والحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ: أنَّ الهجرة كانت مرحلةً طبيعيَّةً من مراحل تطوُّر الدَّعوة ، ووسيلةً من أهم ِّ وسائل نشرها ، وتبليغها ، ولم تكن خاصةً برسول الله (ص) ؛ بل كان غيره من المؤمنين مكلَّفين بها ، حين قطع الإسلام الولاية 293]) قال تعا وَأَنـْفُسِّهِّمْ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ وَالَّذِّينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِّكَ بـَعْضُهُمْ أَوْلِّيَاءُ بـَعْضٍ وَالَّذِّينَ آمَنُوا وَلمَْ يـُهَاجِّرُوا مَا لَكُمْ مِّنْ وَلاَيَتِّهِّمْ مِّنْ شَيْءٍ حَتََّّ يـُهَاجِّ رُوا وَإِّنِّ اسْتـَنْصَرُوكُمْ فيِّ الد ِّينِّ فـَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِّلاَّ عَلَى قـَوْمٍ بـَيـْنَكُمْ وَبـَيـْنـَهُمْ مِّيثَاقٌ وَاللََُّّ بََِّّا تـَعْمَلُونَ بَصِّيرٌ [72. ] أمَّا رحلة الإسراء ، والمعراج ، فكانت رحلةَ تشريفٍ ، وتقديرٍ ، كما كانت إكراماً من الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لنبي ِّه (ص) ؛ ليطلعه على عالم الغيب ، ويريه من ايَّته الكبرى ، فالر ِّحلة من أولها إلى اخرها خوارق ، ومعجزاتٌ ، ومشاهد للغيبيَّات ، فناسب أن تكون وسيلتها مشابهةً لغايتها. زِّدْ على ذلك: أنَّ رحلة الإسراء خصوصيَّةٌ للرسول (ص) ، وليس لأحدٍ من النَّاس أن يتطلَّع لمثلها ، ولسنا مطالبين بالاقتداء به فيها ، ولذا فإنَّ حصولها على النَّحو؛ الَّذي كانت عليه ، هو أنسب الأوضاع لحدوثها 294.]) 19 ـ وضوح سنَّة التَّدرُّج حيث نلاحظ: أنَّ رسول الله (ص) عندما تقابل مع طلائع الأنصار الأولى ، لم يفعل سوى ترغيبهم في الإسلام ، وتلاوة القران عليهم ، فلمَّا جاؤوا في العام التالي ، بايعهم بيعة الن ِّساء على العبادات ، والأخلاق ، والفضائل ، فلمَّا جاؤوا في العام التالي؛ كانت بيعة العقبة الثَّانية على الجهاد ، والنَّصر ، والإيواء295.]) وجديرٌ بالملاحظة: أنَّ بيعة الحرب لم تتمَّ إلا بعد عامين كاملين ، أي بعد تأهيلٍ ، وإعدادٍ استمرَّ عامين كاملين ، وهكذا تمَّ الأمر على تدرُّجٍ ينسجم مع المنهج التَّّبوي ِّ الَّذي نهجت عليه الدَّعوة من أوَّل يومٍ296.]) إنَّه المنهج الَّذي هدى الله نبيَّه (ص) إلى التزامه ، ففي البيعة الأولى ، بايعه هؤلاء الأنصار الجدد على الإسلام؛ عقيدةً ، ومنهاجاً ، وتربية ، وفي البيعة الثانية ، بايعه الأنصار على حماية الدَّعوة ، واحتضان المجتمع الإسلامي ِّ؛ الذي نضجت ثماره ، واشتدَّت قواعده قوَّةً وصلابةً.
عدد الصفحات ٦٦إنَّ هاتين البيعتين أمران متكاملان ضمن المنهج التَّّبوي ِّ للدَّعوة الإسلاميَّة ، وإنَّ الأمر الأول ه و المضمون ، والأمر الثاني ـ وهو بيعة الحرب ـ هو الس ِّياج الَّذي يحمي ذلك المضمون ، نعم كانت بيعة الحرب بعد عامين من إعلان القوم الإسلام ، وليس فور إعلانهم. بعد عامين؛ إذ تمَّ إعدادهم حتََّّ غدوا موضع ثقةٍ، وأهلاً لهذه البيعة، ويلاحظ: أنَّ بيعة الحرب لم يسبق أن تمَّت قبل ذلك اليوم مع أي ِّ مسلم؛ إنمَّا حصلت عندما وجدت الدَّعوة في هؤلاء الأنصار ، وفي الأرض الَّتي يقيمون فيها المعقل الملائم؛ الَّذي ينطلق منه المحاربون؛ لأنَّ مكَّة لوضعها عندئذٍ لم تكن تصلح للحرب 297.]) وقد اقتضت رحمة الله بعباده «ألاَّ يحَُم ِّلَهم واجبَ القتال إلى أن توجد لهم دار إسلام ، تكون لهم بَّثابة معقلٍ يأوون إليه ، ويلوذون به ، وقد كانت المدينة المنوَّرة أوَّل دار إسلامٍ [»298.]) لقد كانت البيعة الأولى قائمةً على الإيمان بالله ، ورسوله (ص) ، والبيعة الثَّانية على الهجرة ، والجهاد ، وبهذه العناصر الثلاثة: الإيمان بالله ، والهجرة ، والجهاد ، يتحقَّق وجود الإسلام في واقع جماعي ٍ ممكنٍ ، والهجرة لم تكن لتتمَّ لولا وجود الفئة المستعدَّة للإيواء؛ ولهذا قال تعا وَجَاهَدُوا بأَِّمْوَالهِِّّمْ وَأَنـْفُسِّهِّمْ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ وَالَّذِّينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِّكَ بـَعْضُهُمْ أَوْلِّيَاءُ بـَعْضٍ وَالَّذِّينَ آمَنُوا وَلمَْ يـُهَاجِّرُوا مَا لَكُمْ مِّنْ وَلاَيَتِّهِّمْ مِّنْ شَيْءٍ حَتََّّ يـُهَاجِّرُوا وَإِّنِّ اسْتـَنْصَرُوكُمْ فيِّ الد ِّينِّ فـَعَلَيْكُمُ ال نَّصْرُ إِّلاَّ عَ لَى قـَوْمٍ بـَيـْنَكُمْ وَبـَيـْنـَهُمْ مِّيثَاقٌ وَاللََُّّ بََِّّا تـَعْمَلُونَ بَصِّيرٌ[72. ] وقال تعاهُمْ أَوْلىَ بِّبـَعْضٍ فيِّ كِّتَا بِّ اللََِّّّ إِّنَّ اللَََّّ بِّكُل ِّ شَيْءٍ عَلِّيمٌ [75. ] وقد كانت بيعة الحرب هي التَّمهيد الأخير لهجرة النَّبي ِّ (ص) وأصحابه إلى المدينة، وبذلك وَجَدَ الإسلامُ موطنَه؛ الَّذي ينطلق منه دعاةً الحقِّ بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، وتنطلق منه جحافل الحق ِّ المجاهدة أوَّل مرَّةٍ ، وقامت الدَّولة الإسلاميَّة المحك ِّمة لشرع299.]) 20 ـ الهجرة تضحيةٌ عظيمةٌ في سبيل كانت هجرة النَّبي ِّ (ص) وأصحابه من البلد الأمين تضحيةً عظيمةً ، عبرَّ عنها النَّبيُّ (ص) بقوله: «والله! إنك لخير أرض الله ، وأحبُّ أرض الله إلى الله ، ولولا أني ِّ أُخرِّجت منك ما خرجتُ »[ (4/305) والتّمذي3925) وابن ماجه3108. ])
عدد الصفحات ٦٧وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لمَّا قدم رسول الله (ص) المدينة؛ قدمها ، وهي أوبأ أرض الله من الحمَّى ، وكان واديها يجري نجلاً ـ يعني ماءً اجناً ـ فلصاب أصحابَه منها بلاءٌ ، وسقمٌ ، وصرف الله ذلك عن نبي ِّه ، قالت: فكان أبو بكر ، وعامر بن فهيرة ، وبلال ، في بيتٍ واحدٍ ، فلصابتهم الحمَّى ، فاستلذنتُ رسولَ الله (ص) في عيادتهم ، فلذن ، فدخلت إليهم أعودهم ، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب ، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدَّة الوعك300]) كيف تجدُك؟ فقال كلُّ امْرِّأىً مُصَبَّحٌ فيِّ أَهْلِّهِّوالمَوْتُ أَدْنىَ مِّنْ شِّرَاكِّ نـَعْلِّهِّ قالت: فقلت: والله! ما يدري أبي ما يقول ، ثم دنوت من عامر بن فهيرة ، فقلت: كيف تجدُك يَّ عامر؟! فقال: لَقَ دْ وَجَدْتُ المَوْتَ قـَبْلَ ذَوْقِّهِّإنَّ الجَبَانَ حَتـْفُهُ منْ فـَوْقِّهِّ كُلُّ امْرِّأىٍ مجَُاهِّدٌ بِّطَوْقِّه301])302]) قالت: فقلت: والله! ما يدري عامر ما يقول. قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمَّى ، اضطجع بفناء البيت ، ثمَّ يرفع عقيرته303]) ألا لَيْتَ شِّعْرِّي هَلْ أَبِّيـْتنََّ لَيـْلَةًبِّوَادٍ وَحَوْليِّ إِّذْخِّرٌ 304]) وهَلْ أَرِّدَنْ يـَوْماً مِّيَاهَ مجََنَّةٍوَهَلْ يـَبْدُوَنْ ليِّ شامَةٌ وَطَفِّيْلُ 305]) قالت: فلخبرت رسولَ الله (ص) بذلك ، فقال «اللهمَّ! حب ِّبْ إلينا المدينة ، كما حببت إلينا مكَّة ، أو أشدَّ ، وانقل حمَُّاها إلى الجُحْفَةِّ. اللَّهمَّ! باركْ لنا في مُد ِّنا ، وصاعنا »[1889 ) ومسلم1376. ]) وقد استجاب الله دعاء نبي ِّه (ص) ، وعُوفي المسلمون بعدها من هذه الحمَّى ، وغدت المدينة موطناً ممتازاً لكل ِّ الوافدين ، والمهاجرين إليها ، من المسلمين على تنوُّع بيئاتهم ، ومواطنهم 306.]) 21 ـ مكافلة النَّبي ِّ (ص) لأم ِّ معبد وقد روي: أنهَّا كثرت غنمها ، ونمت؛ حتََّّ جلبت منها جَلَباً إلى المدينة ، فمرَّ أبو بكر ، فراه ابنها فعرفه ، فقال: يَّ أُمَّه! هذا هو الرَّجل الَّذي كان مع المبارك. فقامت إليه فقالت: يَّ عبد الله! مَنِّ الرَّجل الَّذي كان معك؟ قال: أو ما تدرين من هو؟! قالت: لا! قال: هو نبيُّ الله ، فلدخلها عليه ، فلطعمها رسولُ الله (ص) ، وأعطاها ، وفي روايةٍ: فانطلقت معي ،
عدد الصفحات ٦٨وأهدت لرسول (ص) شيئاً من أقطٍ ، ومتاع الأعراب ، فكساها ، وأعطاها ، قال: ولا أعلمه إلا قال: وأسلمت ، وذكر صاحب (الوفاء): أنهَّا هاجرت هي وزوجها ، وأسلم أخوها خُنـَيْس ، واستشهد يوم الفتح307.]) 22 ـ أبو أيُّوبٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه ومواقف خالدة قال أبو أيوب الأنصاريُّ رضي الله عنه: «لمَّا نزل عليَّ رسول الله (ص) في بيتي؛ نزل في السُّفْل ، وأ وأمُّ أيوبٍ في العُلْو ، فقلت له: يَّ نبيَّ الله ـ بأبي أنت ، وأمي! إني ِّ لأكره وأُعْظِّمُ أن أكون فوقك ، وتكون تحتي ، فاظْهَرْ أنت ، فكن في العلو ِّ ، وننزل نحن فنكون في السُّ فل ، فقال: يَّ أبا أيوب! إنَّ أرفق بنا ، وبَّن يغشانا أن نكون في سُفْل البيت. قال: فلقد انكسر حُب308]) ننش ِّفُ بها الماء؛ تخوفاً أن يقطر على رسول الله (ص) منه شيءٌ ، فيؤذيه »[ (2/144([])309. ]) 23 ـ هجرة علي ٍ رضي الله عنه وأمره بالمعروف ، ونهيه عن المنكر في المجتمع الجديد بعد أن أدَّى عن رسول الله (ص) الأمانات الَّتي كانت عنـده للنَّـاس لحـق برسول الله (ص) ، وأدركه بقُباء بعد وصوله بليلتين ، أو ثلاثٍ ، فكانت إقامته بقُباء ليلتين ، ثمَّ خرج مع النَّبي ِّ (ص) إلى المدينة يوم الجمعة310]) ورأى إنساناً يأتيها من جوف اللَّيل ، فيضرب عليها بابها ، فتخرج إليه ، فيعطيها شيئاً معه ، فتلخذه ، قال: فاستّبت بشلنه ، فقلت لها: يَّ أمةَ الله! مَنْ هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كلَّ ليلةٍ فتخرجين إليه ، فيعطيك شيئاً لا أدري ما هو! وأنت امرأةٌ مسلمةٌ لا زوج لك؟ قالت: هذا سهلُ بن حُنيف ، قد عرف أني امرأةٌ لا أحد لي ، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه ، فكسرها ، ثمَّ جاءني بها ، فقال: احتطبي بهذا ، فكان عليٌّ رضي الله عنه يأثر ذلك من أمر سهل بن حنيف ، حين هلك عنده بالعراق 311.]) 24 ـ الهجرة النَّبويَّة نقطة تحوُّلٍ في تاريخ الحياة «كانت الهجرة النَّبويَّة من مكَّة المشرَّفة إلى المدينة المنوَّرة أعظم حدثٍ حوَّل مجرى التَّاريخ ، وغ مسيرة الحياة ، ومناهجها؛ التي كانت تحياها ، وتعيش محكومةً بها في صورة قوانين ، ونظمٍ ، وأعرافٍ ،
عدد الصفحات ٦٩وعاداتٍ ، وأخلاقٍ ، وسلوكٍ للأفراد والجماعات ، وعقائد ، وتعبُّداتٍ ، وعلمٍ ، ومعرفةٍ ، وجهالةٍ ، وسفه ، وضلالٍ ، وهدًى ، وعدلٍ ، وظلمٍ [»312.]) 25 ـ الهجرة م ن سنن الرُّسل الكرام: إنَّ الهجرة في سبيل الله سنَّةٌ قديمة ، ولم تكن هجرة نبي ِّنا محمَّدٍ (ص) بدعاً في حياة الرُّسل لنصرة عقائدهم ، فلئن كان قد هاجر من وطنه ، ومسقط رأسه من أجل الدَّعوة حفاظاً عليها ، وإيجاداً لبيئةٍ خصبةٍ تتقبلها ، وتستجيب لها ، وتذود عنها؛ فقد هاجر عددٌ من إخوانه من الأنبياء قبله من أوطانهم؛ للأسباب نفسها ، التي دعت نبيَّنا للهجرة. وذلك: أنَّ بقاء الدَّعوة في أرضٍ قاحلةٍ لا يخدمها؛ بل يعوق مسارها ، ويشلُّ حركتها ، وقد يعرضها للانكماش داخل أضيق الدوائر ، وقد قصَّ علينا القران الكريم نماذج من هجرات الرُّسل ، وأتباعهم من الأمم الماضية؛ لتبدو لنا في وضوحٍ سنَّةٌ من سنن الله في شلن الدَّعوات ، يأخذ بها كلُّ مؤمن من بعدهم؛ إذا حيل بينه وبين إيمانه ، وعزَّته ، واستُخفَّ بكيانه ، ووجوده ، واعتُدِّيَ على مروءته وكرامته 313.]) هذه بعض الفوائد ، والعبر ، والدروس ، وأترك للقارأى الكريم أن يستخرج غيرها ، ويستنبط سواها من الدُّروس ، والعبر ، والفوائد الكثيرة النَّافعة من هذا الحدث العظيم. * * * المبحث الثَّاني الثَّناء على المهاجرين بأوصافٍ حميدةٍ ، والوعد لمن هاجر منهم ، والوعيد لمن تخلَّف تـُعَدُّ الهجرةُ النَّبويَّة المباركة من مكَّة إلى المدينة أهمَّ حدثٍ في تاريخ الدَّعوة الإسلاميَّة؛ إذ كانت نقطة تحوُّل في تاريخ المسلمين؛ فقد كان المسلمون قبل الهجرة أمَّة دعوةٍ ، يبلغون دعوة الله للنَّاس ، دون أن يكون لهم كيانٌ سياسيٌّ ، يحمي الدَّعاة ، أو يدفع عنهم الأذى من أعدائهم.
عدد الصفحات ٧٠وبعد الهجرة تكوَّنت دولة الدَّعوة ، هذه الدَّولة الَّتي أخذت على عاتقها نشر الإسلام ، في داخل الجزيرة العربيَّة وخارجها ، ترسل الدُّعاة إلى الأمصار ، وتتكفَّل بالد ِّفاع عنهم ، وحمايتهم من أي ِّ اعتداءٍ قد يقع عليهم ، ولو أدَّى ذلك إلى قيام حربٍ ، أو حروبٍ 314.]) وبجانب هذا ، فإنَّ الهجرة النَّبويَّة لها مكانتها في فهم القران وعلومه؛ حيث فرَّق العلماء بين المك ِّي ِّ ، والمدني ِّ؛ فالمك ِّي ِّ: ما نزل قبل الهجرة ـ وإن كان بغير مكَّة ـ والمدني: ما نزل بعد الهجرة ـ وإن كان بغير المدينة ـ وتر تَّب على ذلك فوائد؛ من أهم ِّها: 1 ـ تذوُّق أساليب القران الكريم ، والاستفادة منها في أسلوب الدَّعوة إ 2 ـ الوقوف على الس ِّيرة النَّبويَّة من خلال الايَّت القرانيَّة 315.]) ولأهمية الهجرة النَّبويَّة نرى: أنَّ القران الكريم حثَّ المؤمنين على الهجرة في سبيل الله بأساليب متنوعةٍ ، مرَّةً بالثَّناء على المهاجرين بأوصافٍ حميدةٍ ، وأخرى بالوعد للمهاجرين ، وتارةً بالوعيد للمتخل ِّفين عن الهجرة 316.]) أولاً: الثناء على المهاجرين بأوصافٍ حميدةٍ أثنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ على المهاجرين في القران الكريم ، وو صفهم بأوصافٍ حميدةٍ متمي ِّزةٍ؛ وذلك لأنهَّم أُخرِّجوا من ديَّرهم ، وأموالهم ، أكرههم على الخروج الأذى ، والاضطهاد ، والتنكُّر لهم من قرابتهم ، وعشيرتهم في مكَّة ، وما أُخرِّجوا إلا أن يقولوا ربُّنا الله ، فمن أهم ِّ الص ِّفات الممي ِّزة للمهاجرين317:]) 1 ـ اخلاص: قال تعا وَرِّضْوَاناً وَيـَنْصُرُونَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ أُولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ [8] يخرجوا من { ورضوانه318.]) 2 ـ الص ومن صفات المهاجرين ، وأخلاقهم المتمي ِّزة؛ الَّتي أثنَّ الله عليهم بها الصَّبر. قال تعا فيِّ اللََِّّّ مِّنْ بـَعْدِّ مَا ظُلِّمُوا لَنـُبـَو ِّئـَنـَّهُمْ فيِّ الدُّنـْيَا حَسَنَةً وَلأَََجْرُ الآخِّرَةِّ أَكْبـَرُ لَوْ كَانُوا يـَعْ لَمُونَ *الَّذِّينَ صَبـَرُوا
عدد الصفحات ٧١وَعَلَى رَبه ِِّّمْ يـَتـَوَكَّلُونَ[41 ،42] هَاجَرُوا مِّنْ بـَعْدِّ مَا فُتِّنُوا ثمَُّ جَاهَدُوا وَصَبـَرُوا إِّنَّ رَبَّكَ مِّنْ بـَعْدِّهَا لَغَفُورٌ رَحِّيمٌ [110. ] 3 ـ الص ِّدق ومن الصفات الحميدة الَّتي أثنَّ الله ـ سبحانـه وتعالى ـ بها على المهاجريـن الص ِّدق. قـال تعا الْمُ هَاجِّرِّينَ الَّذِّينَ أُخْرِّجُوا مِّنْ دِّيََّرِّهِّمْ وَأَمْوَالهِِّّمْ يـَبـْتـَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللََِّّّ وَرِّضْوَاناً وَيـَنْصُرُونَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ أُولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ [8. ] قال البغـويُّ في تفسيـره قولـه أُولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ قتادة: هؤلاء المهاجرون الَّذين تركوا الد ِّيَّر ، والأموال ، والعشائر ، وخرجوا حب ـاً لله ، ولرسوله (ص) ، واختاروا الإسلام على ما كانوا فيـه من شـدَّةٍ ، حتََّّ ذُكِّر لنـا: أنَّ الرَّجل كان يعصب الحجـر على بطنـه؛ ليقيـم بـه صلبـه من الجوع ، وكان الرَّجل يتَّخذ الحصيرة في الش ِّتـاء ، ما له من دثارٍ غيرها 319.]) 4 ـ الجهاد والتَّضحية قال تعانْدَ اللََِّّّ وَأُولَئِّكَ هُمُ الْفَائِّزُونَ[20. ] تركَّزت دعوة الرُّسل على التَّضحية ، والفداء؛ إذ إنهَّا تواجه عناداً ، وتكذيباً وعداءً مستحكماً ، وهذا لابدَّ من مواجهته بصلابة عودٍ ، وقوَّة إيمانٍ ، ورسوخ عقيدةٍ ، وعظيم بذل ، والحياة في ظل ِّ العقيدة حياةُ جهادٍ وكفاحٍ ، ومنذ مطلع الدَّعوة كان نزول جبريل بالوحي إيذاناً لرسول الله (ص) بإيذاء قومه؛ حيث قال له ورقة بن نوفل: «هذا النَّاموسُ الَّذي أُنزل على موسى. يَّ ليتني فيها جَذَعاً 320 يَّ !]) ليتني أكون حي اً حين يخرجك قومك! فقال رسول الله (ص« :أومخرجيَّ هم؟»فقال ورقة «نعم ، يأتِّ رجلٌ قطُّ بَّا جئتَ به إلا عُودي ، وإن يُدركْني يومُك؛ أنصرك نصراً مؤزَّراً »[3) ومسلم (160. ]) وقد اشتمل حدث الهجرة على أنواعٍ من التَّضحية ، والفداء ، وبذل النَّفس ، والمال في سبيل [الله321.]) ولعلَّ الملاحظة الجديرة بالتلمُّل في هذا المجال: أنَّ التَّضحية ملازمةٌ للجهاد في سبيل الله؛ إذ لا جهاد دون تضحيةٍ322.]) 5 ـ نصرُهم لله ورسوله (ص
عدد الصفحات ٧٢قال تعا مِّنَ اللََِّّّ وَرِّضْوَاناً وَيـَنْصُرُونَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ أُولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ [8. ] امتدح الله ـ سبحانه وتعالى ـ في هذه الاية الكريمة المهاجرين ، بأنهم ينصرون الله ورسوله؛ ذلك لأنهَّم ما خرجوا من بين الكفار مراغمين لهم ، مهاجرين إلى المدينة إلا لنصرة الله تعالى ، ورسوله (ص) . ونَصْرُ الله شرطٌ لتحقيق النَّصر ، والتثبيت. قال تعا وَيـُثـَب ِّتْ أَقْدَامَكُمْ [7. ] قال سي ِّد قطب: وكيف يـَنْصُرُ المؤمنون الله؛ ح يقوموا بالشَّرط ، وينالوا ما شرط لهم من النَّصر ، والتثبيت؟ إنَّ للهِّ في نفوسهم أن تتجرَّد له ، وألا تشرك به شيئاً شركاً ظاهراً ، أو خفي اً ، وألا تستبقي فيها معه أحداً ، ولا شيئاً ، وأن يكون الله أحبَّ إليها من ذاتها ، ومن كل ِّ ما تحبُّ وتهوى ، وأن تحك ِّ مَه في رغباتها ، ونزواتها ، وحركاتها ، وسكناتها ، وسر ِّها وعلانيتها ، ونشاطها كل ِّه ، وخلجاتها ، فهذا نصر الله في ذوات النُّفوس. وإنَّ للهِّ شريعةً ، ومنهاجاً للحياة ، تقوم على قواعد ، وموازين ، وقيمٍ ، وتصوُّر خاص ٍ للوجود كل ِّه، وللحياة ، ونصرُ الله يتحقَّق بنصرة شريعته ، ومنهاجه ، ومحاولة تحكيمها في الحياة كل ِّها بدون استثناءٍ ، فهنا نصر الله في واقع الحياة323.]) 6 ـ التوكُّل على الله عزَّ وجل قال تعاحَسَنَةً وَلأَََجْرُ الآخِّرَةِّ أَكْبـَرُ لَوْ كَانُوا يـَعْلَمُونَ * الَّذِّينَ صَبـَرُوا وَعَلَى رَبه ِِّّمْ يـَتـَوَكَّلُونَ [41 ـ42] ـ المهاجرين ، بأنهَّم يتوكَّلون على الله لا على غيره ، والتوكُّل على الله خاص ِّيَّةُ الإيمان ، وعلامته ، وهو منطق الإيمان ، ومقتضاه. قال تعامُ الْبَابَ فَإِّذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِّنَّكُمْ غَالِّبُونَ وَعَلَى اللََِّّّ فـَتـَوَكَّلُوا إِّنْ كُنـْتُمْ مُؤْمِّنِّينَ [}*23. ] وقال تعالـىيونس: 84 ] . وقال الله تعانُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِّنْ عِّبَادِّهِّ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نأََتِّيَكُمْ بِّسُلْطَانٍ إِّلاَّ بإِِّّذْنِّ اللََِّّّ وَعَلَى اللََِّّّ فـَلْيـَتـَوَكَّلِّ الْمُؤْمِّنُونَ [11. ]
عدد الصفحات ٧٣وقد ضرب رسول الله (ص) ، وصحابتُه الكرام مثالاً يُقتدى به على مر ِّ الدُّهورترجمة التَّوكُّل في واقع الحياة في حادثة الهجرة ، ولحسن توك ِّلهم على الله ـ سبحانه وتعالى ـ أثنَّ عليهم ، وجزاهم أحسن الجزاء 324.]) 7 ـ الرَّجاء ومن صفات المهاجرين الحميدة؛ الَّتي مدحهم الله بها: الرَّجاء. قال تعا هَ اجَرُوا وَجَاهَدُوا فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ أُولَئِّكَ يـَرْجُونَ رَحمَْةَ اللََِّّّ وَاللََُّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ [218. ] وإنمَّا قال: وقد مدحهم؛ لأنَّه طاعة الله كلَّ مبلغٍ لأمرين : أحدهما: أنَّه لا يدري بَّا يخُتم له ، والثَّاني: لئلا يتَّكل على عمله ، فهؤلاء قد غفر الله لهم ، ومع ذلك يرجون رحمة الله ، وذلك زيَّدة إيمانٍ منهم325.]) 8 ـ ات ِّباع الرَّسول (ص وممَّا يدلُّ على أنَّ الهجرة لها مكانةٌ عظيمةٌ في القران الكريم: أنَّ الله ـ سبحانه وتعالى ـ وصف المهاجرين ، وأنصارهم بأنهَّم يتَّبعون الرَّسول (ص) . قال تعا الَّذِّينَ اتـَّبـَعُوهُ فيِّ سَاعَةِّ الْعُسْرَةِّ مِّنْ بـَعْدِّ مَا كَادَ يَزِّيغُ قـُلُوبُ فَرِّيقٍ مِّنـْهُ مْ ثمَُّ تاَبَ عَلَيْهِّمْ إِّنَّهُ بهِِّّمْ رَؤُوفٌ رَحِّيمٌ }*[117] في ساعة العسرة ، ممَّا يدلُّ على أنهَّم يستحقُّون بذلك الدَّرجة العظمى ، والتَّوبة من الله عزَّ وجل وقد نزلت هذه الاية في غزوة تبوك ، وذلك أنهَّم خرجوا إليها في شدَّةٍ من الأمر ، في سَنَةٍ مجُْدبةٍ ، وحر ٍ شديدٍ ، وعُسْرٍ في الزَّاد ، والماء. قال قتادة: «خرجوا إلى الشَّام عام تبوك في لهبان الحر ِّ ، على ما يعلم الله من الجهد ، أصابهم فيها جهدٌ شديدٌ ، حتََّّ لقد ذُكِّرَ لنا: أنَّ الرجلين كانا يشقَّان التَّمرة بينهما ، وكان النَّفر يتداولون التَّمرة بينهم؛ يمصُّها هذا ، ثمَّ يشرب عليها ، ثم يمصُّها هذا ، ثم يشرب عليها ، فتاب الله عليهم ، وأقفلهم326 ]) من غزوتهم[»327.]) إنَّ ات ِّباع الرَّسول (ص) يدلُّ على ح قيقة الإيمان ، وحقيقة الد ِّين ، ويفر ِّق تفريقاً حاسماً بين الإيمان ، والكفر في جلاءٍ ، كما أنَّه دليلٌ على حب ِّ الله ، وحبُّ الله ليس دعوى بالل ِّسان، ولا هياماً بالوجدان، إلا أنْ يُصاحبه الات ِّباع لرسول الله (ص) ، والسَّير على هداه ، وتحقيق منهجه في الحياة. إنَّ الإيمان ليس كلماتٍ تُقال ، ولا مشاعر تجَيش ، ولا شعائر تُقام ، ولكنَّه طاعةُ الله ، والرَّسول ، وعملٌ بَّنهج الله؛
عدد الصفحات ٧٤الَّذي يحمله الرَّسول (ص) . قال تعا لَكُمْ ذُنُ وبَكُمْ وَاللََُّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ *قُلْ أَطِّيعُوا اللَََّّ وَالرَّسُولَ فَإِّنْ تـَوَلَّوْا فَإِّنَّ اللَََّّ لاَ يحُِّبُّ الْكَافِّ رِّينَ[عمران 31 ـ32. ] قال ابن كثيرٍ في تفسيره للاية المذكورة«هذه الاية الكريمة ، حاكمةٌ على كل ِّ مَنِّ ادَّعى محبَّة ؛ وليس هو على الطَّريقة المحمَّدية؛ فإنَّه كاذبٌ في نفس الأمر ، حتََّّ يتَّبع الشَّرع المحمَّديَّ ، والد ِّين النَّبويَّ ، في جميع أقواله ، وأعماله328])«مَنْ عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ »[ (2697) ومسلم1718. ]) 9 ـ حقُّ السَّبق في الإيمان والعمل قال تعا عَنـْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لهَُمْ جَنَّاتٍ تجَْرِّي تحَْتـَهَا الأَنـْهَارُ خَالِّدِّينَ فِّيهَا أَبَدًا ذَلِّكَ الْفَوْزُ الْ عَظِّيمُ[ 100. ] قال الرَّازي: والسَّبق موجبٌ للفضيلة؛ فإقدامهم على هذه الأفعال يُوجِّبُ اقتداء غيرهم بهم. قال (ص « :من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً ، فله أجرُها ، وأجر من عمل بها ، إلى يوم القيامة »[ (4/357 ـ358) ومسلم 1017) والتّمذي 2675) والنسائي 5/75 ـ77) وابن ماجه (203]) المهاجرين هم رؤساء المسلمين وسادتهم 329.]) وهكذا اختار الله ـ سبحانه وتعالى ـ السَّابقين من المهاجرين ، من تلك العناصرالفريدة النَّادرة ، الَّتي تحتمل الضغوط ، والفتنة ، والأذى ، والجوع ، والغربة ، والعذاب ، والموت في أبشع الصُّور في بعض الأحيان؛ ليكونوا هم القاعدة الصُّلبة لهذا الد ِّين في مكَّة ، ثمَّ ليكونوا هم القاعدة الصُّلبة لهذا الد ِّين بعد ذلك في المدينة ، مع السَّ ابقين من الأنصار الذين وإن كانوا لم يصطلوا بها في أوَّل الأمر كما اصطلاها المهاجرون ، إلا أنَّ بيعتهم لرسول الله (ص) (بيعة العقبة) ، قد دلَّت على أنَّ عنصرهم ذو طبيعةٍ أصيلةٍ مكافئةٍ لطبيعة هذا الد ِّين. وبالمهاجرين ، والأنصار تكوَّنت للإسلام قاعدةٌ صلبةٌ من أصلب العناصر عوداً في المجتمع العربي ِّ ، فلما العناصر الَّتي لم تحتمل هذه الضُّغوط؛ فقد فُتنت عن دينها ، وارتدَّت إلى الجاهليَّة مرَّةً أخرى ، وكان هذا النَّوع قليلاً ، فقد كان الأمر كلُّه معروفاً مكشوفاً من قبل ، فلم يكن يقدم ابتداء على الانتقال من
عدد الصفحات ٧٥الجاهليَّة إلى الإسلام ، وقطع الطريق الشَّائك الخطر المرهوب إلا العناصر المختارة الممتازة الفريدة التَّكوين330]) وقاتلوا؛ والعقيدة مطاردةٌ ، والأنصار قلَّةٌ ، وليس في الأفق ظلُّ منفعةٍ ، ولا سلطانٍ ، ولا رخاءٍ ، مما يدلُّ على أنهَّم لا يستوون مع غيرهم من الَّذين أنفقوا وقاتلوا بعد تلك الظُّروف الصَّعبة 331]) تعانْكُمْ مَنْ أَنـْفَقَ مِّنْ قـَبْلِّ الْفَتْحِّ وَقَاتَلَ أُولَئِّكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِّينَ أَنـْفَقُوا مِّنْ بـَعْدُ وَقَاتـَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللََُّّ الحُْسْنََّ وَاللََُّّ بََِّّا تـَعْمَلُونَ خَبِّيرٌ[10.] وقد تحدَّث ابن كثيرٍ عن اية سورة التوبة؛ الَّتي بيَّنت فضل السَّابقين من المهاجرين ، والأنصار ، فقال: فقد أخبر الله العظيم: أنَّه قد رضي عن السَّابقين الأوَّلين من المهاجرين ، والأنصار ، والذين اتَّبعوهم بإحسانٍ ، فيا ويل من أبغضهم ، أو سبَّهم أو أبغض ، أو سبَّ بعضهم ، ولا سيما سي ِّد الصَّ حابة بعد الرَّسول (ص) ؛ وخيرهم ، وأفضلهم ، أعني: الص ِّديق الأكبر ، والخليفة الأعظم ، أبا بكرٍ بن أبي قحافة؛ فإنَّ الطَّائفة المخذولة من الرَّافضة يعادون أفضل الصَّحابة ، ويبغضونهم ، ويسبُّونهم ، عياذاً بالله من ذلك! وهذا يدلُّ على أنَّ عقولهم معكوسةٌ ، وقل وبهم منكوسةٌ ، فلين هؤلاء من الإيمان بالقران؛ إذ يسبُّون من رضي الله عنهم؟! وأمَّا أهل السُّنَّة فإنهَّم يتّضَّون عمَّن رضي الله عنهم ، ويسبُّون من سبَّه الله ورسولُه ، ويوالون من يوالي الله ، ويعادون من يعادي الله ، وهم متَّبعون ، لا مبتدعون ، ويقتدون ، و لا يبتدعون؛ ولهذا هم حزب الله المفلحون ، وعباده المؤمنون 332.]) 10 ـ الفوز قال تعانْدَ اللََِّّّ وَأُولَئِّكَ هُمُ الْفَائِّزُونَ[ :20. ] قال أبو السُّعود في تفسيره: قوله تعالى: أي: المختصُّون بالفوز كلنَّ فوز من عداهم ليس بفوزٍ بالن ِّسبة إلى فوزهم333.]) فهذا ثناءٌ من الله العلي ِّ العظيم ، على المهاجرين ، بأنهَّم يستحقُّون الفوز العظيم ،والفوز يكون عظيماً لأنَّه يأتي من مصدر العظمة ، وأيُّ فوزٍ أعظم من هذا الفوز! يخبرهم ربهُّم بأنهَّم من الفائزين في الاخرة ، وذلك بدخولهم الجنَّة ، وبـُعْدهم عن النَّار. قال تعا
عدد الصفحات ٧٦يـَوْمَ الْقِّيَامَةِّ فَمَنْ زُحْزِّحَ عَنِّ النَّارِّ وَأُدْخِّلَ الجَْنَّةَ فـَقَدْ فَازَ وَمَا الحَْيَاةُ الدُّنـْيَا إِّلاَّ مَتَاعُ الْغُ رُور[عمران 185. ] 11 ـ الإيمان الحقيقي ومن هذه الص ِّفات الحميدة؛ الَّتي أثنَّ الله على المهاجرين بها في كتابه الكريم صفة الإيمان الحق ِّ. قال تعانُونَ حَقًّا لهَُمْ مَغْفِّرَةٌ وَرِّزْقٌ كَرِّيمٌ[74. ] فهذه شهادةٌ من الله العليم الخبير للمهاجري ن بأنهَّم المؤمنون حق اً ، فالمهاجرون رضي الله عنهم هم النَّموذج الحقيقيُّ؛ الَّذي يتمثَّل فيه الإيمان ـ بعد رسول الله (ص) ـ كما أنهَّم قدوةٌ حسنةٌ لمن جاء بعدهم ، وصورةٌ حقيقيَّةٌ في ترجمة الص ِّفات الحميدة في واقع الحياة ، فلذلك استحقُّوا هـذا الثناء الرَّ بانيَّ بأنهَّم المؤمنون حق اً. قال تعالى: {إِّنمََّا الْمُؤْمِّنُونَ الَّذِّينَ إِّذَا ذُكِّرَ اللَّ ُ وَجِّلَتْ قـُلُوبـُهُمْ وَإِّذَا تُلِّيَتْ عَلَيْهِّمْ آيََّتُهُ زَادَتـْهُمْ إِّيمَاناً وَعَلَى رَبه ِِّّمْ يـَتـَوَكَّلُونَ * الَّذِّينَ يُقِّيمُونَ الصَّلاَةَ وَممَِّّا رَزَقـْنَاهُمْ يُنفِّقُونَ * أُوْلَئِّكَ هُمُ الْمُؤْمِّنُونَ حَقًّا لهَُّمْ دَرَجَاتٌ عِّندَ رَبه ِِّّمْ وَمَغْفِّرَةٌ وَرِّزْقٌ كَرِّيمٌ }* [2 ـ4] تتمثَّل في حياة المهاجرين ، كما أنَّ المتَّصفين بهذه الص ِّفات هم المؤمنون حقَّ اان334.]) ثانياً: الوعد للمهاجرين ذكر الله تعالى بعض الن ِّعم الَّتي وعد بها المهاجرين في الدُّنيا ، والاخرة؛ ومن هذه الن ِّعم: 1 ـ سعة رزق الله لهم في الدُّنيا قال تعاةً وَمَنْ يخَْرُجْ مِّنْ بـَيْتِّهِّ مُهَاجِّرًا إِّلىَ اللََِّّّ وَرَسُولِّهِّ ثمَُّ يُدْرِّكْهُ الْمَوْتُ فـَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللََِّّّ وَكَانَ اللََُّّ غَفُورًا رَحِّيمًا [100. ] ومن سعة رزق الله لهم في الدُّنيا تخصيصهم بَّال الفيء ، والغنائم. قالتعا أُخْرِّجُوا مِّنْ دِّيََّرِّهِّمْ وَأَمْوَالهِِّّمْ يـَبـْتـَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللََِّّّ وَرِّضْوَاناً وَيـَنْصُرُونَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ أُ ولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ }* [8] فهم أحقُّ النَّاس به335.]) ومن سعة الله لهم في الر ِّزق أن خلَّص الله ـ عزَّ وجلَّ ـ الأنصار من شح ِّ النفس ، ووسَّع صدورهم للمهاجرين. قال تعا يجَِّدُ ونَ فيِّ صُدُورِّهِّمْ حَاجَةً ممَِّّا أُوتُوا وَيـُؤْثِّرُونَ عَلَى أَنـْفُسِّهِّمْ وَلَوْ كَانَ بهِِّّمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نـَفْسِّهِّ فَلُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ[9. ]
عدد الصفحات ٧٧إنَّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وعد المهاجرين سعة الر ِّزق في الدُّنيا ، وتحقَّقذلك الوعد الكريم؛ وذلك لأنَّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ في منهجه الرَّباني ِّ القراني يعالج هذه النَّفس في وضوحٍ وفصاحةٍ ، فلا يكتم عنها شيئاً من المخاوف ، ولا يداري عنها شيئاً من الأخطار ـ بَّا في ذلك خطر الموت ـ ولكنَّه يسكب فيها الطُّملنينة بحقائق أخرى ، وبضمانة الله ـ سبحانه وتعالى ـ فهو يحد ِّد الهجرة بأنهَّا «في سبيل»، وهذه هي الهجرة المعتبرة في الإسلام ، فليست هجرةً للثَّراء ، أو هجرةً للنَّجاة من المتاعب ، أو هجرةً للذائذ والشَّهوات ، أو هجرةً لأي ِّ عرضٍ من أعراض الحياة ، ومَنْ يهاجر هذه الهجرة في سبيل الله يجد في الأرض فسحةً ، ومنطلقاً ، فلا تضيق به الأرض ، ولا يعدم الحيلة ، والوسيلة للنَّجاة ، وللر ِّزق ، والحياة336]) خطاه 2 ـ تكفير سيئاتهم ، ومغفرة ذنوبهم ومن الن ِّعم الَّتي وعد بها الله ـ سبحانه وتعالى ـ المهاجرين تكفيرُ سي ِّئاتهم ، ومغفرة ذنوبهم. قال تعالى: {لَّذِّينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِّجُوا مِّنْ دِّيََّرِّهِّمْ وَأُوذُوا فيِّ سَبِّيلِّي وَقَاتـَلُوا وَقُتِّلُوا لأََُكَف ِّرَنَّ عَنـْهُمْ سَي ِّئَاتهِِّّمْ وَلأََُدْخِّلَنـَّهُمْ جَنَّاتٍ تجَْرِّي مِّنْ تحَْتِّهَا الأَنـْهَارُ ثـَوَاباً مِّنْ عِّنْدِّ اللََِّّّ وَاللََُّّ عِّنْدَهُ حُسْنُ الثـَّوَاب[عمران 195. ] وقد ورد عن رسول الله (ص) ، أحاديث كثيرةٌ تبين ِّ: أن الهجرة من أعظم الوسائل المكف ِّرة للسَّي ِّئات ، وأنهَّا سببٌ لمغفرة ذنوب أهلها ، ومن هذه الأحاديث: عن ابن شَاسة المهري ِّ قال: حضَرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة337]) أبتاهُ! أما بشَّرك رسول الله (ص) بكذا؟ أمَا بشَّرك رسول الله (ص) بكذا؟ قال: فلقبل بوجهه ، فقال: إنَّ أفضل ما نُعِّدُّ شهادةُ أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمَّداً رسولُ الله. إني ِّ كنت على أطباقٍ 338 ]) ثلاث ، لقد رأيتني وما أحدٌ أشدَّ بغضاً لرسول الله (ص) مني ِّ ، ولا أحبَّ إ أن أكون قد استمكنتُ منه ، فقتلْتُهُ ، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنت من أهل النَّار ، فلمَّا جعل اللهُ الإسلامَ في قلبي ، أتيتُ النَّبيَّ (ص) ، فقلتُ: ابسُطْ يمينك فلأبايعنَّك ، فـَبَسَطَ يمينَهُ ، قال: فقبضتُ يدي ، قال: «مالك عمرو؟»قال: قلتُ: أردت أن أشط ، قال: «تشتّط بَّاذا؟»قلتُ: أن يـُغْفَرَ لي. قال «أما علمت أنَّ الإسلام يهدم ما كان قبله ، وأنَّ الهجرة تهدم ما كان قبلها ، وأنَّ الحج يهدم ما كان قبله!»وما كان أحدٌ أحبَّ إليَّ من رسول الله (ص) ، ولا أجلَّ في عيني منه ، وما كنت أُطيق أن أملأ عينيَّ من ه؛
عدد الصفحات ٧٨إجلالاً له ، ولو سُئِّلْتُ أن أصفه ما أطَقْتُ؛ لأني ِّ لم أكن أملأ عينيَّ منه ، ولو مُتُّ على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنَّة ، ثم ولينا أشياءَ ما أدري ما حالي فيها ، فإذا أنا متُّ فلا تصحبني نائحةٌ ، ولا نارٌ ، فإذا دفنتموني؛ فشُنُّوا339]) التُّّابَ شن اً ، ثمَّ أقِّيمُوا حول قبري قَدْرَ ما تـُنْحَرُ جَزُورٌ ، ويـُقْسَمُ لحمُها؛ حتَّ أستلنسَ بكم ، وأنظر ماذا أراجع به رُسُلَ ر121. ]) قال النَّوويُّ: فيه: عظم موقع الإسلام ، والهجرة ، والحج ِّ ، وأنَّ كلَّ واحدٍ منها يهدم ما كان قبله م ن المعاصي. وفيه: استحباب تنبيه المحتضر على إحسان ظن ِّه بالله سبحانه وتعالى ، وذكر ايَّت الرَّجاء ، وأحاديث العفو عنده ، وتبشيره بَّا أعدَّه الله تعالى للمسلمين ، وذكر حسن أعماله عنده ليحسن ظنَّه بالله تعالى ، ويموت عليه ، وهذا الأدب مستحبٌّ بالاتفاق340.]) 3 ـ ارتفاع منزلتهم ، وعظمة درجتهم عند ربه ِّم وعد الله ـ سبحانـه وتعالى ـ الَّذين نالوا أفضل الإيمان ، والهجـرة ، والجهاد في سبيل الله بأموالهم، وأنفسهم أعظم الدَّرجات عند الله. قال تعامْوَالهِِّّمْ وَأَنـْفُسِّهِّمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِّنْدَ اللََِّّّ وَأُولَئِّكَ هُمُ الْفَائِّزُونَ [20. ] يقول الفخر الرَّازي: إنَّ الموصوفين بهذه الص ِّفات الأربعة ، في غاية الجلالة والر ِّفعة؛ لأنَّ الإنسان ليس له إلا مجموع أمورٍ ثلاثة: الرُّوح ، والبدن ، والمال ، أمَّا الرُّوح؛ فلمَّا زال عنها الكفر ، وحصل فيها الإيمان؛ فقد وصلت إلى مراتب العادات اللاَّئقة بها ، وأمَّا البدن ، والمال؛ فبسبب الهجرة وقعا في النُّقصان ، وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا مُعرَّضَينِّْ للهلاك ، والبطلان ، ولا شكَّ: أنَّ كلاً من النَّ فس ، والمال؛ محبوبٌ للإنسان ، والإنسان لا يعرض عن مجموعه إلا للفوز بَّحبوبٍ أكمل من الأوَّل ، فلولا أنَّ طلب الر ِّضوان أتمُّ عندهم من النَّفس ، والمال؛ لما رجَّحُوا جانب الاخرة على جانب النَّفس ، والمال ، ولما رَضُوا بإهدار النَّفس ، والمال لطلب مرضاة الله تعالى. فثبت: أنَّ عند حصول الص ِّفات الأربعة صار الإنسان واصلاً إلى أعلى درجات البشريَّة ، وأوَّل مراتب درجات الملائكة ، وهم بذلك يكونون أفضل من كل ِّ مَنْ سواهم من البشر على الإطلاق؛ لأنَّه لا يعقل حصول سعادةٍ ، وفضيلةٍ للإنسان أعلى وأكمل من هذه الص ِّفات(341.]) فالذين امنوا ، وهاجروا ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم ، وأنفسهم أعظم ، وأعلى مقاماً في مراتب الفضل ، والكمال في حكم الله ، وأكبر مثوبةً من أهل سقاية الحاج ِّ وعمارة المسجد الحرام؛ الَّذين رأى بعض المسلمين: أنَّ عملهم إيََّّهما من أفضل القربات بعد الإسلام.
عدد الصفحات ٧٩فالَّذين نالوا فضل الهجرة ، والجهاد بنوعيه: النَّفسي ِّ ، والمالي ِّ أعلى مرتبةً ، وأعظم كرامةً ممَّن لم يتَّصف بهما كائناً مَنْ كان ، ويدخل في ذلك أهل الس ِّقاية ، والعمارة 342.]) وأنَّه تعالى لم يقل: أعظم درجةً من المشتغلين بالس ِّقاية ، والعمارة؛ نَّه لو عين ذكرهم لأوهم أنَّ فضيلتهم إنمَّا حصلت بالنسبة إليهم ، ولمَّا ترك ذكر المرجوح؛ دلَّ ذلك على أنهَّم أفضل من كل مَنْ سواهم على الإطلاق؛ لأنَّه لا يعقل حصول سعادةٍ، وفضيلةٍ للإنسان أعلى ، وأكمل من هذه الص ِّفات343]) { لا يعني: أنَّ للاخرين درجةً أقلَّ؛ إنما هو التَّفضيل المطلق، فالاخرون خَالِّدُونَ[17] نعيمٍ[344.]) 4 ـ استحقاقهم الجنَّة ، والخلود فيها ومن الن ِّعم الَّتي أعدَّها الله ـ سبحانه وتعالى ـ للمهاجرين الجنَّةُ ، والخلود فيها. قال تعا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ بأَِّمْوَالهِِّّمْ وَأَنـْفُسِّهِّمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِّنْدَ اللََِّّّ وَأُولَئِّكَ هُمُ الْفَائِّزُونَ *يـُبَش ِّرُهُمْ رَبـُّهُمْ بِّرَحمَْةٍ مِّنْهُ وَرِّضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لهَُمْ فِّيهَا نَعِّيمٌ مُقِّيمٌ *خَالِّدِّينَ فِّيهَا أَبَدًا إِّنَّ اللَََّّ عِّنْ دَهُ أَجْرٌ عَظِّيمٌ [20 ـ22. ] قال الشَّوكاني في تفسيرهوالتنكير في الرَّحمة ، والر ِّضوان ، والجنَّات للتَّعظيم ، والمعنَّ: أنهَّا فوق وصف الواصفين ، وتصوُّر المتصو ِّرين. والنَّعيم المقيم: الدَّائم المستمرُّ الَّذي لا يفارق صاحبه ، وَذِّكْرُ الأبد بعد الخلود تأكيدٌ له345]) ـ سبحانه وتعالى ـ بها المؤمن والمؤمنات. قال تعافِّيهَا وَمَسَاكِّنَ طَي ِّبَةً فيِّ جَنَّاتِّ عَدْنٍ وَرِّضْوَانٌ مِّنَ اللََِّّّ أَكْبـَرُ ذَلِّكَ هُوَ الْفَ وْزُ الْعَظِّيمُ[72. ] 5 ـ الفوز العظيم ورضوان الله عليهم ومن الن ِّعم الَّتي وعد الله ـ سبحانه وتعالى ـ بها المهاجرين: أنهَّم سينالون الفوز العظيم. قال تعا آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ بأَِّمْوَالهِِّّمْ وَأَنـْ فُسِّهِّمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِّنْدَ اللََِّّّ وَأُولَئِّكَ هُمُ الْفَائِّزُونَ [20. ] ورضوانُ الله تعالى عليهم أكبر ، وأجلُّ ، وأعظم ممَّا هم فيه من النَّعيم ، وهو نهاية الإحسان، وهو أعلى الن ِّعم، وأكمل الجزاء346])عَدَ اللََُّّ الْمُؤْمِّنِّينَ وَالْمُؤْمِّنَاتِّ جَنَّاتٍ
عدد الصفحات ٨٠تجَْرِّي مِّنْ تحَْتِّهَا الأَنـْهَارُ خَالِّدِّينَ فِّيهَا وَمَسَاكِّنَ طَي ِّبَةً فيِّ جَنَّاتِّ عَدْنٍ وَرِّضْوَانٌ مِّنَ اللََِّّّ أَكْبـَ رُ ذَلِّكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِّيمُ[72. ] ورضا الله عنهم هوالر ِّضا الَّذي تتبعه المثوبة ، وهو في ذاته أعلى ، وأكرم مثوبةً ، ورضاهم عن الله هو الاطمئنان إليه على نعمائه ، والصَّبر على ابتلائه ، ولكن التَّعبير بالر ِّضا هنا ، وهناك يشيع جوَّ الر ِّضا الشَّامل ، الغامر ، المتبادل ، الوافر ، الوارد ، الصَّادر بين الله س بحانه وتعالى وهذه الصَّفوة المختارة من عباده ، ويرفع من شلن هذه الصَّفوة من البشر؛ حتََّّ إنهَّم ليبادلون ربهم الر ِّضا ، وهو ربهُّم الأعلى ، وهم عبيده المخلوقون ، وهو حالٌ ، وشلنٌ وجوٌّ لا تملك الألفاظ البشرية أن تعبر ِّ عنه ، ولكن يتَّسم ، ويتشرَّف ، ويستجلي من خلال النَّص ِّ القراني ِّ ، بالرُّوح المتطل ِّع ، والقلب المتفت ِّح ، والحس ِّ الموصول 347.]) هذا بعض ما وعد الله به المهاجرين من الجزاء ، والثَّواب بسبب جهادهم المرير. إنَّ المهاجرين بإيمانهم الرَّاسخ ، ويقينهم الخالص لم يمك ِّنوا الجاهليَّة في مكَّة من و أد الدَّعوة؛ وهي في مستهل ِّ حياتها؛ لقد استمسكوا بَّا أُوحي إلى نبي ِّهم ، ولم تزدهم حماقة قريش إلا اعتصاماً بَّا اهتدوا إليه ، وامنوا به ، فلمَّا أسرفت الجاهليَّة في عسفها ، واضطهادها ، وأذن الله لهؤلاء المؤمنين الصَّابرين بالهجرة من مكَّة؛ خرجوا من ديَّرهم ، وأموالهم ، ويمَّموا صوب المدينة؛ ليس رهبة من الكفر ، ولا رغبة في الدنيا؛ ولكنهم كانوا بذلك يرجون رحمة الله ، ويبتغون فضلاً منه ورضواناً؛ ولذلك صاروا أهلاً لما أسبغه الله عليهم من فَضْلٍ في الدُّنيا ، وما أعدَّه لهم يوم القيامة من ثوابٍ عظيم 348.]) ثالثاً: الوعيد للمتخل ِّفين عن الهجرة: إنَّ الأسلوب القرانيَّ في الوعد ، والوعيد يهدف إلى الخشية ، والرَّجاء في النُّفوس: رجاء يدفعها إلى الطَّاعة ، والاستقامة ، وخشيةٍ تمنعها من المعصية ، وتسرع بها إلى الاستغفـار ، والتَّوبـة ، والمؤمن بينهما في معادلةٍ جِّدُّ دق يقةٍ؛ لئلا يقعَ فريسةً لليلس ، والقنوط ، ولا يندفع إلى الجرأة على محارم الله ، أو التهاون فيما أمر الله، ولقد استطاع القران الكريم بسلاحيـه هذين أن يحفظ للفـرد شخصيته ، وللمجتمع مقو ِّماته؛ في الحياة ، والمال ، والعقل ، والعِّرْض ، والد ِّين349])ياتٌ تقوم عليها الحياة الرَّشيدة الفاضلة. ولقد رأت الحياة النُّور في أجيالٍ عديدةٍ ، أنارها القران بالوعد ، والرجاء ، وبالوعيد ، والخشية ، ولمَّا خَفَتَ ذلك النورُ بِّبُعد النَّاس عن القران؛ اصطدم الفردُ بفطرته ، والمجتمعُ بواقعه؛ فاضطربت القيم، وانهارت الأ خلاق، وفسدت المعاملات، والمناهج والتَّصوُّرات، ولن يصلح اخر
عدد الصفحات ٨١