الفصل الخامس الطَّواف على القبائل ، وهجرة الصَّحابة إلى المدينة المبحث الأوَّل الطَّواف على القبائل طلباً للنُّصرة بعد رجوعه (ص) من الطَّائف بدأ يعرض نفسه على القبائل في المواسم ، يشرح لهم الإسلام ، ويطلب منهم الإيواء ، والنُّصرة ، حتََّّ يبل ِّغ كلام الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وكان رسول الله (ص) يتحرَّك في المواسم الت ِّجارية ، ومواسم الحج ِّ الَّتي تجتمع فيها القبائل وَفْق خطَّةٍ سياسيَّةٍ دعويَّةٍ واضحة المعالم ، ومحدَّدة الأهداف ، وكان يصاحبه أبو بكر الص ِّد ِّيق؛ الرَّجل الَّذي تخصَّص في معرفة أنساب العرب ، وتاريخها ، وكانا يقصدان «غُرَر النَّاس ، ووجوه القبائل ، وكان أبو بكر رضي عنه ، يسلل وجوه القبائل ، ويقول لهم: كيف العدد فيكم؟ وكيف المنعة فيكم؟ وكيف الحرب فيكم؟ وذلك قبل أن يتحدَّث رسولُ الله (ص) ، ويعرض دعوته[»1.]) يقول المقريزي «ثمَّ عرض (ص) نفسه على القبائل أيََّّم المواسم ، ودعاهم إلى الإسلام ، وهم بنو عامر ، وغسَّان ، وبنو فـَزَارة ، وبنو مرَّة ، وبنو حنيفة ، وبنو سليم ، وبنو عبس ، وبنو نصر ، وثعلبة بن عكابة ، وكندة وكلب ، وبنو الحارث بن كعب ، وبنو عذرة ، وقيس بن الخطيم ، وأبو اليسر أنس بن أبي رافع »وقد استقصى الواقديُّ أخبار هذه القبائل قبيلةً قبيلةً ، ويقال: إنَّه (ص بدأ بكندة ، فدعاهم إلى الإسلام ، ثمَّ أتى كلباً ، ثمَّ بني حنيفة ، ثمَّ بني عامر ، وجعل يقول: «مَنْ رجلٌ يحملني إ قومه ، فيمنعني؛ حتََّّ أبلغ رسالة ربي ِّ؛ فإنَّ قريشاً قد منعوني أن أبل ِّغ رسالة ربي ِّ؟ »هذا وأبو لهب وراءه يقول للنَّاس: لا تسمعوا منه؛ فإنَّ ه كذاب »[3/492 ،493) وابن هشام 2/64 ـ 65([]2. ]) وقد تعرَّض (ص) للأذى العظيم ، فقد روى التّ ِّمذيُّ عن جابرٍ رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ (ص يعرض نفسه بالموقف ، فيقول: «ألا رجلٌ يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبل ِّغ كلام ر» [اود4734) والتّمذي2925) وابن ماجه201) وأحمد3/390]) تردُّده على القبائل يدعوهم ، فيردُّون عليه أقبح الرَّد ِّ ، ويؤذونه ، ويقولون: قومه أعلم به ، وكيف
عدد الصفحات ٢يُصلحنا مَنْ أفسد قومه؟! فلفظوه 3])أوساط الحجَّاج تجد رواجاً ، وقبولاً؛ مثل: الصابأى ، وغلام بني هاشم الَّذي يزعم: أنَّه رسول ، وغير ذلك ، ولا شكَّ: أن هذا كان ممَّا يحزُّ في نفس الرَّسول (ص) ، ويضاعف ألم التَّكذيب ، وعدم الاستجابة4.]) ولم يقتصر الأذى على ذلك ، بل واجه الرَّسول (ص) ما هوأشدُّ ، وأقسى ، فقد روى البخاريُّ في تاريخه ، والطَّبرانيُّ في الكبير عن مدرك بن منيب أيضاً ، عن أبيه عن جد ِّه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله (ص) في الجاهليَّة ، وهو يقول: «يَّ أيها النَّاس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا »، فمنهم من تفلَ في وجهه ، ومنهم من حثا عليه التُّّاب ، ومنهم من سبَّه؛ حتََّّ انتصف النَّهار ، فلقبلت جاريةٌ بِّعُس ٍ من ماءٍ ، فغسل وجهه ، ويديه ، وقال: «يَّ بنية ! لا تخَْشَيْ على أبيك غلبةً ، ولا ذلَّةً »! فقلت: من هذه ؟ قالوا: زينب بنت رسول الله (ص) ، وهي جاريةٌ وضيئةٌيخ الكبير (4/2/14) والطبراني في المعجم الكب20/342) ومجمع الزوائد6/21([])5. ]) وقد كان أبو جهل ، وأبو لهب ـ لعنهما الله ـ يتناوبان على أذيَّة رسول الله (ص) عندما يدعو الأسواق ، والمواسم ، وكان يجد منهما عنتاً كبيراً إضافةً إلى ما يلحقه من المدعو ِّين أنفسهم6.]) أولاً: من أساليب النَّبي ِّ (ص) في الرد ِّ على مكائد أبي جهلٍ ، والمشركين في أثناء الطَّواف على القبائل 1 ـ مقابلة القبائل في اللَّيل فكان (ص) من حكمته العالية يخرج لمقابلة القبائل في ظلام اللَّيل؛ حتََّّ لا يحول بينه وبينهم أحدٌ من المشرك (7]) قريشٌ ، كلَّما اتَّصل الرَّسول (ص) بقبيلةٍ من القبائل ، والدَّليل على نجاح هذا الأسلوب المضاد ِّ ، ات ِّصال الرَّسول (ص) بالأوس ، والخزرج ليلاً ، وَمِّنْ ثمَّ كانت العقبة الأولى ، والثَّانية ليلاً8.]) 2 ـ ذهاب الرَّسول (ص) إلى القبائل في منازلهم فقد أتى كلباً ، وبني حنيفة ، وبني عامر في منازلهم9]) فيستطيع أن يتفاوض مع القبائل بالطَّريقة المناسبة ، دونما تشويشٍ ، أو تشويهٍ من قريش 3 ـ اصطحاب الأعوان: كان أبو بكر ، وعليٌّ رضي الله عنهما يرافقان الرَّسول (ص) في بعض مفاوضاته ، مع بعض القبائل ، وربََّّا كانت هذه الرُّفقة لأجل ألا يظنَّ المدعوُّون: أنَّه وحيدٌ ، ولا أعوان له من أشراف قومه، وأقاربه،
عدد الصفحات ٣هذا إلى جانب معرفة أبي بكرٍ رضي الله عنه بأنساب العرب 10]) (ص) في التَّعرُّف على معادن القبائل ، فيقع الاختيار على أفضلها؛ لتحمل تَبِّعَات الدَّعوة 4 ـ التلكُّد من حماية القبيلة ومن الجوانب الأمنيَّة المهمَّة ، سؤاله (ص) عن المنعة ، والقوَّة لدى القبائل ، قبل أن يوج ِّه إ ليهم الدَّعوة ، ويطلب منهم الحماية ، فقوَّة ، ومنعةُ القبيلة الَّتي تحمي الدَّعوة شيءٌ ضروريٌّ ، ومهمٌّ لابدَّ منه؛ لأنَّ هذه القبيلة ستواجه كلَّ قوى الشَّر ِّ ، والباطل ، فلابدَّ أن تكون أهلاً لهذا الدَّور ، من حيث الاستعداد المعنوي ِّ والماد ِّي ِّ؛ الَّذي ي رهب الأعداء ، ويحمي حمى الدَّعوة ، ويتحمَّل تبعات نشرها ، مزيلاً لكل ِّ العقبات؛ التي تقف في طريقها 11.]) ثانياً: المفاوضات مع بني عامر اختار الرَّسول (ص) أن يجُري مفاوضاتٍ مع بني عامرٍ ، وقامت تلك المفاوضات على دراسةٍ ، وتخطيطٍ ، فالرَّسول (ص) ، وصاحبه أ بو بكر ، كانا يعلمان: أنَّ بني عامر قبيلةٌ مقاتلةٌ كبيرةُ العدد ، وعزيزةُ الجانب؛ بل هي من القبائل الخمس الَّتي لم يمسَّها سِّبَاءٌ 12]) إتاوة ، مثلها مثل قريش ، وخزاعة 13]) قديماً بين بني عامرٍ ، وثقيف ، فإذا كانت ثقيف امتنعت عليه من الدَّاخل ، فلماذا لا يحاول أيضاً تطويقها من الخارج ، والاستفادة في ذلك من بني عامر بن صعصعة ، فإذا استطاع النَّبيُّ (ص) أن يبرم حلفاً مع بني عامر؛ فإنَّ موقف ثقيفٍ سيكون على حافة الخطر 14.]) يذكر أصحاب الس ِّيرة: أنَّ الرَّسول (ص) لمَّا أتى بني عامر بـن صعصعـة ، فدعا إلى الله ، وعرض عليهم نفسه ، قال له رجلٌ منهم يقال له: بـَيْحَرَة بن فِّراس: والله! لو أني أخذت هذا الفتَّ من قريش ، لأكلت به العرب ، ثمَّ قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ، ثمَّ أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمرُ لله يضعه حيث يشاء ، فقال له: أَفـَتـُهْدَفُ نحورنا للعرب دونَك ، فإذا أظهرك الله: كان الأمر لغيرنا؟! لا حاجة لنا بأمرك! فلبوا عليه 2/66) وأبو نعيم في الدلائل (215) والطبري في تاريخه2/350 ـ351) وابن سعد مختصراً1/216. ]) ثالثاً: المفاوضات مع بني شيبان ففي رواية علي ِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: لمَّا أمر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ نبيَّه (ص) أن يعرض نفسه على قبائل العرب؛ خرج ، وأنا معه... إلى أن قال: ثمَّ دفعنا إلى مجلس اخر ، عليه السَّ كينة ، والوقار ،
عدد الصفحات ٤فتقدَّم أبو بكر ، فسلَّم ، فقال: مَنِّ القوم؟ قالوا: شيبان بن ثعلبة ، فالتفت أبو بكر إلى رسول (ص) ، وقال: بأبي ، وأمي! هؤلاء غُرَر النَّاس ، وفيهم مفروقٌ قد غلبهم لساناً وجمالاً ، وكانت له غديرتان تسقطان على تَرِّيَبتـَيْه ، وكان أدنى القوم مجلساً من أبي بكرٍ ، فقال أبو بكر: كيف العَدَدُ فيكم؟ فقال مفروق: إناَّ لنزيد على الألف ، ولن تُغلب ألفٌ من قلَّة. فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مفروقٌ: إنا لأشدُّ ما نكون غضباً حين نلقى ، وأشدُّ ما نكون لقاءً حين نغضب ، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد ، والس ِّلاح على الل ِّقاح ، والنَّصر من عند الله يديلنا مرَّةً ، ويديل علينا أخرى ، لعلَّك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم: أنَّه رسول الله (ص) ، فها هو ذا. فقال مفروق: إلامَ تدعونا يَّ أخا قريش؟! فقال رسول الله (ص) : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأني ِّ عبد الله ورسوله ، وإلى أن تؤوُوني ، وتنصروني؛ فإنَّ قريشاً قد تظاهرت على الله ، وكذَّبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ِّ ، والله هو الغنيُّ الحميد ، فقال مفروق: وإلامَ تدعو أيضاً يَّ أخا قريش! فوالله ما سمعت كلاماً أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله (ص وَباِّلْوَالِّدَيْنِّ إِّحْسَاناً وَلاَ تـَقْتـُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إِّمْلاَقٍ نحَْنُ نـَرْزُقُكُمْ وَإِّيََّّهُمْ وَلاَ تـَقْرَبُوا الْفَوَاحِّشَ مَ ا ظَهَرَ مِّنـْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تـَقْتـُلُوا النـَّفْسَ الَّتيِّ حَرَّمَ اللََُّّ إِّلاَّ باِّلحَْق ِّ ذَلِّكُمْ وَصَّاكُمْ بِّهِّ لَعَلَّكُمْ تـَعْقِّ لُونَ[151 ] . قال مفروق: دعوت والله! إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفِّك قومٌ كذَّبوك ، وظاهروا عليك ، ثمَّ ردَّ الأمر إلى هانأى بن قبيصة ، فقال: وهذا هانأى ، شيخنا ، وصاحب ديننا ، فقال هانأى: قد سمعتُ مقالتك يَّ أخا قريش! وإنى ِّ أرى تركنا ديننا ، وات ِّباعنا د ينك لمجلس جلست إلينا لا أوَّل له ، ولا اخر لذلٌّ في الرَّأي ، وقلَّةُ نظرٍ في العاقبة؛ إنَّ الزَّلَّة مع العجلة ، وإناَّ نكره أن نعقِّد على مَنْ وراءنا عقداً ، ولكن نرجع ، وترجع ، وننظر ، ثمَّ كلنَّه أحبَّ أن يشركه المثنََّّ بن حارثة ، فقال: وهذا المثنََّّ ، شيخنا ، وصاحب حربنا ، فقال المثنََّّ ـ وأسلم بعد ذلك ـ: قد سمعت مقالتك يَّ أخا قريش! والجواب فيه جواب هانأى بن قبيصة في تركنا ديننا ، ومتابعتنا دينك ، وإناَّ إنمَّا نزلنا بين صريين؛ أحدهما: اليمامة ، والاخر: السَّمامة ، فقال له رسول الله (ص) : ما هذان الصَّر يَّن؟ قال: أنهار كسرى ، ومياه العرب ، فلمَّا ما كان من أنهار كسرى ، فذنبٌ صاحبه غير مغفورٍ ، وعذره غير مقبولٍ ، وإناَّ إنما نزلنا على عهدٍ أخذه علينا كسرى ، ألا نحدث حدثاً ، ولا نُؤوي محُدثاً ، وإني ِّ أرى هذا الأمر الَّذي
عدد الصفحات ٥تدعونا إليه يَّ أخا قريش! مما تكره ا لملوك ، فإن أحببت أن نُؤويك وننصرك ممَّا يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله (ص) : ما أسلتم في الرد ِّ إذ أفصحتم بالص ِّدق ، وإنَّ دين الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه ، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتََّّ يور ِّثكم الله تعالى أرضهم ، وديَّرهم ، ويفرشكم نساءهم ، أتسب ِّحون الله وتقد ِّسونه؟ فقال النُّعمان بن شريك: اللَّهمَّ فلك ذاك دلائل النبوة (214([])15. ]) رابعاً: فوائد ، ودروس ، وع كانت النُّصرة الَّتي طلبها النَّبيُّ (ص) ذات صفةٍ مخصوصةٍ ، وذلك على النَّحو التالي: 1 ـ طلب الرَّسول (ص) للنُّصرة من خارج مكَّة إنمَّا بدأ ينشط بشكلٍ ملحوظٍ بعد أن اشتدَّ الأذى عليه عَقِّبَ وفاة عم ِّه أبي طالب؛ الَّذي كان يحميه من قريش ، وذلك لأنَّ مَنْ يحمل الدَّعوة ، لن يستطيع أن يتحرَّك التَّحرُّك الفعَّال لأجلها ، وتوفير الاستجابة لها ، في جو ٍ من العنف ، والضَّغط ، والإرهاب. 2 ـ كان عرض الرَّسول (ص) نفسه على القبائل يطلب منهم النُّصرة ، إنمَّا هو بأمرٍ من الله ـ عزَّ وجلَّ ـ له في ذلك ، وليس مجرَّد اجتهادٍ مِّنْ قِّبَلِّ نفسه ، اقتضته الظُّروف؛ الَّتي وصلت إليها الدَّعوة في مكَّة. 3 ـ حصررسول الله (ص) طلب النُّصرة في زعماء القبائل ، وذوي الشَّرف ، والمكانة ممَّن لهم أتباعٌ يسمعون لهم ، ويُطيعون؛ لأنَّ هؤلاء هم القادرون على توفير الحماية للدَّعوة ، وصاحبها. 4 ـ يلاحظ في سيرة النَّبي ِّ (ص) ، بخصوص طلب النُّصرة: أنَّه كان يطلبها لأمرين اثن أ ـ كان يطلبُ النُّصرة من أجل حماية تبليغ الدَّعوة؛ حتََّّ تسير بين الناس محميَّة الجانب ، بعيدةً عن الإساءة إليها ، وإلى أتباعها. ب ـ كان يطلب النُّصرة ، من أجل أن يتسلَّم النَّبيُّ (ص) مقاليد الحكم ، والسُّلطان على أساس تلك الدَّعوة ، وهذا ترتيبٌ طبيعيٌّ للأمور. 5 ـ رفض النَّبيُّ (ص) أن يعطي القوى المستعدة لتقديم نُصرتها أيَّة ضماناتٍ ، بأن يكون لأشخاصهم شيءٌ من الحكم ، والسُّلطان على سبيل الثَّمن ، أو المكافلة لما يقد ِّمونه من نُصرةٍ ، وتأييدٍ للدَّعوة الإسلاميَّة؛ وذلك لأنَّ الدَّعوة الإسلاميَّة إنمَّا هي دعوةٌ إلى الله ، فالشَّرط الأساسيُّ فيمن يؤمن بها ، ويستعدُّ لنصرتها أن يكون الإخلاص لله ، ونشدان رضاه هما الغاية الَّتي يسعى إليها من النُّصرة والتَّضحية ، وليس طمعاً في نفوذٍ ، أو رغبةٍ في سلطانٍ ، وذلك لأنَّ الغاية التي يضعها الإنسان للشَّيء هي الَّتي تكي ِّف نشاط الإنسان في السَّعي إليه ، فلابدَّ ـ إذاً ـ أن تتجرَّد الغاية المستهدفة من وراء نُصرة
عدد الصفحات ٦الدَّعوة عن أي ِّ مصلحةٍ ماد ِّيَّةٍ لضمان دوام التلييد لها ، وضمان المحافظة عليها من أي ِّ انحرافٍ ، وضمان أقصى ما يمكن من بذل الدَّعم لها، وتقديم التَّضحيات في سبيلها16]) من يريد أن يلتزم بالجماعة؛ الَّتي تدعو إلى الله ألا يشتّط عليها منصباً ، أو عرضاً من أعراض الدُّنيا؛ لأنَّ هذه الدَّعوة لله ، والأمر لله يضعه حيث يشاء ، والدَّاخل في أمر الدَّعوة إنمَّا يريد ابتداءً وجه الله ، والعمل من أجل ر فع رايته ، أمَّا إذا كان المنصب هو همََّه الشَّاغل؛ فهذه علامةٌ خطيرةٌ ، تنبلى عن دَخَنٍ في نيَّة صاحبها 17])«لا يفلح مَنْ شَََمْتَ منه رائحة الر ِّيَّسة[»18.]) 6 ـ ومن صفة النُّصرة؛ الَّتي كان رسول الله (ص) يطلبها لدعوتهمن زعماء القبائل أن يكون أهل النُّصرة غير مرتبطين بَّعاهداتٍ تتناقض مع الدَّعوة ، ولا يستطيعون التحرُّر منها؛ وذلك لأنَّ احتضانهم للدَّعوة ـ والحالة هذه ـ يُعر ِّضها لخطر القضاء عليها ، مِّنْ قِّبَلِّ الدُّول الَّتي بينهم وبينها تلك المعاهدات ، والَّتي تجد في الدَّعوة الإسلاميَّة خطراً عليها ، وتهديداً لمصالحها19.]) إنَّ الحماية المشروطة ، أو الجزئية لا تحق ِّق الهدف المقصود ، فلن يخوض بنو شيبان حرباً ضدَّ كسرى؛ لو أراد القبض على رسول الله (ص) وتسليمه ، ولن يخوضوا حرباً ضدَّ كسرى؛ لو أراد مهاجمة محمَّد رسول الله (ص) ، وأتباعه ، وبذلك فشلت المباحثات20.]) 7 ـ«إنَّ دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه»، كان هذا الردُّ من النَّبي ِّ (ص) على المث بن حارثة حين عرض على النَّبي ِّ (ص) حمايته على مياه العرب دون مياه الفرس ، فمن يسبر أغوار الس ِّياسة البعيدة؛ يـَرَ بـُعْدَ النَّظر الإسلامي ِّ النَّبوي ِّ الَّذي لا يُسامى21.]) 8 ـ كان موقف بني شيبان يتَّسم بالأَرْيحَِّيَّةِّ ، والخلق ، والرُّجولة ، وينمُّ عن تعظيم هذا النَّبي ِّ (ص) ، وعن وضوح في العرض ، وتحديد مدى قدرة الحماية الَّتي يملكونها ، وقد بيَّنوا: أنَّ أمر الدَّعوة ممَّا تكرهه الملوك ، وقدَّر الله لشيبانَ بعد عشر سنين ، أو تزيد ، أن تحمل هي ابتداءً عبء مواجهة الملوك بعد أن أشرق قلبها بنور الإسلام، وكان المثنََّّ بن حارثة الشَّيبانيُّ صاحب حربهم ، وبطلهم المغوار ، الَّذي قاد الفتوح في أرض العراق ، في خلافة ا لص ِّد ِّيق رضي الله عنه22]) إسلامهم على قتال الفرس ، بينما كانوا في جاهليتهم يرهبون الفرس ، ولا يفك ِّرون في قتالهم؛ بل إنهَّم ردُّوا دعوة النَّبي ِّ (ص) بعد اقتناعهم بها؛ لاحتمال أن تلجئهم إلى قتال الفرس ، الأمر الَّذي لم يكونوا
عدد الصفحات ٧يفك ِّرون فيه أبداً ، وبهذا نعلم عظمة هذا الد ِّين؛ الَّذي رفع الله به المسلمين في الدُّنيا؛ حيث جعلهم سادة الأرض ، مع ما ينتظرون في أخراهم من النَّعيم الدَّائم ، في جنَّات النَّعيم23.]) * * * المبحث الثَّا مواكب الخير وطلائع النُّور قال جابر بن عبد الله الأنصاريُّ: «مكث رسول الله (ص) بَّكَّـة عشر سنين ، يَـتَّـبَّعُ النَّاس في منازلهم ، بعُكاظ ، ومجَنَّة ، وفي المواسم ، يقول: من يؤويني؟ من ينصرني حتََّّ أبل ِّغ رسالة ربي وله الجنة؟ حتََّّ إنَّ الرجل ليخرج من اليمن، أو مُضَر، فيلتيه قومه ، فيقولون: احذر غلام قريش؛ لا يفتننَّك! ويمشي بين رجالهم؛ وهم يشيرون إليه بالأصابع ، حتََّّ بعَثَنا اللهُ إليه من يثرب ، فاويناه ، وصدَّقناه ، فيخرج الرَّجل منا ، فيؤمن به ، ويقرئه القران ، فينقلب إلى أهله ، فيسلمون بإسلامه ، حتََّّ لم يبقَ دارٌ من دور الأنص ار ، إلا وفيها رهطٌ من المسلمين، يُظهرون الإسلام»[3/322 ـ323،339 ـ340. ]) أوَّلاً: الات ِّصالات الأولى بالأنصار في مواسم الحج ِّ ، والعمرة 1 ـ إسلام سُوَيد بن الصَّامت كان رسولُ الله (ص) ، لا يسمع بقادمٍ يقدم مكَّة من العرب ، له اسمٌ ، وشرفٌ ، إلا تصدَّى له ، ودعاه إلى الله ، وعرض عليه ما جاء به من الهدى ، والحق ِّ ، فقدم سُوَيد بن الصَّامت ـ أخو بني عمرو بن عوف ـ مكَّة حاج اً ، أو معتمراً ، وكان سُوَيد يسم ِّيه قومُه فيهم الكامل ، لجََلده ، وشِّعْره ، وشرفه ، ونسبه ، فتصدَّى له رسولُ الله (ص) حين سم ع به ، فدعاه إلى الله ، وإلى الإسلام ، فقال له سُوَيد: فلعلَّ الذي معك مثلُ الَّذي معي؟ فقال له رسول الله (ص) : «وما الَّذي معك؟»قال:مجلَّة24 ])
عدد الصفحات ٨لقمان ، فقال له رسول «اعرضها علي»فعرضها عليه ، فقال «إنَّ هذا الكلام حسن ، والَّذي معي أفضل من هذا؟ قرانٌ أنزله الله عليَّ ، وهو هدًى ونورٌ »، فتلا عليه رسول الله (ص) القران ، ودعاه إلى الإسلام ، فلم يـَبـْعُد منه ، وقال: إنَّ هذا القول حسنٌ ، ثمَّ انصرف عنه ، فقدم المدينة على قومه ، فلم يلبث أن قتله الخزرج ، وقد كان رجالٌ من قومه يقولون: إناَّ لنراه قُتل ؛ وهو مسلمٌ ، وكان قـَتـْلُه يوم بُعاث2/67 ـ69 ) والبيهقي في دلائل النبوة2/418) والطبري في تاريخه2/351 ـ352. ]) وعلى أيَّة حالٍ ، لا توجد دلائل على قيام سُوَيد بن الصامت بالدَّعوة إلى الإسلام وسط قومه25.]) 2 ـ إسلام إيَّس بن معاذ لمَّا قدم أبو الحَيْسَر بن رافع مكَّة ، ومعه فتيانٌ من بني عبد الأشْهَل ، فيهم إيَّس بن معاذ ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج؛ سمع بهم رسول الله (ص) ، فلتاهم ، فجلس إليهم ، فقال: «هل لكم في خير ممَّا جئتم له؟»قالوا له: وما ذاك؟ قال«أنا رسولُ الله ، بعثني إلى العباد ، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ، ولا يشركوا به شيئاً ، وأنزل عليَّ الكتاب »، ثمَّ ذكر لهم الإسلام ، وتلا عليهم القران ، فقال إيَّس بن معاذ ـ وكان غلاماً حدثاً ـ: هذا واللهِّ خيرٌ ممَّا جئتم له ، فلخذ أبو الحيسر حَفْنَةً من ترابٍ ، وضرب بها وجهه ، وقال: دعنا منك ، فلَعَمرِّي لقد جئنا لغير هذا! فصمت إيَّس ، وقام رسول الله (ص) عنهم ، وانصرفوا إلى المدينة ، وكانت وقعة بُعاث بين الأوس ، والخزرج ، ثمَّ لم يلبث إيَّس بن معاذ أن هلك ، وقد روى من حضره من قومه ، أنَّه ما زال يهل ِّل الله ، ويكبر ِّه ، ويحمده ، ويسبحه حتََّّ مات ، فما كانوا يشكُّون: أنَّه مات مسلماً ، لقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس ، حين سمع من رسول الله (ص) ما سمع 2/69 ـ70) وأحمد5/427) والطبرا المعجم الكبير ( 805) والبيهقي في دلائل النبوة 2/420 ـ421) والطبري في تاريخه 2/352 ـ 353) ومجمع الزوائد6/36) والإصابة1/102. ]) ثانياً: بدء إسلام الأنصار كانت البداية المثمرة مع وفدٍ من الخزرج في موسم الحج ِّ عند عقبة منَّ ، قال لهم رسول الله (ص) : من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج ، قال: أَمِّنْ موالي يهود؟ قالوا: نعم ، قال: أفلا تجلسو ن أكل ِّمكم؟ قالوا: بلى ، فجلسوا معه ، فدعاهم إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القران
عدد الصفحات ٩هشام2/70 ـ71) ، وابن سعد1/218 ـ219) ، والبيهقي في الدلائل2/433 ـ435) ، والطبراني في المعجم الكبير (20/362) ، ومجمع الزوائد6/40 ـ42. ]) فلمَّا كلَّم رسولُ الله (ص) أولئك النَّفر ، ودعاهم إلى الله؛ قال بعضهم لبعض: يَّ قوم! تعلمون والله: أنَّـه للنَّبيُّ الَّذي توعَّدكم بـه يهود ، فلا تسبقنَّكم إليه ، فلجابوه فيما دعاهم إليه ، بأن صدَّقوه ، وقَبِّلُوا منـه ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا: إناَّ قد تركنا قومنـا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ِّ ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم الله بك ، فسنقدم عليهم ، فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الَّـذي أجبناك إليه من هذا الد ِّيـن ، فإن يجمعهم الله عليك ، فلا رجل أعزُّ منك. ثمَّ انصرفوا عن رسول الله (ص) راجعين إلى بلادهم ، وقد امنوا ، وصدَّقوا26]) وهم: أبو أمامة أسعد بن زُرارةَ ، وعوف بن الحارث من بني النَّجار ، ورافع بـن مالك ، وقُطْبـة بـن عامرٍ ، وعُقْبـة بـن عامرٍ ، وجابر بـن عبد الله بـن رئاب27])؛ ذكروا لهـم رسولَ الله (ص) ، ودعَوهـم إلى الإسـلام ، حتََّّ فشا بينهم ، فلم تبـقَ دارٌ من دُور الأنصار إلا وفيها ذِّكْـرٌ لرسول الله (ص28. ]) فهذا أوَّل موكبٍ من مواكب الخير ، لم يكتفِّ بالإيمان؛ وإنمَّا أخذ العهد على نفسه أن يدعوَ إليه قومه ، وقد وفََّّ ك لٌّ منهم لدينه ، ورسوله ، فإنهَّم حين رجعوا؛ نشطوا في الدَّعوة إلى الله ، وعرضوا كلمة الهدى على أهلهم، وذويهم ، فلم تبقَ دارٌ من دور المدينة إلا وفيها ذكرٌ لمحمَّد (ص) ، وهكذا عندما يأذن الله تأتي ساعة الحسم الفاصلة ، فقد كان لقاء هؤلاء مع الرَّسول (ص) على غير موعـدٍ ، لكنَّه لقاء هيَّله الله؛ ليكون نبع الخير المتج ِّدد الموصول ، ونقطة التَّحوُّل الحاسم في التَّاريخ ، وساعة الخلاص المحقَّق من عبادة الأحجار؛ بل إنهَّا على التَّحقيق ساعة الحسم في مصير العالم كل ِّه ، ونقل الحياة من الظُّلمات إلى النُّور ، أكان معقولاً في لحظةٍ يسيرةٍ أن يتحوَّل هؤلاء من وثني ِّين متعص ِّبين ، إلى أنصارٍ للدَّعوة متفت ِّحين ، وجنودٍ للحق ِّ مخلصين ، ودعاةٍ إلى الله متجر ِّدين ، يذهبون إلى أقوامهم ، وبين جوانحهم نورٌ وعلى وجوههم نورٌ ، وإنهَّم لعلى نورٍ؟! تلك مشيئة القدر العالي ، هيَّل ت للدَّعوة مجالها الخصب ، وحماها الأمين ، والسَّنوات العِّجاف الَّتي قضاها الرَّسول (ص) نضالاً مستمر اً ، وكفاحاً دائماً ، وتطوافاً على القبائل ، والتماساً للحليف ، قد ولَّت إلى غير رجعةٍ؛ سيكون بعد اليوم للإسلام قوَّته الرَّادعة ، وجيشه الباسل ، وسيلتقي الح قُّ بالباطل؛ ليصف ِّي معه حساب الأيَّم الخوالي ، والعاقبة للمتقين ، وستتوالى على مكَّة منذ اليوم مواكب الخير ، وطلائع النُّور ، الَّتي هيَّلها الله للخير؛ لتتصل
عدد الصفحات ١٠بالهداية ، وتسبح في النُّور ، وتغتّف من الخير ، وترجع إلى يثرب بَّا وَعَتْ من خير ، وبَّا حملت من نورٍ29.]) ومن الجدير بالتَّنبيه: أنَّ هذه المقابلة الَّتي حدثت عند العقبة ، وتلاقى فيها فريقٌ من الخزرج بالنَّبي ِّ (ص ، وأسلموا على يديه ، لم تكن فيها بيعةٌ30]) لأنفسهم الحقَّ في أن يلتزموا بَّعاهدة دون الرُّجوع إ قبائلهم في المدينة ، ولكنَّهم أخلصوا في تبليغ رسالة الإسلام( 2.) ثالثاً: بيعة العقبة الأو بعد عامٍ من المقابلة الأولى؛ الَّتي تمَّت بين الرَّسول (ص) وأهل يثرب عند العقبة ، وَافََّ الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً ، فلقوه (ص) بالعقبة ، وبايعوه العقبة الأو لى ، عشرةٌ من الخزرج ، واثنان من الأوس ، ممَّا يشير إلى أنَّ نشاط وفد الخزرج الَّذين أسلموا في العام الماضي ، تركَّز على وسطهم القبلي بالدَّرجة الأولى؛ لكنَّهم تمكنوا في الوقت نفسه من اجتذاب رجال الأوس ، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام 31.]) وقد تحدَّث عبادةُ بن الصَّامت الخزرجيُّ عن البيعة ، في العقبة الأولى ، فقال «كنت فيمن حضر العقبة الأولى ، وكنا اثنيْ عَشَرَ رجلاً ، فبايعْنا رسولَ الله (ص) على بيعة النساء ، وذلك قبل أن تفتّض علينا الحرب ، على ألاَّ نشرك بالله ، ولا نسرق ، ولا نزني ، لا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتّيه من بين أيدينا ، وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف ، فإن وفَّيتم فلكم الجنَّة ، وإن غَشِّيتم من ذلك شيئاً ، فلمركم إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ إن شاء؛ غفر ، وإن شاء؛ عذَّب »[18 و92 و38 و3999 ) ومسلم1709. ]) وبنود هذه البيعة ، هي الَّتي بايع الرَّسول (ص) عليها الن ِّساء فيما بعد ، ولذلك عرفت باسم بيعة الن ِّساء32]) القران ، فكان يُسمَّى بالمدينة (المقرأى) ، وكان يؤمُّهم في الصَّلاة ، وقد اختاره رسول الله (ص) عن علمٍ بشخصيَّته من جهةٍ ، وعلمٍ بالوضع القائم في المدينة من جهةٍ أخرى ، حيث كان بجانب حفظه لما نزل من القران يملك من اللَّباقة ، والهدوء ، وحسن الخُلُق ، والحكمة قدراً كبيراً ، فضلاً عن قوَّة إيمانه ، وشدَّة حماسه للد ِّين ، ولذلك تمكَّن خلال أشهرٍ أن ينشر الإسلام في معظم بيوتات المدينة ، وأن
عدد الصفحات ١١يكسب للإسلام أنصاراً من كبار زعمائها ، كسعد بن معاذ ، وأُسَيْد بن حُضَيرْ ، وقد أسلم بإسلامهما خلقٌ كثير من قومهم33.]) لقد نجحت سفارة مصعب بن عمير رضي الله عنه في شرح تعاليم الد ِّين الجديد ، وتعليمالقران الكريم ، وتفسيره ، وتقوية الرَّوابط الأخويَّة بين أفراد القبائل المؤمنة من ناحيةٍ ، وبين النَّبي ِّ (ص) وصحبه بَّكَّة المكرمة ، لإيجاد القاعدة الأمينة لانطلاق الدَّعوة. وقد نزل مصعب بن عمير رضي الله عنه في يثرب على أسعد بن زُرارة رضي الله عنه34]) ونشط المسلمون في الدَّعوة إلى الله ، يقود تلك الحركة الدَّعوية الرَّائدة مصعب رضي الله عنه ، وقد انتهج منهج القران الكريم في دعوته ، وهذا هو الذي تعلَّمه من أستاذه (ص) ، وقد شرح لنا بعض الايَّت القرانيَّة المك ِّيَّة بصورةٍ عمليَّةٍ حيَّةٍ ، مثل قوله تعالى: { وَجَادِّلهُْمْ باِّلَّتيِّ هِّيَ أَحْسَنُ إِّنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بََِّّنْ ضَلَّ عَنْ سَبِّيلِّهِّ وَهُوَ أَعْلَمُ باِّلْمُهْتَدِّينَ }* [ 125. ] رابعاً: قصَّة إسلام أُسَيْد بن حُضير ،وسعد بن معاذ رضي الله عنهما: كان سعد بن معاذ ، وأُسَيْد بن حضير ، سي ِّديْ قومهما من بني عبد الأشهل ، وكانا مشركَينْ على دين قومهما ، فلمَّا سمَِّعَا بَّصعب بن عمير ، ونشاطـه في الدَّعوة إلى الإسلام؛ قال سعد لأُسَيْدٍ: لا أبا لك! انطلق إلى هذين الرَّجلين ، اللَّذين أتيا دارينا؛ ليُسَف ِّها ضعفاءنا ، فازجرهما ، وانههما أن يأتيا دارَينا؛ فإنَّه لولا أسعد بن زُرارةَ مني ِّ حيث قد علمت؛ كفيتُك ذلك ، هو ابن خالتي ، ولا أجد عليه مقدماً ، فلخذ أُسَيْد حربته ، ثمَّ أقبل عليهما ، فلمَّا راه أسعد بن زرارة؛ قال: هذا سي ِّد قومه ، وقد جاءك؛ فاصدق الله فيه ، قال مصعب: إن يجلسْ أكل ِّمْه ، فوقف عليهما مُتشت ِّماً ، فقال: ما جاء بكما تسف ِّهان ضعفاءنا؟! اعتزلانا؛ إن كانت لكما بأنفسكما حاجةٌ ، فقال له مصعب بلسان المؤمن الهادأى الواثق من سماحة دعوته: أو تجلسُ ، فتسمع ، فإن رضيت أمراً ؛ قبلته ، وإنْ كرهته؛ نكفُّ عنك ما تكره؟ قال أُسَيْد: أنصفتَ ، ثمَّ ركَّز حربته ، وجلس إليهما، فكلَّمه مصعب بالإسلام ، وقرأ عليه القران ، فقالا ـ فيما يُذكر عنهما ـ: والله! لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلَّم في إشراقه ، وتسهُّله ، ثمَّ قال: ما أحسنَ هذا الكلامَ ، وأجمَْلَه! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الد ِّين؟ قالا له: تغتسل ، فتتطهَّر ، وتطه ِّر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ِّ ، ثمَّ تصل ِّي ، فقام ، فاغتسل ، وطهَّر ثوبيه ، وتشهَّد
عدد الصفحات ١٢شهادة الحق ِّ ، ثمَّ قام فركع ركعتين ، ثمَّ قال لهما: إنَّ ورائي رجلاً ، إن اتَّبعْكما؛ لم يتخلَّفْ عنه أحدٌ من قومه ، وسلرسله إليكم الان: سعد بن معاذ. ثمَّ أخذ حربته ، وانصرف إلى سعدٍ ، وقومه؛ وهم جلوسٌ في ناديهم ، فلمَّا نظر إليه سعد مقبلاً ، قال: أحلف بالله! لقد جاءكم أُسَيْد بن حضير بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم!! فلمَّا وقف على النَّادي؛ قال له سعدٌ: ما فعلتَ؟ قال: كلَّمتُ الرَّجلين ، فوالله! ما رأيت بهما بأساً ، وقد نهيتهما ، فقالا: نفعل ما أحببتَ ، وقد حُد ِّثت أنَّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زُرارةَ؛ ليقتلوه؛ وذلك أنهَّم عرفوا: أنه ابن خالتك لِّيُخْفِّرُوكَ35.]) فقام سعد مُغْضَباً مبادراً تخوُّفاً لِّلَّذي ذكر لـه من أمر بني حارثـة ، وأخذ الحربة في يده ، ثمَّ قال: والله! ما أراك أغنيتَ شيئاً ، ثمَّ خرج إليهما سعد ، فوجدهما مطمئنـَّينْ ، فعرف: أنَّ أسَيْداً إنمَّا أراد أن يسمع منهما ، فوقف متشت ِّماً ، ثمَّ قال لأسعد بن زرارة: والله يَّ أبا أمامة! لولا ما بيني وبينك من القرابة؛ ما رُمْتَ هذا مني ِّ ، أتغشانا في دارنا بَّا نكره؟! وكان أسعد قد قال لمصعب: لقد جاء ـ والله! ـ سي ِّدُ مَنْ وراءَه مِّنْ قومه ، إن يتبعك؛ لا يتخلَّف منهم اثنان ، فقال له مصعب: أوَ تقعد فتسمع؟ فإن رضيتَ أمراً ، ورغبتَ فيه قبلتَه ، وإن كرهتَه عزلنا عنك ما تكره. فقال سعد: أنصفت ، ثمَّ ركَّز الحربة ، وجلس ، فعرض عليه الإسلام ، وقرأ القران. وذكر موسى بن عقبة: أنَّه قرأ عليه أوَّل سورة الزُّخرف ، قالا: فعرفنا ـ والله! ـ في وجهه الإسلام قبل أن يتكلَّم في إشراقه ، وتسهُّله. ثمَّ قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ، ودخلتم في هذا الد ِّين؟ قالا: تغتسل ، فتتطَّهر ، وتطه ِّر ثوبيك ، ثمَّ تشهد شهادة الحق ِّ ، ثمَّ تصلي ركعتين ، فقام فاغتسل ، وطهَّر ثوبيه ، ثمَّ تشهَّد شهادة الحق ِّ ، ثمَّ ركع ركعتين ، ثمَّ أخذ حربته ، فلقبل عائداً إلى نادي قومه ، ومعه أُسَيْد بن حُضَيرْ ، فلمَّا راه قومه مقبلاً؛ قالوا: نحلف بالله ، لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم ، فلمَّا وقف عليهم؛ قال: يَّ بني عبد الأشهل! كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سي ِّدنا ، وأفضلنا رأيًَّ ، وأيمُننا نقيبةً! قال: فإنَّ كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام؛ حتََّّ تؤمنوا بالله ، ورسوله! قال: فوالله ، ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجلٌ ، ولا امرأة إلا مسلماً ، أو مسلمةً. ورجع أسعد ، ومصعب إلى منزل أسعـد بن زرارة ، فلقام عنده يدعو النَّاس إلى الإسلام؛ حتََّّ لم تبقَ دار من دُور الأنصار إلا وفيها رجالٌ مسلمون ، ونساءٌ مسلماتٌ الطبري في تاريخه (2/357 ـ359) وابن سعد3/420 ـ421) والبيهقي في الدلائل2/431 ـ
عدد الصفحات ١٣432) والطبراني في الكب20/362])ثابت بـن وقش؛ فإنَّـه تأخَّر إسلامه إلى يوم أُحـدٍ ، فلسلم؛ واستُشهِّـد بأحدٍ ، ولم يصل ِّ لله سجدةً قـطُّ ، وأخبر رسول الله (ص) : أنَّـه من أهل الجنَّة. وقد روى ابن إسحاق بإسنادٍ حسنٍ عن أبي هريرة: أنَّه كان يقول: «حد ِّثوني عن رجلٍ دخل الجنَّة يصل ِّ صلاةً قطُّ ، فإذا لم يعرفه النَّاس ، قال: هو أُصَيرِّْم بني عبد الأشهل»[5/428 ـ429 ) ومجمع الزوائد9/364([])36. ]) خامساً: فوائد ، ودروسٌ ، وعبرٌ 1 ـ اتجَّه التَّخطيط النَّبويُّ للتَّّكيز على يثرب بالذَّات ، وكان للنَّفر الستَّة الذين أسلموا ، دورٌ كبيرٌ في بث الدَّعوة إلى الإسلام ، خلال ذلك العام. 2 ـ كانت هناك عدَّة عوامل ساعدت على انتشار الإسلام في المدينة؛ منها (أ) ما طبع الله عليه قبائل الخزرج ، والأوس من الر ِّقَّة ، والل ِّين ، وعدم المغالاة في الكبريَّء ، وجحود الحق ِّ ، وذلك يرجع إلى الخصائص ال دَّمويَّة والسُّلاليَّة؛ الَّتي أشار إليها رسول الله (ص) حين وَفَد وَفْدٌ من اليمن ، بقوله: «أتاكم أهل اليمن ، هم أرقُّ أفئدةً ، وألين قلوباً »[4388) ومسلم (52])37]) القران الكريم مادحاً لهملاَ يجَِّدُونَ فيِّ صُدُورِّهِّمْ حَاجَةً ممَِّّا أُوتُوا وَيـُؤْثِّرُونَ عَلَى أَنـْفُسِّهِّمْ وَلَوْ كَانَ بهِِّّمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُ حَّ نـَفْسِّهِّ فَلُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ[9. ] (ب) التَّشاحن ، والتَّطاحن الموجود بين قبيلتي المدينة ، الأوس والخزرج ، وقد قامت بينهما الحروب الطَّاحنة كيوم بُعاث ، وغيره ، وقد أفنت هذه الحرب كبار زعمائهم ، ممَّن كان نظراؤهم في مكَّة ، والطائف ، وغيرها ، حجر عثرة في سبيل الدَّعوة ، ولم يبقَ إلا القيادات الشَّابَّة الجديدة ، المستعدَّة لقبول الحق ِّ؛ إضافةً إلى عدم وجود قيادةٍ بارزةٍ معروفةٍ ، يتواضع الجميع على التَّسليم لها ، وكانوا بحاجةٍ إلى من يأتلفون عليه ، ويلتئم شَلهم تحت ظل ِّه. قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يومُ بُعاثَ أمراً قدَّمه الله تعالى لنبي ِّه (ص) ، فـَقَدِّمَ رسولُ الله (ص) وقد افتّق مَلَؤهم ، وقُتِّلت سَرَوَاتهم 38]) ، فقدَّمه الله لرسوله (ص) في دخولهم الإسلام »[3777 و3846 و3930) وأحمد (6/61) والبيهقي في دلائلالنبوة (2/421. ])
عدد الصفحات ١٤(ج) مجاورتهم لليهود ، ممَّا جعلهم على علمٍ ـ ولو يسيرٍ ـ بأمر الر ِّسالات السَّماويَّة ، وخبر المرسل السَّابقين ، وهم ـ في مجتمعهم ـ يعايشون هذه القضيَّة في حياتهم اليوميَّة ، وليسوا مثل قريشٍ؛ التي لا يساكنها أهل كتاب ، وإنمَّا غاية أمر ها أن تسمع أخباراً متفر ِّقةً عن الر ِّسالات ، والوحي الإلهي ِّ ، دون أن تلحَّ عليها هذه المسللـةُ ، أو تشغل تفكيرهـا باستمرارٍ ، وكان اليهود يهـد ِّدون الأوس ، والخزرج بنبي ٍ قد أظلَّ زمانـه ، ويزعمون: أنهَّم سيتَّبعونـه ، ويقتلونهم به قتَل عـادٍ ، وإرم! مع أنَّ الأوس ، والخزرج كانوا أكثر من اليهود39]) عنهم ذلك في كتابـه العزيز. قال تعا قـَبْلُ يَسْتـَفْتِّحُونَ عَلَى الَّذِّينَ كَفَرُوا فـَلَمَّا جَاءَهُمْ مَ ا عَرَفُوا كَفَرُوا بِّهِّ فـَلَعْنَةُ اللََِّّّ عَلَى الْكَافِّرِّينَ [ 89. ] وكان الأوس ، والخزرج قد علوا اليهود دهراً في الجاهليَّة ، وهم أهل شرك وهؤلاء أهل كتاب ، فكانوا يقولون: إنَّ نبي اً قد أظلَّ زمانه ، نقتلكم به قتلَ عادٍ وإرم40.]) فلمَّا أراد الله إتمام أمره بنصر دينه؛ قيَّض ستَّة نفرٍ من أهل المدينة للنَّبي ِّ (ص) ، فالتقى بهم عند العقبة ـ عقبة منَّ ـ فعرض عليهم الإسلام ، فاستبشروا ، وأسلموا ، وعرفوا: أنَّه النَّبيُّ الَّذي توعَّدَهم به اليهود ، ورجعوا إلى المدينة ، فلفشوا ذكر النَّبي ِّ (ص) في بيوتها41])«بدء إسلام الأنصار» كما يسم ِّيه أهل الس42.]) 3 ـ حضر بيعة العقبة الأولى اثنان من الأوس ، وهذا تطوُّر مهمٌّ لمصلحة الإسلام ، فبعد الحرب العنيفة في بـُعَاث استطاع النَّفر الس ِّتَّة من الخزرج ، أن يتجاوزوا قصَّة الص ِّراعات ال دَّاخلية ، ويحُضروا معهم سبعةً جدداً ، فيهم اثنان من الأوس ، وهذا يعني أنهَّم وفوا بالتزاماتهم؛ الَّتي قطعوها على أنفسهم في محاولة رأب الصَّدع ، وتوجيه التـَّيَّار لدخول الإسلام في المدينة؛ أوسها ، وخزرجها ، وتجاوز الص ِّراعات القبليَّة القائمة. 4 ـ كان التطُّور الجديد الَّذي أثمرته بيعة العقبة قد بعث مصعب بن عمير ممثلاً شخصي اً للرَّسول (ص) إلى المدينة؛ يعل ِّم النَّاس القران الكريم ، ومبادأى الإسلام ، واستطاع مصعب بحكمته ، وحصافته ، وذكائه الس ِّياسي ِّ أن يحق ِّق انتصاراتٍ كبيرةً للإسلام 43.]) 5 ـ استطاع سف ير رسول الله (ص) أن يفعل في عامٍ واحدٍ الكثير ، وما ذلك إلا بتوفيق الله تعالى ، ثمَّ بصدق ذلك الدَّاعية وإخلاصه ، فلين سفراء دول المسلمين اليوم من سفير رسول الله (ص) ، فعلى
عدد الصفحات ١٥ولاة الأمر أن يختاروا السَّفير المؤمن الملتزم الموهوب؛ الَّذي يستطيع أن يمث ِّل بلاده ، ودينه قولاً وعملاً ، وخُلُقاً وسلوكاً ، فيرى النَّاسُ ، ويسمعون من خلاله. 6 ـ استطاع السَّفير مصعب رضي الله عنه أن يهي ِّلى البيئة الصَّالحة ، لانتقال الدَّعوة والدَّولة إلى مقر ِّها الجديد؛ حيث استطاع ترجمة روح بيعة العقبة الأولى عملي اً وسلوكي اً ، والَّ تي تعني الالتزام التَّامَّ بنظام الإسلام44.]) 7 ـ بذل الرَّسول (ص) كلَّ ما يملك من جهدٍ لتعبئة الطَّاقات الإسلاميَّة في المدينة ، ولم يكن هناك أد تقصيرٍ للجهد البشري ِّ الممكن في بناء القاعدة الصُّلبة ، الَّتي تقوم على أكتافها الدَّولة الجديدة ، واحتلَّ هذا الجهد سنتين كاملتين من الدَّعوة ، والتَّنظيم45.]) 8 ـ نجحت التعبئة الإيمانيَّة في نفوس مَنْ أسلم من الأنصار ، وشعرت الأنصار بأنَّه قد ان الأوان لقيام الدَّولة الجديدة ، وكما يقول جابرٌ رضي الله عنه ، وهو يمث ِّل هذه الصُّورة الرَّفيعة الرَّائعة: «حتََّّ متَّ نتّك رسولَ الله (ص) يطوف ، ويُطرَد في جبال مكَّة ، ويخُاف؟! »2.) 9 ـ وصل مصعب رضي الله عنه إلى مكَّة قبيل موسم الحج ِّ ، من العام الثَّالث عشر للبعثة ، ونقل الصُّورة الكاملة الَّتي انتهت إليها أوضاع المسلمين هناك ، والقدرات ، والإمكانات المتاحة ، وكيف تغلغل الإسلام في جميع قطاعات الأوس ، والخزرج ، وأنَّ القوم جاهزون لبيعةٍ جديدة ، قادرةٍ على حماية رسول الله (ص) ، ومنعته 46.]) 10 ـ كان الل ِّقاء الَّذي غيرَّ مجرى التَّاريخ ، في موسم الحج ِّ في السَّنة الثَّالثة عشرة من البعثة؛ حيث حضر لأداء مناسك الحج ِّ بضعٌ وسبعون نفساً من المسلمين ، من أهل يثرب ، فلمَّا قدموا مكَّة؛ جرت بينهم وبين النَّبي ِّ (ص) اتصالاتٌ سر ِّيَّة ، أدَّت إلى ات ِّفاق الفريقين على أن يجتمعوا في أوسط أيََّّم التَّشريق في الش ِّعْب الَّذي عند العقبة ، حيث الجمرة الأولى من مِّنًَّ ، وأن يتمَّ هذا الاجتماع في سر ِّيَّةٍ تامَّةٍ في ظلام اللَّيل47.]) * * *
عدد الصفحات ١٦المبحث الثَّالث بيعة العقبة الثَّانية قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «فقلنا: حتََّّ متَّ نتّك رسول الله (ص) ؛ يُطْرَد في جبال مكَّة ، ويخُاف ، فرحل إليه منا سبعون رجلاً حتََّّ قدموا عليه في الموسم ، فواعدناه شِّعْب العقبة ، فاجتمعنا عليه من رجلٍ ، ورجلين؛ حتََّّ توافينا فقلنا: يَّ رسول الله! علام نُبايعك؟ قال: «تبايعوني على السَّمع ، والطَّاعة في النَّشاط ، والكسل ، والنَّفقة في العسر ، واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف ، والنَّهي عن الم نكر ، وأن تقولوا في الله ، لا تخافون في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني ، فتمنعوني إذا قدمت عليكم ممَّا تمنعون منه أنفسكم ، وأزواجكم ، وأبناءكم ، ولكم الجنَّة» قال: فقمنا إليه ، فبايعناه ، وأخذ بيده أسعد بن زرارة ـ وهو من أصغرهم ـ فقال: رويداً يَّ أهل يثرب! فإناَّ لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم: أنَّه رسول الله (ص) ، وأنَّ إخراجه اليوم مفارقةُ العرب كافَّةً ، وقتلُ خياركم ، وأن تعضَّكم السُّيوف ، فإمَّا أنتم قومٌ تصبرون على ذلك ، وأجركم على الله ، وإمَّا أنتم تخافون من أنفسكم جُبـَيـْنَةً؛ فبينوا ذلك ، فهو أعذر لكم عند الله! قالوا: أمط عنَّا يَّ أسعد! فوالله لا ندع هذه البيعة أبداً! ولا نَسْلِّيها (أي: نتّكها)! قال: فقمنا إليه ، فبايعناه ، فلخذ علينا ، وشَرَطَ ، ويعطينا على ذلك الجنَّة [»48.]) وهكذا بايع الأنصار رسول الله (ص) على الطَّاعة ، والنُّصرة ، وا رب؛ لذلك سمَّاها عبادة بن الصَّامت بيعة الحرب49]) العقبة الثَّانية ـ ففيها تفصيلاتٌ مهمَّةٌ ، قال «خرجنا في حجَّاج قومنا من المشركين ، وقد صلَّينا ، وفقهنا ، ثمَّ خرجنا إلى الحج ، وواعدنا رسول الله (ص) بالعقبة ، من أوسط أيَّم التَّشريق ، وكنَّا نكتم مَنْ معنا من المشركين أمرنا ، فَنِّمْنَا تلك اللَّيلة مع قومنا في رحالنا ، حتََّّ إذا مضى ثلثُ اللَّيل؛ خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله (ص) ، نتسَّلل تسلُّلَ القَطَا (الحمام) مستخفين ، حتََّّ اجتمعنا في الش ِّعْب عند العقبة ، ونحن ثلاثةٌ وسبعون رجلاً ، ومعنا امرأتان من نسائنا: نُسَيبة بنت كعب ، وأسماء بنت عمرٍو ، فاجتمعنا في الش ِّعب ننتظر رسول الله (ص) ، حتََّّ جاءنا ، ومعه العبَّاس بن عبد المطلب ، وهو يومئذٍ على دين قومه ، إلا أنَّه أحبَّ أن يحضر أمر ابن أخيه ، ويتوثَّق له، فلمَّا جلس؛ كان أول متكل ِّم العبَّاس بن عبد المطلب؛ فبينَّ أنَّ الرَّسول (ص) في منعةٍ
عدد الصفحات ١٧