أهم ِّية الشُّورى في الحروب بالذَّات؛ ذلك لأنَّ الحروب تقر ِّر مصير الأمم ، فإمَّا إلى العلياء ، وإمَّا تحت الغبراء814.]) رابعاً: المسير إلى لقاء العدو ِّ ، وجمع المعلومات عنه: نظَّم النَّبيُّ (ص) جنده ، بعد أن رأى طاعة الصَّحابة ، وشجاعتهم ، واجتماعهم على القتال ، وعقد اللواء الأبيض ، وسَلَّمه إلى مصعب بن عمير ، وأعطى رايتين سَوْدَاوَيْن إلى سعد بن معاذٍ ، وعلي ِّ بن أبي طالبٍ ، وجعل على السَّاقة قيس بن أبي صَعْصَعَة815.]) وقام (ص) ومعه أبو بكرٍ يستكشف أحوال جيش المشركين ، وبينما هما يتجوَّلان في تلك المنطقة ، لقيا شيخاً من العرب ، فسلله رسولُ الله (ص) عن جيش قريش ، وعن محمَّدٍ وأصحابه ، وما بلغه من أخبارهم؛ فقال الشَّيخ: لا أخبركما حتَّ تخبراني ممَِّّن أنتما؟ فقال له رسول الله (ص) : «إذا أخبرتنا؛ أخبرناك»فقال: أو ذاك بذاك؟ قال«نعم»، فقال الشَّيخ: فإنَّه بلغني: أنَّ محمَّداً وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الَّذي أخبرني؛ فهم اليوم بَّكان كذا وكذا ـ للمكان الذي به جيش المسلمين ـ وبلغني أنَّ قريشاً خرجوا يوم كذا وكذا ، فإن كان صدق الذي أخبرني؛ فهم اليوم بَّكان كذا وكذا ـ للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلاً ـ ثمَّ قال الشيخ: لقد أخبرتكما عمَّا أردتما ، فلخبراني ممَّن أنتما؟ فقال رسول الله (ص) : «نحن من ماءٍ»، ثمَّ انصرف النَّبيُّ (ص) وأبو بكر عن الشَّيخ ، وبقي هذا الشَّيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟2/267 ـ268. ]) وفي مساء ذلك اليوم الَّذي خرج فيه رسولُ الله (ص) ، وأبو بكرٍ ، أرسل (ص) عليَّ بن أبي طالبٍ ، والزُّبيـرَ بن العوَّام ، وسعدَ بن أبي وقَّاصٍ ، في نفرٍ من أصحابه إلى ماء بدرٍ؛ يتسقَّطون له الأخبار عن جيش قريشٍ ، فوجدوا غلامين يستقيان لجيش المشركين ، فلتوا بهما إلى رسول الله (ص) ، فقال لهما: «أخبراني عن جيش قريشٍ»فقالا: هم ـ والله! ـ وراء هذا الكثيب الَّذي ترى بالعُدوة القصوى ، فقال لهما: «كم القوم؟»قالا: كثيرٌ ، قال «ما عدَّتهُم؟»قالا: لا ندْرِّي ، قال الرَّسول (ص«كم ينحرون كلَّ يومٍ؟»قالا: يوماً تسعاً ، ويوماً عشراً ، فقال رسول الله (ص«القوم ما بين الت ِّسعمئة والألف»ثمَّ قال لهما«فمن فيهم من أشراف قريش؟ »فذكرا عتبة ، وشيبة ابني ربيعة ، وأبا جهل ، وأميَّة بن خلفٍ ، في اخرين من صناديد قريش ، فلقبل رسول الله (ص) إلى أصحابه قائلاً: «هذه مكَّةُ قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها »[2/269. ])
عدد الصفحات ٢١٠كان من هدي النَّبي ِّ (ص) ، حرصه على معرفة جيش العدو ِّ ، والوقوف على أهدافه ، ومقاصده؛ لأن ذلك يعينه على رسم الخطط الحر بيَّة المناسبة لمجابهته ، وصد ِّ عدوانه ، فقد كانت أساليبه في غزوة بدرٍ في جمع المعلومات؛ تارةً بنفسه ، وأخرى بغيره ، وكان (ص) يطب ِّق مبدأ الكتمان في حروبه، فقد أرشد القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية هذا المبدأ. قال تعالى: {وَإِّذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ م ِّنَ الأَ مْنِّ أَوِّ الخَْوْفِّ أَذَاعُواْ بِّهِّ وَلَوْ رَدُّوهُ إِّلىَ الرَّسُولِّ وَإِّلىَ أُوْليِّ الأَمْرِّ مِّنـْهُمْ لَعَلِّمَهُ الَّذِّينَ يَسْتَنبِّطُونَهُ مِّنـْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّ ِّ عَلَيْكُمْ وَرَحمَْتُهُ لاَتـَّبـَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِّلاَّ قَلِّيلاً }[النساء: 83.] وقد تحلَّى رسول (ص) بصفة الكتمان في غزواته عامَّةً، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه، قال«و يكن رسول الله (ص) يريدُ غزوةً إلا ورَّى بغيرها»[2947]) الكريم في ا 1 ـ سؤاله (ص) الشَّيخ الَّذي لقيه في بدرٍ عن محمدٍ وجيشه، وعن قريش وجيشها. 2 ـ تورية الرَّسول (ص) في إجابته على سؤال الشَّيخ: ممَّن أنتما؟ بقوله (ص«نحن من ماءٍ»وهو جواب يقتضيه المقام، فقد أراد به الرَّسولُ (ص) كتمانَ أخبار جيش المسلمين عن قريشٍ. 3 ـ وفي انصرافه فور استجوابه كتمانٌ ـ أيضاً ـ وهو دليلٌ على ما يتمتَّع به رسول الله (ص) من الحكمة’ فلو أنَّه أجاب هذا الشَّيخ ثمَّ وقف عنده، لكان هذا سبباً في طلب الشَّيخ بيان المقصود من قوله (ص): «من ماءٍ»([816]). 4 ـ أمره (ص) بقطع الأجراس من الإبل يوم بدرٍ، فعن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله (ص) أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدرٍ6/150) وابن حبان4699) و4702 ) والهيثمي في مجمع الزوائد5/174.]) 5 ـ كتمانه (ص) خبر الجهة الَّتي يقصدها عندما أراد الخروج إلى بدر، حيث قال (ص«إنَّ لنا طَلبةً؛ فمن كان ظَهْرُهُ حاضراً؛ فيركبْ معنا »[ (1901.]) قال الإمامُ النَّووي«في هذا: استحباب التَّورية في الحرب، وألاَّ يُب الإمام جهة إغارته، وإغارة سرايَّه؛ لئلا يشيع ذلك؛ فيحذرهم العدوُّ »([817]). ونلحظ: أنَّ التَّّبية الأمنيَّة في المنهاج النَّبوي ِّ مستمرةٌ منذ الفتّة الس ِّر ِّيَّة والجهريَّة بَّكَّة، ولم تنقطع مع بناء الدَّولة، وأصبحت تنمو مع تطو ِّرها، وخصوصاً في غزوات الرَّسول (ص). خامساً: مشورة الحُباب بن المُنْذِّر في بدرٍ:
عدد الصفحات ٢١١بعد أن جمع (ص) معلوماتٍ دقيقةًعن قوَّات قريشٍ، سار مسرعاً ومعه أصحابه إلى بدرٍ؛ ليسبقوا المشركين إلى ماء بدرٍ، وليحولوا بينهم وبين الاستيلاء عليه، فنزل عند أدنى ماءٍ من مياه بدرٍ، وهنا قام الحُبَاب بن المُنذر، وقال: يَّ رسول الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه اللهُ ، ليس لنا أن نتقدَّمه ، ولا نتلخَّر عنه؟ أم هو الرَّأي ، والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرَّأي ، والحرب ، والمكيدة»قال: يَّ رسولَ الله! فإن هذا ليس بَّنزلٍ ، فانهضْ يَّ رسول الله بالنَّاس ! حتََّّ تأتي أدنى ماءٍ من القوم ـ أي: جيش المشركين ـ فننزله ، ونغو ِّر ـ نخر ِّب ـ ما وراءه من الابار ، ثمَّ نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً ، ثمَّ نقاتل القوم ، فنشرب ، ولا يشربون. فل خذ النَّبيُّ (ص) برأيه ، ونهض بالجيش حتََّّ أقرب ماءٍ من العدو ِّ ، فنزل عليه ، ثمَّ صنعوا الحِّيَاضَ ، وغوَّروا ما عداها من الابار 2/272) ، والبيهقي في دلائل النبوة (3/35.]) وهذا يصو ِّر مثلاً من حياة الرَّسول (ص) مع أصحابه ، حيث كان أيُّ فرد من أفراد ذلك المجتمع يُدْلي برأيه ، حتََّّ في أخطر القضايَّ ، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى (ص) ، ثمَّ حصول ما يتّتَّب على ذلك الغضب من تدني ِّ سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد ، وتأخُّره في الرتبة ، وتضرُّره في نفسه أو ماله. إنَّ هذه الحر ِّيَّة؛ الَّ تي ربىَّ عليها رسول الله (ص) أصحابه ، مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من عقول جميع أهل الرَّأي السَّديد ، والمنطق الرَّشيد ، فالقائد فيهم ينجح نجاحاً باهراً ، وإن كان حديثَ الس ِّن ِّ؛ لأنَّه لم يكن يفك ِّر برأيه المجرَّد ، أو اراء عصبةٍ مهيمنةٍ عليه ، قد تنظر لمصالحها الخاصَّة ، قبل أن تنظر لمصلحة المسلمين العامَّة؛ وإنمَّا يفك ِّر باراء جميع أفراد جنده ، وقد يحصل له الرَّأي السَّديد من أقل ِّهم سمعةً ، وأبعدهم منزلةً من ذلك القائد؛ لأنَّه ليس هناك ما يحول بين أي ِّ فردٍ منهم ، والوصول برأيه إلى قائد جيشه816.]) ونلحظ عظمة التَّّبية النَّبويَّة؛ الَّتي سرَتْ في شخص الحُبَاب بن المُنذر ، فجعلته يتلدَّب أمام رسول الله (ص) ، فتقدَّم دون أن يُطلب رأيه؛ ليعرض الخطة الَّتي لديه؛ لكن هذا تمَّ بعد السُّؤال العظيم ، الَّذي قدَّمه بين يدي الرَّسول (ص) : «يَّ رسولَ الله! أرأيت هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلكه الله ، ليس لنا أن نتقدَّمه ، ولا نتلخر عنه؟ أم هو الرَّأي ، والحرب ، والمكيدة؟»
عدد الصفحات ٢١٢إنَّ هذا السُّؤال يوض ِّح عظمة هذا الجوهر القياديَّ الفذَّ؛ الَّذي يعرف أين يتكلَّم ، ومتَّ يتكلَّم بين يدي قائده ، فإن كان الوحي هو الَّذي اختار هذا المنزل ، فلأن يقدم ، فتقطع عنقه أحبُّ إليه من أن يلفظ بكلمةٍ واحدةٍ ، وإن كان الرأي البشريُّ؛ فلديه خطَّةٌ جديدةٌ كاملةٌ باستّاتيجيَّةٍ جديدةٍ. إنَّ هذه النَّفسيَّة الرَّفيعة ، عرفت أصول المشورة ، وأصول إبداء الرَّأي ، وأدركت مفهوم السَّمع والطَّاعة ، ومفهوم المناقشة ، ومفهوم عرض الرَّأي المعارض لرأي سي ِّد ولد ادم (ص) . وتبدو عظمة القيادة النَّبويَّة في استماعها للخطَّة الجديدة ، وتبني ِّ الخطَّة الجديدة المطروحة من جندي ٍ من جنودها ، أو قائدٍ من قوَّادها817.]) سادساً: الوصف القرانيُّ لخروج المشرك قال تعااللََُّّ بََِّّا يـَعْمَلُونَ محُِّيطٌ [47. ] ينهى المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ المؤمنين عن التشبُّه بالكافرين؛ الَّذين خرجوا من د يَّرهم بطراً ، ورئاء النَّاس ، وتفسير الاية الكريمة: 1 ـ{: قال القرط«والبطر في اللغة: ، أي: التَّقوية بنعم الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وما ألبسه من العافية على المعاصي[»818.]) 2 ـ{: ومعناه: ، أو الفعل الَّذي لا يقصد معه الإخلاص؛ وإنمَّا يُقصد به التَّظاهر ، وحبُّ الثناء. 3 ـ{ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِّيلِّ ا }: معطوفاً على بَطَرًا } بسبيل الله: دينه؛ لأنَّه يوصل النَّاس إلى الخير ، والصَّلاح فقد وصف ـ سبحانه ـ الكافرين في هذه الاية بثلاثة أشياء: الأول: البطر ، والثَّاني: الر ِّيَّء ، والثالث: الصَّدُّ عن سبيل الله. ونلحظ: أنَّ الله تعالى عبرَّ عن بطرهم ، بصيغة الاسم الدَّال ِّ على التَّمكين ، والثُّبوت ، وعن صد ِّهم بصيغة الفعل الدَّال على التجدُّد والحدوث 819.]) قال الإمام الرَّازي «إنَّ أبا جهلٍ ورَهْطَه ، وشيعتَه ، كانوا مجبولين على البطر ، والمفاخرة ، والعُجْب820])
عدد الصفحات ٢١٣بالنُّبوَّة ، ولهذا السَّبب ذُكِّر البطر ، والرئاء بصيغة اسم ، وذُكِّر الصَّدُّ عن سبيل الله بصيغة الفعل ، والله أعلم[»821.]) وقد جاء في تفسير هذه الاية عند القرطبي ِّ: أنَّ المقصود بالاية«يعني: أبا جهلٍ وأصحابه الخارجين يوم بدرٍ لنُصرة العِّير ، خرجوا بالقِّيَان ، والمغن ِّيات والمعازف ، فلمَّا وردوا الجُحفة ، بعث خُفافُ الكنانيُّ ـ وكان صديقاً لأبي جهلٍ ـ بهدايَّ إليه مع ابنٍ له ، وقال: إن شئتَ؛ أمددتك بالر ِّجال ، وإن شئتَ؛ أمددتك بنفسي مع مَنْ خفَّ من قومي ، فقال أبو جهل: إن كنا نقاتل اللهَ كما يزعم محمَّد؛ فوالله ما لنا بالله من طاقةٍ ، وإن كنَّا نقاتل النَّاس؛ فوالله إنَّ بنا على النَّاس لقوةً ، والله! لا نرجع عن قتال محمَّد حتََّّ نرد بدراً ، فنشربَ فيها الخمور ، وتعزف علينا القِّيانُ ، فإن بدراً موسمٌ من مواسم العرب ، وسوقٌ من أسواقهم ، حتََّّ تسمع العرب بَّخرجنا ، فتهابنا اخر الأبد ، فوردوا بدراً ، ولكن جرى ما جرى من هلاكهم[»822.]) سابعاً: موقف المشركين لمَّا قدموا إلى بدرٍ بين ِّ سبحانه وتعالى موقف المشركين لمَّا قدموا إلى بدرٍ ، قال تعا وَإِّنْ تـَنـْتـَهُوا فـَهُوَ خَيـْرٌ لَكُمْ وَإِّنْ تـَعُودُوا نـَعُدْ وَلَنْ تـُغْنيَِّ عَنْكُمْ فِّئـَتُكُمْ شَيـْئًا وَلَوْ كَثـُرَتْ وَأَنَّ اللَََّّ مَعَ الْمُؤْمِّنِّينَ }*[19. ] روى الإمام أحمد عن عبد الله بن ثعلبة: أنَّ أبا جهل قال حين التقى القومُ ـ في بدرٍ ـ اللَّهم! أقطعُنا للرَّحم ، واتانا ممَّا لا يُعرف ، فلَحِّنْهُ ـ أي: أهل كه ـ الغداةَ. فكان المُسْتـَفْتِّح5/431) وابن هشام2/280) والبيهقي في الدلائل3/74. ]) ومعنَّ الاية: إن تستنصروا اللهَ على محمَّد ، فقد جاءكم النَّصر ، وقد كانوا عند خروجهم من مكَّة سللوا الله أن ينصر أحقَّ الطَّائفتين بالنَّصر، فتهكَّم الله بهم، و سمَّى ما حلَّ بهم من الهلاك نصراً ، ومعنَّ بقيَّة الاية على هذا القول الانتهاء إ و نصرهم كما سلَّطناهم ، ونصرناهم في يوم بدرٍ أي كَثـُرَتْ مَعَ الْمُؤْمِّنِّينَو المخذول823.])
عدد الصفحات ٢١٤ولما وصل جيش مكَّة إلى بدرٍ ، دبَّ فيهم الخلاف ، وتزعزعت صفوفهم الدَّاخلية ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لمَّا نزل المسلمون ، وأقبل المشركون؛ نظر رسولُ الله (ص) إلى عُتـْبَةَ بنِّ ربيعةَ وهو على جملٍ أحمر ، فقال: «إن يكن عند أحدٍ من القوم خيرٌ ، فهو عند صاحب الجمل الأحمر ، إن يطيعوه؛ يـَرْشُدُوا»، وهو يقول: يَّ قوم! أطيعوني في هؤلاء القوم ، فإنَّكم إن فعلتم لن يزال ذلك في قلوبكم ، ينظر كلُّ رجلٍ إلى قاتل أخيه ، وقاتل أبيه ، فاجعلوا حقَّها برأسي ، وارجعوا ، فقال أبو جهل: انتفخ والله! سَحْ رُهُ824]) وأصحابه أكلة جزورٍ لو قد التقينا فقال عتبة: ستعلم من الجبان المفسد لقومه ، أما والله! إني ِّ لأرى قوماً يضربونكم ضرباً ، أما ترون كلن رؤوسهم الأفاعي ، وكلن وجههم السُّيوف1762) والهيثمي في مجمعالزوائد (6/76. ]) وهذا حكيم بن حزام ، يحد ِّثنا عن يوم بدرٍ ـ وكان في صفوف المشركين قبل إسلامه ـ قال: خرجنا؛ ح نزلنا العُدْوة الَّتي ذكرها الله ـ عزَّ وجلَّ ـ فجئتُ عُتبةَ بن ربيعة ، فقلت: يَّ أبا الوليد! هل لك أن تذهب بشرف هذا اليوم ما بقيت؟ قال: أفعل؛ ماذا؟ قلت: إنَّكم لا تطلبون من محمَّد إلا دم ابن الحَضْرَمِّي825]) ، واذْهبْ إلى ابن الحَنْظَليَّـة 826]) ابن عم ِّك؟فجئته ، فإذا هو في جماعةٍ من بين يديه ، ومن ورائه ، وإذا ابن الحَضْرَمي827]) على رأسه وهو يقول: قد فسخت عقدي من عبد شَس، وعقدي إلى بني مخزومٍ ، فقلت له: يقول لك عُتْبةُ بن ربيعة: هل لك أن ترجع اليوم عن ابن عم ِّك بَّن معك؟ قال: أما وجد رسولاً غَيـْرَ ك؟ قلت: لا ، ولم أكن لأكون رسولاً لغيره! قال حكيم: فخرجت مبادراً إلى عتبة؛ لئلا يفوتني من الخبر شيءٌ هشام (2/274 ـ275) والبيهقي في الدلائل3/65 ـ66. ]) فهذا عتبة بن ربيعة وهو في القيادة من قريشٍ لا يرى داعياً لقتال محمَّد (ص) ، وقد دعا قريشاً إ ترك محمَّدٍ؛ فإن كان صادقاً فيما يدعو إليه فعِّزُّهُ عِّزُّ قريش ، ومُلْكُهُ مُلْكُهَا ، وستكون أسعد النَّاس به ، وإن كان كاذباً فسيذوب في العرب ، وينتهي. ولكنَّ كبريَّء الجاهليَّة دائماً في كل ِّ زمانٍ ، ومكانٍ لا يمكن أن يتّك الحقَّ يتحرَّك؛ لأنهَّا تعلم أنَّ انتصارَه معناه: زوالهُا من الوجود ، وبقاؤه مكانها828.])
عدد الصفحات ٢١٥وهذا عُمَيرْ بن وَهْب الجُمَحِّي، ترسله قريش ، ليحزر لهم أصحاب محمَّد (ص) ، فَاسْتَجَال حول العسكر ثـمَّ رجع إليهم ، فقال: ثلاثمئة رجلٍ ، يزيدون قليلاً ، أو ينقصـون ، ولكن أمهلوني أنظـرْ أَلِّلْقَوْ مِّ كمينٌ ، أو مددٌ؟ قال فضرب في الوادي حتََّّ أَبْعد ، فلم يرَ شيئاً ، فرجع إليهم ، فقال: ما وجدت شيئاً ، ولكني ِّ قد رأيت يَّ معشرَ قريش ، الب 829])830]) نواضح831])832])سيوفهم ، والله! ما أرى أن يُقتل رجلٌ منهم حتََّّ يَقتل رجلاً منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خيرُ العيش بعد ذلك؟ فـَرَوْا رأيَكم833.]) وهذا أميَّـة بن خلف ، رفض الخروج من مكَّة ابتداءً؛ خوفاً من الموت ،«فلتاه أبو جهلٍ ، فقال: يَّ أ صفوان! إنَّك متَّ يراك النَّاسُ قد تخلَّفتَ؛ وأنت سيد أهل الوادي؛ تخلفوا معك ، فلم يزل به أبو جهل حتََّّ قال: أما إذْ غلبتني ، فوالله! لأشتّينَّ أجود بعيرٍ بَّكَّة ، ثمَّ قال أميَّة: يَّ أمَّ صفوان! جَه ِّزيني. فقالت له: يَّ أبا صفوان! وقد نسيتَ ما قال لك أخوك اليثربيُّ؟ تقصد سع د بن معاذ عندما قال له: سمعت رسول الله (ص) يقول: «إنهَّم قاتلوك»؟ قال: لا ، ما أريدُ أن أجوزَ معهم إلا قريباً ، فلمَّا خرج أُميَّـةُ أخذ لا يتّكُ منزلاً إلا عَقَلَ بعيرَه ، فلم يزل بذلك حتََّّ قتله اللهُ ـ عزَّ وجلَّ ـ ببدرٍ »[ (3950) والبيهقي في الدلائل (3/25 ـ27. ]) ومن دهاء أبي جهل ـ لعنه الله ـ أن سلَّط عُقبةَ بن أبي مُعَيْط ، على أميَّةَ بن خلف ، فلتاه عقبةُ بََّجْمَرةٍ يحملها ، فيها نارٌ ومجَْمَر (العود يتبخَّر به) ، حتََّّ وضعها بين يديه ، ثمَّ قال: استجمرْ؛ فإنمَّا أنت من الن ِّساء ، قال: قبَّحك الله ، وقبَّح ما جئت به! ثمَّ تجهَّز ، وخرج من النَّاس834.]) لقد كانت القوَّة المعنويَّة لجيش مكَّة ، متزعزعةً في النُّفوس ، وإن كان مظهره القوَّة ، والعزم ، والثبات ، إلا أنَّ في مخبره الخوفُ ، والجبَُ ، والتّدُّد 835.]) وكان لرؤيَّ عاتكة بنت عبد المط لب أثرٌ على معنويَّت أهل مكَّة؛ فقد رأت في المنام: أنَّ رجلاً استنفر قريشاً ، وألقى بصخرةٍ من رأس جبل أبي قـُبـَيْس بَّكَّة ، فتفتَّتت ، ودخلت سائر دُورِّ قريش ، وقد أثارت الرُّؤيَّ خصومةً بين العبَّاس ، وأبي جهلٍ ، حتََّّ قدم ضَمْضَمُ ، وأعلمهم بخبر القافلة ، فس كنت مكَّة ، وتأوَّلت الرُّؤ 836]) المطلب بن عبد مناف رأى رؤيَّ عندما نزلت قريش الجُحْفة ، فقد رأى رجلاً أقبل على فرسٍ حتََّّ وقف ، ومعه بعيرٌ له ، ثمَّ قال: قُتل عتبةُ بن ربيعة ، وشيبةُ بن ربيعة ، وأبو الحكم بن هشام ، وأميَّ ة بن خلف
عدد الصفحات ٢١٦، وفلان ، وفلانٌ ، فعدَّد رجالاً ممَّن قُتِّلَ يوم بدر من أشراف قريش ، ثمَّ رأيته ضرب في لَبَّة بعيره ، أرسله في العسكر ، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه نَضْحٌ837]) أَبا جهل هذه الرُّؤيَّ ، قال: وهذا أيضاً نبيٌّ اخر من بني المطلب ، سيعلم غداً من المقتول إن نحن التقينا838]) ثامناً: الوصف القرانيُّ لمواقع المسلمين والمشركين في أرض المعركة قال تعا الدُّنـْيَا وَهُمْ باِّلْعُدْوَةِّ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِّنْكُمْ وَلَوْ تـَوَاعَدْتمُّْ لاَخْتـَلَفْتُمْ فيِّ الْمِّيعَادِّ وَلَكِّنْ لِّيـَقْضِّيَ اللََُّّ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِّيـَهْلِّكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بـَي ِّنَةٍ وَيحَْيَا مَنْ حَيَّ عَ نْ بـَي ِّنَةٍ وَ إِّنَّ اللَََّّ لَسَمِّيعٌ عَلِّيمٌ[42. ] هذه الاية الكريمة توض ِّح الأماكن في غزوة بدرٍ ، وصوَّر لنا ـ سبحانه وتعالى ـ الحالة التي كان عليها الجيشان يوم اللقاء ، فقد كان المسلمون بجانب الوادي وحافته الأقرب إلى المدينة ، وكانت أرضه رخوةً ، تغوص فيها الأقدام ، ولم يكن هناك ماءٌ ، وكان الكفَّار بالجانب الاخر من الوادي ـ الأبعد من المدينة ـ وكانت أرضه ثابتةً ، وكان فيها ماءٌ ، وكان ركب العير الَّذي يقوده أبو سفيان بالقرب من ساحل البحر فقد ذكَّر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ المؤمنين بنعمته عليهم ، قال أَنـْتُمْ باِّلْعُدْوَةِّ الدُّنـْيَا المؤمنون وقت أن خرجتم من المدينة ، فسرتم حتََّّ كنتم أي: بجانب إلى المدينة المنوَّرة أي: والكفار بالجانب الأبعد الأقصىو بعيد بالن ِّسبة للمدينة ـ أي: وعِّيرُ البحر الأحمر على بـُعْدِّ ثلاثة أميالٍ منكم. وفي الاية تصوير ما دبَّر ـ سبحانه ـ من أمر غزوة بدرٍ؛ ليقضي أمراً كان مفعولاً؛ من إعزاز دينه ، وإعلاء كلمته ، حين وعد المسلمين إحدى الطَّائفتين؛ مبهمةً غير مبينةٍ ، حتََّّ خرجوا؛ ليلخذوا العير راغبين في الخروج ، وأقلق قريشاً ما بلغهم من تعرُّض المسلمين لأموالهم ، فنفروا؛ ليمنعوا عِّيرَهم ، وسبَّب الأسباب حتََّّ أناخ هؤلاء بالعدوة الدُّنيا ، وهؤلاء بالع دوة القصوى ، وراءهم العير يحامون عليها ، حتَّ قامت الحرب على ساقٍ ، وكان ما كان 839.]) وقوله تعالى: بيان لتدب مَفْعُولاً وإرادته النافذة؛ أي: ولو توا عدتم أنتم وهم على التلاقي للقتال هناك؛ لاختلفتم في الميعاد؛ لكراهتكم
عدد الصفحات ٢١٧للحرب على قلَّتكم ، وعدم إعدادكم شيئاً من العدَّة لها ، وانحصار هم ِّكم في أخذ العير ، ولأنَّ غرض الأكثرين منهم كان إنقاذ العير دون القتال أيضاً؛ لأنهَّم كانوا يهابون قتال رسول الله (ص) ، ولا يأمنون نصر الله له؛ لأنَّ كفر أكثرهم به كان عناداً ، أو استكباراً ، لا اعتقاداً أي: ولكن تلاقيتم هنالك على غ وحكمته: أنَّه واقعٌ لابدَّ منه ، وهو القتال المفضي إلى خزيهم ، ونصركم عليهم ، وإظهار دينه ، وصدق وعده لرسوله (ص) كما تقدَّم840.]) وقوله تعا قال الالوسي: أي: ليموت من يموت عن حجَّةٍ عاينها ، ويعيش من يعيش عن حجَّةٍ شاهدها ، فلا يبقى محلٌّ لتعليلٍ بالأعداد؛ فإنَّ وقعة بدرٍ من الايَّت الواضحة ، والحجج الغُر ِّ المحجَّلة 841.]) وقوله: تذييلٌ قُصِّدَ به التَّّغيب ، أي: لا يخفى عليه شيءٌ من أقوال أهل الإيمان ، عليمٌ بَّا تنطوي عليه قلوبهم ، وضمائرهم ـ وسيجازي ـ سبحانه ـ كلَّ إنسانٍ بَّا يستحقُّه مِّنْ ثوابٍ ، أو عقابٍ على حسب ما يعلم ، وما يسمع عنه 842.]) * * * المبحث الثَّا النَّبيُّ (ص) والمسلمون في ساحة المعر كة أولاً: بناء عريش القيادة: بعد نزول النَّبي ِّ (ص) والمسلمين معه ، على أدنى ماء بدرٍ من المشركين؛ اقتّح سعد بن معاذ على رسول الله (ص) بناء عريشٍ له؛ يكون مقر اً لقيادته ، ويأمن فيه من العدو ِّ ، وكان ممَّا قاله سعدٌ في اقتّاحه: «يَّ نبيَّ الله! ألا نبني لك عريشاً تكون فيه ، ونُعِّدُّ عندك ركائبك ، ثم نـَلْقَى عدوَّنا ، فإن أعزَّنا الله ، وأظهرنا على عدو ِّنا؛ كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى؛ جلستَ على ركائبك ، فلحِّقْتَ بَّن وراءنا ، فقد تخلَّف عنك أقوامٌ ، يَّ نبيَّ الله! ما نحن بأشدَّ لك حب اً منهم ، ولو ظنُّ وا أنَّك تلقى حرباً ، ما تخلَّفوا عنك ، يمنعك الله بهم ، يناصحونك ، ويجاهدون معك»فلثنَّ عليه النَّبيُّ (ص) خيراً ، ودعا
عدد الصفحات ٢١٨له بخيرٍ ، ثمَّ بنَّ المسلمون العريش لرسول الله (ص) ، على تل ٍ مشرفٍ على ساحة القتال ، وكان معه فيه أبو بكر رضي الله عنه ، وكانت ثـُلَّةٌ من شباب الأنصار ، بقيادة سعد بن معاذٍ ، يحرسون عريش رسول الله (ص 2/272 ـ273) والبيهقي في الدلائل3/44. ]) ويُستفاد من بناء العريش أمورٌ؛ منها 1 ـ لابدَّ أن يكون مكان القادة مشرفاً على أرض المعركة ، يتمكَّن القائد فيه من متابعة المعركة ، وإدارتها. 2 ـ ينبغي أن يكون مقرُّ القيادة امناً بتوافر الحراسة الكافية له 3 ـ ينبغي الاهتمام بحياة القائد ، وصونها من التعرُّض لأي ِّ خطرٍ 4 ـ ينبغي أن يكون للقائد قوَّةٌ احتياطيَّةٌ أخرى ، تعو ِّض الخسائر الَّتي قد تحدث في المعركة843.]) ثانياً: من نعمالله على المسلمين قبل القتال: من المِّنَن844]) وذلك قبل أن يلتحموا مع أعدائهم ، قال تعا السَّمَاءِّ مَاءً لِّيُطَه ِّرَكُمْ بِّهِّ وَيُذْهِّبَ عَنْكُمْ رِّجْزَ الشَّيْطَانِّ وَلِّيـَرْبِّطَ عَلَى قـُلُوبِّكُمْ وَيـُثـَب ِّتَ بِّهِّ الأَقْدَامَ [11. ] قال القرط«وكان هذا النُّعاس في الليلة الَّتي كان القتال من غدها ، فكان النَّوم عجيباً مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ِّ ، ولكنَّ الله ربط جلشهم. وعن علي ٍ رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المِّقْدَاد على فرسٍ أَبـْلَقَ ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائمٌ ، إلا رسول الله (ص) تحت شجرةٍ يُصل ِّي ، ويبكي حتََّّ أصبح. وفي امتنان الله عليهم بالنَّوم في هذه الليلة وجهانِّ: أحدهما: أنْ قوَّاهم بالاستّاحة على القتال من الغد. الثَّاني: أنْ أمَّنهم بزوال الرُّعب من قلوبهم ، كما يقال: الأمن مُنِّيمٌ ، والخوفُ مُسْهِّرٌ [»845.]) وبينَّ ـ سبحانه وتعالى ـ: أنَّه أكرم المؤمنين بإنزال المطر عليهم ، في وقتٍ لم يكن المعتاد فيه نزول الأمطار ، وذلك فضلاً منه ، وكرماً ، وإسناد هذا الإنزال إلى الله للتَّنبيه على أنَّه أكرمهم به.
عدد الصفحات ٢١٩قال الإمام الرَّازي«وقد عُلِّم بالعادة: أنَّ المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنباً ، ويغتمُّ إذا يتمكَّن من الاغتسال ، ويضطرب قلبه لأجل هذا السَّبب ، فلا جَرَمَ عدَّ ـ تعالى وتقدَّس ـ تمكينهم من الطَّهارة من جملة نعمه[»846.]) وقوله تعالى: فقد روى«نزل النَّبي (ص) ـ يعني حين سار إلى بدرٍ ـ والمسلمون بينهم وبين الماء رملةٌ دِّعْصَةٌ ـ أي كثيرةٌ مجتمعةٌ ـ فلصاب المسلمين ضعفٌ شديدٌ ، وألقى الشَّيطان في قلوبهم الغيظ ، فوسوس بينهم: (تزعمون: أنَّكم أولياء الله ، وفيكم رسوله ، وقد غلبكم المشركون على الماء ، وأنتم تصلون مجُْنِّبينَ) ، فلمطر الله عليهم مطراً شديداً ، فشرب المسلمون ، وتطهَّروا ، وأذهب الله عنهم رجز الشَّيطان ، وثبت الرَّمل حين أصابه المطر ، ومشى النَّاس عليه ، والدَّواب ، فساروا إلى القوم[»847.]) فقد بينَّ ـ سبحانه ـ: أنَّه أنزل على عباده المؤمنين المطر قبل المعركة ، فتطهَّروا به حس ِّي اً ، ومعنويَّ ً؛ إذ ربط الله به على قلوبهم ، وثبَّت به أقدامهم؛ وذلك: أنَّ النَّاظر في منطقة بدر يجد في المنطقة رمالاً متحر ِّكةً لا زالت حتََّّ اليوم ، ومن العسير المشي عليها ، ولها غبارٌ كبيرٌ ، فلمَّا نزلت الأمطار تماسكت تلك الر ِّمال ، وسَهُل السَّير عليها ، وانطفل غبارها ، وكلُّ ذلك كان نعمةً من الله على عباده848.]) ثالثاً: خطَّة الرَّسول (ص) في المعركة849:]) ابتكر الرَّسول (ص) في قتاله مع المشركين يوم بدرٍ أسلوباً جديداً في مقاتلة أعداء الله تعالى ، لم يكن معروفاً من قبل؛ حيث قاتل (ص) بنظام الصُّفوف850])القران الكر في قوله تعا[4. ] وصفة هذا الأسلوب: أن يكون المقاتلون على هيئة صفوف الصَّلاة ، وتقلُّ هذه الصُّفوف ، أو تكثر تـَبَعاً لقلة المقاتلين ، أو كثرتهم ، وتكون الصُّفوف الأولى من أصحاب الر ِّماح؛ لصد ِّ هجمات الفُرْسان ، وتكون الصُّفوف الَّتي خلفها من أصحاب الن ِّبال؛ لتسديدها من المهاجمين على الأعداء ، وكان من فوائد هذا الأسلوب في غزوة بدرٍ: 1 ـ إرهاب الأعداء ، ودلالةٌ على حسن وترتيب الن ِّظام عند المسلمين. 2 ـ جعل في يد القائد الأعلى (ص) قوَّة احتياطيَّة ، عالج بها المواقف المفاجئة في صد ِّ هجومٍ معاكس ، أو ضرب كمينٍ غير متوقَّعٍ ، واستفاد منه في حماية الأجنحة من خطر المشاة ، والفُرْسان ، ويعد تطبيق
عدد الصفحات ٢٢٠هذا الأسلوب لأوَّل مرَّةٍ في غزوة بدرٍ سبقاً عسكريَّ ً ، تميَّزت به المدرسة العسكريَّة الإسلاميَّة على غيرها منذ أربعةَ عَشَرَ قرناً من الزَّمان851.]) ويظهر للباحث في الس ِّيرة النَّبويَّة: أنَّ النَّبيَّ (ص) كان يباغت خصومه ببعض الأساليب القتالية الجديدة ، وخاصَّةً تلك الَّتي لم يعهدْها العرب من قبل ، على نحو ما قام به النَّبيُّ (ص) في يوم بدرٍ ، وأُحدٍ ، وغيرهما. فقد كانت العرب تقاتل بأسلوب الكَر ِّ والفَر ِّ ، وقد علَّق اللواء محمود شيت خطَّاب على كلا الأسلوبين القتاليين بقوله: «إنَّ القتال بأسلوب الكر ِّ ، والفر ِّ ، هو أن يهجم المقاتلون بكل ِّ قوَّتهم ع لى العدو ِّ؛ النَّشابة منهم ، والَّذين يقاتلون بالسُّيوف ، ويطعنون بالر ِّماح ، مشاةً ، وفـُرْساناً ، فإن ثبت لهم العدوُّ ، أو أحسُّوا بالضَّعف؛ نكصوا ، ثمَّ أعادوا تنظيمهم ، وكَرُّوا من جديدٍ ، وهكذا يكرُّون ، ويفرُّون حتََّّ يكتب لهم النَّصر ، أو الاندحار. و القتال بأسلوب الصَّف ِّ يكون بتّتيب المقاتلين صفَّين ، أو ثلاثة صفوفٍ ، أو أكثر ، على حسب عددهم ، وتكون الصُّفوف الأماميَّة من المسلمين مسلحةً بالر ِّماح؛ لصد ِّ هجمات الفُرْسان ، وتكون الصُّفوف المتعاقبة الأخرى مزوَّدةً بالن ِّبال؛ لرمي المهاجمين من الأعداء. وتبقى الصُّفوف بقيادة قائدها ، وسيطرته إلى أن يفتقد هجوم أصحاب الكر ِّ ، والفر ِّ زخمه وشدَّته ، عند ذاك تتقدَّم الصُّفوف متعاقبةً متساندةً للزَّحف على العدو ِّ ، ومطاردته عند هزيمته. ويرى الل ِّواء (خطاب) أنَّ أسلوب الصَّف ِّ يتميَّز عن أسلوب الكر ِّ ، والفر ِّ ، بأنَّه يؤمن التَّّتيب (بالعمق) ، فتبقى دائماً بيد القائد قوَّةٌ احتياطيَّة يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان؛ كلن يصدَّ هجوماً مقابلاً للعدو ، أو يضرب كميناً لم يتوقعه ، أو يحمي الأجنحة الَّتي يهددها العدوُّ بفُرْسانه ، أو مشاته ، ثمَّ يستثمر الفوز بهذا الاحتياط عند الحاجة[»852.]) وقد تحدَّث ابن خلدون عن الأساليب القتاليَّة الجديدة؛ الَّتي استحدثها النَّبيُّ (ص) في معاركه ، وال يكن للعرب عهدٌ بها ، فقال مشيراً إلى ذلك: «وكان أسلوب الحرب أوَّل الإسلام كلُّه زحفاً ، وكان العرب إنما يعرفون الكرَّ ، والفرَّ...[»853.]) وبينَّ أفضلية الأساليب الَّتي استحدثها النَّبيُّ (ص) بقوله «وقتال الزَّحف أوثق وأشدُّ من قتال الكر ِّ ، والفر ِّ؛ وذلك لأنَّ قتال الزَّحف ترتب فيه الصُّفوف ، وتسوَّى كما تسوى القداح ، أو صفوف الصَّلاة ،
عدد الصفحات ٢٢١ويمشون بصفوفهم إلى العدو ِّ قُدُم اً؛ فلذلك تكون أثبت عند المصارع ، وأصدق في القتال ، وأرهب للعدو ِّ؛ لأنَّه كالحائط الممتد ِّ ، والقصر المشيد لا يطمع في إزالته[»854.]) ومن جهة النَّظرة العسكرية فإنَّ هذه الأساليب تدعو إلى الإعجاب بشخصيَّة النَّبي ِّ (ص) ، وبراعته العسكريَّة؛ لأنَّ التَّعليمات العسكريَّة الَّتي كان يصدرها خلال تطبيقه لها ، تطابق تماماً الأصول الحديثة في استخدام الأسلحة855.]) وتفصيل ذلك: فقد اتَّبع (ص) أسلوب الد ِّفاع ولم يهاجم قوَّة قريشٍ ، وكانت توجيهاته التَّكتيكيَّة ال نفَّذها جنودُه بكل ِّ دقَّةٍ سبباً في زعزعة مركز ا لعدو ِّ ، وإضعاف نفسيته؛ وبذلـك تحقَّق النَّصر الحاسم ـ بتوفيق الله ـ على العدو ِّ برغم تفوُّقـه 856])3 إ1) ، فقد كان (ص) يتصرَّف في كل موقف حسب ما تدعو إليه المصلحة؛ وذلك لاختلاف مقتضيات الأحوال ، والظروف ، وقد طبَّق الرَّسول (ص) في الجانب الع سكري ِّ أسلوب القيادة التَّوجيهيَّة في مكانها الصَّحيح ، أمَّا أخذه بالأسلوب الإقناعي ِّ في غزوة بدرٍ؛ فقد تجلَّى في ممارسة فقه الاستشارة في مواضعَ متعد ِّدةٍ؛ لأنَّه (ص) لا يقود جنده بَّقتضى السُّلطة؛ بل بالكفاءة ، والث ِّقة ، وهو (ص) أيضاً لا يستبدُّ برأيه ، بل يتَّبع مبدأ الشُّورى ، وينزل على الرَّأي الَّذي يبدو صوابه ، ومارس (ص) في غزوة بدرٍ أسلوب القيادة التَّوجيهيَّة ، فقد تجلَّى في أمورٍ؛ منها857:]) الأمر الأوَّل: أمره (ص) الصَّحابة برمي الأعداء؛ إذا اقتّبوا منهم؛ لأنَّ الرَّمي يكون أقربَ إلى الإصابة هذه الحالة: «إن دنا القوم منكم؛ فانضحُوهم858]) »[2/278) والبيهقي الدلائل (3/81. ]) الأمر الثاني: نهيه (ص) عن سل ِّ السيوف إلى أن تتداخل الصُّفوف 859« :])ولا تسلُّوا السُّيوف حتََّّ يغشوكم »[2664. ]) الأمر الثالث: أمره (ص الصَّحابة بالاقتصاد في الرَّمي 860« :])واسْتـَبـْقُوا نـَبـْلَكم »[ (2/3984) و3985) وأبو داود2663.]) وعندما تقارن هذه التَّعليمات الحربيَّة بالمبادأى الحديثة في الد ِّفاع؛ تجد أنَّ رسول الله (ص) كان سباقاً إليها ، من غير عكوفٍ على الدَّرس ، ولا التحا قٍ بالكل ِّيات الحربيَّة ، فالنَّبيُّ (ص) يرمي
عدد الصفحات ٢٢٢مِّنْ وراء تعليماته الَّتي استعرضناها انفاً إلى تحقيق ما يُعرف حديثاً بكبت الن ِّيران إلى اللحظة الَّتي يصبح فيها العدوُّ في المدى المؤث ِّر لهذه الأسلحة ، وهذا ما قصده (ص) في قوله: «واسْتـَبْقوا نـَبْلكم»[ تخره فرصة الاستفادة من الظُّروف الطَّبيعية أثناء قتال الأعداء: ولم يهملْ (ص) فرصةَ الاستفادة من الظروف الطَّبيعية أثناء قتال العدو ِّ ، فقد كان يستفيد من كل ِّ الظُّروف في ميدان المعركة لمصلحة جيشه ، ومن الأمثلة على ذلك ما فعله (ص) قبل بدء القتال يوم بدرٍ ، يقول المقريزي: «وأصبح (ص) ببدرٍ قبل أن تنزل قريش ، فطلعت الشَّمس وهو يصفُّهم ، فاستقبل المغرب ، وجعل الشَّمس خلفه ، فاستقبلوا الشَّمس[»861.]) وهذا التَّصرُّف يدلُّ على حسن تدبيره (ص) ، واستفادته حتََّّ من الظُّروف الطَّبيعية ، لما يحق ِّق المصلحة لجيشه؛ وإنمَّا فعل ذلك لأنَّ الشَّمس إذا كانت في وجه المقاتل ، تسب ِّب له عَشَا862]) مقاومته ، ومجابهته لعدو ِّه863]) كالشَّمس ، والر ِّيح ، والتَّضاريس الجغرافيَّة ، وغيرها لهاثيرٌ عظيمٌ على موازين القوى في المعارك ، وهي من الأسباب الَّتي طلب الله منَّا الأخذ بها؛ لتحقيق النَّصر ، والصُّعود إلى المعا864.]) سَوَّاد بن غَزِّيَّة في الصفوف كان (ص) في بدرٍ يعد ِّل الصُّفوف ، ويقوم بتسويتها؛ لكي تكون مستقيمةً ، متّاصةً؛ وبيده سَهْ مٌ لا ريش له ، يـُعَد ِّل به الصَّف ، فرأى رجلاً اسمه سَوَّاد بن غَزِّيَّة وقد خرج من الصَّف ِّ ، فطعنـه (ص) في بطنـه ، وقال لـه: «استوِّ يَّ سَوَّاد»فقال: يَّ رسولَ الله! أَوْجَعْتَنِّـي! وقـد بعثك الله بالحـق ِّ ، والعـدل ، فلَقِّدْنـي865])ص) عن بطنه ، وقال«استَقِّدْ»، فاعتنقه ، فقبَّل بطنه ، فقال: «ما حملك على هذا يَّ سَوَّاد»قال: يَّ رسولَ الله! حضر ما ترى؛ فلردت أن يكون اخر العهد بك أن يمسَّ جلدي جلْدَك. فدعا له رسول2/278 ـ279.]) ويُستفاد من قصَّة سَوَّاد رضيالله عنه أمورٌ؛ منها: 1 ـ حرص الإسلام على الن ِّظام 2 ـ العدل المطلق: فقد أعطى رسول الله (ص) القَوَد من نفسه 3 ـ حب الجندي لقائده 4 ـ تذكُّر الموت ، والشَّهادة
عدد الصفحات ٢٢٣5 ـ جسد رسول الله (ص) مباركٌ ، ومسُّه فيه بركةٌ؛ ولهذا حرص عليها سَوَّاد 6 ـ بطن الرَّجل ليس بعورةٍ؛ بدليل: أنَّ النبي (ص) كشف عنه ، ولو كان عورةً؛ لما كشف عنه866.]) تحريض النَّبي ِّ (ص) أصحابه على القتال كان رسولُ الله (ص) يربي ِّ أصحابَه على أن يكونوا أصحاب إراداتٍ قويَّةٍ ، راسخةٍ، ثابتةٍ ، ثبات الشُّم867]) ، وجرأةً ، وأملاً في النَّصر على الأعداء ، وكان يسلك في سبيل تكوين هذه الإرادة القويَّة أسلوب التَّّغيب والتَّّهيب؛ التَّّغيب في أجر المجاهدين الثَّابتين ، والتَّّهيب من التولي ِّ يوم الزَّحف ، والفرار من ساحات الوَغَى 868]) النَّصر ، وأسبابه؛ ليلخذوا بها ، ويلتزموها ، ويحذ ِّرهم من أسباب الهزيمة؛ ليقلعوا عنها ، وينلوا بأنفسهم عن الاقتّاب منها869.]) وكان (ص) يحثُّ أصحابه على القتال ، ويحر ِّضهم عليه؛ امتثالاً لقوله تعا الْمُؤْمِّنِّينَ عَلَى الْقِّ تَال[65] وَحَر ِّضِّ الْمُؤْمِّنِّينَ عَسَى اللََُّّ أَنْ يَكُفَّ بأَْسَ الَّذِّينَ كَفَرُوا وَاللََُّّ أَشَدُّ بأَْسًا وَأَشَدُّ تـَنْكِّيلاً }* [84 ] . وفي غزوة بدرٍ الكبرى ، قال رسول الله (ص) لأصحابه: «قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السَّموات، والأرض»، فقال عُمَيـْرُ بنُ الحُمَامِّ الأنصاريُّ رضي الله عنه: يَّ رسولَ الله! جَنَّةٌ عرضُها السَّموات والأَرضُ؟! قال: «نعم»قال: بَخٍ ، بخٍ! (كلمة تعجب) ، فقال رسول الله (ص «ما يحملُك على قولك: بَخٍ بَخٍ؟! » قال: لا والله! يَّ رسولَ الله! إلا رجاءَ أن أكون من أهلها. قال «فإنَّك من أهلها»فلخرج تمراتٍ من قـَرَنِّهِّ (جعْبَة النُّشَّاب) ، فجعل يأكل منهنَّ ، ثم قال: لئن أنا حَيِّيتُ حتََّّ اكل تمراتي هذه ، إنهَّا لحياةٌ طويلةٌ، قال: فرمى بَّا كان معه من التَّمر، ثمَّ قاتلهم حتََّّ قُتل (1901. ]) وفي روايةٍ قال: قال أنسٌ رضي الله عنه: فرمى ما كان معه من التَّمر ، وقاتل؛ وهو يقول رَكْضاً إلى اللهِّ بِّغَيرِّْ زَادٍإلا التـُّقَى وَعَمَلَ المَعَادِّ والص بـْرَ في الله على الجِّهَادِّوكُلُّ زادٍ عُرْضَ ةُ النـَّفَادِّ غَيـْرَ التـُّقَى والبرِّ ِّ والرَّشَادِّ
عدد الصفحات ٢٢٤فقاتل ـ رحمه الله! ـ حتََّّ استُشْهِّد 870.]) ومن صور التَّعبئة المعنويَّة: أنَّه (ص) كان يبش ِّرهم بقتل صَنَادِّيد 871]) الطُّملْنينة ، كان يحد ِّد مكان قتل كل ِّ واحدٍ منهم 872)] القتال ، فيقول«أبشرْ أبا بكر »ووقف رسول الله (ص) يقول للصَّحابة ـ رضوان الله عليهم ـ«والذي نفسُ محمد بيده! لا يُقاتلهم اليومَ رجلٌ ، فـَيـُقْتَل صابراً محتسباً ، مقبلاً غيرَ مُدْبرٍ ، إلا أدخله الله الجنَّة» [ابن هشام2/279. ]) وقد أثَّرت هذه التَّعبئة المعنويَّة في نفوس أصحابه ـ رضوان الله عليهم ـ والَّذين جاؤوا من بعدهم بإحسانٍ873.]) وكان (ص) يطلب من المسلمين ألاَّ يتقدمَ أحدٌ إلى شيءٍ حتََّّ يكون دونه ، فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: .... فانطلق رسول الله (ص) ، وأصحابه حتََّّ سبقوا المشركين إلى بدرٍ ، وجاء المشركون ، فقال رسول الله (ص) : «لا يـَقْدُمَنَّ أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتَّ أكون أنا دونَه[»874]) فقال رسول الله (ص «قوموا إلى جنَّةٍ عَرْضُها السمواتُ والأرضُ»[ دعاؤه (ص) واستغاثته: قال تعا[ 9] إلى العريش الَّذي بُني له ، ومعه صاحبهأبو بكرٍ رضي الله عنه ، وسعد بن معاذٍ على باب العريش لحراسته؛ وهو شاهرٌ سَيـْفَه ، واتجَّه رسول الله (ص) إلى رب ِّـه يدعوه ، ويناشده النَّصر الَّذي وعده ، ويقول في دعائه: «اللَّهمَّ أَنجِّْزْ لي ما وعدتني! اللَّهُمَّ اتِّ ما وعدتني! اللَّهُمَّ إن تـُهْلِّكْ هذه العصابةَ من أهل الإسلام لا تـُعْبدْ في الأرض!»فما زال يهتفُ برب ِّه ، ماد اً يديه ، مستقبلَ القبلة ، حتََّّ سقط رداؤُهُ عن مَنْكَبيه ، فلتاه أبو بكرٍ ، فلخذ ردَاءَهُ ، فللقاه على مَنْكبيه ، ثمَّ التزمه من ورائه ، وقال: يَّ نبيَّ الله! كفاك مناشدتُك ربَّك ، فإنَّه سينجز لـكَ ما وعدك 1763) وأبو داود2690) والتّمذي (3081) وأحمد1/30]) وفي رواية ابن عباسٍ قال: قال النَّبيُّ (ص) يوم بدرٍ «اللَّهمَّ أنشُدُكَ عَهْدَكَ، ووعدك! ا للَّهُمَّ إن شئتَ لم تـُعْبَدْ »فلخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك، فخرج (ص) ؛ وهو يقول }*2915) وأحمد1/329) والبيهقي في الدلائل3/50.])
عدد الصفحات ٢٢٥