من قومه بني هاشم ، ولكنَّه يريد الهجرة إلى المدينة ، ولذلك فإنَّ العباس يريد التلكُّد من حماية الأنصار له ، وإلا؛ فـَ لْيَدَعُوه ، فطلب الأنصار أن يتكلَّم رسولُ الله (ص) ، فيلخذ لنفسه ، ولرب ِّه ما يحبُّ من الشُّروط. قال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممَّا تمنعون منه نساءكم ، وأبناءكم»فلخذ البراء بن مَعْرور بيده ، قال: نعم والَّذي بعثك بالحق! لنمنعنَّك ممَّا نمنع منه أُزُ رَ50]) أهل الحرب ، وأهل الحَلقة (الس ِّلاح) ، ورثناها كابراً عن كابر. فقاطعه أبو الهيثم بن التَّـي ِّهان متسائلاً رسول الله! إنَّ بيننا وبين القوم حبالاً ، وإناَّ قاطعوها (يعني: اليهود) ، فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك ، ثمَّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك ، وتَدَعَنا؟ فتبسَّم رسولُ الله (ص) ، ثمَّ قال: «بل الدَّمُ الدَّمُ ، والهَدْمُ الهَدْمُ ، أنا منكم ، وأنتم مني ِّ ، أحارب مَنْ حاربتم ، وأسالم مَنْ سالمتم » ثمَّ قال«أخْرِّجُوا إليَّ منكم اثني عشر نقيباً؛ ليكونوا على قومهم بَّا فيهم»فلخْرَجوا منهم اثني عشر نقيباً: تسعةً من الخزرج ، وثلاثةً من الأوس. وقد طلب الرَّسول (ص) منهم الانصراف إلى رحالهم ، وقد سمعوا الشَّيطان يصرخ منذراً قريشاً ، فقال العبَّاس بن عُبادة بن نَضْلة: والله الَّذي بعثك بالحق! إن شئتَ؛ لنميلنَّ على أهل مِّنًَّ غداً بأسيافنا. فقال رسول الله (ص) : «لم نـُؤْمَر بذلك؛ ولكن ارجعوا إلى رحالكم»فرجعوا إلى رحالهم ، وفي الصَّباح جاءهم جمعٌ من كبار قريش ، يسللونهم عمَّا بلغهم من بيعتهم للنَّبي ِّ (ص) ، ودعوتهم له للهجرة ، فحلف المشركون من الخزرج ، والأوس ، بأنهَّ م لم يفعلوا ، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم51]) ثمَّ قام القوم؛ وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميُّ ، وعليه نعلانِّ جديدانِّ ، قال: فقلت له كلمةً ـ كلني ِّ أريد أن أشرك بها القومَ فيما قالوا ـ يَّ أبا جابر! أما تستطيع أن تتَّخذ ، وأنت سي ِّدٌ من ساداتنا ، مثل نـَعْلَي هذا الفتَّ من قريشٍ؟ قال: فسمعهما الحارث ، فخلعهما من رجليه ، ثمَّ رمى بها إليَّ، وقال: والله لتـَنـْتَعِّلَـنَّهما ، قال: يقول أبو جابر: مَهْ! أَحْفَظْتَ (أي: أغضبت) والله الفتَّ ، فارددْ إليه نعليه. قال: قلت: لا والله! لا أردُّهما ، فللٌ والله صالح! لئن صدق الفلل لأسْلُبـَنَّه3/460 ـ462) والحاكم 2/624 ـ625 ) والطبري في تاريخه2/360 ـ362) والبيهقي في سننه الكبرى9/9. ]) دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد
عدد الصفحات ١٨1 ـ«كانت هذه البيعة العظمى بَّلابساتها ، وبواعثها ، واثارها ، وواقعها التَّاريخي ، (فتحَ الفتوح)؛ لأنهَّا كانت الحلقة الأولى في سلسلة الفتوحات الإسلاميَّة ، الَّتي تتابعت حلقاتها في صورٍ متدر ِّجة ، مشدودةٍ بهذه البيعة؛ منذ اكتمل عقدها ، بَّا أخذ فيها رسول الله (ص) من عهودٍ ومواثيق على أقوى طليعةٍ من طلائع أنصار الله؛ الَّذين كانوا أعرف النَّ اس بقدر مواثيقهم ، وعهودهم ، وكانوا أسمح النَّاس بالوفاء بَّا عاهدوا الله ، ورسوله (ص) عليه؛ من التَّضحية ، مهما بلغت متطلبَّاتها من الأرواح ، والد ِّماء ، والأموال ، فهذه البيعة في بواعثها هي بيعة الإيمان بالحق ِّ، ونصرته، وهي في ملابساتها قوَّةٌ تناضل قوًى هائلةً تقف متلل ِّبةً عليها، ولم يَغِّبْ عن أنصار الله قدرها ، ووزنها ، في ميادين الحروب ، والقتال ، وهي في اثارها تشميرٌ ناهضٌ بكل ِّ ما يملك أصحابها من وسائل الجهاد القتالي ِّ في سبيل إعلاء كلمة الله ، على كل ِّ عالٍ مستكبرٍ في الأرض؛ حتََّّ يكون الد ِّين كلُّ ه لله ، وهي في واقعها التَّاريخي ِّ صدقٌ ، وعدلٌ ، ونصرٌ ، واستشهاد ، وتبليغٌ لرسالة الإسلام [»52.]) 2 ـ إنَّ حقيقة الإيمان ، وأثره في تربية النفوس ، تظهر اثارها في استعداد هذه القيادات الكبرى لأن تبذل أرواحها ، ودماءها في سبيل الله ، ورسوله (ص) ، ولا يكون لها الجزاء في هذه الأرض كسباً ، ولا منصباً ، ولا قيادةً ، ولا زعامةً ، وهم الَّذين أفنوا عشرات الس ِّنين من أعمارهم ، يتصارعون على الزَّعامة ، والقيادة ، إنَّه أثر الإيمان بالله ، وبحقيقة هذا الد ِّين ، عندما يتغلغل في النُّفوس53.]) 3 ـ يظهر التَّخطيط العظيم في بيعة العقبة؛ حيث تمَّت في ظروفٍ غايةٍ في الصُّعوبـة ، وكانت تمث ِّـل تحد ِّيـاً خطيراً ، وجريئـاً لقـوى الش ِّرك فـي ذلـك الوقت ، ولذلك كان التَّخطيط النَّبويُّ لنجاحها في غاية الإحكام والد ِّقَّة على النَّحو التَّا54:]) أ ـ سِّر ِّيَّة الحركة ، والانت قال لجماعة المبايعين؛ حتََّّ لا ينكشفَ الأمر ، فقد كان وفد المبايعة المسلم سبعين رجلاً وامرأتين من بين وفدٍ يثربي ٍ قوامه نحو خمسمئة ممَّا يجعل حركة هؤلاء السَّبعين صعبةً ، وانتقالهم أمراً غير ميسورٍ ، وقد تحدَّد موعد الل ِّقاء في ثاني أيَّم التَّشريق ، بعد ثلث اللَّيل ، حيث النَّوم قد ضرب أعين القوم ، وحيث قد هدأت الر ِّجْل ، كما تمَّ تحديد المكان في الش ِّعْب الأيمن ، بعيداً عن عين مَنْ قد يستيقظ من النَّومِّ لحاجةٍ 55.]) ب ـ الخروج المنظَّم لجماعة المبايعين ، إلى موعد ، ومكان الاجتماع ، فقد خرجوا يتسلَّلون مستخفين ، رجلاً رجلاً ، أو رجلين رجلين.
عدد الصفحات ١٩ج ـ ضرب الس ِّر ِّيَّة التَّامة على موعد ، ومكان الاجتماع ، بحيث لم يعلم به سوى العبَّاس بن عبد المطلب ، الَّذي جاء مع النَّبي ِّ (ص) ليتوثَّق له 56]) للمسلمين على فم الش ِّعب ، وأ بو بكر الَّذي كان على فم الطَّريق ـ وهو الاخر ـ عيناً للمسلم57 ]) ، أمَّا مَنْ عداهم من المسلمين ، وغيرهم فلم يكونوا يعلمون عن الأمر شيئاً ، وقد أمر جماعة المبايع ألا يرفعوا الصَّوت ، وألا يطيلوا في الكلام؛ حذراً من وجود عينٍ تسمع صوتهم ، أو تجسُّ حرك تهم58.]) د ـ متابعة الإخفاء والس ِّر ِّيَّة حين كشف الشَّيطان أمر البيعة ، فلمرهم النَّبيُّ (ص) أن يرجعوا إلى رحالهم ، ولا يحدثوا شيئاً؛ رافضاً الاستعجال في المواجهة المسلَّحة؛ التي لم تتهيَّل لها الظُّروف بعد ، وعندما جاءت قريش تستبرأى الخبر؛ موَّه المسلم ون عليهم بالسُّكوت ، أو المشاركة بالكلام الَّذي يشغل عن الموضوع 59.]) هـ اختيار اللَّيلة الأخيرة من ليالي الحج ِّ ، وهي الليلة الثالثة عَشْرة من ذي الحجَّة؛ حيث سينفر الحجاج إلى بلادهم ظهر اليوم التَّالي ، وهو يوم الثالث عشر ، ومن ثمََّ تضيق الفرصة أمام قريش في اعتّاضهم ، أو تعويقهم؛ إذا انكشف أمر البيعة ، وهو أمرٌ متوقَّع ، وهذا ما حدث60.]) 4 ـ كانت البنود الخمسة للبيعة من الوضوح ، والقوَّة بحيث لا تقبل التَّمييع والتَّّاخي، إنَّه السَّمع ، والطَّاعة في النَّشاط والكسل ، والنَّفقة في اليسر ، والعسر ، والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ، والقيام في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم ، ونصرٌ لرسول الله (ص) وحمايته؛ إذا قدم المدينة61.]) 5 ـ سرعان ما استجاب قائد الأنصار ـ دون تردُّدٍ ـ البراء بن مَعْرور ، قائلاً: والذي بعثك بالحق لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزُرَنا ، فبايعنا يَّ رسول الله! فنحن والله أبناء الحرب! وأهل الحلقة ، ورثناها كابراً عن كابرٍ ، فهذا زعيم الوفد يعرض إمكانيات قومه على رسول الله (ص) ، فقومه أبناء الحرب ، والس ِّلاح( 5). وممَّا يجدر الإشارة إليه في أمر البراء: أنَّه عندما جاء مع قومه من يثرب قالم: إني قد رأيت رأيًَّ ، فوالله ما أدري: أتوافقونني عليه ، أم لا؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: قد رأيت ألاَّ أدع هذه البَنيَّة ـ يعني: الكعبة ـ مني ِّ بِّظَهْر ، وأن أصل ِّي إليهـا ، فقالوا لـه: والله ما بلغنـا أنَّ الـنَّبيَّ (ص) يصل ِّي إلاَّ إلى الشَّام ـ ببيت المقدس ـ وما نريد أن نخالفه ، فكانوا إذا حضرت الصَّلاة صلُّوا إلى بيت المقدس ، وصلَّى هو إلى الكعبة ، واستمرُّوا كذلك؛ حتَّ قدموا مكَّة ، وتعرَّفوا إلى رسول الله (ص) وهو جالسٌ مع عم ِّه العباس رضي الله عنه بالمسجد الحرام ، فسلل النَّبيُّ
عدد الصفحات ٢٠(ص) العباسَ رضي الله عنه« :هل تعرف هذين الرَّجلين يَّ أبا الفضل؟»قال: نعم، هذا البراء بن مَعْرور سي ِّد قومه ، وهذا كعب بن مالكٍ ، فقال النَّبيُّ (ص) : «الشَّاعر؟»قال: نعم. فقصَّ عليه البراء ما صنع في سفره من صلاته إلى الكعبة. قال: فماذا ترى يَّ رسول الله؟! قال: «قد كنت على قِّبْلةٍ لو صبرتَ عليها [»62]) حضرته الوفاة أمر أهله أن يوج ِّهوه قبَلَ الكعبة ، ومات في صفر قبل قدومه (ص) بشهرٍ ، وأوصى بثلث ماله إلى النَّبي ِّ (ص) ، فقبله ، وردَّه على ولده ، وهو أوَّل من أوصى بثلث ماله63.]) ويستوقفنا في هذا ا أ ـ الانضباط ، والالتزام من المسلمين بسلوك رسولهم (ص) ، وأوامره ، وإنَّ أيَّ اقتّاحٍ مهما كان مصدره ، يتعارض مع ذلك يـُعَدُّ مرفوضاً ، وهذه الأمور من أولويَّت الفقه في دين الله ، تأخذ حي ِّزها في حياتهم ، وهم ـ بعد ـ ما زالوا في بداية الطَّريق. ب ـ إنَّ الس ِّيادة لم تعد لأحدٍ غير رسول الله (ص) ، وإنَّ توقير أي ِّ إنسانٍ ، واحتّامه إنمَّا هو انعكاسٌ لسلوكه ، والتزامه بأوامر الرَّسول (ص) ، وهكذا بدأت تنزاح تقاليد جاهليَّةٌ؛ لتحلَّ محلَّها قيمٌ إيمانيَّة ، فهي المقاييس الحقَّة؛ الَّتي بها يمكن الحكم على النَّاس تصنيفاً وترتيباً64.]) 6 ـ كان أبو الهيثم بن الـتَّـي ِّهان صريحاً عندما قال للرَّسول (ص) : إنَّ بيننا وبين الر ِّجال حبالاً ، وإ قاطعوها ـ يعني: اليهود ـ فهل عسيتَ إن نحن فعلنا ذلك ، ثم أظهرك الله؛ أن ترجع إلى قومك ، وتدعنا؟ فتبسَّم رسولُ الله (ص) وقال: «بل الدَّمُ الدَّمُ ، والهدمُ الهدمُ ، أنا منكم ، وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم » وهذا الاعتّاض يدلُّنا على الحر ِّيَّة العالية؛ الَّتي رفع الله تعالى المسلمين إليها بالإسلام ، حيث ع عمَّا في نفسه بكامل حر ِّيَّته 65]) الأنصار ، والأنصار جزءاً منه66.]) 7 ـ يؤخذ من اختيار النُّقباء دروسٌ مهمَّةٌ؛ منها أ ـ أنَّ الرَّسول (ص) لم يعين ِّ النُّقباء؛ إنمَّا ترك طريق اختيارهم إلى الَّ ذين بايعوا ، فإنهَّم سيكونون عليهم مسؤولين وكفلاء ، والأولى أن يختار الإنسان من يكفله ، ويقوم بأمره ، وهذا أمرٌ شوريٌّ ، وأراد الرسول (ص) أن يمارسوا الشُّورى عملي اً من خلال اختيار نقبائهم.
عدد الصفحات ٢١ب ـ التَّمثيل الن ِّسبي في الاختيار ، فمن المعلوم أنَّ الذين حضرو ا البيعة من الخزرج ، أكثر من الذين حضروا البيعة من الأوس ، ثلاثة أضعاف من الأوس؛ بل يزيدون ، ولذلك كان النقباء ثلاثة من الأوس ، وتسعة من الخزرج 67.]) ج ـ جعل رسول الله (ص) النقباء مشرفين على سير الدَّعوة في يثرب ، حيث استقام عود الإسلام هناك ، وكثر مثقَّفوه ، ومعتنقوه ، فلراد الرَّسول (ص) أن يشعرهم أنهَّم لم يعودوا غرباء؛ لكي يبعث إليهم أحداً من غيرهم ، وأنهَّم غدوا أهل الإسلام ، وحماته ، وأنصاره68.]) 8 ـ تأكَّد زعماء مكَّة من حقيقة الصَّفقة ، الَّتي تمَّت بين رسول الله (ص) والأنصار ، فخرجوا في طلب القوم ، فلدركوا سعد بن عبادة بأذَاخر69]) فلعجز القومَ ، وأمَّا سعدٌ ، فلخذوه ، فربطوا يديه إلى عنقه بنِّسْع 70]) أدخلوه مكَّة ، يضربونه ، ويجذبونه بجُمَّته71])شعرٍ كثيرٍ ـ72]) من قريش ، بواسطة الحارث بن حرب بن أميَّة ، وجبير بن مُطْعِّم؛ لأنَّه كان يجير تجارتهم ببلده؛ فقد أنقذته أعراف الجاهليَّة ، ولم تنقذه سيوف المسلمين ، ولم يجد في نفسه غضاضةً من ذلك ، فهو يعرف: أنَّ المسلمين مطاردون في مكَّة ، وعاجزون عن حماية أنفسهم73 ]) ، وقد قيل في هذه الحادثة أوَّل شعرٍ في الهجرة ، بيتان قالهما ضرار بن الخطَّاب بن مرداس؛ حيث قال تَدارَكْتُ سَعْداً عَنْوةً فلخَذْتـُهُوكانَ شِّفاءً لَو تَدارَكْتُ مُنْذِّرا ولو نِّلْتهُ طُلَّتْ74])حرِّيًََّّ أَنْ يـُهَانَ ويـُهْدَرا وكان حسَّان بن ثابت بالمرصاد ، وردَّ عليه بأبيات من الش ِّعر ، تناقلتها الرُّكبان: وَلَسْتُ إِّلىَ سَعْدٍ ولاَ المَرْءُ مِّنْذِّرٌإِّذَا مَا مَطَايَّ القَوْمِّ أَصْبَحْنَ ضُمَّرا 75]) فَلاَ تَكُ كالوَسْنَانِّ يحَْلُمُ أَنـَّهُبِّقَرْ يَةِّ كِّسْرَى أَوْ بِّقَرْيَةِّ قـَيْصَرَا فإناَّ وَمَنْ يـَهْدِّي القَصَائِّدَ نحَْوَناَكَمُسْتـَبْضِّعٍ تمَْراً إِّلىَ أَرْضِّ خَيـْبرَا 76]) 9 ـ في قول العبَّاس بن عبادة بن نضلة«والله الذي بعثك بالحق! إن شئت لَنمِّيلنَّ على أهل مِّنََّ غداً بأسيافنا»، وقول رسول الله (ص) : «لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم »[ تربويٌّ بليغٌ ، وهو: أنَّ الد ِّفاع عن الإسلام ، والتَّعامل مع أعداء هذا الد ِّين ، ليس متّوكاً لاجتهاد أتباعه؛ وإنمَّا هو خضوعٌ لأوامر الله تعالى ، وتشريعاته الحكيمة ، فإذا شُرع الجهاد؛ فإنَّ أمر الإقدام ، أو الإحجام متّوكٌ لنظر المجتهدين ، بعد التَّشاور ، ودراسة الأمر من جميع جوانبه 77])
عدد الصفحات ٢٢عبقريَّة التَّخطيط الس ِّياسي ِّ أقوى؛ أدَّت إلى نجاح المهمَّات أكثر ، وإخفاء المخطَّطات ، وتنفيذها عن العدو ِّ ، هو الكفيل ـ بإذن الله ـ بنجاحها: «ولكن ارجعوا إلى رحالكم »[78.]) 10 ـ كانت البيعة بالن ِّسبة للر ِّجال ببسط رسول الله (ص) يده ، وقولهم له: ابسط يدك ، فبسط يده ، فبايعوه ، وأمَّا بيعة المرأتين اللَّتين شهدتا الوقعة ، فكانت قولاً؛ ما صافح رسول الله (ص) امرأةً أجنبيةً قطُّ ، فلم يتخلَّف أحدٌ عن بيعته (ص) ، حتََّّ المرأتان بايعتا بيعة الحرب ، وصدقتا عهدهما ، فلمَّا نُسَيبة بنت كعب (أمُّ عمارة) ، فقد سقطت في أُحدٍ ، وقد أصابها اثنا عشر جرحاً ، وقد خرجت يوم أحدٍ مع زوجها زيد بن عاصم بن كعب، ومعها سقاءٌ تسقي به المسلمين ، فلمَّا ا نهزم المسلمون؛ انحازت إلى رسول الله (ص) ، فكانت تباشر القتال ، وتذبُّ عنه بالسَّيف ، وقد أصيبت بجراحٍ عميقةٍ ، وشهدت بيعة الر ِّضوان 79]) ابنها إرباً إرباً ، فما وهنت ، وما استكانت80]) خالد بن الوليد ، فقاتلت حتََّّ قطعت يدُها ، وجُرحت اثني عَشَرَ جُرحاً 81]) عمرو من بني سلمة ، قيل: هي والدة معاذ بن جبل ، وقيل: ابنة عمَّة معاذ بن جبل رضي الله عنهم جميعاً82.]) 11 ـ عندما نراجع تراجم أصحاب العقبة الثانية من الأنصار في ك تب الس ِّير والتَّّاجم ، نجد: أنَّ هؤلاء الثلاثة والسَّبعين ، قد استشهد قرابة ثلثهم على عهد النَّبي ِّ (ص) وبعده ، ونلاحظ: أنَّه قد حضر المشاهد كلَّها مع رسول الله (ص) قرابة الن ِّصف ، فثلاثة وثلاثون منهم كانوا بجوار الرَّسول (ص) في جميع غزواته ، وأمَّا الَّذين حضروا غزوة بدر ، فكانوا قرابة السَّبعين. لقد صدق هؤلاء الأنصار عهدهم مع الله ، ورسوله (ص) ؛ فمنهم من قضى نحبه ، ولقي ربَّه شهيداً ، ومنهم من بقي حتََّّ ساهم في قيادة الدَّولة المسلمة ، وشارك في أحداثها الجِّسَام ، بعد وفاة رسول الله (ص) ، وبَّثل هذه النماذ ج قامت دولة الإسلام ، النَّماذج الَّتي تعطي ، ولا تأخذ ، والَّتي تقد ِّم كلَّ شيءٍ ، ولا تطلب شيئاً إلا الجنَّة ، ويتصاغر التَّاريخ في جميع عصوره ، ودهوره ، أن يحوي في صفحاته أمثال هؤلاء الر ِّجال والن ِّساء83.]) * * *
عدد الصفحات ٢٣المبحث الرَّابع الهجرة إلى المدينة أولاً: التَّمهيد ، والإعداد لها: إنَّ الهجرة إلى المدينة سبقها تمهيدٌ ، وإعدادٌ ، وتخطيط من النَّبي ِّ (ص) ، وكان ذلك بتقدير الله تعالى ، وتدبيره ، وكان هذا الإعداد في اتج ِّاهين: إعداد في شخصية المهاجرين ، وإعداد في المكان المهاجَرِّ إليه. 1 ـ إعداد المهاجرين: لم تكن الهجرة نزهةً ، أو رحلةً يرو ِّح فيها الإنسان عن نفسه؛ ولكنَّها مغادرةُ الأرض، والأهل ، ووشائج القربى ، وصلات الصَّداقة والمودَّة ، وأسباب الر ِّزق ، والتَّخل ِّي عن كل ِّ ذلك من أجل العقيدة ، ولهذا احتاجت إلى جهدٍ كبيرٍ ، حتََّّ وصل المهاجرون إلى قناعةٍ كاملةٍ بهذه الهجرة ، ومن تلك الوسائل: ـ التَّّبية الإيمانيَّة العميقة الَّتي تحدَّثنا عنها في الصَّفحات الماضية. ـ الاضطهاد الَّذي أصاب المؤمنين ، حتََّّ وصلوا إلى قناعةٍ كاملةٍ بعدم إمكانية المعايشة مع الكفر. ـ تناول القران المك ِّي ِّ التَّنويه بالهجرة ، ولفت النَّظر إلى أنَّ أرض الله واسعةٌ. قال تعا الَّذِّينَ آمَنُوا اتـَّقُوا رَبَّكُمْ لِّلَّذِّينَ أَحْسَنُوا فيِّ هَذِّهِّ الدُّنـْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللََِّّّ وَاسِّعَةٌ إِّنمََّا يـُوَفََّّ الصَّابِّرُونَ أَجْرَهُمْ بِّغَيرِّْ حِّسَابٍ [10. ] ثمَّ تلا ذلك نزولُ سورة الكهف ، والَّتي تحدَّثت عن الفتية الذين امنوا بربهم ، وعن هجرتهم من بلدهم إلى الكهف ، وهكذا استقرَّت صورةٌ من صور الإيمان في نفوس الصَّحابة ، وهي ترك الأهل ، والوطن من أجل العقيدة. ثم تلا ذلك ايَّتٌ صريحةٌ تتحدَّث عن ا لهجرة في سورة النَّحل ، قال تعا بـَعْدِّ مَا ظُلِّمُوا لَنـُبـَو ِّئـَنـَّهُمْ فيِّ الدُّنـْيَا حَسَنَةً وَلأَََجْرُ الآخِّرَةِّ أَكْبـَرُ لَوْ كَانُوا يـَعْلَمُونَ *الَّذِّ ينَ صَبـَرُوا وَعَلَى رَبه ِِّّمْ يـَتـَوَكَّلُونَ[ 41 ـ42. ] وفي أواخر السُّورة يؤك ِّد المعنَّ مرَّةً أخرى بقوله تعاثمَُّ جَاهَدُوا وَصَبـَرُوا إِّنَّ رَبَّكَ مِّنْ بـَعْدِّهَا لَغَفُورٌ رَحِّيمٌ [110. ]
عدد الصفحات ٢٤وكانت الهجرة إلى الحبشة تد ريباً عملي اً على ترك الأهل ، والوطن84.]) 2 ـ الإعداد في يثرب نلاحظ: أنَّ الرَّسول (ص) ، لم يسارع بالانتقال إلى الأنصار من الأيَّم الأولى؛ وإنمَّا أخَّر ذلك لأكثر من عامين؛ حتََّّ تأكَّد من وجود القاعدة الواسعة نسبي اً ، كما كان في الوقت نفسه يتمُّ إعداده ا في أجواء القران الكريم ، وخاصَّةً بعد انتقال مصعب رضي الله عنه إلى المدينة. وقد تأكَّد: أنَّ الاستعداد لدى الأنصار قد بلغ كماله ، وذلك بطلبهم هجرة الرَّسول الكريم (ص) إليهم ، كما كانت المناقشات الَّتي جرت في بيعة العقبة الثَّانية ، تؤك ِّد الحرص الشَّديد من الأنصار على تأكيد البيعة ، والاستيثاق للنَّبي (ص) بأقوى المواثيق على أنفسهم ، وكان في رغبتهم أن يميلوا على أهل مِّنًَّ ممَّن اذى رسول الله (ص) بأسيافهم؛ لو أذن الرَّسول الكريم بذلك ، ولكنَّه قال لهم: «لم نؤمر بذلك» وهكذا تمَّ الإعداد لأهل يثرب؛ ليكونوا قادرين على استقبال المهاجرين ، وما يتّتَّب على ذلك من تَبِّعَات85.]) ثانياً: تأمُّلاتٍ في بعض ايَّت سورة العنكبوت تعتبر سورة العنكبوت من أواخر ما نزل في المرحلة المك ِّيَّة ، وتحدَّثت السُّورة عن سنَّة الله في الدَّعوات ، وهي سنُّة الابتلاء ، قال تعا *أَحَسِّبَ النَّاسُ أَنْ يـُتـْرَكُوا أَنْ يـَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يـُفْتـَنُونَ * يـَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يـُفْتـَنُونَ * وَلَقَدْ فـَتـَنَّا الَّذِّينَ مِّنْ قـَبْلِّهِّمْ فـَلَيـَعْلَمَنَّ اللََُّّ الَّذِّينَ صَدَقُوا وَلَيـَ عْلَمَنَّ الْكَاذِّبِّينَ *أَمْ حَسِّبَ الَّذِّينَ يـَعْمَلُونَ السَّي ِّئَاتِّ أَنْ يَسْبِّقُوناَ سَاءَ مَا يحَْكُمُونَ [1 ـ4. ] وفي سورة العنكبوت ثلاثةُ أمورٍ تلفت النَّظر ، وهي 1 ـ ذِّكْرُ كلمة المنافقين ، ومن المعلوم: أنَّ الن ِّفاق لا يكون إلا عندما تكون الغلبة للمسلمين؛ حيث يخشى بعضُ النَّاس على مصالحهم ، فيظهرون الإسلام ، ويبطنون الكفر ، ومن المعلوم: أنَّ المجتمع في مكَّةَ كان جاهلي اً ، وكانت القوَّة والغلبة لأهل الش ِّرك ، فما مناسبة مجيء المنافقين في هذه السُّورة ، في قوله تعاعْلَمَنَّ الْمُنَافِّقِّينَ [11] كما قلنا: فهل كانت الامال قد قويت عند الفئة المؤمنة بحيث تراءى لهم الفرج ، والنَّصر قاب قوسين أو أدنى؟ أم أنَّ هذه الاية مدنيَّةٌ وضعت في سورةٍ مك ِّيَّةٍ؛ لأنَّ الن ِّفاق لم يحِّنْ وقتُه بعدُ ، كما ذهب إلى ذلك بعض المفس ِّرين؟ 86.])
عدد الصفحات ٢٥2 ـ ورد الأمر بَّجادلة أهل الكتاب بالَّتي هي أحسن ، وكلنَّه تهيئةٌ للنُّفوس للمرحلة القادمة؛ ال سيكون بين المسلمين وبين أهل الكتاب فيها احتكاكٌ ، فلا يكونون البادئين بالشدَّة ، فيلتي التَّنبيه على هذا الأمر في قوله تعا وَقُولُوا آمَنَّا باِّلَّذِّي أُنْزِّلَ إِّلَيـْنَا وَأُنْزِّلَ إِّلَيْكُمْ وَإِّلهَُنَا وَإِّلهَُكُمْ وَاحِّدٌ وَنحَْنُ لَهُ مُسْلِّمُو نَ *وَكَذَلِّكَ أَ نـْزَلْنَا إِّلَيْكَ الْكِّتَابَ فَالَّذِّينَ آتـَيـْنَاهُمْ الْكِّتَابَ يـُؤْمِّنُونَ بِّهِّ وَمِّنْ هَؤُلاَءِّ مَنْ يـُؤْمِّنُ بِّهِّ وَمَا يجَْحَدُ بِِّيََّتِّنَ ا إِّلاَّ الْكَافِّرُونَ [46 ـ47. ] 3 ـ تهيئة النُّفوس للهجرة في أرض الله الواسعة ، وربَّا كانت المدي نة قد بدأت تستقبل المهاجرين من المؤمنين بعد بيعة العقبة الأولى ، ومهما كان الأمر ، وأنىَّ كان وقت نزول سورة العنكبوت؛ فإنَّ الإشارة واضحةٌ ، والحثَّ على الهجرة ـ أيضاً ـ واضحٌ ببيان تكفُّل اللهِّ الر ِّزق للعباد؛ في أي ِّ أرضٍ ، وفي أي ِّ زمانٍ87]){ :[ 56. ] هذه الاية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الَّذين كانوا بَّكَّة على الهجرة؛ فلخبرهم الله تعالى بسعة أرضه ، وأنَّ البقاء في بقعةٍ على أذى الكفار ليس بصوابٍ؛ بل الصَّواب أن يُتلمَّس عبادةُ الله في أرضه مع صالحي عباده؛ أي: إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها ، فهاجروا إلى المدينة؛ فإنهَّا واسعةٌ لإظهار التَّوحيد بها88]) كانوا ، وأين كانوا ، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر ، وأوسع ، وأطيب ، فإنهَّم بعد قليل صاروا حكَّام البلاد في سائر الأقطار ، والأمصار89]) رِّزْقـَهَا اللََُّّ يـَرْزُقـُهَا وَإِّيََّّكُمْ وَهُوَ السَّمِّيعُ الْعَلِّيمُ[60. ] كما ذكَّرهم تعالى: أنَّ كلَّ نفسٍ واجدةٌ مرارة الموت ، فقال جلَّ شلنه إِّلَيـْنَا تـُرْجَعُونَ[57. ] أي: واجدةٌ مرارته ، وكربه ، كما يجد الذَّائق طعم المذوق ،ومعناه: إنَّكم مي ِّتون ، فواصلون إلى الجزاء ، ومن كانت هذه عاقبته؛ لم يكن له بُـدٌّ من التزوُّد لها ، والاستعداد بجهده90 ]) ، وهذا تشجيعٌ للنَّفس على الهجرة؛ لأنَّ النَّفس إذا تيقَّنت بالموت؛ سهُلَ عليها مفارقةُ وطنها91.]) قال ابن كثير في الاية: أي: أينما كنتم يدرككم الموت ، فكونوا في طاعة الله ، وحيث أمركم الله؛ فهو خيرٌ لكم ، فإنَّ الموت لابدَّ منه ، ولا محيد عنه ، ثمَّ إلى الله المرجع والماب ، فمن كان مطيعاً له؛ جازاه
عدد الصفحات ٢٦أفضل الجزاء ، ووافاه أتمَّ الثَّواب92])تعا مِّنَ الجَْنَّةِّ غُرَفًا تجَْرِّي مِّنْ تحَْتِّهَا الأَنـْهَارُ خَالِّدِّينَ فِّيهَا نِّعْمَ أَجْرُ الْعَامِّلِّينَ * الَّذِّينَ صَبـَرُوا وَعَلَى رَبه ِِّّمْ يـَتـَوَكَّلُونَ [58 ـ59]ي: صبروا على دينهم ، وهاجروا إلى الله ، ونابزوا الأعداء ، وفارقوا الأهل ، والأقرباء؛ ابتغاء وجه الله ، ورجاء ما عنده ، وتصديق موعوده ، ولم يتوكَّلوا في جميع ذلك إلا على93.]) ثالثاً: طلائع المهاجرين لمَّا بايعتْ طلائعُ الخير ، ومواكبُ النُّور من أهل يثرب النَّبيَّ (ص) على الإسلام ، والد ِّفاع عنه؛ ثارت ثائرة المشركين ، فازدادوا إيذاءً للمسلمين ، فلذن النَّبيُّ (ص) للمسلمين بالهجرة إلى المدينة ، وكان المقصود من الهجرة إلى المدينة ، إقامة الدَّولة الإسلاميَّة؛ الَّتي تحمل الدَّعوة ، وتجاهد في سبيلها؛ حتََّّ لا تكون فتنةٌ ، ويكون الد ِّين كلُّه94]) الله عنها قالت: لمَّا صدر السَّبعون من عند رسول الله (ص) ؛ طابت نفسه ، وقد جعل الله له منعةً ، وقوماً أهل حربٍ ، وعدَّةٍ ، ونجدةٍ ، وجعل البلاء يشت دَّ على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج ، فضيَّقوا على أصحابه ، وتعبَّثوا95]) والأذى ، فشكا ذلك أصحابُ رسول الله (ص) واستلذنـوه في الهجرة ، فقال«قـد أُريت دار هجرتكم ، أريت سبخةً ذات نخلٍ ب ين لابتين ـ وهما الحرَّتان ـ ولو كانت السَّراة أرض نخلٍ ، وسباخٍ؛ لقلت: هي ، هي»[2297) والبيهقي في الدلائل2/459.. ]) ثمَّ مكث أيَّماً ، ثمَّ خرج إلى أصحابه مسروراً فقال«قد أخبرت بدار هجرتكم ، وهي يثرب ، فمن أراد الخروج فليخرج إليها »فجعل القوم يتَّجهون ، ويتوافقون ، ويتواسون ، ويخرجون ، ويخفون ذلك ، فكان أوَّلَ من قدم المدينة من أصحاب رسول الله (ص) ، أبو سلمة بن عبد الأسد ، ثمَّ قدم بعده عامر بن ربيعة ، معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة ، فهي أوَّل ظعينةٍ قدمت المدينة ، ثمَّ قدم أصحاب رسول الله ( ص) أرسالاً ، فنزلوا على الأنصار في دورهم ، فاووهم ، ونصروهم ، واسوهم ، وكان سالم مولى أبي حُذيفة ، يؤمُّ المهاجرين بقباء ، قبل أن يقدم النَّبيُّ (ص) ، فلمَّا خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة ، كَلِّبَتْ96])ن فتيانهم ، وكان نفرٌ من الأنصار بايعوا رسول الله (ص) في البيعة الاخرة ، ثمَّ رجعوا إلى المدينة ، فلمَّا قدم أوَّل مَنْ هاجر إلى قُباء؛ خرجوا إلى رسول الله (ص) بَّكَّة ، حتََّّ قدموا مع أصحابه في الهجرة ، فهم مهاجرون
عدد الصفحات ٢٧أنصاريُّون ، وهم: ذكوان بن عبد قيس ، وعقبة بن وهب بن كلدة ، والعباس بن عبادة بن نضلة ، وزيَّد بن لبيد ، وخرج المسلمون جميعاً إلى المدينة ، فلم يبقَ بَّكَّة فيهم إلا رسول الله (ص) ، وأبو بكر ، وعليٌّ ، أو مفتونٌ ، أو مريضٌ ، أو ضعيفٌ عن الخروج 1/325. ]) رابعاً: من أساليب قريش في محاربة اهاجرين ، ومن مشاهد العظمة في الهجرة: عملت قيادة قريش مافي وسعها للحيلولة دون خروج من بقي من المسلمين إلى المدينة ، واتَّبعت في ذلك عدَّة أساليب؛ منها: 1 ـ أسلوب التَّفريق بين الرَّجل ، وزوجه ، وولده ونتّك أمَّ المؤمنين أمَّ سلمة ، هند بنت أبي أميَّة تحد ِّ ثنا عن روائع الإيمان ، وقوَّة اليقين في هجرتها ، وهجرة زوجها أبي سلمة. قالت رضي الله عنها: «لما أَجمَْعَ أبو سلمة الخروجَ إلى المدينة ، رَحَل لي بعيرَهُ ، ثمَّ حملني عليه ، وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري ، ثمَّ خرج بي يقود بعيرَه ، فلمَّا رأته رجا ل بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ قاموا إليه ، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها ، أرأيت صاحبتنا هذه ، علامَ نتّكك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده ، فلخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد ، رهط أبي سلمة ، فقالوا: لا والله ، لا نتّك ابننا عندها؛ إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا بُنيَّ سلمة بينهم ، حتََّّ خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبد الأسد ، وحبسني بنو المغيرة عندهم ، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففُر ِّق بيني ، وبين زوجي ، وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كلَّ غداةٍ ، فلجلس بالأبطح ، فما أزال أبكي حتََّّ أُمسي ، سنةً ، أو قريباً منها؛ حتََّّ مرَّ بي رجلٌ من بني عم ِّي ـ أحدُ بني المغيرة ـ فرأى ما بي ، فرحمني ، فقال لبني المغيرة: ألا تخُرْجون هذه المسكينة؛ فرَّقتم بينها وبين زوجها ، وبين ولدها؟! قالت: فقالوا لي: الحقي بزو جك إن شئتِّ. قالت: وردَّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني. قالت: فارتحلتُ بعيري ، ثمَّ أخذت ابني ، فوضعته في حِّجري ، ثمَّ خرجت أريد زوجي بالمدينة ، وما معي أحدٌ من خَلْق الله.
عدد الصفحات ٢٨قالت: فقلت: أتبلَّغ بَّن لقيت حتََّّ أقدم على زوجي ، حتََّّ إذا كنت بالتـَّنْعيم ، لق يتُ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، أخا بني عبد الدَّار. فقال لي: إلى أين يَّ بنت أبي أميَّة؟! قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أو ما معك أحد؟ قالت: فقلت: لا والله! إلا الله ، وبـُنيََّ هذا. قال: والله ما لكِّ من مَتّْك. فلخذ بخطام البعير ، فانطلق معي يـَهْوِّي بي ، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ أرى أنَّه كان أكرم منه ، كان إذا بلغ المنزل؛ أناخ بي ، ثمَّ استلخر عني ِّ ، حتََّّ إذا نزلت استلخر ببعيري ، فحطَّ عنه ، ثمَّ قيَّده في الشَّجرة ، ثمَّ تنحَّى عني ِّ إلى شجرة ، فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرَّواح؛ قام إلى بعيري ، فقدَّمه ، فرحَّله ، ثمَّ استلخر عني ِّ ، وقال: اركبي ، فإذا ركبتُ ، واستويت على بعيري؛ أتى فلخذ بخطامه ، فقاده حتََّّ ينزل بي ، فلم يزل يصنع ذلك بي حتَّ أقْدَمني المدينة فلمَّا نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقُباء ، قال: زوجك في هذه القرية ـ وكان أبو سلمة بها نازلاً ـ فادْخُليها على بركة الله ، ثمَّ انصرف راجعاً إلى مكَّة. قال: فكانت تقول: والله! ما أعلم أهل بيتٍ في الإسلام أصابهم ما أصاب ال أبي سلمة ، وما رأيت صاحباً قطُّ كان أكرم من عثمان بن طلحة»[2/112 ـ113([])97. ]) فهذا مثل على الطُّرق القاسية ، الَّتي سلكتها قريشٌ؛ لتحول بين أبي سلمة والهجرة ، فرجلٌ يفرَّق بينه وبين زوجه عَنـْوَةً ، وبينه وبين فلذة كبده على مرأىً منه ، كلُّ ذلك من أجل أن يثنوه عن الهجرة ، ولكنْ متَّ تمكَّن الإيمان من القلب؛ استحال أن يقد ِّم صاحبه على الإسلام والإيمان شيئ اً ، حتََّّ لو كان ذلك الشَّيء ، فلذة كبده ، أو شريكة حياته ، لذا انطلق أبو سلمة رضي الله عنه إلى المدينة ، لا يلوي على أحدٍ ، وفشل معه هذا الأسلوب ، وللدُّعاة إلى الله فيه أسوةٌ98.]) وهكذا أثـَرُ الإيمان حين يخالط بشاشة القلوب ، فهذه أسرةٌ فـُر ِّق شَلُها ، وامرأةٌ تبكي شدَّة مصابها ، وطفلٌ خُلعت يده ، وحُرِّم من أبويه ، وزوج ، وأبٌ يسج ِّل أروع صور التَّضحية ، والتَّجرد؛ ليكون أوَّل مهاجِّرٍ يصل أرض الهجرة ، محتسبين في سبيل الله ما يلقون ، مصم ِّمين على المضي ِّ في طريق الإيمان ، والانحياز إلى كتيبة الهدى ، فماذ ا عسى أن ينال الكفر ، وصناديده من أمثال هؤلاء؟!
عدد الصفحات ٢٩وأمَّا صنيع عثمان بن طلحة رضي الله عنه ، فقد كان يومئذ كافراً«وأسلم قبل الفتح»، ومع ذلك تشهَدُ له أمُّ سلمة رضي الله عنها بكرم الصُّحْبةِّ ، وذلك شاهد صدقٍ على نفاسة هذا المعدن ، وكمال مروءته ، وحمايته للضَّ عيف99]) شريفةً ، تسير وحدها في هذهِّ الصَّحراء الموحشة ، وإن كانت على غير دينه ، وهو يعلم أنهَّا بهجرتها تراغمه ، وأمثاله من كفَّار قريش. فلين من هذه الأخلاق ـ يَّ قومي المسلمين! ـ أخلاق الحضا رة في القرن العشرين؛ من سطوٍ على الحر ِّيَّت ، واغتصابٍ للأعراض؛ بل وعلى قارعة الطَّريق ، وما تطالعنا به الصَّحافة كلَّ يومٍ من أحداثٍ يندى لها جبين الإنسانيَّة؛ مِّن تـَفَنُّنٍ في وسـائل الاغتصـاب ، وانتهاك الأعراض ، والسَّطو على الأموال!. إنَّ هذه القصة ـ وله ا مُثُلٌ ونظائر ـ لتشهدُ أنَّ ما كان للعرب من رصيدٍ من الفضائل كان أكثر من مثالبهم ، ورذائلهم ، فَمِّنْ ثمَّ اختار الله منهم خاتم أنبيائه ورسله (ص) ، وكانوا أهلاً لحمل الر ِّسالة ، وتبليغها للنَّاس كافَّةً100.]) وتظهر عناية الله تعالى بأوليائه ، وتسخيرهم ، فهو ـ جلَّ وعلا ـ الَّذي سخَّر قلب عثمان بن طلحة للعناية بأم ِّ سلمة، ولذلك بذل الجهد ، والوقت من أجلها 101]) بن طلحة؛ الَّتي قادته أخيراً إلى الإسلام بعد صلح الحديبية ، ولعلَّ إضاءة قلبه بدأت منذ تلك الر ِّحلة في مصاحبته لأم ِّ سلمة رضي الله عنها102.]) 2 ـ أسلوب الاختطاف لم تكتفِّ قيادة قريش بالمسلمين داخل مكَّة بَّنعهم من الهجرة ، بل تعدَّت ذلك إلى محاولة إرجاع من دخل المدينة مهاجراً ، فقامت بتنفيذ عملية اختطاف أحد المهاجرين ، ولقد نجحت هذه المحاولة ، وتمَّ اختطاف أحد المهاجرين من المدينة ، وأعيد إلى مكَّة103]) يحد ِّثنا بها عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ، حيث قال: اتَّعدتُّ لما أردنا الهجرة إلى المدينة ، أنا ، وعيَّاش بن أبي ربيعة ، وهشام بن العاص بن وائل السَّهمي التَّناضِّبَ104]) أضَاة105]) غفارٍ ، فوق سَرِّف106]) قال: فلصبحت أنا ، وعياش بن أبي ربيعة عند التَّناضِّب ، وحُبِّس عنَّا هشام ، وفُتن ، فافت107.])
عدد الصفحات ٣٠فلمَّا قدمنا المدينة؛ نزلنا في بني عمرو بن عوف بقُباء ،وخرج أبو جهل بن هشام ، والحارث بن هشام ، إلى عيَّاش بن أبي ربيعة ، وكان ابن عم ِّهما ، وأخاهما لأم ِّهما ، حتََّّ قدما علينا المدينة ، ورسول الله (ص) بَّكَّة ، فكلَّماه ، وقالا: إنَّ أمَّك قد نذرت ألا يمسَّ رأسها مشطٌ حتََّّ تراك ، ولا تستظلَّ من شَسٍ حتََّّ ترا ك ، فرقَّ لها ، فقلت له: عيَّاش ، إنَّه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك ، فاحذرهم ، فوالله لو قد اذى أمَّك القملُ ، لامتشطت ، ولو قد اشتدَّ عليها حرُّ مكة لاستظلَّت. قال: أبرُّ قسم أم ِّي ، ولي هناك مالٌ ، فاخذه. قال: فقلت: والله إنك لتعلم أني ِّ لَ مِّنْ أكثر قريشٍ مالاً ، فلك نصفُ مالي ، ولا تذهب معهما ، قال: فلبى عليَّ إلا أن يخرج معهما ، فلمَّا أبى إلا ذلك ، قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت؛ فخذ ناقتي هذه ، فإنها ناقةٌ نجيبةٌ ذلول108]) عليها معهما ، حتََّّ إذا كانوا ببعض الطريق ، قال له أبو جهل: يَّ أخي ، والله! لقد استغلظتُ بعيري هذا ، أفلا تـُعْقِّب 109]) وأناخ ، ليتحوَّل عليها ، فلما استـَوَوْا بالأرض ، عدوا عليه ، فلوثقاه ، ثمَّ دخلا به مكَّة ،وفتناه ، فافت110.]) قال: فكنَّا نقول: ما الله بقابل ممَّن افتتن صَرفاً ، ولا عدلاً ، ولا توبةً ، قوم عرفوا الله ، ثمَّ رجعوا إ الكفر لبلاءٍ أصابهم! قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم ، فلمَّا قدم رسول الله (ص) المدينة؛ أنزل الله تعالى فيهم ، وفي قولنا ، وقولهم لأنفسهم اللََِّّّ إِّنَّ اللَََّّ يـَغْفِّرُ الذُّنُوبَ جمَِّيعًا إِّنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِّيمُ *وَأَنِّيبُوا إِّلىَ رَب ِّكُمْ وَأَسْلِّمُ وا لَهُ مِّنْ قـَبْلِّ أَنْ يأَْ تِّيَكُمُ الْعَذَابُ ثمَُّ لاَ تـُنْصَرُونَ *وَاتَّبِّعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِّلَ إِّلَيْكُمْ مِّنْ رَب ِّكُمْ مِّنْ قـَبْلِّ أَنْ يأَْتِّيَكُمُ الْعَذَابُ بـَغْتَةً وَأَنـْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ[53 ـ55. ] قال عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: فكتبتها بيدي في صحيفةٍ ، وبعثت بها إلى هشام بن العاص ، قال: فقال هشام: فلمَّا أتتني؛ جعلت أقرؤها بذي طَوَى111]) أفهمها ، حتََّّ قلت: اللهمَّ فه ِّمنيها ، قال: فللقى الله تعالى في قلبي أنهَّا إنمَّا أنزلت فينا ، وفيما كنا نقول في أنفسنا ، ويُقال: فينا ، قال: فرجعت إلى بعيري ، فجلست عليه ، فلحقت برسول الله (ص) ، وهو بالمدينة1746) والبيهقي في الدلائل2/461 ـ462) ومجمع الزوائد6/61([])112. ])
عدد الصفحات ٣١هذه الحادثة تظهر لنا كيف أعدَّ عمر رضي الله عنه خطَّة الهجرة له ، ولصاحبيه عيَّاش بن أ ربيعة ، وهشام بن العاص بن وائل السَّهمي ِّ ، وكان ثلاثتهم كلُّ واحدٍ من قبيلةٍ ، وكان مكان الل ِّقاء الَّذي اتـَّعَدوا فيه بعيداً عن مكَّة ، وخارج الحرم ، على طريق المدينة ، ولقد تحدَّد الزمان ، والمكان بالضَّبط؛ بحيث إنَّه إذا تخلف أحدهم؛ فليمضِّ صاحباه ، ولا ينتظرانه؛ لأنَّه قد حُبس ، وكما توقعوا ، فقد حبس هشام بن العاص رضي الله عنه ، بينما مضى عمر ، وعيَّاش بهجرتهما ، ونجحت الخطَّة كاملة ، ووصلا المدينة سَالِّمَينْ113.]) إلا أنَّ قريشاً صمَّمت على متابعة المهاجرين ، ولذلك أعدَّت خطَّةً محكمةً ، قام بتنفيذها أبو جهل ، والحارث ، وهما أَخَوَا عياش من أم ِّه ، الأمر الذي جعل عياشاً يطمئنُّ لهما ، وبخاصَّةٍ إذا كان الأمر يتعلَّق بأم ِّه ، فاختلق أبو جهل هذه الحيلة؛ لعلمه بَّدى شفقة ورحمة عيَّاش بأم ِّه ، والَّذي ظهر جلي اً عندما أظهر موافقته على العودة معهما ، كما تُظهر الحادثة الحسَّ الأمني الرَّفيع؛ الَّذي كان يتمتَّع به عمر رضي الله عنه؛ حيث صدقت فراسته في أمر الاختطاف114.]) كما يظهر المستوى العظيم من الأخوَّة التي بناها الإسلام في هذه النُّفوس؛ فعمر يضح ِّي بنصف ماله حرصاً على سلامة أخيه ، وخوفاً عليه من أن يفتنه المشركون بعد عودته ، ولكن غلبت عياشاً عاطفتُه نحو أم ِّه ، وبر ِّه بها؛ ولذلك قرَّر أن يمضي لمكَّة فيبرَّ قسم أم ِّه ، ويأتي بَّاله من هناك ، وتأبى عليه عفَّته أن يأخذ نصف مال أخيه عمر رضي الله عنه ، وماله قائم في مكَّة لم يمُسَّ ، غير أنَّ أفق عمر رضي الله عنه كان أبعد ، فكلنه يرى رأي العين ، المصير المشؤوم ، الَّذي سينزل بعياشٍ لو عاد إلى مكَّة ، وحين عجز عن إقناعه؛ أعطاه ناقته الذَّلول النَّجيبة ، وحدث لعياش ما توقَّعه عمر من غدر المشركين به115.]) وساد في الصف ِّ المسلم: أنَّ الله تعالى لا يقبل صرفاً ، و لا عدلاً ، من هؤلاء الذين فُتِّنوا ، فافتتنوا ، وتعايشوا مع المجتمع الجاهلي ِّ ، فنزل قول الله تعاا مِّنْ رَحمَْةِّ ا ، فبعث بهذه الاية إلى أخَوَيه الحميمين عيَّاش ، وهشام؛ ليجد ِّدوا محاولاتهما في مغادرة معسكر الكفر .. أيُّ سمو ٍ عظيمٍ عند ابن الخطَّاب رضي الله عنه؟! لقد حاول مع أخيه عياش ، أعطاه نصف ماله على ألاَّ يغادر المدينة ، وأعطاه ناقته ليفرَّ عليها ، ومع هذا كل ِّه ، فلم يشمت بأخيه ، ولم يـَتَشَفَّ منه لأنَّه خالفه ، ورفض
عدد الصفحات ٣٢نصيحته ، وألقى برأيه خلف ظهره؛ إنمَّا كان شعور الحب ِّ ، والوفاء لأخيه هو الَّذي يسيطر عليه ، فما إن نزلت الاية ، حتََّّ سارع ببعثها إلى أخويه في مكَّة ، ولكل ِّ المستضعفين هناك؛ ليقوموا بَّحاولاتٍ جديدةٍ للانضمام إلى المعسكر الإسلامي116.]) 3 ـ أسلوب الحبس لجلت قريش إلى الحبس كلسلوبٍ لمنع الهجرة ، فكلُّ من تقبض عليه ، وهو يحاول الهجرة كانت تقوم بحبسه داخل أحد البيوت مع وضع يديه ، ورجليه في القيد ، وتفرض عليه رقابةً ، وحراسةً مشدَّدةً حتََّّ لا يتمكَّ ن من الهرب ، وأحياناً يكون الحبس داخل حائطٍ بدون سقف ، كما فُعل مع عيَّاش ، وهشام بن العاص رضي الله عنهما ، حيث كانا محبوسَينْ في بيتٍ لا سَقف له117]) جبليَّةٍ شديدة الحرارة مثل مكَّة. فقيادة قريش تريد بذلك تحقيق هدفين؛ أوَّلهما: منع المحبوسين من الهجرة ، والاخر: أن يكون هذا الحبس درساً وعِّظَةً ، لكل ِّ مَنْ يحاول الهجرة من أولئك الَّذين يفك ِّرون بها ممَّن بقي من المسلمين بَّكَّة ، ولكن لم يمنع هذا الأسلوب المسلمين من الخروج إلى ا لمدينة المنَّورة ، فقد كان بعض المسلمين محبوسين في مكَّة؛ مثل عيَّاش ، وهشام رضي الله عنهما، ولكنَّهما تمكَّنا من الخروج، واستقر ا بالمدينة118.]) كان النَّبيُّ (ص) بعد هجرته يقْنُتُ ، ويدعو للمستضعفين في مكَّة عامَّةً ، ولبعضهم بأسمائهم خاصَّةً ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ (ص) كان إذا رفع رأسه من الرَّكعة الأخيرة؛ يقول: «اللَّهم أَنْج عيَّاش بن أبي ربيعة ، اللَّهمَّ أنج سَلَمَةَ بن هشام ، اللَّهم أنج الوليدَ بن الوليد ، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ، اللَّهم اشْدُدْ وطلتك على مُضَر ، اللهم اجعلها سنينَ كسِّنيِّ يوسفَ »[1006 ) وأحمد2/418. ]) ولم يتّك المسلمون أمر اختطاف عيَّاش؛ فقد ندب الرَّسول (ص) أحد أصحابه ، وفعلاً استعدَّ للمهمَّة ، ورتَّب لها ما يحق ِّق نجاحها ، وذهب إلى مكَّة ، واستطاع بكل ِّ اقتدارٍ ، وذكاءٍ ، أن يصل إلى البي ت الَّذي حُبسا فيه ، وفكَّ قيدهما ، ورجع بهما إلى المدينة المنوَّرة 119.]) 4 ـ أسلوب التَّجريد من المال
عدد الصفحات ٣٣