المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 02

علي محمد الصلابي

صفحة ٤ من ١٩

وأبا بكر ، قد استلجرا رجلاً من بني الدَّيْل ، يُسمَّى عبد الله ابن أريقط ، وكان مشركاً ، وقد أمِّنَاهُ ، فدَفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليالٍ براحلتيهما ، وقد جاءهما فعلاً في الموعد المحدَّد ، وسلك بهما طريقاً غير معهودةٍ؛ ليخفي أمرهما عمَّن يلحق بهم من كفار قريش187.]) وفي الطريق إلى المدينة ، مرَّ النَّبيُّ (ص) بأم ِّ مَعْبَد 188])189]) وهي أخت خُنـَيْس بن خالدٍ الخزاعي ِّ؛ الَّذي روى قصَّتها ، وهي قصَّةٌ تناقلها الرُّواة ، وأصحاب الس ِّير ، وقال عنها ابن كثير: «وقصَّتها مشهورةٌ مرويَّةٌ من طرقٍ يشدُّ بعضها بعضاً [»190]) خُنـَيْس الخزاعي ِّ رضي الله عنه ، صاحب رسول الله (ص) : أنَّ رسول الله (ص) حين خرج من مكَّة ، وخرج منها مهاجراً إلى المدينة ، هو وأبو بكر رضي الله عنه ، ومولى أبي بكرٍ عامر بن فهيرة رضي الله عنه ، ودليلهما اللَّيثي عبد الله بن أريقط ، مرُّوا على خيمة أم ِّ معبد الخزاعيَّة ، وكانت بـَرْزَة 191]) جَلْدَة192])193]) فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك ، وكان القوم مُرْمِّل194])195]) (ص) إلى شاةٍ في كَسْر الخيمة196])«ما هذه الشَّاة يَّ أمَّ معبد؟»قالت: خلَّفها الجَهْد عن الغنم ، قال: «فهل بها من لبٍَ؟»قالت: هي أجهد من ذلك. قال«أتأذنين أن أحلبها؟»قالت: بلى بأبي أنت وأم ِّي! نعم إن رأيت بها حَلْباً؛ فاحلبها! فدعا بها رسول الله (ص) فمسح بيده ضرعها ، وسمَّى الله عزَّ وجلَّ ، ودعا لها في شاتها ، فتفاجَّت197])198])199])200]) فحلب فيها ثج اً201])202]) وشرب اخرهم (ص) ، ثمَّ أراضوا203]) عندها ، ثمَّ بايعها ، وارتحلوا عنها فقلَّما لبثت حتََّّ جاء زوجها أبو معبد ، يسوق أعنزاً عجافاً 204])205 ]) ضحىً ، مخُّهنَّ قليلٌ ، فلمَّا رأى أبو معبد اللبَ؛ عجب ، وقال: من أين لك هذا اللَّبَ يَّ أمَّ معبد والشَّاة عازبٌ حِّيال 206])، من حاله كذا ، وكذا. قال: صفيه لي يَّ أم معبد! قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة207]) الوجه 208])209])210])211 ])

عدد الصفحات ٥٠

، في عينيه دَعَجٌ212])213])ته صَهَلٌ214]) سَطَع215])216])217]) تكلَّم سما218]) حُلْوُ المنطق ، فَصْلٌ ، لا هذر ، ولا نزر219]) منطقه خرزات نظمٍ يتحدَّرن ، رَبْعٌ 220])221]) قصرٍ222]) إن قال؛ استمعوا لقوله، وإن أمر؛ تبادروا إلى أمره، محْفُودٌ223])224]) مُفنَّدٌ225.]) قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش؛ الَّذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بَّكَّة ، ولقد هممت أن أصحبه ، ولأفعلنَّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً. فلصبح صوتٌ بَّكَّة عالياً ، يسمعون الصوت ، ولا يدرون مَنْ صاحبه ، وهو يقول: جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِّ خَيـْرَ جزائهِّرَفِّيـْقَينِّْ قا 226]) همَُا نـَزَلا بالبرِّ ِّ ثمَُّ تروَّحافـَقَدْ فازَ مَنْ أَمْسَى رَفِّيْقَ محَُمَّد فيا لَقُصَي ٍ ما زَوَى الله عَنْكُمُبهِّ مِّنْ فِّعَالٍ لا تجَُارَى وسُؤدُد 227]) ليـَهْنِّ بَنيِّ كَعْبٍ مَكَان فـَتَاتهِِّّمْومَقْعَدُهَا لِّلْمُؤْمِّنينِّ بََِّّرْصَدِّ سَلُوا أختَكمْ عنْ شاتهَِّا وإناَئِّهَافإنَّكُمْ إِّنْ تَسْلَلُوا الشَّاةَ تَشْهَد دَهَاهَا بِّشَاةٍ حَائِّلٍ228])229]) فغَادَرَهَا رَهْناً لَدَيـْهَا لحَِّالبٍيـُرَد ِّدُهَا في مَصْدِّرٍ ثمَُّ مَوْرِّد [3605) وفي الأحاديث الطوال30) وذكره الهيثمي مجمع الزوائد (6/56 ـ57) عن حبيش بن خالد230.]) سابعاً: سراقة بن مالك يلاحق رسول(ص): أعلنت قريش في نوادي مكَّة: أنَّه من يأتِّ بالنَّبي ِّ (ص) ، حيَّاً ، أو ميتاً ، فله مئة ناقةٍ ، وانتشر هذا الخبر عند قبائل الأعراب ، الَّذين في ضواحي مكَّة ، وطمع سراقة بن مالك بن جُعْشُم في نيل الكسب ، الَّذي أعدَّته قريش لمن يأتي برسول الله (ص) ، فلجهد نفسه لينال ذلك ، ولكن الله بقدرته الَّتي لا يغلبها غالب جعله يرجع مدافعاً عن رسول الله (ص) بعدما كان جاهداً عليه.

عدد الصفحات ٥١

قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرَّحمن بن مالك المُدْلجِّيُّ ـ وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ ـ أنَّ أباه أخبره ، أنَّه سمع سراقة بن جُعْ شُم يقول: جاءنا رُسُلُ كفَّار قريش ، يجعلون في رسول الله (ص) ، وأبي بكرٍ ديةَ كل ِّ واحدٍ منهما ، لمن قتله أو أسره ، فبينما أنا جالس في مجلسٍ من مجالس قومي بني مُدْلِّج؛ إذ أقبل رجلٌ منهم حتََّّ قام علينا ونحن جلوس ، فقال: يَّ سراقة! إني ِّ قد رأيت انفاً أَسْوِّ دةً231]) ليسوا بهم ، ولكنَّك رأيتَ فلاناً ، وفلاناً ، انطلَقوا بأعيننا ، ثمَّ لبثتُ في المجلس ساعةً ، ثمَّ قمتُ ، فدخلتُ ، فلمرتُ جاريتي أن تخَْرُجَ بفرسي ـ وهو من وراء أ كمةٍ232]) رُمحْي ، فخرجت به من ظَهْر البيت ، فخططت بِّزُج ِّه 233]) فرسي فركبتُها ، فرفعتُها (أي: أسرعت بها السَّير) تـُقَر ِّب بي ، حتََّّ دنوت منهم ، فـَعَثَرت بي فرسي ، فخررتُ عنها ، فقمت ، فلهويت يدي إلى كنانتي ، فاستخرجت منها الأزلام 234]) بها: أضُرُّهم ، أم لا؟ فخرج الَّذي أكره ، فركبت فرسي ، وعصيت الأزلام ، تُقر ِّب بي ، حتََّّ إذا سمعت قراءة رسول الله (ص) ، وهو لا يلتفتُ ، وأبو بكر يكثر الالتفات ، سَاخَتْ 235]) الأرض؛ حتََّّ بلغتا الرُّكبتين ، فخررتُ عنها ، ثمَُّ زجرتها ، فنهضتْ ، فلم تكد تخُْرِّجُ يديها ، فلمَّا استوت قائمةً؛ إذا لأثر يديها عُثان236]) فخرج الَّذي أكره ، فناديتهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبت فرسي؛ ح جئتُهم ، ووقع في نفسي حين لَقِّيتُ ما لَقِّيتُ من الحبس عنهم ، أن سَيظهرُ أمرُ رسول الله (ص) ، فقلت له: إنَّ قومك قد جعلوا فيك الد ِّية ، وأخبرتهم أخبار ما يريد النَّاس بهم ، وعرضت عليهم الزَّاد والمتاع ، فلم يـَرْزا237]) ولم يسللاني ، إلا أن قال: أخْفِّ عنا ، فسللته أن يكتب لي كتابَ أمنٍ ، فلمرَ عامرَ بن فهيرة ، فكتب في رقعةٍ من أدَمٍ238])3906) ومسلم2009/91. ]) وكان ممَّا اشتهر عند النَّاس من أمر سراقة ، ما ذكره ابن عبد البر ِّ ، وابن حجر ، وغيرهما قال ابن عبد البر ِّ: روى سفيان بن عيينة عن أبي موسى ، عن الحسن: أنَّ رسول الله (ص) قال لسراقة بن مالك: «كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟ »قال: فلمَّا أُتيَِّ عمرُ بسواري كسرى ، ومِّنْطَقَته وتاجه؛ دعا سراقة بن مالكٍ ، فللبسه إيََّّها ، وكان سراقة رجلاً أزَب 239])عر السَّاعدين ، وقال له: ارفع يديك ، فقال: الله أكبر ، الحمد للهِّ الَّذي سلبهما كسرى بن هُرْمز ، الَّذي كان يقول: أنا ربُّ النَّاس ، وألبسهما سراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ أعرابيَّاً من بني مُدْلِّج ، ورفع بها عمر

عدد الصفحات ٥٢

صوته240])ينة ، والنَّاس حوله ، وهو يرفع عقيرته مردداً قول الفاروق: الله أكبر ، الحمد للهِّ الذي سلبهما كسرى بن هرمز ، وألبسهما سراقة بن جُعْشُمٍ أعرابي اً من بني مُدْلِّج241.]) ثامناً: سبحان مقل ِّب القلوب كان سراقة في بداية أمره يريد القبض على رسول الله (ص) ، وتسل يمه لزعماء مكَّة؛ لينال مئة ناقة ، وإذا بالأمور تنقلب رأساً على عَقِّب ، ويصبح يردُّ الطلب عن رسول الله (ص) ، فجعل لا يلقى أحداً من الطَّلب إلا ردَّه ، قائلاً: كُفيتم هذا الوجه ، فلمَّا اطملنَّ إلى أنَّ النَّبيَّ (ص) وصل إلى المدينة المنوَّرة ، جعل سراقة يق صُّ ما كان من قصَّته ، وقصَّة فرسه ، واشتهر هذا عنه ، وتناقلته الألسنة؛ حتََّّ امتلأت به نوادي مكَّة ، فخاف رؤساء قريش أن يكون ذلك سبباً لإسلام بعض أهل مكَّة ، وكان سراقة أمير بني مُدْلِّج ، ورئيسهم ، فكتب أبو جهل إليهم: بني مُدْلِّجٍ إني ِّ أخاف سَفيهَكُمْسرا قةَ مستغوٍ لِّنَصْرِّ محَُمَّدِّ عَلَيْكُمْ به ألاَّ يـُفَر ِّقَ جمَْعَكُمْفَيُصْبِّحَ شَتََّّ بـَعْدَ عِّز ٍ وسُؤْدُدِّ فقال سراقة يردُّ على أبي جهلٍ: أبا حَكَمِّ الَّلاتِّ لوْ كنتَ شاهداًلأَمرِّ جَوَادِّي إذْ تسيخُ قَوائِّمُهْ عَجِّبْتَ وَلمَْ تَشْكُكْ بأنَّ محَُمَّداً رَسُولٌ بِّبـُرْهَانٍ فَمَنْ ذَا يـُقَاوِّمُهْ عَلَيْكَ فكُفَّ القَوْمَ عَنْهُ فإنَّنِّيلَرَى أَمْرَهُ يـَوْماً سَتـَبْدُو مَعالِّمُهْ بأَمْرٍ تـَوَدُّ النَّاسُ فِّيْهِّ بأَسْرِّهمِّْبلنَّ جمَِّيْعَ النَّاسِّ طُر اً مُسَالِّمُهْ 242]) تاسعاً: استقبال الأنصار لرسول(ص): «ولمَّا سمع المسلمون بالمدينة مخَْرَجَ رسول الله (ص) من مكَّةَ ، فكانوا يغدون كلَّ غداةٍ إلى الحَرَّة فينتظرونه ، حتََّّ يردَّهم حرُّ الظَّهيرة ، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم ، فلمَّا أَوَوْا إلى بيوتهم؛ أوفَّ رجلٌ من يهود على أُطُمٍ243])طامهم ، لأمرٍ ينظر إليه ، فبصُرَ برسول الله (ص وأصحابه مُبـَيَّض244])245]) يَّ معاشرَ العرب! هذا جَدُّكم 246]) (ص) بظهر ا لحَرَّة ، فعدل بهم ذات اليمين ، حتََّّ نـَزَل بهِِّّم في بني عمرو بن عوف ، وذلك يوم الإثن247])248])

عدد الصفحات ٥٣

صامتاً ، فطفق من جاء من الأنصار ـ ممَّن لم يـَرَ رسول الله (ص) ـ يحَُي ِّي أبا بكرٍ ، حأصابت الشَّمْسُ رسولَ الله (ص) ، فلقبل أبو بكر حتََّّ ظلَّلَ عليه بردائه ، فعرف النَّاس رسول الله (ص) عند ذلك ، فلبث رسولُ الله (ص) في بني عمرو بن عوف بضعَ عَشْرَةَ ليلةً 249]) على التَّقوى ، وصلَّى فيه رسول الله (ص) ،ركب راحلته »[3906. ]) وبعد أن أقام رسول الله (ص) المدَّة الَّتي مكثها بقُباء ، وأراد أن يدخل المدينة؛«بعث إلى الأنصار» فجاؤوا إلى نبي ِّ الله (ص) وأبي بكر ، فسلَّموا عليهما ، وقالوا: اركبا امِّنـَينْ مُطَاعَينْ ، فركب ن (ص) ، وأبو بكرٍ ، وحَ فُّوا دونهَما بالس ِّلاح » وعند وصوله (ص) إلى المدينة ، قيل في المدينة«جاء نبيُّ الله ، جاء نبيُّ الله (ص) ، فلشرفوا ينظرون ، ويقولون: جاء نبيُّ الله»[3911. ]) فكان يوم فرحٍ وابتهاجٍ ، لم ترَ المدينة يوماً مثله ، ولبس النَّاس أحسن ملابسهم ، كل م في يوم عيدٍ ، ولقد كان حق اً يوم عيدٍ؛ لأنَّه اليوم الَّذي انتقل فيه الإسلام من ذلك الحي ِّز الضَّي ِّق في مكَّة ، إلى رحابة الانطلاق والانتشار ، بهذه البقعة المباركة (المدينة) ، ومنها إلى سائر بقاع الأرض ، لقد أحسَّ أهل المدينة بالفضل الَّذي حباهم الله به ، وبالشَّرف الَّذي اختصَّهم به أيضاً ، فقد صارت بلدتهم موطناً لإيواء رسول الله (ص) ، وصحابته المهاجرين ، ثم لنصرة الإسلام ، كما أصبحت موطناً للن ِّظام الإسلامي ِّ العام ِّ ، والتَّفصيلي ِّ بكل ِّ مقو ِّماته ، ولذلك خرج أهل المدينة يهل ِّلون في فرحٍ وابتهاجٍ ، ويقولون: يَّ رسول الله! يَّ محمد! يَّ رسول 250!]) روى الإمام مسلمٍ بسنده ، قال «عندما دخل رسول الله (ص) المدينة؛ صعد الر ِّجال ، والن ِّساء فوق البيوت ، وتفرَّق الغِّلْمَان ، والخدم في الطُّرق ، ينادون: يَّ محمد! يَّ رسول الله! يَّ محمَّد! يَّ رسول الله!!»[3014/م وبعد هذا الاستقبال الجماهيري ِّ العظيم؛ الَّذي لم يرد مثله في تاريخ الإنسانيَّة سار رسول الله (ص) حتََّّ نزل في دار أبي أيوبٍ الأنصاري ِّ رضي الله عنه ، فعن أنسٍ رضي الله عنه في حديث الهجرة الطَّويل: «فلقبل يسيرُ حتََّّ نزل جانب دار أبي أيوب، فإنَّه ليُحَد ِّثُ أهلَه251]) ، وهو في نخلٍ لأهله يخَْتَِّّف 252]) فسمع من نبي ِّ الله (ص) ، ثمَّ رجع إلى أهله ، فقال نبيُّ الله (ص) : أيُّ بيوتِّ أهلنا 253])ب؟

عدد الصفحات ٥٤

فقال أبو أيوب: أنا يَّ نبيَّ الله! هذه داري، وهذا بابي ، قال: فانَطَلِّقْ فهيىءْ لنا مقيلاً 254 »....]) [3911]) وبهذا قد تمَّت هجرته (ص) ، وهجرة أصحابه رضي الله عنهم؛ ولم تنتهالهجرة بأهدافها ، وغايَّتها ، بل بدأت بعد وصول رسول الله (ص) سالماً إلى المدينة ، وبدأت معها رحلة المتاعب ، والمصاعب ، والتَّحد ِّيَّت ، فتغلَّب عليها رسول الله (ص) للوصول للمستقبل الباهر للأمَّة ، والدَّولة الإسلاميَّة؛ الَّتي استطاعت أن تصنع حضارةً إنسانيَّ ةً رائعةً ، على أسس من الإيمان ، والتَّقوى ، والإحسان ، والعدل بعد أن تغلَّبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان العالم ، وهما: دولة الفرس ، ودولة الرُّوم255.]) عاشراً: فوائد ، ودروسٌ ، وع 1 ـ الص ِّراع بين الحق ِّ والباطل صراعٌ قديمٌ ، وممتد وهـو سنَّـةٌ إلهيَّـةٌ نافـذةٌ ، قـال عـزَّ وجـلللََُّّ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللََِّّّ النَّاسَ بـَعْضَهُمْ بِّبـَعْضٍ لهَُد ِّمَتْ صَوَامِّعُ وَبِّيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِّدُ يُذْكَرُ فِّيهَا اسْمُ اللََِّّّ كَثِّيرًا وَلَيـَنْصُرَنَّ اللََُّّ مَنْ يـَنْصُرُهُ إِّنَّ اللَََّّ لَقَوِّيٌّ عَزِّيزٌ [40. ] ولكنَّ هذا الص ِّراع معلومُ العاقبة[21 ] . 2 ـ مكر خصوم الدَّعوة بالدَّاعية أمرٌ مستمرٌ متكر ِّرٌ: سواءٌ عن طريق الحبس ، أو القتل ، أو النَّفي ، والإخراج من الأرض ، وعلى الدَّاعية أن يلجل إلى رب ِّه ، وأن يثق به ، ويتوكَّل عليه ، ويعلم: أنَّ المكر السَّيلى لا يحيق إلا بأهله256]) {كُرُ بِّكَ الَّذِّينَ كَفَرُوا لِّيـُثْبِّتُوكَ أَوْ يـَقْتـُلُوكَ أَوْ يخُْرِّجُوكَ وَيمَْكُرُونَ وَيمَْكُرُ اللََُّّ وَاللََُّّ خَيـْ رُ الْمَاكِّرِّينَ [30. ] ومن مكر أهل الباطل وخصوم الدَّعوة استخدام سلاح المال لإغراء النُّفوس الضَّعيفة ، للقضاء على الدَّعوة والدُّعاة ، ولذلك رصدوا مئة ناقةٍ ، لمن يأتي برسول الله (ص) حي اً ، أو ميتاً ، فتحرَّك الطَّامعون ، ومنهم سراقة؛ الَّذي عاد بعد هذه المغامرة الخاسرة ماديَّ ً ، بأوفر ربحٍ ، وأطيب رزقٍ ، وهو رزق الإيمان ، وأخذ يعم ِّي الطريق على الطَّامعين الاخرين ، الَّ ذين اجتهدوا في الطَّلب ، وهكذا يردُّ الله عن أوليائه والدُّعاة 257]) فَسَيـُنْفِّقُونـَهَا ثمَُّ تَكُونُ عَلَيْهِّمْ حَسْرَةً ثمَُّ يـُغْلَبُونَ وَالَّذِّينَ كَفَرُوا إِّلىَ جَهَنَّمَ يحُْشَرُونَ [36. ]

عدد الصفحات ٥٥

3 ـ دقَّة التَّخطيط ، والأخذ بالأسباب إنَّ مَنْ تأمَّل حادثة الهجرة ، ورأى دقَّة التَّخطيط فيها ، ودقَّة الأخذ بالأسباب من ابتدائها إلى انتهائها ، ومن مقد ِّماتها إلى ما جرى بعدها؛ يدرك أنَّ التَّخطيط المسدَّد بالوحي في حياة رسول الله (ص) كان قائماً ، وأنَّ التَّخطيط جزءٌ من السُّنَّة النَّبويَّة ، وهو جزءٌ من التَّكليف الإلهي ِّ في كل ما طولب به المسلم ، وأنَّ الَّذين يميلون إلى العفوية؛ بحجة أنَّ التخطيط ، وإحكام الأمور ليسا من السُّنَّة؛ أمث ال هؤلاء مخطئون ، ويجنون على أنفسهم ، وعلى المسلم258.]) فعندما حان وقت الهجرة للنَّبي ِّ (ص) ، وشرع النَّبيُّ (ص) في التَّنفيذ ، نلاحظ ا * وجود التَّنظيم الدَّقيق للهجرة حتََّّ نجحت ، برغم ما كان يكتنفها من صعابٍ، وعقباتٍ ، وذلك أنَّ كلَّ أمرٍ من أمور الهجرة ، كان مدروساً دراسةً وافيةً؛ فمثلاً: 1 ـ جاء (ص) إلى بيت أبي بكر ، في وقت شدَّة الحر ِّ ـ الوقت الذي لا يخرج فيه أحدٌ ـ؛ بل من عادته لم يكن يأتي له في ذلك الوقت ، لماذا؟ حتََّّ لا يراه أحد. 2 ـ إخفاء شخصيته (ص) في أثناء مجيئه للص ِّد ِّيق ، وجاء إ بيت الص ِّد ِّيق متلثماً؛ لأنَّ التلثُّم يقل ِّل من إمكانية التعرُّف على معالم الوجه المتلثم259.]) 3 ـ أمر (ص) أبا بكر أن يخُْرِّج مَن عنده ، ولما تكلَّم لم يبين ِّ إلا الأمر بالهجرة ، دون تحديد الاتجاه 4 ـ كان الخروج ليلاً ، ومن بابٍ خلفي ٍ في بيت أبي بكرٍ [260.]) 5 ـ بلغ الاحتياط مداه ، باتخ ِّاذ طرقٍ غير مللوفةٍ للقوم ، والاستعانة في ذلك بخبيرٍ يعرف مسالك البادية ، ومسارب الصَّحراء ، ولو كان ذلك الخبير مشركاً ، ما دام على خُلُقٍ ورزانةٍ ، وفيه دليلٌ على أنَّ الرَّسول (ص) كان لا يحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها 261.]) * انتقاء شخصياتٍ عاقلةٍ لتقوم بالمعاونة في شؤون الهجرة ، ويلاحظ أنَّ هذه الشَّخصيات كلَّها تتّابط برباط القرابة ، أو برباط العمل الواحد ، ممَّا يجعل من هؤلاء الأفراد ، وحدةً متعاونةً على تحقيق الهدف الكبير. * وضع كل ِّ فردٍ من أفراد ه ذه الأسرة في عمله المناسب؛ الذي يجيد القيام به على أحسن وجهٍ؛ ليكون أقدر على أدائه ، والنُّهوض بتبعاته. * فكرة نوم علي ِّ بن أبي طالب مكان الرَّسول (ص) فكرةٌ ناجحةٌ ، قد ضلَّلت القوم ، وخدعتهم ، وصرفتهم عن الرَّسول (ص) ، حتََّّ خرج في جنح اللَّيل ، تحرسه عنا ية الله ، وهم نائمون ، ولقد ظلَّت

عدد الصفحات ٥٦

أبصارهم معلَّقةً بعد اليقظة ، بَّضجع الرَّسول (ص) ، فما كانوا يشكُّون في أنَّه ما يزال نائماً ، مُسج ىً في بردته ، في حين أنَّ النَّائم هو عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه. * وقد كان عملُ أبطال هذه الر ِّحلة على النَّحو التالي: 1 ـ عليٌّ رضي الله عنه: ينام في فراش الرَّسول (ص) ؛ ليخدع القوم؛ ويُسل ِّم الودائع ، ويلحق بالرَّسول (ص) بعد ذلك. 2 ـ عبد الله بن أبي بكر: رجل المخابرات الصَّادق ، وكاشف تحرُّكات العدو 3 ـ أسماء ذات الن ِّطاقين: حاملة التموين من مكَّة إلى الغار ، وسطجنون المشركين؛ بحثاً عن محمَّدٍ (ص) ليقتلوه. 4 ـ عامر بن فهيرة: الرَّاعي البسيط الذي قدَّم اللَّحم واللَّبَ إلى صاحبي الغار ، وبدَّد اثار أقدام المسيرة التَّاريخيَّة بأغنامه كي لا يتفرَّسها القوم!! لقد كان هذا الرَّاعي يقوم بدور الإمداد ، والتَّموين ، والتَّ عمية. 5 ـ عبد الله بن أريقط: دليل الهجرة الأمين ، وخبير الصَّحراء البصير ينتظر في يقظةٍ إشارة البدء من الرَّسول (ص) ؛ ليلخذ الرَّكبُ طريقه من الغار إلى يثرب. فهذا تدبيرٌ للأمور على نحوٍ رائعٍ دقيقٍ ، واحتياطٌ للظُّروف بأسلوبٍ حكيمٍ ، وَوَضْعٌ لكل ِّ شخصٍ من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب ، وسدٌّ لجميع الثَّغرات ، وتغطيةٌ بديعةٌ لكل ِّ مَطالب الر ِّحلة ، واقتصارٌ على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيَّدةٍ ، ولا إسرافٍ. لقد أخذ الرَّسول (ص) بالأسباب المعقولة ، أخذاً قويًَّ حسب استطاعته ، وقدرته؛ ومن ثمَّ باتت عنايةُ الله متوقَّعةً262.]) 4 ـ الأخذ بالأسباب أمرٌ ضروري إنَّ اتخاذ الأسباب أمرٌ ضروريٌّ وواجبٌ؛ ولكن لا يعني ذلك دائماً حصول النتيجة؛ ذلك لأنَّ هذا أمرٌ يتعلَّق بأمر الله ومشيئته ، ومن هنا كان التوكُّل أمراً ضروريَّ ً ، وهو من باب استكمال اتخ ِّاذ الأسبا ب. إنَّ رسول الله (ص) أعدَّ كلَّ الأسباب ، واتخَّذ كلَّ الوسائل؛ ولكنَّه في الوقت نفسه مع الله ، يدعوه ، ويستنصره أن يكل ِّل سعيه بالنَّجاح ، وهنا يُستجاب الدُّعاء ، وينصرف القوم بعد أن وقفوا على باب الغار ، وتسيخ فرس سراقة في الأرض ، ويكلَّل العمل بالنَّجا ح263.]) 5 ـ الإيمان بالمعجزات الحس ِّـيَّة

عدد الصفحات ٥٧

وفي هجرة النَّبي ِّ (ص) وقعت معجزاتٌ حس ِّيَّةٌ ، وهي دلائل ملموسةٌ على حفظ الله ، ورعايته لرسوله (ص) ، ومن ذلك ـ على ما روي ـ نسيج العنكبوت على فم الغار ، ومنها ما جرى لرسول الله (ص) مع أم ِّ معبد ، وما جرى له مع سراقة ، ووعده إيََّّه بأن يلبس سواري كسرى ، فعلى الدُّعاة ألا يتنصَّلوا من هذه الخوارق ، بل يذكروها ما دامت ثابتةً بالسُّنَّة النَّبويَّة ، على أن ينب ِّهوا الناس على أن هذه الخوارق ، هي من جملة دلائل نبوَّته ، ورسالته عليه السَّلام264.]) 6 ـ جواز الاستعانة بالكافر الملمون: ويجوز للدُّعاة أن يستعينوا بَّن لا يُؤمنون بدعوتهم ما داموا يثقون بهم ، ويأتمنونهم؛ فقد رأينا: أنَّ النَّبيَّ (ص) وأبا بكرٍ استلجرا مشركاً ليدلهما على طريق الهجرة ، ودفعا إليه راحلتيهما ، وواعداه عند غار ثور ، وهذه أمورٌ خطيرةٌ أطلعاه عليها، ولاشكَّ: أنَّ النَّبيَّ (ص) ، وأبا بكر وثقا به ، وأمَّناه ، ممَّا يدلُّ على أنَّ الكافر، أو العاصي ، أو غير المنتسب إلى الدُّعاة ، قد يوجد عند هؤلاء ما يستدعي وثوق الدُّعاة بهم ، كلن تربطهم رابطة القرابة ، أو المعرفة القديمة ، أو الجوار ، أو عمل معروف كان قد قدَّمه الدَّاعية لهم ، أو لأن هؤلاء عندهم نوعٌ جي ِّدٌ من الأخلاق الأساسيَّة؛ مثل الأمانة ، وحب ِّ عمل الخير ، إلى غير ذلك من الأسباب ، والمسللة تقديريَّة ، يتّك تقديرها إلى فطنة الدَّاعي ، ومعرفته بالشَّخص(1.) 7 ـ دور المرأة في الهجرة وقد لمعت في سماء الهجرة أسماءٌ كثيرةٌ ، كان لها فضلٌ كبيرٌ ، ونصيبٌ وافرٌ من الجهاد؛ منها: عائشة بنت أبي بكرٍ الص ِّد ِّيق؛ الَّتي حفظت لنا القصَّة ، ووعتها ، وبلَّغتها للأمَّة ، وأمُّ سلمة المهاجرة الصَّبور ، وأسماء ذات الن ِّطاق265])(ص) وصاحبه في الغار ، بالماء ، والغذاء ، وكيف تحمَّلت الأذى في سبيل الله ، فقد حدَّثتنا عن ذلك ، فقالت: «لمَّا خرج رسول (ص) ، وأبو بكرٍ رضي الله عنه أتانا نفرٌ من قريشٍ ، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكرٍ ، فخرجتُ إليهم ، فقالوا: أين أبوك يَّ بنتَ أبي بكرٍ؟ قالت: قلت: لا أدري والله أين أبي! قالت: فرفع أبو جهل يده ـ وكان فاحشاً خبيثاً ـ فلطم خَد ِّي لطمةً ، طرح منها قـُرْطِّي ، قالت: ثمَّ انصرفوا »[2/379 ـ380) وابن هشام2/131 ـ132([])266. ]) فهذا درسٌ من أسماء رضي الله عنها ؛ تعل ِّمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل ، كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء ، وكيف تقف صامدةً شامخةً أمام قوى البغي والظُّلم! وأمَّا درسها الثَّاني البليغ ، فعندما دخل عليها جدُّها أبو قحافة ، وقد ذهب بصره ، فقال: «والله إني ِّ لأراه قد فجعكم بَّاله مع

عدد الصفحات ٥٨

نفسه» ، قالت«كلا يَّ أبت! ضع يدك على هذا المال»قالت«فوضع يده عليه»، فقال«لابأس ، إذا كان ترك لكم هذا؛ فقد أحسن »، وفي هذا بلاغ لكم ، قالت «ولا والله ما ترك لنا شيئاً ، ولكني ِّ أردت أن أسك ِّن الشَّيخ بذلك [»267.]) وبهذه الفطنة ، والحكمة ، ستّت أسماء أباها ، وسكَّنت قلب جد ِّها الضرير ، من غير أن تكذب فإنَّ أباها قد ترك لهم حقاً هذه الأحجار الَّتي كوَّمتها؛ لتطمئن لها نفس الشَّيخ! إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لا تزلزله الجبال ، ولا تحر ِّكه العواصف الهوج ، ولا يتلثر بقلَّةٍ أو كثرةٍ في المال ، وورَّ ثهم يقيناً ، وثقةً به لا حدَّ لها ، وغرس فيهم همَّةً تتعلَّق بَّعالي الأمور ، ولا تلتفت إلى سفاسفها 268]) فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عزَّ أن يتكرَّر ، وقلَّ أن يوجد نظيره لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء ، وبنات المسلمين مثلاً هُنَّ في أمس ِّ الحاجة إلى الاقتداء به ، والنَّسج على مِّنواله. وظلَّت أسماء مع أخواتها في مكَّة ، لا تشكو ضيقاً ، ولا تظهر حاجةً ، حتََّّ بعث النَّبيُّ (ص) زيد بن حارثة ، وأبا رافع مولاه ، وأعطاهما بعيرين وخمسمئة درهمٍ إلى مكَّة ، فقدما عليه بفاطمة ، وأم كلثوم ابنتيه ، وسودة بنت زمعة زوجه ، وأسامة بن زيد ، وأُمُّه بركة المكنَّاة بأم أيمن ، وخرج معهم عبد الله بن أبي بكرٍ بعيال أبي بكرٍ ، فيهم عائشة ، وأسماء ، فقدموا المدينة ، فلنزلهم في بيت حارثة بن النُّعمان 269.]) 8 ـ أمانات المشركين عند رسول الله (ص في إيداع المش ركين ودائعهم عند رسول الله (ص) مع محاربتهم له ، وتصميمهم على قتله دليلٌ باهرٌ على تناقضهم العجيب ، الَّذي كانوا واقعين فيه؛ ففي الوقت الَّذي كانوا يكذ ِّبونه ، ويزعمون: أنَّه ساحرٌ ، أو مجنونٌ ، أو كذَّابٌ ، لم يكونوا يجدون فيمن حولهم مَنْ هو خيرٌ منه أمانةً وصدقاً ، فكانوا لا يضعون حوائجهم ، ولا أموالهم الَّتي يخافون عليها إلا عنده! وهذا يدلُّ على أنَّ كفرانهم ، لم يكن بسبب الشَّك ِّ لديهم في صدقه؛ وإنمَّا بسبب تكبرُّهم ، واستعلائهم على الحق ِّ الَّذي جاء به ، وخوفاً على زعامتهم ، وطغيانهم270])العظيم؛ إذ يقول يُكَذ ِّبُونَكَ وَلَكِّنَّ الظَّالِّمِّينَ بِِّيََّتِّ اللََِّّّ يجَْحَدُونَ [33. ] وفي أمر الرَّسول (ص) لعلي ٍ رضي الله عنه بتلدية هذه الأمانات لأصحابها في مكَّة؛ برغم هذه

عدد الصفحات ٥٩

الظُّروف الشَّديدة؛ الَّتي كان من المفتّض أن يكتنفها الاضطراب ، بحيث لا يتَّجه التَّفكير إلا إلى إنجاح خطَّة هجرته فقط؛ برغم ذلك فإنَّ الرَّسول (ص) ما كان لينسى ، أو ينشغل عن رد ِّ الأمانات إلى أهلها ، حتََّّ ولو كان في أصعب الظُّروف الَّتي تُنسي الإنسان نفسه ، فضلاً عن غيره271.]) 9 ـ الرَّاحلة بالثَّمن لم يقبل رسولُ الله (ص) أن يركب الرَّاحلة ، حتََّّ أخذها بثمنها من أبي بكرٍ رضي الله عنه ، واستقرَّ الثَّمن دَيْناً بذمَّته ، وهذا درسٌ واضحٌ بأنَّ حملة الدَّعوة لا ينبغي أن يكونوا عالةً على أحدٍ في وقتٍ من الأوقات ، فهم مصدر العطاء في كل ِّ شيءٍ. إنَّ يدهم إن لم تكن العليا ، فلن تكون السُّفلى ، وهكذا يصرُّ (ص) أن يأخذها بالثَّمن ، وسلوكه ذلك هو التَّّجمة الحقَّة لقوله تعا عَالَمِّينَ [109. ] إنَّ الذين يحملون العقيدة ، والإيمان ، ويبش ِّرون بهما ، ما ينبغي أن تمتدَّ أيديهم إلى أحدٍ إلا الله؛ لأن هذا يتناقض مع ما يدعون إليه ، وقد تعوَّد النَّاس أن يعوا لغة الحال؛ لأنهَّا أبلغ من لغة المقال ، وما تأخَّر المسلمون ، وأصابهم ما أصابهم من الهوان إلا يوم أصبحت وسائل الدَّعوة ، والعاملون بها خاضعين لِّلُغة المادَّة؛ إذ ينتظر الواحد منهم مرتَّبه ، ويومها تحوَّل العمل إلى عملٍ مادي ٍ؛ فقَد الرُّوح ، والحيويَّة ، والوضاءة ، وأصبح للأمر بالمعروف موظَّفون ، وأصبح الخطباء موظَّ فين ، وأصبح الأئمَّة موظَّفين. إنَّ الصَّوت الَّذي ينبعث من حنجرةٍ وراءها الخوف من الله ، والأمل في رضاه ، غير الصَّوت الَّذي ينبعث ليتلقَّى دراهم معدودة ، فإذا توقَّفت؛ توقف الصَّوت ، وقديماً قالوا: «ليست النَّائحة كالثَّكلى»؛ ولهذا قلَّ التلثير ، وبـَعُدَ النَّاس عن جادَّة الصَّواب272.]) 10 ـ الدَّاعية يَعفُّ عن أموال النَّاس لمَّا عفا النَّبيُّ (ص) عن سراقة؛ عرض عليه سراقة المساعدة ، فقال: «وهذه كنانتي فخذ منها سهماً؛ وإنَّك ستمرُّ بإبلي ، وغنمي في موضع كذا ، وكذا ، فخذ منها حاجتك »فقال رسول الله (ص : «لا حاجة لي فيها»[1/3) ومسلم3014/م273. ]) فحين يزهد الدُّعاة فيما عند النَّاس ، يحبُّهم الناس ، وحين يطمعون في أموال النَّاس ، ينفر النَّاس منهم ، وهذا درسٌ بليغٌ للدُّعاة إلى الله تعا274.])

عدد الصفحات ٦٠

11 ـ الجندية الرَّفيعة والبكاء من الفرح تظهر أثر التَّّبية النَّبويَّة ، في جندية أبي بكرٍ الص ِّد ِّيق ، وعلي ِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما؛ فلبو بكرٍ رضي الله عنه عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة ، وقال له رسول الله (ص) : «لا تعجل؛ لعلَّ الله يجعل لك صاحباً »؛ بدأ في الإعداد والتَّخطيط للهجرة؛ فابتاع راحلتين ، واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك ، وفي رواية البخاري ِّ: «وعلف راحلتين كانتا عندهُ ورقَ السَّمُر ـ وهو الخَبَط ـ أربعة أشهر » [3905) والبيهقي في الدلائل2/473]) الَّذي تربىَّ؛ ليكون قائداً ـ : أنَّ لحظة الهجرة صعبةٌ ، قد تأتي فجلةً ، ولذلك هي ل وسيلة الهجرة ، ورتَّب تموينها ، وسخَّر أسرته لخدمة النَّبي ِّ (ص) ، وعندما جاء رسول الله (ص) ، وأخبره: أنَّ الله قد أذن له في الخروج ، والهجرة؛ بكى من شدَّة الفرح ، وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشلن« :فوالله! ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم: أنَّ أحداً يبكي من الفرح؛ حتََّّ رأيت أبا بكرٍ يبكي يومئذٍ »، إنهَّا قمَّة الفرح البشري ِّ أن يتحوَّل الفرح إلى بكاءٍ ، كما قال الشَّاعر عن هذا: وَرَدَ الكِّتَابُ مِّنَ الحَبِّيْبِّ بأنـَّهُسَيـَزُورُنيِّ فاستعبرتْ أَجْفَانيِّ غَلَبَ السُّرورُ عليَّ حتََّّ إنَّنيمِّنْ فرْطِّ ما قَدْ سرَّني أَبْكَانيِّ يَّ عَينُْ صَارَ الدَّمْعُ عِّنْدَكِّ عَادَةًتـَبْكِّينَْ مِّنْ فـَرَحٍ وَمِّنْ أَحْزَانِّ فالص ِّد ِّيق رضي الله عنه ، يعلم: أنَّ معنَّ هذه الصُّحبة: أنَّه سيكون وحدَه برفقة رسول رب ِّ العالمين ، بضعة عشر يوماً على الأقل ِّ ، وهو الَّذي سيقد ِّم حياتـه لسي ِّده ، وقائده ، وحبيبه المصطفى (ص) ، فليُّ فوزٍ في هذا الوجود يفوق هذا الفوز: أن يتفرَّد الص ِّد ِّيق وحدَه من دون أهل الأرض ، ومن دون الصَّحب جميعاً برفقة سي ِّد الخلق (ص) وصحبته كلَّ هذه المدَّة275]) في خوف أبي بكرٍ ، وهو في الغار من أن يراهما المشركون؛ ليكون الص ِّد ِّيق مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه جنديُّ الدَّعوة الصَّادق مع قائده الأمين حين يحدق به الخطر من خوفٍ ، وإشفاقٍ على حياته؛ فما كان أبو بكر ساعتئذٍ بالَّذي يخشى على نفسه الموت ، ولو كان كذلك؛ لما رافق رسولَ الله (ص) في هذه الهجرة الخطيرة ، وهو يعلم: أنَّ أقلَّ جزائه القتلُ؛ إن أمسكه المشركون مع رسول الله (ص) ؛ ولكنَّه كان يخشى على حياة الرَّسول الكريم (ص) ، وعلى مستقبل الإسلام؛ إن وقع الرَّسول (ص) في قبضة المشركين [276.])

عدد الصفحات ٦١

ويظهر الحسُّ الأمنيُّ الرَّفيع للص ِّد ِّيق في هجرته مع النَّبي ِّ (ص) ، في مواقف كثيرةٍ؛ منها: حين أجاب السَّائل: مَنْ هذا الرَّجل الَّذي بين يديك؟ فقال: هذا هادٍ يهديني السَّبيل ، فظنَّ السائل بأنَّ الص ِّد ِّيق يقصد الطريق ، وإنمَّا كان يقصد سبيل ا391([])277]) استخدام أبي بكرٍ للمعاريض فراراً من الكذب 278]) الأمنيَّة؛ الَّتي تلقَّاها من رسول الله (ص) ؛ لأنَّ الهجرة كانت سر اً ، وقد أقرَّه الرَّسول (ص) على ذلك279.]) وفي موقف علي ِّ بن أبي طالبٍ مثالٌ للجندي ِّ الصَّادق المخلص لدعوة الإسلام؛ حيث فدى قائده بحياته ، ففي سلامة القائد سلامةٌ للدَّعوة ، وفي هلاكه خذلانها ، ووهنها ، وهذا ما فعله عليٌّ رضي الله عنه ليلة الهجرة؛ من بياته على فراش الرَّسول (ص) ؛ إذ كان من المحتمل أن تهوي سيوف فتيان قريش على رأس علي ٍ رضي الله عنه ، ولكنَّ علي اً رضي الله عنه لم يبالِّ بذلك ، فحسبه أن يَسْلَم رسول الله (ص) نبيُّ الأمَّة ، وقائد الدَّعوة280.]) 12 ـ فنُّ قيادة الأرواح ، وفنُّ التَّعامل مع النُّفوس يظهر الحبُّ العميق؛ الَّذي سي طر على قلب أبي بكرٍ لرسول الله (ص) في الهجرة ، كما يظهر حبُّ سائر الصَّحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى (ص) ، وهذا الحبُّ الرَّباَّنيُّ كان نابعاً من القلب وبإخلاصٍ ، لم يكن حبَّ نفاقٍ ، أو نابعاً من مصلحة دنيويَّةٍ ، أو رغبةٍ في منفعةٍ ، أو رهبةٍ لمكروه قد يقع ، ومن أسباب هذا الحب ِّ لرسول الله (ص) صفاته القياديَّة الرَّشيدة ، فهو يسهر؛ ليناموا ، ويتعب؛ ليستّيحوا ، ويجوع؛ ليشبعوا ، كان يفرح لفرحهم ، ويحزن لحزنهم ، فمن سلك سنن الرَّسول (ص) مع صحابته ، في حياته الخاصَّة والعامَّة ، وشارك النَّاس في أفراحهم ، وأتراحهم ، وكان عمله لوجه الله ، أصابه شيءٌ من هذا الحب ِّ؛ إنْ كان من الزُّعماء أو القادة أو المسؤولين في أمَّة الإسلام 281 .]) وصدق الشَّاعر الل ِّيبيُّ عندما قال فَإِّذَا أَحَبَّ اللهُ باَطِّنَ عبدِّهِّظَهَرَتْ عَلَيْهِّ مَوَاهِّبُ الفَتَّاحِّ وإِّذَا صَفَتْ للهِّ نِّيَّةُ مُصْلِّحٍمَالَ العِّبَادُ عَلَيْهِّ بالأَرْوَاح 282]) إنَّ القيادة الصَّحيحة هي الَّتي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل ِّ شيءٍ ، وتستطيع أن تتعامل مع النُّفوس قبل غيرها ، وعلى قدر إحسان القيادة ، يكون إحسان الجنود ، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحبُّ من الجنود ، فقد كان (ص) رحيماً ، وشفيقاً بجنوده ، وأتباعه ، فهو لم يهاجر إلا بعد أن

عدد الصفحات ٦٢

هاجر معظم أصحابه ، ولم يبقَ إلا المستضعفون ، والمفتونون ، ومن كانت له مهمَّاتٌ خاصَّةٌ بالهجرة 283.]) 13 ـ وفي الطَّريق أسلم بُريدة الأسْلَمِّيُّ رضي الله عنه في ركبٍ من قومه: إنَّ المسلم الَّذي تغلغلت الدَّعوة في شغاف قلبه ، لا يفتّ لحظة واحدةً عن دعوة النَّاس إلى دين الله تعالى ، مهما كانت الظُّروف قاسيةً ، والأحوال مضطربةً ، والأمن مفقوداً؛ بل ينتهز كلَّ فرصـةٍ مناسبةٍ لتبليغ دعوة الله تعالى ، فهذا نبيُّ الله تعالى يوسف عليه السلام حينما زُجَّ به في الس ِّجن ظُلْماً ، واجتمع بالسُّجناء في الس ِّجن لم يندُبْ حظَّهُ ، ولم تشغله هذه الحياة المظلمة عن دعوة التَّوحيد ، وتبليغها للنَّاس ، ومحاربة الش ِّرك ، وعبادة غير الله ، والخضوع لأي ِّ مخلوقٍ. قال تعايكُمَا طَعَامٌ تـُرْزَقَانِّهِّ إِّلاَّ نـَبَّلْتُكُمَا بِّتَلْوِّيلِّهِّ قـَبْلَ أَنْ يأَْتِّيَكُمَا ذَلِّكُمَا ممَِّّا عَلَّمَنيِّ رَبي ِّ إِّني ِّ تـَرَكْتُ مِّلَّةَ قـَوْمٍ لاَ يـُؤْمِّنُونَ باِّللََِّّّ وَهُمْ باِّلآخِّرَةِّ هُمْ كَافِّرُونَ *وَاتـَّبـَعْتُ مِّلَّةَ آباَئِّي إِّبـْرَاهِّ يمَ وَإِّسْحَاقَ وَيـَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِّكَ باِّللََِّّّ مِّنْ شَيْءٍ ذَلِّكَ مِّنْ فَضْلِّ اللََِّّّ عَلَيـْنَا وَعَلَى النَّاسِّ وَلَكِّنَّ أَكْثـَرَ النَّاسِّ لاَ يَشْكُرُونَ *يََّصَاحِّبيَِّ الس ِّجْنِّ أَأَرْباَبٌ مُتـَفَر ِّقُونَ خَيـْرٌ أَمِّ اللََُّّ الْوَا حِّدُ الْقَهَّارُ *مَا تـَعْبُدُونَ مِّنْ دُونِّهِّ إِّلاَّ أَسمَْاءً سمََّيـْتُمُوهَا أَنـْتُمْ وَآباَؤُكُمْ مَا أَنـْزَلَ اللََُّّ بهَِّا مِّنْ سُلْطَانٍ إِّنِّ الحُْكْمُ إِّلاَّ للََِِّّّّ أَمَرَ أَلاَّ تـَ عْبُدُوا إِّلاَّ إِّيََّّهُ ذَلِّكَ الد ِّينُ الْقَي ِّمُ وَلَكِّنَّ أَكْ ثـَرَ النَّاسِّ لاَ يـَعْلَمُونَ [37 ـ40. ] وسورة يوسف عليه السلام مك ِّيَّة ، وقد أمر الله تعالى رسوله محمَّداً (ص) أن يقتدي بالأنبياء والمرسل في دعوته إلى الله؛ ولذلك نجده (ص) في هجرته من مكَّة إلى المدينة ـ وقد كان مطارداً من المشركين ، قد أهدرو ا دمه ، وأغروا المجرمين منهم بالأموال الوفيرة ، ليلتوا برأسه حي اً أو ميتاً ـ لا ينسى مهمَّته ، ورسالته ، فقد لقي (ص) في طريقه رجلاً يقال له: بـُرْيَدة بن الحُصَيب الأسلميُّ رضي الله عنه ، في رَكْبٍ من قومه ، فدعاهم إلى الإسلام ، فامنوا ، وأسلموا 284.]) وذكر ابن حجرٍ العسقلانيُّ ـ رحمه الله ـ: «أنَّ النبي (ص) في طريق هجرته إلى المدينة لقي بُريدة بن الحُصَيْب بن عبد الله بن الحارث الأسلميَّ ، فدعاه إلى الإسلام ، وقد غزا مع الرَّسول (ص) ست عَشْرَة غَزْوة285])م ، وفتح الله لقومه«أسْلَم»على يديه أبوابَ الهداية ، واندفعوا إلى الإسلام ، وفازوا بالوسام النَّبوي ِّ؛ الَّذي نتعلَّم منه منهجاً فريداً في فقه النُّفوس286])«أسْلَمُ سالمها الله ، وغِّفَارُ غَفَرَ الله لها ، أَما إني ِّ لم أَقـُلْهَا، ولكنْ قا لها اللهُ »[3514) ومسلم2516. ])

عدد الصفحات ٦٣

14 ـ وفي طريق الهجرة أسلم لصَّان على يدي رسول الله (ص كان في طريقه (ص) بالقرب من المدينة لصَّان من أَسْلم ، يقال لهما: المُهَاناَنِّ ، فقصدهما (ص) ، وعرض عليهما الإسلام ، فلسلما ، ثمَّ سللهما عن اسميهما ، فقالا: نحن المهانان ، فقال: بل أنتما المُكْرمان ، وأمرهما أن يقدما عليه المدينة4/74]) إلى الله؛ حيث اغتنم فرصةً في طريقـه ، ودعـا الل ِّصَّين إلى الإسلام ، فلسلما ، وفي إسلام هذين الل ِّص مع ما ألفاه من حياة البطش ، والسَّلب ، والنَّهب دليلٌ على سرعة إقبال النُّفوس على ات ِّباع الحق ِّ؛ إذا وجد مَنْ يمث ِّله بصدقٍ وإخلاصٍ ، وتجرَّدت نفس السَّامع من الهوى المنحرف ، وفي اهتمام الرَّسول (ص) بتغيير اسمي هذين الل ِّصين ، من المُهَانـَينْ إلى المُكْرَمَينْ دليلٌ على اهتمامه (ص ) بسمعة المسلمين ، ومراعاته مشاعرهم ، إكراماً لهم ، ورفعاً لمعنويَّتهم. وإنَّ في رفع معنوية الإنسان تقويةً لشخصيته ، ودفعاً له إلى الأمام؛ ليبذل كل طاقته في سبيل الخير ، والفلاح287.]) 15 ـ الزُّبير ، وطلحة رضي الله عنهما ، والتقاؤهما برسول الله (صطريق الهجرة: وممَّا وقع في الطَّريق إلى المدينة: أنَّه (ص) لقي الزُّبير بن العوَّام في ركبٍ من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشَّام ، فكسا الزُّبيرُ رسولَ الله (ص) وأبا بكر ثياباً بيضاء 3906) والبيهقي الدلائل (2/498([])288])اب الس ِّيرَ: أنَّ طلحة بن عبيد الله لقيهما أيضاً وهو عائد من الشَّام ، وكساهما بعض الث ِّياب2/498([])289. ]) 16 ـ أهم ِّيَّة العقيدة والد ِّين في إزالة العداوة والضَّغائن إنَّ العقيدة الصَّحيحة السَّليمة، والد ِّين الإسلاميَّ العظيم لهما أهم ِّـيَّـةٌ كبرى في إزالة العداوات، والضَّغائن ، وفي التَّلليف بين القلوب والأرواح ، وهو دورٌ لا يمكن لغير العقيدة الصَّحيحة أن تقوم به ، وهاقد رأينا كيف جمعت العقيدة الإسلاميَّة بين الأوس ، والخزرج ، وأزالت اثار معارك استمرَّت عقوداً من الزَّمن، وأغلقت ملف ثاراتٍ كثيرةٍ في مدَّةٍ قصيرةٍ، بَّجرَّد التَّمسُّك بها ، والمبايعة عليها ، وقد رأينا ما فعلته العقيدة في نفوس الأنصار ، فقد استقبلوا المهاجرين بصدورٍ مفتوحةٍ، وتاخوا معهم في مثاليَّةٍ نادرةٍ، لا تزال مثارَ الدَّهشة، ومضرب المثل، ولا توجد في الدُّنيا فكرةٌ ، أو شعارٌ اخر فعل مثلما فعلت عقيدة الإسلام الصَّافية في النُّفوس.

عدد الصفحات ٦٤

ومن هنا ندرك الس ِّرَّ في سعي الأعداء الدَّائب إلى إضعاف هذه العقيدة ، وتقليل تأثيرها في نفوس المسلمين ، واندفاعهم المستمر ِّ نحو تزكية النَّعرات العصبيَّة ، والوطنيَّة ، والقوميَّة ، وغيرها ، وتقديمها كبديلٍ للعقيدة الصَّحيحة 290.]) 17 ـ فرحة المهاجرين والأنصار بوصول النَّبي ِّ (ص كانت فرحة المؤمنين من سكان يثرب؛ من أنصارٍ ، ومهاجرين بقدوم رسول الله (ص) ووصوله إليهم سالماً فرحةً أخرجت الن ِّساء من بيوتهنَّ ، والولائد ، وحملت الر ِّجال على ترك أعمالهم ، وكان موقف يهود المدينة ، موقف المشارك لسكَّانها في الفرحة ظاهراً ، والمتللم ِّ من منافسة الزَّعامة الجديدة باطناً ، أمَّا فرحة المؤمنين بلقاء رسولهم؛ فلا عجب فيها ، فهو الَّذي أخرجهم من الظُّلمات إلى النُّور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحمي د ، وأما موقف اليهود ، فلا غرابة فيه؛ فهم الذين عُرِّفوا بالملق ، والن ِّفاق للمجتمع؛ الَّذي فقدوا السَّيطرة عليه ، وبالغيظ ، والحقد الأسود ممَّن يسلبهم زعامتهم على الشُّعوب ، ويحَُول بينهم وبين سلب أموالهم باسم القروض ، وسفك دمائها باسم النُّصح ، والمشورة ، وما زال اليهود يحقدون على كل ِّ من يخل ِّص الشُّعوب من سيطرتهم ، وينتهون من الحقد إلى الدَّس ِّ ، والمؤامرات ، ثمَّ إلى الاغتيال إن استطاعوا ، ذلك دينهم ، وتلك جِّبِّلَّتُهم 291.]) ويستفاد من استقبال المهاجرين والأنصار لرسول الله (ص) ، مشروعية استقبال الأمراء والعلماء عند مقدمهم ، بالحفاوة والإكرام ، فقد حدث ذلك لرسول الله (ص) ، وكان هذا الإكرام ، وهذه الحفاوة ، نابعين من حب ٍ للرسول (ص)؛ بخلاف ما نراه من استقبال الزعماء والحكام في عالمنا المعاصر ، ويستفاد كذلك التنافس في الخير ، وإكرام ذوي العلم والشرف ، فقد كانت كل قبيلة تحرص أن تستضيف رسولَ الله (ص) ، وتعرض أن يكون رجالها حُراساً له ، ويؤخذ من هذا ، إكرام العلماء والصالحين ، واحتّامهم وخدمتهم 292.]) 18 ـ مقارنة بين الهجرة ، والإسراء والمعراج كانت الهجرة النَّبويَّة الشَّريفة على النَّحو الَّذي كانت عليه ، وسارت على الوضع الَّذي يسلكه كلُّ مهاجرٍ؛ حتََّّ توجد القدوة ، وتتحقَّق الأسوة ، ويسير المسلمون على نهجٍ مللوفٍ ، وسبيلٍ معروفٍ ، ولذلك ، فلم يرسلِّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ له (ص) البراق ليهاجر عليه ـ كما حدث في ليلة الإسراء ـ مع أنَّ الرَّسول (ص) في يوم هجرته أحوج إلى البراق منه في أي ِّ وقتٍ اخر؛ لأنَّ القوم يتّبَّصون به هنا ، ولم يكن هناك تربُّص في ليلة الإسراء ، ولو ظفروا به في هجرته؛ لشفوا نفوسهم منه بقتله.

عدد الصفحات ٦٥