأحوال الَّتي تحيط بأهل الصُّفَّة؛ من عودة الأهل ، أو زواجٍ ، أو يُسرٍ بعد عُسْر ، أو شهادةٍ في سبيل الله. ولم يكن فقرهم لقعودهم عن العمل ، وكسب الر ِّزق ، فقد ذكر الزَّمخشريُّ: أنهم كانوا يرضخون النَّوى بالنَّهار ، ويظهر: أنهَّم كانوا يرضخون النَّوى ـ يكسرونه ـ لعلف الماشية ، وهم ليسوا أهل ماشية ، فهم إذاً يعملون لكسب الر ِّزق386.]) 4 ـ عددهم وأسماؤهم كان عددهم يختلف باختلاف الأوقات ، فهم يزيدون؛ إذا قدمت الوفود إلى المدينة ، ويقلُّون إذا قلَّ الطَّارقون من الغرباء ، على أنَّ عدد المقيمين منهم في الظروف العاديَّة ، كان في حدود السَّبعين رجلاً [1/339 ،341]) ثمانين منهم ، فضلاً عن الاخرين الَّذين يتوزَّعهم الصَّحابة1/341. ]) ومن أهل الصُّفَّة 1 ـ أبو هريرة رضي عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم. 2 ـ أبو ذر ٍ الغفاري رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم

عدد الصفحات ٩١

3 ـ واثلة بن الأسقع رضي الله عنه 4 ـ قيس بن طهفة الغفاريُّ رضي الله عنه؛ حيث نسب نفسه إليهم 5 ـ كعب بن مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه 6 ـ سعيد بن عامر بن حذيم الجمحيرضي الله عنه. 7 ـ سلمان الفارسيُّ رضي الله عنه 8 ـ أسماء بن حارثة بن سعيد الأسلميُّ رضي الله عنه 9 ـ حنظلة بن أبي عامر الأنصاري«غسيل الملائكة»رضي الله عنه 10 ـ حازم بن حرملة رضي الله عنه 11 ـ حارثة بن النُّعمان الأنصاريُّ النَّجاريُّ رضي الله عنه 12 ـ حُذَيفة بن أَسِّيد أبو سريحة الأنصاريُّ رضي الله عنه 13 ـ حُذَيفة بن اليمان رضي الله عنه 14 ـ جارية بن حمَُيل بن نُشَبَة بن قـُرْطٍ رضي الله عنه 15 ـ جُعَيْل بن سراقة الضَّمَّريُّ رضي الله عنه 16 ـ جَرْهَدُ بن خويلد الأسديُّ رضي الله عنه 17 ـ رفاعة أبو لبابة الأنصاريُّ رضي الله عنه. 18 ـ عبد الله ذو البِّجَادَين رضي الله عنه 19 ـ دكين بن سعيد المزنيُّ ، وقيل: الخثعميُّ رضي الله عنه 20 ـ خُبـَيْبُ بن يساف بن عِّنَبة رضي الله عنه 21 ـ خريم بن أوس الطائيُّ رضي الله عنه 22 ـ خريم بن فاتك الأسديُّ رضي عنه. 23 ـ خُنيس بن حذافة السَّهميُّ رضي الله عنه 24 ـ خبَّاب بن الأرت ِّ رضي الله عنه 25 ـ الحكم بن عمير الثُّماليُّ رضي الله عنه 26 ـ حرملة بن أيَّس ، وقيل: حرملة بن عبد الله العنبريُّ رضي الله عنه387.]) 27 ـ زيد بن الخطَّاب رضي الله عنه

عدد الصفحات ٩٢

28 ـ عبدالله بن مسعودٍ رضي الله عنه. 29 ـ الطَّفاويُّ الدَّوسيُّ رضي الله عنه 30 ـ طلحة بن عمرو النَّضريُّ رضي الله عنه 31 ـ صفوان بن بيضاء الفهريُّ رضي الله عنه 32 ـ صهيب بن سنان الرُّوميُّ رضي الله عنه 33 ـ شدَّاد بن أسيد رضي الله عنه 34 ـ شقران رضي عنه مولى النَّبي ِّ (ص) . 35 ـ السَّائب بن خلاَّد رضي الله عنه 36 ـ سالم بن عمير من الأوس من بني ثعلبة بن عمرو بن عوفٍ رضي الله عنه 37 ـ سالم بن عبيد الأشجعيُّ رضي الله عنه 38 ـ سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه 39 ـ سفينة رضي الله عنه مولى النَّبي ِّ (ص . 40 ـ أبو رزين رضي الله عنه 41 ـ الأغرُّ المزنيُّ رضي الله عنه 42 ـ بلال بن رباحٍ رضي الله عنه 43 ـ البراء بن مالكٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه 44 ـ ثوبان رضي الله عنه مولى النَّبي ِّ (ص 45 ـ ثابت بن وديعة الأنصاريُّ رضي الله عنه 46 ـ ثـَقْفُ بن عمرو ب ن سمُيط الأسديُّ رضي الله عنه. 47 ـ سعد بن مالكٍ أبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنه 48 ـ العِّرباض بن سارية رضي الله عنه 49 ـ غَرَفَةُ الأزديُّ رضي الله عنه 50 ـ عبد الرَّحمن بن قـُرْطٍ رضي الله عنه 51 ـ عبادة بن خالد الغفاري388]) وغيرهم من الصَّحابة الكرام

عدد الصفحات ٩٣

وقد وقع بعض الباحثين في خطل فادحٍ حين استدلَّ بعضهم على مشروعيَّة مسلك بعض المنحرفين من المتصو ِّفة ، من حيث ترك العمل ، والإخلاد إلى الرَّاحة ، والكسل ، والمكوث في الزَّوايَّ ، والتكايَّ؛ بحجَّة الاقتداء بحال أهل الصُّفَّة 389])؛ فإن أبا هريرة ـ وهو أكثر ارتباطاً بالصُّفَّة من غيره ـ لم يستمرَّ فيها ، وخرج إلى الحياة؛ بل أصبح أميراً في بعض أيََّّمه على البحرين ، في عهد عمر بن الخطَّاب ، ولم يكن مخشوشناً في حياته390]) في سبيل الله في ساحات القتال ، وقد استشهد بعضهم كما ذكرتُ. خامساً: فوائد ودروس وعبر: 1 ـ المسجد من أهم ِّ الركائز في بناء المجتمع إنَّ إقامة المساجد من أهم ِّ الرَّكائز في بناء المجتمع الإسلامي ِّ؛ ذلك أنَّ المجتمع المسلم إنمَّا يكتسب صفة الرُّسوخ ، والتَّماسك بالتزام نظام الإسلام ، وعقيدته ، وادابه ، وإنمَّا ينبع ذلك من رُوح المسجد ، ووحيه 391.]) قال تعا رِّجَالٌ يحُِّبُّونَ أَنْ يـَتَطَهَّرُوا وَاللََُّّ يحُِّبُّ ا لْمُطَّه ِّرِّينَ[108] وَيُذْكَرَ فِّيهَا اسمُْهُ يُسَب ِّحُ لَهُ فِّيهَا باِّلْغُدُو ِّ وَالآصَالِّ *رِّجَالٌ لاَ تـُلْهِّيهِّمْ تجَِّارَةٌ وَلاَ بـَيْعٌ عَنْ ذِّكْرِّ اللََِّّّ وَإِّقَامِّ الصَّلاَةِّ وَإِّيتَ اءِّ الزَّكَاةِّ يخََافُونَ يـَوْمًا تـَتـَقَلَّبُ فِّيهِّ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ *لِّيَجْزِّيـَهُمُ اللََُّّ أَحْسَنَ مَا عَمِّلُوا وَ يَزِّيدَهُمْ مِّنْ فَضْلِّهِّ وَاللََُّّ يـَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِّغَيرِّْ حِّسَابٍ [36 ـ38. ] 2 ـ المسجد رمزٌ لشموليَّة الإسلام: 1 ـ حيث«أُنشلى ليكون متعبَّداً لصلاة المؤمنين ، وذكرهم لله تعالى ، وتسبيحهم له ، وتقديسهم إيََّّه بحمده ، وشكره على نعمه عليهم ، يدخله كلُّ مسلمٍ ، ويقيم فيه صلاته ، وعبادته ، ولا يضارُّه أحدٌ ما دام حافظاً لقداسته ، ومؤد ِّيًَّ حقَّ حرمته[»392.]) 2 ـ كما «أنشلى المسجد ليكون ملتقى رسول الله (ص) بأصحابه ، والوافدين عليه؛ طلباً للهداية ، ورغبةً في الإيمان بدعوته وتصديق رسالته»1.) 3 ـ«وهو قد أنشلى ليكون جامعةً للعلوم ، والمعارف الكونيَّة ، والعقليَّة ، والتَّنزليَّة ، الَّتي حثَّ القران الكريم على النَّظر ف يها ، وليكون مدرسةً يتدارس فيها المؤمنون أفكارهم ، وثمرات عقولهم ، ومعهداً يـَؤُمُّهُ

عدد الصفحات ٩٤

طلاب العلم من كل ِّ صوبٍ؛ ليتفقهوا في الد ِّين ، ويرجعوا إلى قومهم مبش ِّرين ، ومنذرين ، داعين إ الله هادين ، يتوارثونها جيلاً بعد جيلٍ »1.) 4 ـ وهو«قد أنشلى؛ ليجد فيه الغريب ملوىً ، وابن السَّبيل مستقراً ، لا تكد ِّره منَّةُ أحدٍ عليه ، فينهل من رِّفْدِّه ، ويعبُّ من هدايته ما أطاق استعداده النَّفسيُّ ، والعقليُّ ، لا يصدُّه أحدٌ عن علمٍ ، أو معرفةٍ ، أو لونٍ من ألوان الهداية ، فكم من قائد تخرَّج فيه ، وبرزت بطولتُه بين جدرانه! وكم من عالمٍ استبحر علمُه في رحابه ، ثمَّ خرج به على النَّاس يروي ظملهم للمعرفة! وكم من داعٍ إلى الله تلقَّى في ساحاته دروس الدَّعوة إلى الله ، فكان أسوة الدُّعاة ، وقدوة الهداة ، وريحانةً جَذَبَ القلوبَ شَذَاها ، فانجفلت إليها تأخذ عنها الهداية؛ لتستضيء بأنوارها! وكم من أعرابي ٍ جلفٍ لا يفر ِّق بين الأحمر ، والأصفر وفد عليه ، فدخله ، ورأى أصحابَ رسول الله (ص) حوله هالةً تحفُّ به ، يسمعون منه؛ وكلنَّ على رؤوسهم الطَّير ، فسمع معهم ، وكانت عنده نعمة العقل مخبَّلةً تحت ستار الجهالة ، فانكشف له غطاء عقله ، فعقل ، وفَقِّهَ ، واهتدى ، واستضاء ، ثمَّ عاد إلى قومـه إماماً يدعوهم إلى الله ، ويرب ِّيهم بعلمه الَّذي علم ، وسلوكـه الَّذي سلك ، فامنوا بدعوته، واهتدوا بهديـه ، فكانوا سطراً منيراً في كتـاب التَّاريخ الإسلامي ِّ![»393.]) 5 ـ وهو«قد أُنشلى ليكون قلعـةًجتماع المجاهدين إذا استُنفروا ، تعقد فيـه ألويـة الجهاد ، والدَّعوة إلى الله ، وتخفق فيـه فوق رؤوس القادة الرَّايـات ، للتوجُّـه إلى مواقع الأحداث ، وفي ظل ِّها يقف جند الله في نشوة ترقُّب النَّصر، أو الشَّهادة»1.) 6 ـ وهو«قد أُنشلى؛ ليجد فيه المجتمع المسلم الجديد ركناً في زوايَّه ، ليكون مشفىً يستشفي فيه جرحى كتائب الجهاد؛ ليتمكن نبيُّ الله (ص) من عيادتهم ، والنَّظر في أحوالهم ، والاستطباب لهم ، ومداواتهم في غير مشقَّةٍ ، ولا نَصَبٍ؛ تقديراً لفضلهم »1.) 7 ـ«وهو قد أُنشلى ليكون مركزاً لبريد الإسلام؛ منه تصدر الأخبار ، ويـُبـْرَدُ البريد ، وتصدر الرَّسائـل ، وفيه تُتلقَّى الأنبـاء الس ِّياسيَّـة سلماً ، أو حربـاً ، وفيه تُتلقى وتُقرأ رسائل البشائر بالنَّصر، ورسائل طلب المـدد ، وفيـه يُنعى المستشهدون في معارك الجهاد؛ ليتلسَّى بهم المتلسُّون، وليتنافس في الاقتداء بهم المتنافسون»1.)

عدد الصفحات ٩٥

8 ـ«وهو قد أُنشلى ليكون مرقباً للمجتمع المسلم؛ يتعرَّف منه على حركات العدو المريبة ، ويراقبها ، ولا سيَّما الأعداء الَّذين معه يساكنونه ، ويخالطونه في بلده؛ من شراذم اليهود ، وزُمَر المنافقين ، ونفايَّت الوثنيَّة ، الذين انغمسوا في الش ِّ رك ، فلم يتّكوه ، ليتجنَّب المجتمع المسلم عاقبة كيدهم ، وسوء مكرهم ، وتدبيرهم ، ويأمن مغَبَّةَ 394]) وخياناتهم [»395.]) فالمسجد النَّبوي«بدأ بتلسيسه وبنائه رسول الله (ص) أوَّل ما بدأ من عملٍ في مستقر ِّه ، ودار هجرته في مطلع مقدمه؛ ليكون نموذجاً يحُتذَى به في بساطة المظهر ، وعمق المخبر؛ ليحق ِّق به أعظم الأهداف ، وأعمَّها بأقل ِّ النفقات ، وأيسر المشقَّات [»396.]) 3 ـ التَّّبية بالقدوة العمليَّة من الحقائق الثَّابتة: أنَّ النَّبيَّ (ص) شارك أصحابه العمل ، والبناء ، فكان يحمل الحجارة ، وينقل اللَّ بَ على صدره ، وكتفيه ، ويحفر الأرض بيديه كلي ِّ واحدٍ منهم ، فكان مثال الحاكم العادل ، الَّذي لا يفر ِّق بين رئيسٍ ومرؤوسٍ ، أو بين قائدٍ ومقودٍ، أو بين سي ِّد ومسودٍ ، أو بين غني ٍ ، وفقيرٍ؛ فالكلُّ سواسيةٌ أمام الله ، لا فرق بين مسلمٍ واخر إلا بالتَّقوى ، ذلك هو الإسلام: عدالةٌ ، ومساواةٌ في كل ِّ شيءٍ ، والفضل فيه يكون لصاحب العطاء في العمل الجماعي ِّ للمصلحة العامَّة ، وبهـذا الفضل ثوابٌ من الله ، والرَّسول (ص) كغيره من المسلمين ، لا يطلب إلا ثـواب397]) النَّبي ِّ (ص) في عملية البناءككل ِّ العمال الَّذين شاركوا فيه ، وليس بِّقَطْعِّ الشَّريط الحريري ِّ فقط ، وليس بالضَّربة الأولى بالفلس فقط؛ بل غاص بعملية البناء كاملةً ، وقد دُهِّشَ المسلمون من النَّبي ِّ (ص) ؛ وقد عَلَتْهُ غَبرَةٌ ، فتقدَّم أُسَيد بن حُضَير رضي الله عنه؛ ليحمل عن رسول الله (ص) ، فقال: يَّ رسول الله! أعطنيه! فقال: «اذهب فاحتمل غيره؛ فإنَّك لست بأفقرَ إلى الله م [»398]) ما يقول النَّبيُّ (ص) لصاحبه ، فازدادوا نشاطاً ، واندفاعاً في العمل399.]) إنَّه مشهدٌ فريدٌ من نوعه ، ولا مثيل له في دنيا النَّاس ، وإذا كان الزُّعماء ، والحكَّام قد يقدمون على المشاركة أحياناً بالعمل؛ لتكون شاشات الت ِّلفزيون جاهزةً لنقل أعمالهم ، وتملأ الدُّنيا في الصُّحف ، ووسائل الإعلام كل ِّها ، بالحديث عن أخلاقهم ، وتواضعهم؛ فالنَّبيُّ (ص) ينازع الحجرَ أحدَ أفراد المسلمين ، ويبين ِّ ل ه: أنَّه أفقر إلى الله تعالى ، وأحرص على ثوابه منه. وقد تفاعل الصَّحابة الكرام تفاعلاً عظيماً في البناء ، وأنشدوا هذا البيت:

عدد الصفحات ٩٦

لَئِّنْ قـَعَدْنا والنَّبيُِّّ يـَعْمَلُلَذاك مِّنَّا العَمَلُ المُضَلَّلُ400]) إنَّ هذه التَّّبية العمليَّة لا تَتِّمُّ من خلال الموعظة ، ولا من خلال الكلام المنمَّق ، إنمَّا تتمُّ من خلال العمل الحي ِّ الدَّؤُوب ، والقدوةِّ المصطفاة من رب ِّ العالمين ، والَّتي ما كان يمكن أن تتمَّ في أجواء مكَّة ، والملاحقة ، والاضطهاد ، والمطاردة فيها ، إنمَّا تَتِّمُّ في هذا المجتمع الجديد ، والدَّولة الَّتي تُبنَّ ، وكلنمَّا غدا هذا الجمع من الصَّحابة الكرام كلُّه صوتاً واحداً ، وقلباً واحداً ، فمضى يهتف: اللَّهُمَّ إنَّ العَيْشَ عَيْشُ الاخِّرَهْفانْصُرِّ الأنْصَارَ وَالمُهَاجِّرَهْ ويهتف بلحنٍ واحدٍ: لَئِّنْ قـَعَدْناَ والنَّبيُِّّ يـَعْمَلُفَذَاكَ مِّنَّا ال عَمَلُ المُضَلَّلُ وكان الهُتاف الثَّالث: هَذِّي الحِّمَالُ لاَ حمَِّالُ خَيـْبـَرْهَذَا أَبرُّ لِّرَب ِّنَا وأطْهَرْ [3906([])401. ]) فحَمْلُ التَّمر ، والزَّبيب من خيبر إلى المدينة كان له مكانةً عظيمةً في المجتمع المدني ِّ؛ لكنَّه أصبح يُذْكَرُ أمام حمل الطُّوب لبناء المسجد النَّبوي ِّ العظيم ، فقد أيقنوا بقوله تعا اللََِّّّ باَقٍ[96. ] وأمَّا الهُتاف الرَّابع لاَ يَسْتَوي مَنْ يـَعْمُرُ المَسَاجِّدَايَدْأَبُ فِّيـْهَا قَائِّماً وقَاعِّدا وَمَنْ يـُرَى عَنِّ الغُبَارِّ حَائِّدَا [7/314) وابن هشام2/142([])402. ]) 4 ـ الاهتمام بالخبرة والاختصاص أخرج الإمام أحمد 2/9]) رسول الله (ص) ، فكان يقول «قر ِّبوااليماميَّ من الط ِّين؛ فإنَّه أحسنكم له مسيساً »، وأخرج الإمام أحمد عن طلقٍ أيضاً 8254) ومجمع الزوائد2/9]) وأصحابه يبنون المسجد ، وكلنَّه لم يعجبه عملهم ، فلخذت المسحاة ، فخلطت الط ِّين ، فكلنَّه أعجبه ، فقال: «دعوا الحنفيَّ والط ِّين؛ فإنَّه أضبطكم للط»، وأخرج ابن حبَّان

عدد الصفحات ٩٧