كان صهيب بن سنان النَّمَري من النَّمر بن قاسط ، أغارت عليهم الرُّوم ، فسُبي وهو صغيرٌ ، وأخذ لسان أولئك الَّذين سَبـَوْه ، ثمَّ تقلَّب في الر ِّق ، حتََّّ ابتاعه عبد الله بن جُدعان ثمَّ أعتقه ، ودخل الإسلام هو ، وعمَّار بن يَّسر رضي الله عنهما في يومٍ واحدٍ120.]) وكانت هجرة صهيب رضي الله عنه ، عملاً تتجلَّى فيه روعة الإيمان ، وعظمة التَّجرُّد لله؛ حيث ضحَّى بكل ِّ ما يملك في سبيل الله ، ورسوله (ص) ، واللُّحوق بكتيبة التَّوحيد ، والإيمان121]) عثمان النـَّهْدي ِّ ـ رحمه الله ـ قال: بلغني: أنَّ صهيباً حين أراد الهجرة إلى المدينة ، قال له أهل مكَّة: أتيتنا هاهنا صُعْلُوكاً122]) ما بلغتَ ، ثمَّ تنطلق بنفسك وما لك؟ والله لا يكون ذلك. فقال: أرأيتم إن تركت مالي؛ تخلون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم ، فجعل لهم ماله أجمع ، فبلغ ذلك النبيَّ (ص) فقال: «ربح صهيبٌ! ربح صهيبٌ!»[4063) وابن هشام2/121. ]) وعن عكرمة ـ رحمه الله ـ قال: لمَّا خرج صهيب مهاجراً؛ تبعهأهل مكَّة ، فنثل123]) منها أربعين سهماً ، فقال: لا تَصِّلُون إليَّ حتَّ أضع في كل ِّ رجلٍ منكم سهماً ، ثمَّ أصيرُ بعد إ السَّيف ، فتعلمون أني ِّ رجلٌ ، وقد خلَّفت بَّكَّة قينتين، فهما لكم »[3/398]) عكرمة: ونزلت على النَّبي ِّ (ص { : ) }*[207.] فلمَّا راه النَّبيُّ (ص) قال «أبا يحيى! ربح البيع »قال: وتلا عليه الآية 3/398 ]) لكل124])دَّليل القاطع على فساد عقل أولئك الماديين؛ الَّذين يَزِّنُون حركات التَّاريخ ، وأحداثَه كلَّها بَّيزان المادَّة ، فلين هي المادَّة الَّتي سوف يكسبها صهيبٌ في هجرته، والَّتي ضحَّى من أجلها بكل ِّ ما يملك؟! هل تراه ينتظر أن يعطيـه محمَّدٌ (ص) منصباً يعو ِّضه عمَّ ا فقده ؟! أو هل ترى محمَّداً (ص) يمُن ِّيه بالعيش الفاخر في جوار أهل يثرب؟ إنَّ صهيباً ما فعل ذلك ، وما انحاز إلى الفئة المؤمنة ، إلا ابتغاء مرضاة الله ، بالغاً ما بلغ الثَّمن؛ ليضرب لشباب الإسلام مثلاً في التَّضحية عزيزة المنال ، عساهم يسيرون على الدَّرب ، ويقتفون الأثر125.])
عدد الصفحات ٣٤إنَّ هذه المواقف الرائعة ، لم تكن هي كلَّ مواقف العظمة والشُّموخ في الهجرة المباركة ، بل امتلأ هذا الحدث العظيم ، بكثيرٍ من مشاهد العظمة والتَّجرُّد والتَّضحية ، الَّتي تعطي الأمَّة دروساً بليغةً في بناء المجد ، وتحصيل العزَّة126).] خامساً: البيوتات الحاضنة ، وأثرها في النُّفوس لقد كان من نتائج إيمان الأنصار ، ومبايعتهم ، وتعهُّدهم بالنُّصرة أن دعا رسولُ الله (ص) المسلمين إلى الهجرة إلى المدينة ، كما كان من نتائج ذلك أن ظهرت ظاهرةٌ عظيمةٌ من التَّكافل بين المسلمين ، ففتحت بيوت الأنصار أبوابها ، وقلوب أصحابها لوفود المهاجرين ، واستعدَّت لاحتضانهم رجالاً ، ونساءً؛ إذ أصبح المسكن الواحد يضمُّ المهاجر، والأنصاريَّ ، والمهاجرة ، والأنصاريَّة ، يتقاسمون المال ، والمكان ، والطَّعام والمسؤوليَّة الإسلاميَّة؛ فمن هذه البيوتات الحاضنة: 1 ـ دار مبش ِّر بن عبد المنذر بن زَنـْبرَ بقُباء: ونزل بها مجموعةٌ من المهاجرين ، نساءً ، ورجالاً ، وقد ضمَّت هذه الدُّور ، عمر بن الخطاب ، ومن لحق به من أهله وقومه ، وابنته حفصة ، وزوجها ، وعيَّاش بن أبي ربيعة. 2 ـ دار خُبَيب بن إساف أخي بـَلْحارث بن الخزرج بالسنْح127]) عثمان ، وأمُّه ، وصهيب بن سنان 3 ـ دار أسعد بن زُرارةَ من بني النَّجار ، قيل: نزل بها حمزة بن عبد المطَّلب 4 ـ دار سعد بن خيثمة أخي بني النَّجار ، وكان يسمَّى: بيت العزاب ، ونزل بها العُزَّاب من المهاجرين 5 ـ دار عبد الله بن سلمة أخي بـَلْعجلان بقُباء ، ونزل بها عُبيدة بن الحارث ، وأمُّه سُخيلة ، ومِّسْطَح بن أُثاثة بن عبَّاد بن المطلب ، والطُّفيل بن الحارث ، وطُليب بـن عُمير ، والحُصَينْ بـن الحارث؛ نزلوا جميعاً على عبد الله بـن سلمة بقُبـاء. 6 ـ دار بني جَحْجَبَ ، والْمُحتَضِّن هو منذر بن محمَّد بن عُقبة ، نزل عنده الزُّبير بن العوَّام ، وزوجه أسماء بنت أبي بكر ، وأبو سَبرْة بن أبي رُهْم ، وزوجته أمُّ كلثوم بنت سُهيل 128.]) 7 ـ دار بني عبد الأشهل ، والمُحْتَضِّن هو سعد بن معاذ بن النُّعمان من بني عبد الأشهل ، نزلبها مصعب بن عمير ، وزوجته حمَْنة بنت جحش. 8 ـ دار بني النَّجار ، والمُحتضن هو أوس بن ثابت بن المنذر ، نزل بها عثمان بن عفان ، وزوجته رقيَّة بنت رسول الله (ص 129. ])
عدد الصفحات ٣٥فهذه المقاسمة ، وهذا التَّكافل الاجتماعيُّ كان من أهم ِّ العناصر الَّتي مهَّدت لإقامة رسول الله (ص) وصحابته المهاجرين معه ، وبعده ، إقامةً طي ِّبةً ، تنبض بالإيثار على النَّفس ، وبود ِّ الأخوَّة الصَّادقة المؤمنة130.]) بهذه الروح العالية ، والإيمان الوثيق ، والص ِّدق في المعاملة تمَّت المؤاخاة ، وتمَّ الوفاق بين المهاجرين ، والأنصار ، وقد يحدث تساؤلٌ ، فيقال: لماذا لم نسمع ، ولم تسج ِّل المصادر ، ولم تكتب المراجع: أنَّ خلافاتٍ وقعت في هذه البيوت؟ وأين الن ِّساءُ وما اشتهرن به من مشاكسات؟ إنَّه الد ِّين الحقُّ؛ الَّذي جعل تقوى الله أساساً لتصرُّف كل ِّ نفسٍ ، والأخلاق السَّامية الَّتي فرضت الأخوة بين المسلمين ، ونصرة الدَّعوة ، إنهَّا المبايعة ، وأثرها في النُّفوس ، إنَّه الص ِّدق ، والعمل من أجل الجماعة ، خوفاً من العقاب ، ورهبةً من اليوم الاخر ، ورغبةً في الثواب ، وطمعاً في الجنة ، إنَّه دفء حضانة الإيمان ، واستقامة النَّفس والسُّلوك ، وصدق الطَّويَّ ة ، فكلُّ مَنْ أسلم ، وكلُّ من بايع ، وكلُّ من أسلمت ، وبايعت ، يعملون جميعهم ما يؤمرون به ، ويخلصون فيما يقولون ، يخافون الله في الس ِّر ، والعلن ، امنت نفوسهم فاحتضنت المناصرةُ المهاجرةَ ، فالكلُّ يعمل من أجل مصلحة الكل ِّ ، فهذا هو التَّكافل الاجتماعيُّ في أجلى صورةٍ ، وأقدس واقعةٍ ، رغب الكلُّ في الثَّواب؛ حتََّّ إنَّ الواحد منهم يخاف ذهاب المناصر بالأجر كل ِّه131.]) إنَّ جانب البذل ، والعطاء ظاهرةٌ ، نحن بحاجة إلى الإشارة إليها في كل ِّ وقتٍ؛ إنَّنا في عالمنا المعاصر ، وفي الصَّف ِّ الإسلامي ِّ ، وفي رحلةٍ لبضعة أيَّم تتكشَّف النُّفوس والعيوب ، والحزازات والظُّنون ، وهذا مجتمعٌ يبنَّ؛ ولمَّا يصلْ رسول الله (ص) بعد ، ومع ذلـك تفتح البيوت للوافديـن الجُدُد ، ليس على مستوى فـردٍ فقط؛ بل على مستوى جماعي ٍ كذلك ، ويقيم المهاجرون في بيوت الأنصار شهوراً عدَّةً ، والمعايشة اليوميَّة مستمرةٌ ، والأنصار يبذلون المال ، والحبَّ ، والخدمات لإخوانهم القادمين إليهم ، نحن أمام مجتمعٍ إسلامي ٍ ، بلغ الذ ِّروة في لحُْمَتِّهِّ ، وانصهاره ، ولم يكن المهاجرون إلا القدوة للأنصار بالبذل ، والعطاء ، فلم يكونوا أصلاً فقراء؛ بل كانوا يملكو ن المال ، ويملكون الدَّار ، وتركوا ذلك كلَّه ابتغاء مرضاة الله ، وبذلوه كلَّه لطاعته جلَّ وعلا ، فكانوا كما وصفهم القران الكر الَّذِّينَ أُخْرِّجُوا مِّنْ دِّيََّرِّهِّمْ وَأَمْوَالهِِّّمْ يـَبـْتـَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللََِّّّ وَرِّضْوَا ناً وَيـَنْصُرُونَ اللَََّّ وَرَسُولَهُ أُولَئِّكَ هُمُ الصَّادِّقُونَ *وَالَّذِّينَ تـَبـَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِّيمَانَ مِّنْ قـَبْلِّهِّمْ يحُِّبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِّلَيْهِّمْ وَلاَ يجَِّدُو نَ فيِّ صُدُورِّهِّمْ حَاجَةً
عدد الصفحات ٣٦ممَِّّا أُوتُوا وَيـُؤْثِّرُونَ عَلَى أَنـْفُسِّهِّمْ وَلَ وْ كَانَ بهِِّّمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نـَفْسِّهِّ فَلُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ [8 ـ9. ] كان هذا المجتمع المدنيُّ الجديد يتّبىَّ على معاني الإيمان ، والتَّقوى ، ولم يصل النَّبيُّ (ص بعد ، ولكن تحت إشراف النُّقباء الاثنَّ عشر ، الَّذين كانوا في كفالتهم لقومهم، ككفالة الحواري ِّين لعيسى ابن مريم، وبإشراف قيادات المهاجرين الكبرى ، الَّتي وصلت المدينة، والذين استقوا جميعاً من النَّبع النَّبوي ِّ الثـَّر132])133.]) ومن معالم هذا المجتمع الجديد ذوبان العصبية؛ فقد كان إمامُ المسلمين ، سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه؛ لأنه كان أكثرهم قراناً ، فهذا المجتمع الَّذي يوجد فيه عِّلْيَةُ أصحاب محمَّد (ص) ؛ من المهاجرين، والأنصار، وسادة العرب من قريش ، والأوس والخزرج ، يقوده ويؤمُّه حامل القران ، فالكرامة العليا فيه لقارأى كتاب الله وحامله ، وحامل القران في المجتمع الإسلامي ِّ هو نفسه حامل الل ِّواء في الحرب ، فليس بينهما ذلك الانفصام الَّذي نشهده اليوم ، بين حملـة القران من الحفَّـاظ ، وبين المجاهدين في سبيل الله ، فقد كان حامل لواء المهاجرين في معركة اليمامة سالم مولى أبي حذيفة، وكان شعاره: (بئس حامل القران) ـ يعني: إن فررت ـ ، فقطعت يمينه ، فلخذ اللواء بيساره ، فقطعت ، فاعتنقه إلى أن صُرع ، واستُشهد في سبيل134.]) ومن معالم المجتمع الإسلامي ِّ الجديد حر ِّيَّة الدَّعوة إلى الله علانيةً ، فقد أصبح واضحاً عند الجميع: أن معظم قيادات يثرب دخلت في هذا الد ِّين ، ونشط الشَّباب، والن ِّساء ، والر ِّجال في الدَّعوة إلى الله ، والتبشير بقدوم رسول الله (ص) على قدمٍ وساقٍ. ولابدَّ من المقارنة بين المجتمع الَّذي قام بالحبشة من المسلمين ، وبين المجتمع الإسلامي ِّ في يثرب؛ فلقد كانت الحبشة تحمل طابع اللُّجوء الس ِّياسي ِّ ، والجالية الأجنبيَّة أكثر ممَّا كانت تحمل طابع المجتمع الإسلامي ِّ الكامل؛ صحيحٌ: أن المسلمين ملكوا حر ِّيَّة العبادة هناك؛ لكنَّهم معزولون عن المجتمع النَّصراني ِّ ، لم يستطيعوا أن يؤث ِّروا فيه التَّلثير المنشود ، وإن كانت هجرة الحب شة خطوةً متقد ِّمةً على جو مكَّة؛ حيث لا تتوفر حر ِّيَّة الدَّعوة ، وحر ِّيَّة العبادة ، ولكنَّه دون المجتمع الإسلامي ِّ في المدينة بكثير ، ولذلك شرع مهاجرو الحبشة بَّجرَّد سماع خبر هجرة المدينة ، بالتوجُّـه نحوها مباشرة ، أو عن طريق مكَّة؛ إلا من طلبت منه القيادة العليا البقاء هناك ، لقد أصبحت المدينة مسلمةً بعد أن عاشت قروناً وثنيَّـةً مشركةً.
عدد الصفحات ٣٧لقد أصبح المجتمع المدنيُّ مسلماً ، وبدأ نموُّه ، وتكوينه الفعليُّ بعد عودة الاثني عشر صحابي اً من البيعة الأولى ، والَّتي كان على رأسها ، الصحابيُّ الجليل أسعد بن زُرَار ةَ والَّتي حملت المسؤوليَّة الدَّعويَّة فقط ، دون الوجود الس ِّياسي ِّ ، وبلغ أوج توسُّعه ، وبنائه بعد عودة السَّبعين ، الَّذين ملكوا الشَّارع الس ِّياسيَّ والاجتماعيَّ ، وقرَّروا أن تكون بلدهم عاصمة المسلمين الأولى في الأرض ، وهم على استعدادٍ أن يواجهوا كلَّ عدو ٍ خارجي ٍ ، يمكن أن ينال من هذه الس ِّيادة ، حتََّّ قبل قدوم رسول الله (ص) إليهم في المدينة. إنَّ القاعدة الصُّلبة ، الَّتي بذل رسول الله (ص) وقتاً وجهداً في تربيتها ، بدأت تعطي ثمارها أكثر ، بعد أن التحمت بالمجتمع المدني ِّ الجديد ، وانصهر كلاهما في معا ني العقيدة ، وأخوَّة الدين. لقد أعدَّ رسول الله (ص) الأفراد ، وصقلهم في بوتقة الجماعة ، وكوَّن بهم القاعدة الصُّلبة ، ولم يقم المجتمع الإسلاميُّ الَّذي تقوم عليه الدَّولة إلا بعد بيعة الحرب وبذلك نقول: إنَّ المجتمع الإسلاميَّ قام بعدما تهيَّلت القوَّة المناسبة لحمايته في الأرض135.]) وهكذا انتقلت الجماعة المسلمة المنظَّمة القويَّة إلى المدينة ، والتحمت مع إخوانها الأنصار ، وتشكَّل المجتمع المسلم؛ الَّذي أصبح ينتظر قائده الأعلى (ص) ؛ ليعلن ولادة دولة الإسلام ، الَّتي صنعت ـ فيما بعد ـ حضارةً؛ لم يعرفِّ التَّ اريخ مثلها حتََّّ يومنا هذا. سادساً: لماذا اختيرت المدينة كعاصمةٍ للدَّولة الإسلاميَّة؟ كان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة داراً للهجرة ، ومركزاً للدَّعوة ـ عدا ما أراده الله من إكرام أهلها ـ أسرارٌ لا يعلمها إلا الله؛ إنهَّا امتازت بتحصُّن طبيعي ٍ حر بي ٍ ، لا تزاحمها في ذلك مدينةٌ قريبةٌ في الجزيرة ، فكانت حَرَّة الوَبـْرَة ، مُطبقةً على المدينة من النَّاحية الغربية ، وحَرَّة واقِّم مطبقةً على المدينة من النَّاحية الشَّرقيَّة ، وكانت المنطقة الشَّمالية من المدينة هي الناحية الوحيدة المكشوفة ـ وهي الَّتي حصَّنها رسول الله (ص) بالخندق سنة خمس في غزوة الأحزاب ـ وكانت الجهة الأخرى من أطراف المدينة ، محاطة بأشجار النَّخيل والزُّروع الكثيفة ، لا يمرُّ منها الجيش إلا في طرقٍ ضي ِّقةٍ ، لا يتَّفق فيها الن ِّظام العسكريُّ ، وترتيب الصُّفوف. وكانت خفاراتٌ عسكريَّةٌ صغيرةٌ ، كافيةٌ لإفساد الن ِّظام العسكري ِّ ، ومنعه من التقدُّم ، يقول ابن إسحاق: «كان أحد جانبي المدينة عورةً ، وسائر جوانبها مشكَّكةً بالبنيان ، والنَّخيل ، لا يتمكَّن العدوُّ منها[»136.])
عدد الصفحات ٣٨ولعلَّ النَّبيَّ (ص) ، قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهيَّة في اختيارالمدينة بقوله لأصحابه قبل الهجرة: «إ أُرِّيتُ دار هجرتكم ، ذات نخيلٍ بين لابتين ، وهما الحرَّتان »[ المدينة ، ورجع عامَّةُ من كان هاجرَ بأرض الحبشة إلى المدينة وكان أهل المدينة من الأوس ، والخزرج أصحاب نخوةٍ ، وإباءٍ ، وفروسيَّةٍ ، وقوَّةٍ ، وشكيمةٍ ، ألفوا الحر ِّيَّة ، ولم يخضعوا لأحدٍ ، ولم يدفعوا إلى قبيلةٍ ، أو حكومةٍ إتاوةً ، أو جبايةً. يقول ابن خلدون: ولم يزل هذان الحيَّان قد غلبوا على يثرب ، وكان الاعتزاز والمنعة تعرف لهم في ذلك ، ويدخل في ملَّتهم مَنْ جاورهم من قبائل مُضَر. وكان بنو عدي ِّ بن النَّجار أخواله (ص) ، فلمُّ عبد المطلب بن هاشم بن عدي ِّ بن النَّجار إحدى نسائهم ، فقد تزوَّج هاشم بسلمى بنت عمرو أحد بني عدي ِّ بن النَّجار ، وولدت لهاشم عبد المطلب ، وتركه هاشم عندها ، حتََّّ صار غلاماً دون المراهقة ، ثمَّ اح تمله عمُّه المطَّلب ، فجاء به إلى مكَّة ، وكانت الأرحام يحسب لها حسابٌ كبيرٌ ، في حياة العرب الاجتماعيَّة ، ومنهم أبو أيوبٍ الأنصاريُّ؛ الَّذي نزل رسول الله (ص) في داره في المدينة. وكان الأوس ، والخزرج من قحطان ، والمهاجرون وَمَنْ سبق إلى الإسلام في مكَّة ، وما حولها من عدنان ، ولمَّا هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة ، وقام الأنصار بنصره؛ اجتمعت بذلك عدنان ، وقحطان تحت لواء الإسلام ، وكانوا كجسدٍ واحدٍ ، وكانت بينهما مفاضلةٌ ، ومسابقةٌ في الجاهليَّة ، وبذلك لم يجد الشَّيطان سبيلاً إلى قلوبهم؛ لإثارة الفتنة ، والتَّعز ِّي بعزاء الجاهليَّة ، باسم الحميَّة القحطانيَّة ، أو العدنانيَّة ، فكانت لكل ِّ ذلك مدينة يثرب أصلحَ مكانٍ لهجرة الرَّسول (ص) وأصحابه ، واتخ ِّاذهم لها داراً ، وقراراً ، حتََّّ يقوى الإسلام ، ويشقَّ طريقه إلى الأمام ، ويفتح الجزيرة ، ثمَّ يفتح العالم المتمد ِّن137.]) سابعاً: من فضائل المدينة لقد عظم شرف المدينة المنوَّرة المباركة ، بهجرة النَّبي ِّ (ص) إليها ، حتََّّ فضلت على سائر بقاع الأرض ـ حاشا مكَّة المكرَّمة ـ وفضائلها كثيرةٌ منها: 1 ـ كثرة أسمائها إنَّ كثرة الأسماء تدلُّ على شرف المُسمَّى ، ولا توجد بلدةٌ في الدُّنيا لها من الأسماء ، مثل ما للمدينة المنوَّرة ، أو نصفه ، أو حتََّّ ربعه ، وقد بلغ العلماء بأسمائها حوالي مئة اسمٍ( 1) ، وقد ذكر هذه الأسماء
عدد الصفحات ٣٩الزَّركشي في (إعلام السَّاجد بأحكام المساجد 138]) المحيط[139]) الصَّالحي في (سبل الهدى والرَّشاد في سيرة خير العباد وأشهر هذه الأسماء: (أ) يثرب: قال تعافَارْجِّعُوا وَيَسْتَلْذِّنُ فَرِّيقٌ مِّنـْهُمُ النَّبيَِّّ يـَقُولُونَ إِّنَّ بـُيُوتـَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِّيَ بِّعَوْرَةٍ إِّنْ يُرِّيدُونَ إِّلاَّ فِّرَارًا[13. ] وقد ورد النَّهي عن تسميتها بهذا الاسم ، وأمَّا تسميتها في القران«يثرب »فذلك حكاية عن قول المنافقين. (ب) طابة: فعن البراء بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص) : «من سمَّى المدينة يثرب؛ فليستغفر الله؛ فإنمَّا هي طابة»وفي روايةٍ«هي طابة ، هي طابة ، هي طابة[»140.]) (ج) المدينة: وهذا أشهر أسمائها ، وهذا الاسم إذا أطلق؛ أريدت به المدينة ا لمنوَّرة دون غيرها من مدن الدُّنيا ، وقد جاءت الايَّت الكثيرة بهذا الاسم ، كقوله تعا وَمِّنْ أَهْلِّ الْمَدِّينَةِّ مَرَدُوا عَلَى الن ِّفَاقِّ لاَ تـَعْلَمُهُمْ نحَْنُ نـَعْلَمُهُمْ سَنـُعَذ ِّبـُهُمْ مَرَّتـَينِّْ ثمَُّ يـُرَدُّونَ إِّلىَ عَذَابٍ عَظِّيمٍ }* [101] رَسُولِّ اللََِّّّ وَلاَ يـَرْغَبُوا بأَِّنـْفُسِّهِّمْ عَنْ نـَفْسِّهِّ ذَلِّكَ بأَِّنـَّهُمْ لاَ يُصِّيبـُهُ مْ ظَمَلٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مخَْمَصَةٌ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِّئًا يَغِّيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يـَنَالُونَ مِّنْ عَدُو ٍ نـَيْلاً إِّلاَّ كُتِّبَ لهَُمْ بِّهِّ عَمَلٌ صَالِّحٌ إِّنَّ اللَََّّ لاَ يُضِّيعُ أَجْرَ الْمُحْسِّنِّينَ [120]صفت المدينة بالمباركة ، والمنوَّرة ، والمشرَّفة ، وغير ذلك من الأوصاف الفاضلة141.]) 2 ـ محبته (ص) لها ، ودعاؤه برفع الوباء عنها دعا النَّبي (ص) ربَّه قائلاً: «اللَّهمَّ حب ِّب إلينا المدينة كحب ِّنا مكَّة ، أو أشد142 »])وعن أنسٍ رضي الله عنه: «أنَّ ا لنَّبيَّ (ص) إذا قدم من سفرٍ ، فنظر إلى جُدُرات المدينة 143]) راحلته 144]) »[1802 ،1886. ]) وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لمَّا قدم رسولُ الله (ص) المدينة؛ وُعِّكَ أبو بكر ، وبلالٌ ، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمَّى يقول: كُلُّ امْرِّأًى مُصَبَّحٌ في أهْلِّهِّوالموْتُ أَدْنىَ مِّنْ شِّرَاكِّ نـَعْلِّهِّ
عدد الصفحات ٤٠وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمَّى يرفع عقيرته ، يقول: .... وقال«اللَّهمَّ العن شيبة بن ربيعة ، وعتبة بن ربيعة ، وأميَّة بن خلف ، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء!»ثمَّ قال رسول (ص) : «اللَّهمَّ حب ِّبْ إلينا المدينة كحبنا مكَّة ، أو أشدَّ! اللَّهمَّ بارك لنا في صاعنا ، وفي مُد ِّنا ، وصح ِّحْها لنا ، وانقُلْ حمَُّاها إلى الجُحْفَةِّ! »[1889) ومسلم1376. ]) 3 ـ دعاء النَّبي ِّ (ص) لها بضعفي مامكَّة من البركة: فعن أنس رضي الله عنه عن النَّبي ِّ (ص) قال: «اللَّهمَّ اجعل بالمدينة ضِّعْفي ما جعلت بَّكَّة من البركة» [1885) ومسلم1369. ]) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال «كان النَّاس إذا رأوا أوَّل الثَّمر؛ جاؤوا به إلى النبي ِّ (ص) ، فإذا أخذه رسول الله (ص) ؛ قال: «اللَّهمَّ بارك لنا في ثمرنا! ، وبارك لنا في مدينتنا! وبارك لنا في صاعنا وبارك لنا في مُد ِّنا! اللَّهمَ إنَّ إبراهيم عبدُك ، وخليُلك ونبيُّك وإني ِّ عبدك ، ونبيُّك ، وإنَّه دعاك لمكَّة ، وإني ِّ أدعوك للمدينة بَّثل ما دعاك لمكَّة ، ومثل هِّ معه»قال: ثمَّ يدعو أصْغَرَ وليدٍ له ، فيعطيه ذلك الثَّمر1373) والتّمذي 3454) والنسائي في عمل اليوم والليلة 302) وابن ماجه (3329) وابن الس279. ]) 4 ـ عصمتها من الدَّجال والطَّاعون ببركته (ص إنَّ الله تعالى قيَّض لها ملائكةً يحرسونها ، فلا يستطيع الدَّجال إليها سبيلاً؛ بل يلقي إليها بإخوانه من الكفَّار ، والمنافقين ، كما أنَّ من لوازم دعاء النَّبي ِّ (ص) بالص ِّحَّة ورفع الوباء ألاَّ ينزل بها الطَّاعون ، كما أخبر بذلك المعصوم (ص1880) ومسلم1379([])145. ]) 5 ـ فضيلة الصَّبر على شدَّتها: فقد وعد النَّبيُّ (ص) من صبر على شدَّة المدينة ، وضيق عيشها ، بالشَّفاعة يوم القيامة146]) فعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص«المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ، لا يدعها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدل الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه ، ولا يثبت أحدٌ على لأْوَائِّهَا147 ]) وجَهْدِّها ، إلا كنتُ له شفيعاً ـ أو شهيداً ـ يوم القيامة »[1361. ]) 6 ـ فضيلة الموت فيها
عدد الصفحات ٤١فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص «من استطاع أن يموت بالمدينة؛ فليَمت بها، فإني ِّ أشفع لمن يموت بها »[3917) وابن ماجه3112) وابن حبان3733) والبيهقي الشعب (4184])«اللَّهم ارزقني شهادةً في سبيلك ، واجعل موتي في بلد رسولك (ص) »[1890. ]) وقد استجاب الله للفاروق رضي الله عنه ، فاستُشهد في محراب رسول الله (ص) ، وهو يؤمُّ المسلمين في صلاة الفجر. 7 ـ هي كهف الإيمان ، وتنفي الخبث عنها الإيمان يلجل إليها مهما ضاقت به البلاد ، والأخباث ، والأشرار لا مقام لهم فيها ، ولا استقرار ، ولا يخرج منها أحدٌ رغبةً عنها إلا أبدلها الله خيراً منه من المؤمنين الصادق148.]) فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص «إنَّ الإيمان ليلْرِّزُ149]) تأَْرِّزُ الحيةُ إلى جُحرها »[1876) ومسلم147]) ...«والَّذي نفسي بيده! لا يخرج منها أحدٌ رغبةً عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه ، ألا إنَّ المدينة كالكير ، تخُرِّج الخبث ، لا تقوم السَّاعة حتَّ تنفي المدينة شرارها ، كما ينفي الكيرُ خبَثَ الحديد »[1381) وأحمد (2/439. ]) 8 ـ تنفي الذُّنوب والأوزار عن زيد بن ثابت رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ص) : «إا ـ أي: المدينة ـ طَيـْبَةُ تنفي الذُّنوب150]) »[4589) ومسلم1384. ]) 9 ـ حفظ الله إيََّّها ممَّن يريدها بسوء قد تكفَّل الله بحفظها من كل ِّ قاصدٍ إيََّّها بسوءٍ ، وتوعَّد النَّبيُّ (ص) مَنْ أحدث فيها حدثاً ، أو ا وى فيها محُدِّثاً ، أو أخاف أهلها ، بلعنة الله ، وعذابه ، وبالهلاك العاجل 151]) وقَّاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص«لا يكيد أهلَ المدينة أحدٌ إلا انماع152]) ينماع الملحُ في الماء »[1822) ومسلم 1387])« :المدينة حَرَمٌ، فمن أحدث فيها حَدَثاً153])154]) يـُقْبَلُ منه يومَ القيامة عَدْلٌ ، ولا صَرْفٌ »[1371.]) 10 ـ تحريمها
عدد الصفحات ٤٢قد حرَّمها النَّبيُّ (ص) بوحيٍ من الله ، فلا يُراق فيها دمٌ ، ولا يحُْمل فيها سلاحٌ ، ولا يروَّع فيها أحدٌ ، ولا يقطع فيها شجرٌ ، ولا تحَِّلُّ لُقطتُها إلا لمنشدٍ ، وغير ذلك ممَّا يدخل في تحريمها ، قال (ص) : «إن إبراهيم حرَّم مكَّةَ ودعا لها ، وحرَّمتُ المدينة كما حرَّم إبراهيم مكَّةَ ، ودعوتُ لها في مُد ِّها ، وصَاعها مِّثْلَ ما دَعا إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ لمكَّة»[2129) ومسلم1360.]) وقال (ص«هذا جبلٌ يحبُّنا ونحبُّه ، اللَّهمَّ! إنَّ إبراهيم حرَّم مكة ، وإني حرَّمت ما بين لابتيها » [4084) ومسلم1362])«لا يخُْتلى خلاها155]) ينفَّر صيدها156])157]) الس ِّلاح لقتالٍ ، ولا يصلح أن يقطع منها شجرٌ ، إلا أن يعلف رجلٌ بعيرَه »[1/119. ]) إن هذه الفضائل العظيمة جعلت الصَّحابة يتعلَّقُون بها ، ويحرصون على الهجرة إليها ، والمقام فيها ، وبذلك تجمَّعت طاقات الأمَّة فيها ، ثمَّ توجَّهت نحو القضاء على الش ِّرك بأنواعه ، والكفر بأشكاله ، وفتحوا مشارق الأرض ، ومغاربهَا. * * * الفصل السَّادس هجرة النَّبي ِّ (ص) وصاحبه الص ِّد ِّيق رضي الله عنه158]) المبحث الأوَّل فشل خطَّة المشركين ، والتَّّتيب النَّبويُّ الرَّفيع للهجرة أولاً: فشل خطَّة المشركين لاغتيال النَّبي ِّ (ص): بعد أن مُنيت قريش بالفشل في منع الصَّحابة رضي الله عنهم من الهجرة إلى المدينة على الرَّغم من أساليبها الشَّنيعة ، والقبيحة ، فقد أدركت قريش خطورة الموقف ، وخافوا على مصالحهم الاقتصاديَّة ، وكيانهم الاجتماعي ِّ القائم بين قبائل العرب؛ لذلك اجتمعت قيادة قريش في دار النَّدوة للتشاور في أمر القضاء على قائد الدَّعوة ، وقد تحدَّث ابن عباس في تفسيره لقول الله تعا بِّكَ الَّذِّينَ كَفَرُوا لِّيـُثْبِّتُوكَ أَوْ يـَقْتـُلُوكَ أَوْ يخُْرِّجُوكَ وَيمَْكُرُونَ وَيمَْكُرُ اللََُّّ وَاللََُّّ خَيـْرُ الْمَاكِّرِّينَ [30. ]
عدد الصفحات ٤٣فقال: تشاورت قريش ليلةً بَّكَّة ، فقال بعضهم: إذا أصبح؛ فلثبتوه بالوُثُق ابن هشام ( 2/124 ـ126) وابن سعد 1/227 ـ228) والبيهقي في دلائل النبوة 2/466 ـ 468) وأبو نعيم في دلائله63 ـ64) والطبري في تاريخه2/372) والهيثمي في مجمع الزوائد6/52 ـ53([])159])لطلع اللهُ نبيَّه على ذلك ، فبات عليٌّ على فراش النَّبي ِّ (ص) ـ تلك اللَّيلة10/348) وعبد الرزاق المصنف (5/389) والطبري في تاريخه2/372) ومجمع الزوائد6/52 ـ53([])160]) النَّبيُّ (ص) ، فلمَّا أصبحوا؛ ثاروا إليه ، فلمَّا رأوا علي اً؛ رد الله مكرهم ، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري! فاقتصُّوا أثره ، فلمَّا بلغوا الجبل؛ اختلط عليهم الأمر ، فصعدوا الجبل ، فمرُّوا بالغار ، فرأوا على بابه نسج العنكبوت ، فقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن ينسج العنكبوت على بابه ، فمكث فيه ثلاثاً161.]) قال سيد قطب ـ رحمه الله ـ في تفسيره للايَّت الَّتي تتحدَّث عن مكر المشركين بالنَّبي ِّ (ص) : «إنَّه التَّذكير بَّا كان في مكَّة قبل تغيرُّ الحال ، وتبدلُّ الموقف ، وإنَّه ليوحي بالث ِّقة واليقين في المستقبل ، كما ينب ِّه إلى تدبير قدر الله ، وحكمته فيما يقضي به ويأمر. ولقد كان المسلمون الَّذين يخاطَبون بهذا القران أوَّل مرَّةٍ يعرفون الحالين معرفة الَّذي عاش ، ورأى ، وذاق ، وكان يكفي أن يذكَّروا بهذا الماضي القريب ، وما كان فيه من خوفٍ ، وقلقٍ في مواجهة الحاضر الواقع ، وما فيه من أمنٍ ، وطملنينة ، وما كان من تدبير المشركين ، ومكرهم برسول الله (ص) في مواجهة ما صار إليه من غلبةٍ عليهم ، لا مجرَّد النَّجاة منهم. لقد كانوا يمكرون؛ ليوثقوا رسول الله (ص) ، ويحبسوه حتََّّ يموت؛ أو ليقتلوه ، ويتخلَّصوا منه ، أو ليخرجوه من مكَّة منفي اً مطروداً ، ولقد ائتمروا بهذا كل ِّه ، ثمَّ اختاروا قتله ، على أنَّ يتولىَّ ذلك المنكر فتيةٌ من القبائل جميعاً؛ ليتفرَّق دمه في القبائل ، ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب جميعاً ، فيرضوا بالد ِّية ، وينتهي الأمر. إنهَّا صورةٌقت ذاته صورةٌ مفزعةٌ؛ فلين هؤلاء البشر الض ِّعاف المهازيل ، من تلك القدرة القادرة ، قدرة الله الجبَّار ، القاهر فوق عباده ، الغالب على أمره ، وهو بكل ِّ شيءٍ محيط؟ 162.]) ثانياً: التَّّتيب النَّبويُّ للهجرة
عدد الصفحات ٤٤عن عائشة أم ِّ المؤمنين رضي الله عنها قالت: كان يخطلى رسول الله (ص) أن يأتي بيت أبي بكرٍ أحد طرفي النَّهار ، إمَّا بُكرةً ، وإمَّا عشيَّةً ، حتََّّ إذا كان اليوم الَّذي أُذِّن فيه لرسول الله (ص) في الهجرة ، والخروج من مكَّة من بين ظهري قومه؛ أتانا رسولُ الله (ص) بالهاجرة 163]) كان لا يأتي فيها ، قالت: فلمَّا راه أبو بكر ، قال: ما جاء رسول الله (ص) هذه السَّاعة إلا لأمرٍ حَدَث. قالت: فلمَّا دخل؛ تأخَّر له أبو بكر عن سريره ، فجلس رسولُ الله (ص) ، وليس عند أبي بكر إلا أنا ، وأختي أسماء بنت أبي بكر ، فقال رسول الله (ص) : «أخْرِّجْ عني ِّ مَنْ عندك »؛ فقال: يَّ رسول إنمَّا هما ابنتاي ، وما ذاك؟ فداك أبي ، وأم ِّي! فقال: «إنَّه قد أُذن لي في الخروج والهجرة»قالت: فقال أبو بكر رضي الله عنه: الصُّحبة يَّ رسول الله! قال: «الصُّحبة»قالت: فوالله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم: أنَّ أحداً يبكي من الفرح ، ح تََّّ رأيت أبا بكر يبكي يومئذٍ ، ثمَّ قال: يَّ نبيَّ الله! إنَّ هاتين راحلتان ، قد كنت أعددتهما لهذا. فاستلْجَرَا عبد الله بن أريقط ـ رجلاً من بني الدَّيْل بن بكر ، وكانت أمُّه امرأةً من بني سهم بن عمرو ، وكان مشركاً ـ يدلهُّما على الطَّريق ، فدفعا إليه راحل تيهما ، فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما 2/128 ـ 129([])164. ]) وروى البخاريُّ عن عائشة رضي الله عنها في حديثٍ طويل ، وفيه «قالت عائشة: فبينما نحن يوماً جلوسٌ في بيت أبي بكر ، في نحر الظَّهيرة؛ قال قائلٌ لأبي بكر: هذا رسول الله (ص) متقن ِّعاً(165]) في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها ، فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأم ِّي! والله ما جاء به في هذه السَّاعة إ أمرٌ! قالت: فقال رسول الله (ص) لأبي بكرٍ رضي الله عنه: «أخْرِّجْ من عندك »، فقال أبو بكر: إنمَّا هم أهلك. قال: «فإني ِّ قد أُذِّنَ لي في الخروج »، فقال أبو بكر: الصُّحبةَ بأبي أنت يَّ رسول الله! قال رسول الله (ص) : «نعم»، قال أبو بكر رضي الله عنه: فخذ بأبي أنت يَّ رسول الله! إحدى راحل هاتين ، قال رسول الله (ص) : «بالثَّمن»، قالت عائشة رضي الله عنها: فجهَّزناهما أحثَّ الجهاز (من الحث ِّ وهو الإسراع) ، وصنعنا لهم سُفرةً في جِّرابٍ ، فقطعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قطعةً من نطاقها ، فربطت به على فم الجراب ، فبذلك سم ِّيت ذات النطاقين ، ثمَّ لحق رسولُ الله (ص) ، وأبو بكر بغارٍ في جبل ثور ، فكمنا166]) رضي الله عنهما ، وهو غلامٌ ، شابٌّ ، ثَقِّفٌ167])168])169])
عدد الصفحات ٤٥بسَحَرٍ ، فيصبح مع قريشٍ بَّكَّة كبائتٍ ، فلا يسمع أمراً يُكتادان 170]) بخبر ذلك ، حين يختلط الظَّلام ، ويرعى عليهما عامر بن فهة مولى أبي بكر رضي الله عنه منحةً من غَنَم ، فيريحها عليهما حين تذهبُ ساعةٌ من العِّشاء ، فيبتان في رسْلٍ ـ وهو لَبََُ مِّنْحتِّهِّما ورَضِّيفهما171])172])173]) من تلك اللَّيالي الثَّلاث ، واستلجر رسول الله (ص) ، وأبو بكر رجلاً من بني الدَّيْل ، وهو من بني عبد بن عدي ِّ ـ هاديًَّ خِّر ِّيتاً ـ والخر ِّيت: الماهر بالهداية ، قد غمس حلفاً174]) إليه راحلتيهما ، وواعداه غار ثورٍ بعدثلاث ليالٍ براحلتيهما صُبْحَ ثلاثٍ ، وانطلق معهما عامر بن فهيرة ، والدَّليل ، فلخذ بهم طريق السَّواحل »[3905) ، وأحمد 6/198 ـ199) ، والبيهقي في دلائل النبوة (2/473 ـ475) ، وعبد الرزاق في المصنف 5/388) ، والطبري في تاريخه (2/375 ـ378. ]) ثالثاً: خروج الرَّسول (ص) ووصوله إلى الغار: لم يعلم بخروج رسول الله (ص) أحدٌ حين خرج إلا عليُّ بن أبي طالبٍ ، وأبو بكر الص ِّد ِّيق ، وال أبي بكرٍ. أمَّا عليٌّ رضي الله عنه ، فإنَّ رسول الله (ص) أمره أن يتخلَّف؛ حتََّّ يؤدي عن رسول الله (ص) الودائع؛ الَّتي كانت عنده للنَّاس ، وكان رسول الله (ص) ، وليس بَّكَّة أحدٌ عنده شيءٌ يخُشى عليه إلا وضعه عنده؛ لما يعلم من صدقه ، وأمانته175]) الله عنه ، فخرجا من خوخة 176]) ح لا تتبعهما قريشٌ ، وتمنعهما من تلك الر ِّحلة المباركة ، وقد اتـَّعَدا مع اللَّيل على أن يلقاهما عبد الله بن أريقط ، في غار ثور ، بعد ثلاث ليالٍ177.]) رابعاً: دعاء النَّبي ِّ (ص) عند خروجه من مكَّة وقد دعا النَّبي (ص) عند خروجه من مكَّة إلى المدينة قائلاً: «الحمد لله الَّذي خلقني ولم أَكُ شيئاً! اللَّهمَّ أعني ِّ على هول الدُّنيا ، وبوائق الدَّهر ، ومصائب اللَّيا والأيَّم! اللَّهمَّ اصحبني في سفري ، واخلفني في أهلي ، وبارك لي فيما رزقتني ، ولك فذَل ِّلني ، وعلى خلقي فقو ِّمني ، وإليك رب فحب ِّبني ، وإلى النَّاس فلا تكلْني! ربَّ المستضعفين! وأنت ربي ، أعوذ
عدد الصفحات ٤٦بوجهك الكريم الَّذي أشرقت له السَّموات ، والأرض ، وكُشِّفت به الظُّلمات ، وصلُح عليه أمر الأوَّل ، والاخرين أن تحلَّ عليَّ غضبك ، أو تُنزل بي سخطك! أعوذ بك من زوال نعمتك ، وَفُجَاءَة نقمتك ، وتحوُّل عافيتك ، وجميع سخطك ، لك العُتـْبَ عندي خير ما استطعت ، لا حول ، ولا قوَّة إلا بك »[ (9234([])178. ]) ووقف الرَّسول (ص) عند خروجه بالحَزْوَرَة في سوق مكَّة ، وقال«والله إنَّكِّ لخيرُ أرض الله ، وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني ِّ أُخْ رِّجتُ منكِّ ما خَرَجْتُ »[3925) وأحمد4/305) وابن ماجه (3108. ]) ثمَّ انطلق رسول الله (ص) ، وصاحبه ، وقد حفظهما الله من بطش المشركين ، وصرفهم عنهما روى الإمام أحمد عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: «أنَّ المشركين اقتصُّوا أثر رسول الله (ص) ، فلمَّا بلغوا الجبل ـ جبل ثور ـ اختلط عليهم ، فصعدوا الجبل ، فمرُّوا بالغار ، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت؛ فقالوا: لو دخل هاهنا ، لم يكن نسج العنكبوت على بابه»[1/348]) عزَّ وجلَّ ـ التيَّ يخذل بها الباطل ، وينصر بها الحق؛ لأنَّ جنود الله ـ جلَّت قدرته ـ أعمُّ من أن تكون ماد ِّيَّةً ، أو معنويةً ، وإذا كانت ماد ِّيَّة؛ فإنَّ خطرها لا يتمثَّل في ضخامتها ، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيشٍ ذي لجََبٍ179]) لِّلْبَشَر[31] مقدوراته غير متناهيةٍ180])حدٍ إلى حصر الممكنات ، والوقوف على حقائقها ، وصفاتها ، ولو إجمالاً ، فضلاً عن الاط ِّلاع على تفاصيل أحوالها من كم ٍ ، وكَيْفٍ ، ونسبةٍ 181.]) خامساً: عناية الله سبحانه وتعالى ورعايته لرسوله (ص بالرَّغم من كل ِّ الأسباب الَّتي اتخذها رسول الله (ص) ، فإنَّه لم يركن إليها مطلقاً؛ وإنمَّا كان كاملَ الث ِّقة في الله ، عظيم الرَّجاء في نصره ، وتأييده ، دائم الدُّعاء بالص ِّيغة الَّتي علَّمه الله إيََّّها182]) تعادُنْكَ سُلْطَاناً نَصِّيرًا [80. ] وفي هذه الاية الكريمة ،«دعاء يعل ِّمه الله لنبي ِّه ليدعوه به ، ولتتعلَّم أمَّته كيف تدعو الله ، وكيف تتَّجه إليه؟ دعاء بصدق المُدْخَل ، وصدق المُخْرَج ، كنايةً عن صدق الر ِّحلة كل ِّها؛
عدد الصفحات ٤٧بدئها ، وختامها ، أوَّلها، واخرها ، وما بين الأوَّل والاخر ، وللص ِّدق هنا قيمته بَّناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه؛ ليفتّي على الله غيره ، وللصدق كذلك ظلاله: ظلال الثَّبات ، والاطمئنان والنَّظافة ، والإخلاص. { وهيبةً أستعلي بهما على سلطان الأرض ، وقوَّة المشركين ، وكلمة تصو ِّر وصاحب الدَّعوة لا يمكن أن يستمدَّ السُّلطان إلا من الله ، ولا يمكن أن يُهاب إلا بسلطان الله ، ولا يمكن أن يستظلَّ بحاكمٍ ، أو ذي جاهٍ ، فينصره ، ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله ، والدَّعوة قد تغزو قلوب ذوي السُّلطان ، والجاه ، فيصبحون لها جنداً ، وخدماً ، فيفلحون ، ولكنَّها هي لا تفلح إن كانت من جند السُّلطان ، وخدمه ، فهي من أمر الله ، وهي أعلى من ذوي السُّلطان ، والجاه[»183.]) وعندما أحاط المشركون بالغار ، وأصبح منهم رأيَ العين؛ طملن الرَّسول (ص) الص ِّد ِّيق بَّعيَّة الله لهما ، فعن أبي بكرٍ الص ِّد ِّيق رضي الله عنه قال: قلت للنَّبي ِّ (ص) وأنا في الغار: لو أنَّ أحدهم نظر تحت قدميه؛ لأبصرنا ، فقال (ص) : «ما ظنُّك يَّ أبا بكر! باثنين الله ثالثُهما؟»[3653) ومسلم (2381])«اسكت يَّ أبا بكر! اثنان الله ثالثهما»[3922. ]) وسج ل الحقُّ ـ عزَّ وجلَّ ـ ذلك في قوله تعا الَّذِّينَ كَفَرُوا ثاَنيَِّ اثـْنـَينِّْ إِّذْ همَُا فيِّ الْغَارِّ إِّذْ يـَقُولُ لِّصَاحِّبِّهِّ لاَ تحَْزَنْ إِّنَّ اللَََّّ مَعَنَا فَلَنـْزَلَ اللََُّّ سَكِّينـَتَهُ عَلَيْهِّ وَأَيَّدَهُ بجُِّنُودٍ لمَْ تـَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِّمَةَ الَّذِّينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِّمَ ةُ اللََِّّّ هِّيَ الْعُلْيَا وَاللََُّّ عَزِّيزٌ حَكِّيمٌ[40. ] وقد تحدَّث الطَّبريُّ في تفسيره عن هذه الاية الكريمة ، فقال: هذا إعلامٌ من الله لأصحاب رسوله (ص : أنَّه المتكف ِّل بنصر رسوله على أعداء دينه ، وإظهاره عليهم دونهم؛ أعانوه ، أو لم يعينوه ، وتذكيرٌ منه لهم بفعل ذلك به ، وهو من العدد في قلَّةٍ ، والعدوُّ في كثرةٍ ، فكيف به؛ وهو من العدد في كثرةٍ؛ والعدوُّ في قلَّة؟! يقول لهم جلَّ ثناؤه: إلا تنفروا ـ أيُّها المؤمنون ـ مع رسولي؛ إذا استنصركم فتنصروه؛ فالله ناصره ، بالله من قريش، من وطنه، ودار ه يقول: أخرجوه وهو أحد ، وإنمَّا عنَّ جلَّ ثناؤه بقوله خرجا هاربين من قريش؛ إذ همُّوا بقتل رسول الله (ص) ، واختفيا في الغار ، وقوله:
عدد الصفحات ٤٨يقول: إذ رسول الله (ص) وأبو بكر رضي الله عنه في الغار 184]) لِّصَاحِّبِّه ذلك ، فقال له رسول الله (ص) : لا تحزن؛ لأنَّ الله معنا ، والله ناصرنا ، فلن يعلم المشركون بنا ، ولن يصلوا إلينا ، يقول جلَّ ثناؤه: فقد نصره على عدو ِّه وهو بهذه الحال من الخوف ، وقلَّة العدد ، فكيف يخذله ، ويحوجه إليكم وقد كثَّر الله من أنصاره وعدد جنوده10/135 ـ136 ]) . وقد تحدَّث الدكتورعبد الكريم زيدان ، عن المعيَّة في هذه الاية الكريمة ، فقال: «وهذه المعيَّة الرَّبانية المستفادة من قوله تعا مَعَ الَّذِّينَ اتـَّقُوْا وَالَّذِّينَ هُمْ محُْسِّنُو نَ[128] صاحبه ، غير مقيَّدةٍ بوصفٍ هو عملٌ لهما ، كوصف التَّقوى ، والإحسان؛ بل هي خاصَّةٌ برسوله ، وصاحبه ، مكفولةٌ هذه المعيَّة بالتلييد بالايَّت ، وخوارق العادات[»185.]) وتحدَّث صاحب الظ ِّلال عن هذه الايَّت ، فقال: «ذلك حين ضاقت قريش بَّحمدٍ ذرعاً ، كما تضيق القوَّة الغاشَة دائماً بكلمة الحق ِّ ، لا تملك لها دفعاً ، ولا تطيق عليها صبراً ، فائتمرت به ، وقرَّرت أن تتخلَّص منه ، فلطلعه الله على ما ائتمرت به ، وأوحى إليه بالخروج وحيداً ، إلا من صاحبه الص ِّد ِّ يق ، لا جيش ، ولا عدَّة ، وأعداؤه كُثـُرٌ ، وقوَّتهم إلى قوته ظاهرةٌ ، ثمَّ ماذا كانت العاقبة ، والقوة المادية كلُّها من جانبٍ ، والرَّسول (ص) مع صاحبه منها مجرَّد؟ كان النَّصر المؤزَّر من عند الله بجنود لم يرها النَّاس ، وكانت الهزيمة لِّلَّذين كفروا والذُّ لُّ والصَّغار ، مكانها العالي منتصرةً قويَّةً نافذةً. ذلك مثلٌ على نصرة الله لرسوله ، ولكلمته ، والله قادرٌ على أن يعيده على أيدي قومٍ اخرين؛ غير الَّذين يتثاقلون ويتباطؤون وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجةٍ بعد قول الله إلى دليلٍ! [»186.]) سادساً: خيمة أم معبد في طريق الهجرة وبعد ثلاث ليالٍ من دخول النَّبي ِّ (ص) في الغار خرج رسول الله (ص) وصاحبه من الغار ، وقد هدأ الطَّلب ، ويئس المشركون من الوصول إلى رسول الله (ص) ، وقد قلنا: إنَّ رسول الله (ص)
عدد الصفحات ٤٩