المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 02

علي محمد الصلابي

صفحة ١٥ من ١٩

وروى ابن إسحاق: أنَّه (ص) قال«اللَّهُمَّ هذه قريش ، قد أقبلت بخُيَلائها 875]) تحَُادُّك876])877]) »[ هشام2/273) والبيهقي في الدلائل3/110. ]) وهذا درسٌ رباَّنيٌّ مهمٌّ لكل ِّ قائدٍ ، أو حاكمٍ ، أو زعيمٍ ، أو فردٍ في التَّجرُّد من ال نَّفس. وحظ ِّها ، والخلوص ، واللُّجوء لله وحدَه ، والسُّجود ، والجُثـُو ِّ بين يدي الله سبحانه؛ لكي ينزل نصره ، ويبقى مشهد نبي ِّه؛ وقد سقط رداؤه عن كتفه؛ وهو مادٌّ يديه يستغيث بالله ، يبقى هذا المشهد محفوراً بقلبه ، ووجدانه ، يحاول تنفيذه في مثل هذه السَّاعات ، وفي مثل هذه المواطن ، حيث تناط به المسؤوليَّة ، وتُلقى عليه أعباء القيادة878.]) { بعد أن دعا (ص) ربَّه في العريش ، واستغاث بـه ، خرج من العريش ، فلخذ قبضـةً من التُّّاب ، وحصب بها وجوهَ المشركين ، وقال (ص) : «شاهتِّ الوجوه »[2/280]) أصحابه أن يَصْدُقوا الحملة إثرها ، ففعلوا ، فلوصل الله تعالى تلك الحصباء إلى أع المشركين ، فلم يبقَ أحدٌ منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله ، ولهذا قال الله تعا رَمَيْتَ وَ لَكِّنَّ اللَََّّ رَمَى [17] ونفى عنه الإيصال الَّذي لم يحصل برميته879.]) ونلحظ: أنَّ الرَّسول (ص) أخذ بالأسباب الماد ِّيَّة ، والمعنويَّة ، وتوكَّل على الله ، فكان النَّصر والتَّلييد من الله تعالى؛ فقد اجتمع في بدرٍ الأخذ بالأسباب بالقَدْرِّ الممكن ، مع التَّوفيق الرَّباَّني ِّ في تهيئة جميع أسباب النَّصر متعاونةً ، متكافئةً مع التلييدات الرَّباَّنيَّة الخارقة ، والغيبيَّة؛ ففي عالم الأسباب تشك ِّل دراسة الأرض ، والطَّقس ، ووجود القيادة والث ِّقة بها ، والرُّوح المعنويَّة لبناتٍ أساسيةً في صحَّة القرار العسكري ِّ ، ولقد كانت الأرض لمصلحة المسلمين ، وكان الطَّقس مناسباً للمعركة ، والقيادة الرَّفيعة موجودةً ، والث ِّقة بها كبيرة ، والرُّوح المعنويَّة مرتفعة ، وبعض هذه المعاني كان من الله بشكلٍ مب اشرٍ ، وتوفيقه ، وبعضها كان من فِّعْلِّ رسول الله (ص) أخذاً بالأسباب المطلوبة ، فتضافر الأخذ بالأسباب مع توفيق الله ، وزيدَ على ذلك التلييدات الغيبيَّة ، والخارقة؛ فكان ما كان ، وذلك نموذجٌ على ما يُعطاه المسلمون بفضل الله ، إذا ما صلحت الن ِّـيَّات عند الجند ، والقادة ، ووجدت الاستقامة على أمر الله ، وأخذ المسلمون بالأسباب880.])

عدد الصفحات ٢٢٦

* * * المبحث الثَّالث نشوب القتال وهزيمة المشركين اندلع القتال بين المسلمين والمشركين بالمبارزات الفرديَّة ، فخرج من جيش المشركين عتبة بن ربيعة ، وأخوه شيبة بن ربيعة ، وابنه الول يد ، وطلبوا المبارزة ، فخرج إليهم ثلاثةٌ من الأنصار؛ ولكنَّ الرَّسول (ص) أرجعهم؛ لأنَّه أحبَّ أن يبارزهم بعض أهله ، وذوي قرباه؛ ولذلك قال (ص) : «قم يَّ عُبيدة بن الحارث! وقم يَّ حمزة! وقم يَّ علي! »وبارز حمزةُ شيبةَ ، فقتله ، وبارز عليٌّ الوليدَ ، وقتله ، ورز عبيدةُ بن الحارث عتبةَ ، فضرب كلُّ واحدٍ منهما الاخر بضربةٍ موجعةٍ ، فكرَّ حمزة ، وعليٌّ على عتبة فقتلاه ، وحملا عبيدة ، وأتيا به إلى رسول الله (ص) ، ولكن ما لبث أن اسْتُشهد متلثراً بجراحه (2665([])881. ]) وفي هؤلاء الس ِّتَّة نزل قوله تعا { ناَرٍ يُصَبُّ مِّنْ فـَوْقِّ رُؤُوسِّهِّمُ الحَْمِّيمُ *يُصْهَرُ بِّهِّ مَا فيِّ بُطُونهِِّّمْ وَالجُْلُودُ *وَلهَُمْ مَقَامِّعُ مِّنْ حَد يدٍ *كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يخَْرُ جُوا مِّنـْهَا مِّنْ غَم ٍ أُعِّيدُوا فِّيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَْرِّيقِّ *إِّنَّ اللَََّّ يُدْخِّلُ الَّذِّينَ آمَنُوا وَعَمِّلُوا الصَّالحَِّاتِّ جَنَّاتٍ تجَْرِّي مِّنْ تحَْتِّهَا الأَنـْهَارُ يحَُلَّوْنَ فِّيهَا مِّنْ أَسَاوِّرَ مِّنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِّبَاسُ هُمْ فِّ يهَا حَرِّيرٌ *وَهُدُوا إِّلىَ الطَّيِّب ِّ مِّنَ الْقَوْلِّ وَهُدُوا إِّلىَ صِّرَاطِّ الحَْمِّيد [19 ـ24.] ولمَّا شاهد المشركون قـَتْلَ الثلاثة الَّذين خرجوا للمبارزة؛ استشاطوا غضباً ، وهجموا على المسلم هجوماً عاماً ، صمد ، وثبت له المسلمون ، وهم واقفون موقف الد ِّفاع ، ويرمونهم بالنَّبل ، كما أمرهم النَّبيُّ (ص) ، وكان شعار المسلمين: أَحَدٌ ، أحَدٌ ، ثمَّ أمرهم النَّبيُّ (ص) بالهجوم المضاد ِّ ، محر ِّضاً لهم على القتال ، وقائلاً لهم: «شُدُّوا»، وواعداً مَنْ يُقتل صابراً محتسباً بأنَّ له الجنَّة ، وممَّا ز اد في نشاط المسلمين ، واندفاعهم في القتال ، سماعُهم قولَ النَّبي ِّ (ص [ 45] رسولَ الله (ص) يَثبُ في الد رع وقد تقدَّمهم ، فلم يكن أحدٌ أقرب من المشركين منه ، وهو يقول: {882])

عدد الصفحات ٢٢٧

كان (ص) قد رأى في منامه ـ ليلة اليوم الَّذي التقى فيه الجيشان ، رأى ـ المشركين قليلاً ، وقد قص رؤيَّه على أصحابه؛ فاستبشروا خيراً ، قال تعا لَفَشِّلْتُمْ وَلَتـَنَازَعْتُمْ فيِّ الأَمْرِّ وَلَكِّنَّ اللَََّّ سَلَّمَ إِّنَّهُ عَلِّيمٌ بِّذَاتِّ الصُّدُور [43. ] والمعنَّ: أنَّ النَّبيَّ (ص) راهم ـ أي: رأى المشركين ـ في منامه قليلاً ، فقصَّ ذلك على أصحابه؛ فكان ذلك سبباً لثباتهم ، قال مجاهد: ولو راهم في منامه كثيراً؛ لفشلوا ، وجبنوا على قتالهم ، ولتنازعوا في الأمر: هل يلاقونهم أم لا؟ والمضارع في الاية بَّعنَّ الماضي؛ لأنَّ نزول الاية كان بعد الإراءة في المنام ، أي: عصمهم من الفشل، والتنازع، فقلَّلهم في ع882]) رؤيَّه على أصحابه، فكان ذلك تثبيتٌ لهم، وتشجيعهم، وجرأتهم على عدو ِّهم، وعند لقاء جيش المسلمين مع جيش المشركين رأى كلٌّ منهم عدد الاخر قليلاً. قال تعا أَمْرً ا كَانَ مَفْعُولاً وَإِّلىَ اللََِّّّ تـُرْجَعُ الأُمُورُ [44. ] وإنما قلَّلهم في أعين المسلمين؛ تصديقاً لرؤيَّ النَّبي (ص) ، وليعاينوا ما أخبرهم به ، فيزدادوا يقيناً ، ويجدُّوا في قتالهم؛ ويثبتوا ، قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة ، فلسرنا رجلاً منهم فقلنا له: كم كنتم؟ قال: ألفاً ، وقوله تعالى: حتََّّ قال قائل من المشركين: إنمَّا هم أكلة ووجه الحكمة ، واللُّطف بالمسلمين في هذا التَّقليل ، هو أنَّ إراءة المسلمين عدد الكافرين قليلاً ثبَّتهم ، ونشَّطهم ، وجرَّأهم على قتال المشركين ، ونزع الخوف من قلوب المسلمين من أعدائهم ، ووجه الحكمة في تقليل المسلمين في أعين المشركين ، هو أنهَّم إذا رأوهم قليلاً؛ أقدموا على قتالهم غيرَ خائفين ، ولا مبالين بهم ، ولا اخذين الحذر منهم ، فلا يقاتلون بجد ٍ ، واستعدادٍ ، ويقظةٍ ، وتحرُّزٍ ، ثمَّ إذا ما التحموا بالقتال فعلاً؛ تفجؤهم الكثرة ، فـَيـُبـْهَتُوا ، ويـَهَابُوا ، وتكسر شوكتُهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم ، وتقديرهم ، فيكون ذلك من أسباب خذلانهم ، وانتصار المسلمين عليهم 883.]) أولاًإمداد الله للمسلمين بالملائكة: ثبت من نصوص القران الكريم ، والسُّنَّة النَّبويَّة المطهَّرة ، ومرويَّت عددٍ من الصحابة البدريين: أنَّ الله تعالى ألقى في قلوب الذين كفروا الرُّعب.

عدد الصفحات ٢٢٨

قال تعاوا الَّذِّينَ آمَنُوا سَلُلْقِّي فيِّ قـُلُوبِّ الَّذِّينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِّبُوا فـَوْقَ الأَعْنَاقِّ وَاضْرِّبُوا مِّنـْهُمْ كُلَّ بـَنَانٍ 12] وَأَنـْتُمْ أَذِّلَّةٌ فَاتـَّقُوا اللَََّّ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *إِّذْ تـَقُولُ لِّلْمُؤْمِّنِّينَ أَلَنْ يَكْفِّيَكُمْ أَنْ يمُِّدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِّثَلاَثَةِّ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَئِّكَةِّ مُنـْزَلِّينَ *بـَلَى إِّنْ تَصْبرُِّوا وَتـَتـَّقُوا وَيأْتُوكُمْ مِّنْ فـَوْرِّهِّمْ هَذَا يمُْدِّدْكُمْ رَبُّكُمْ بخَِّمْ سَةِّ آلاَفٍ مِّنَ الْمَلاَ ئِّكَةِّ مُسَو ِّمِّينَ *وَمَا جَعَلَهُ اللََُّّ إِّلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِّتَطْمَئِّنَّ قـُلُوبُكُمْ بِّهِّ وَمَا النَّصْرُ إِّلاَّ مِّنْ عِّنْدِّ اللََِّّّ الْعَزِّيزِّ الحَْكِّيم[عمران 123 ـ126.] وأورد البخاريُّ ، ومسلمٌ ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم عدداً من الأحاد يث الصَّحيحة الَّتي تشير إلى مشاركة الملائكة في معركة بدرٍ ، وقيامهم بضرب المشركين ، وقتلهم884.]) عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال: بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ ، يَشْتَدُّ في أَثَـرِّ رجلٍ من المشرك أمامه؛ إذ سمع ضربةً بالسَّوْط فوقه ، وصوتَ الفارس يقول: أَقْدِّمْ حَيـْزُومُ 885]) أمامه فخرَّ مستلقياً ، فنظر إليـه فإذا هو خُطِّمَ أنفُه 886]) ذلك أَجمَْعُ، فجاء الأنصاريُّ ، فحدَّثَ بذلك رسولَ الله، فقال «صدقتَ ، ذلك من مَدَدِّ السَّماء الثالثة»،سبق تخريجه بدرٍ: «هذا جبريلُ اخِّذٌ برأس فرسه ، عليه أداةُ الحرب »[3995]) أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: فجاء رجلٌ من الأنصار قصيرٌ بالعباس بن عبد المطَّلب أس يراً، فقال العباس: يَّ رسولَ الله! إنَّ هذا والله! ما أسرني، لقد أسرني رجل أَجْلَحُ 887]) وجهاً ، على فرسٍ أَبـْلَقَ 888]) «اسكت، فقد أيَّدك الله بَّلكٍ كريمٍ »،1/117])«إ لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه؛ إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنَّه قتله غيري»[ (5/450) وابن هشام2/286. ]) «إنَّ إمداد الله تعالى للمؤمنين بالملائكة أمر قطعيٌّ ثابتٌ ، لاشكَّ فيه ، وإن الحكمة من هذا الإمداد تحصيل ما يكون سبباً لانتصار المسلمين ، وهذا ما حصل بنزول الملائكة ، فقد قاموا بكل ِّ ما يمكن أن يكون سبباً لنصر المسلمين ، من تبشيرهم بالنَّصر ، ومن تثبيتهم بَّا ألقوه في قلوبهم؛ من بواعث الأمل في نصرهم ، والنَّشاط في قتالهم ، وبَّا أظهر وه لهم من أنهَّم مُعانون من الله تعالى ، وأيضاً بَّا قام به بعضهم من الاشتّاك الفعلي ِّ في القتال ، ولاشكَّ: أنَّ هذا الاشتّاك الفعليَّ في

عدد الصفحات ٢٢٩

القتال قوَّى قلوبهَم ، وثبَّتهم في القتال ، وهذا ما دلَّت عليه الايَّت ، وصرَّحت به الأحاديث النَّبوية [»889.]) وقد يسلل سائل: ما الحكمة في إمداد المسلمين بالملائكة ، مع أنَّ واحداً من الملائكة كجبريل عليه السَّلام ، قادرٌ ـ بتوفيق الله ـ على إبادة الكفَّار؟ وقد أجاب الأستاذ عبد الكريم زيدان على ذلك ، فقال: لقد مضت سنَّة الله بتدافع الحق ِّ ، وأهله مع الباطل ، وأهله ، وأنَّ الغلبة تكون وَفْقاً لسنن الله في الغلبة ، والانتصار ، وأنَّ هذا التَّدافع يقع في الأصل بين أهل الجانبين: الحق ِّ والباطل ، ومن ثمرات التمسُّك بالحق ِّ ، والقيام بَّتطلَّباته أن يحصلوا على عونٍ ، وتأييد من الله تعالى بأشكالٍ ، وأنواعٍ متعد ِّدة من التلييد ، وال عون ، ولكن تبقى المدافعة ، والتدافع يجريَّن وَفْقاً لسنن الله فيهما ، وفي نتيجة هذا التَّدافع ، فالجهة الأقوى بكل ِّ معاني القوَّة اللازمة للغلبة هي الَّتي تغلب ، فالإمداد بالملائكة هو بعض ثمرات إيمان تلك العصبة المجاهدة ، ذلك الإمداد الَّذي تحقَّق به ما يستلزم الغلبة على العدو ِّ ، ولكن بقيت الغلبة موقوفةً على ما قدَّمه أولئك المؤمنون في قتالٍ ، ومباشرة لأعمال القتال ، وتعرُّضهم للقتل ، وصمودهم ، وثباتهم في الحرب ، واستدامة توكُّلهم على الله ، واعتمادهم عليه ، وثقتهم به ، وهذه معانٍ جعلها الله حسب سننه في الح ياة أسباباً للغلبة ، والنَّصر مع الأسباب الأخرى الماد ِّية؛ مثل العُدَّة ، والعَدد ، والاستعداد للحرب ، وتعلُّم فنونها ... إلخ ، ولهذا فإنَّ الإسلام يدعو المسلمين إلى أن يباشروا بأنفسهم إزهاق الباطل ، وقتال المبطلين ، وأن يهيئوا الأسباب الماد ِّيَّة ، والإيماني ة للغلبة والانتصار ، وبأيديهم ـ إن شاء الله تعالى ـ ينال المبطلون ما يستحقُّونه من العقاب890]) وَيَشْفِّ صُدُورَ قـَوْمٍ مُؤْمِّنِّينَ *وَيُذْهِّبْ غَيْظَ قـُلُوبهِِّّمْ وَيـَتُوبُ اللََُّّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللََُّّ عَلِّيمٌ حَكِّيمٌ [14 ـ15. ] إنَّ نزول الملائكة ـ عليهم السَّلام ـ من السَّموات العلا إلى الأرض؛ لنصر المؤمنين حدثٌ عظيمٌ؛ إنَّه قوَّةٌ عظمى ، وثباتٌ راسخٌ للمؤمنين؛ حينما يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان ، وأنهَّم إذا حققوا أسباب النَّصر ، واجتنبوا موانعه ، فإنهَّم أهلٌ لمدد السَّماء ، وهذا الشُّعور يعطيهم جرأةً في مقابلة الأعداء ، وإن كان ذلك على سبيل المغامرة ، لبُعد التكافؤ الماد ِّي ِّ بين جيش الكفار الكبيرِّ عدداً ، القوي ِّ إعداداً ، وجيش المؤمنين القليلِّ عدداً ، الضعيفِّ إعداداً.

عدد الصفحات ٢٣٠

وهو في الوقت نفسه عاملٌ قويٌّ في تحطيم معنوية الكفَّارِّ ، وزعزعة يقينهم ، وذلك حينما يشيع صفوفهم احتمال تَكْرَار نزول الملائكة؛ الَّذين شاهدهم بعض الكفَّار عَيَاناً ، إنهَّم مهما قدَّروا قوَّة المسلمين ، وعددهم؛ فإنَّه سيبقى في وجدانهم رعبٌ مزلزِّلٌ من احتمال مشاركة قوىً غير منظورةٍ ، لا يعلمون عددها ، ولا يقد ِّرون مدى قوَّتها ، وقد رافق هذا الشُّعورُ المؤمنين في كل ِّ حروبهم؛ الَّتي خاضها الصَّحابة رضي الله عنهم في العهد النَّبوي ِّ ، وفي عهد الخلفاء الرَّا شدين ، كما رافق بعض المؤمنين بعد ذلك ، فكان عاملاً قويَّ ً في انتصاراتهم المتكر ِّرة الحاسمة مع أعدائهم891.]) ثانياً: انتصار المسلمين على المشركين ، وحديث رسول الله (ص) لأهل القَليب892:]) انتهت معركة بدرٍ بانتصار المسلمين على المشركين ، وكان قتلى المشركينَ سبعين رجلاً ، وأُسِّر منهم سبعون ، وكان أكثرهم من قادة قريش ، وزعمائهم ، واسْتُشهد من المسلمين أربعةَ عَشَرَ رجلاً ، منهم ستَّةٌ من المهاجرين ، وثمانيةٌ من الأنصار، ولم ا تمَّ الفتحُ ، وانهزم المشركون؛ أرسل (ص) عبدَ الله بن رَوَاحة ، وزيدَ بن حارثة، ليبش ِّ را المسلمين في المدينة بنصر الله للمسلمين، وهزيمة المشرك 893.]) ومكث (ص) ثلاثـة أيََّّم في بدرٍ ، فقـد ذكر أنس بـن مالـكٍ عن أبي طلحة «أنَّ نبيَّ الله (ص وكان إذا ظَهَرَ على قومٍ: أقام بالعَرْصَة ثلاثَ ليالٍ »[3976]): 1 ـ تصفية الموقف بالقضاء على أيَّة حركةٍ من المقاومة اليائسة؛ الَّتي يحتمل أن يقوم بها فلول المنهزم الفار ِّين. 2 ـ دفن من استشهد من جند الله ، مما لا تكاد تخلو منه معركةٌ ، فقد دفن شهداء المسلمين في أرض المعركة ، ولم يَرِّدْ ما يشير إلى الصَّلاة عليهم ، ولم يُدفن أحدٌ منهم خارج بدرٍ894.]) 3 ـ جمع الغنائم ، وحفظها ، وإسناد أمرها إلى من يقوم بهذا الحفظ؛ حتَّ تـُؤَدَّى كاملةً إ مستحق ِّيها ، وقد أُسندت أنفال ، وغنائم بدر ، إلى عبد الله بن كعبٍ الأنصاري ِّ أحد بني مازنٍ895.]) 4 ـ إعطاء الجيش الظَّافر فرصةً يستّيح فيها ، بعد الجهد النَّفسي ِّ ، والبدني ِّ الْمُضْنيِّ الَّذي بذله أفراده في ميدان المعركة ، ويضم ِّد فيها جراح مجروحيه ، ويذكر نعم الله عليه فيما أفاء الله عليه من النَّصر المؤزَّر ، الَّذي لم يكن دانيَ القطوف ، سهلَ المنال ، ويتذاكر أفراده ، وجماعاته ما كان من أحداثٍ ومفاجات في الموقعة ، ممَّا كان له أثرٌ فعَّال في استجلاب النَّصر ، وما كان من فلانٍ في شجاعته وفدائيته ، وجرأته على اقتحام المضائق ، وتفريج الأزمات ، وما تكشَّفت عنه المعركة من دروسٍ عمليَّة في الكر ِّ ، والفر ِّ ،

عدد الصفحات ٢٣١

والتَّدبير المحكم الَّذي أخذ به العدو ، وما في ذلك من عبرَ ، واستذكار أوامر القيادة العليا ، وموقفها في رسم الخطط ، ومشاركتها الفعليَّة في تنفيذها؛ ليكون من كل ذلك ضياءٌ يمشون في نوره في وقائعهم المستقبلية ، ويجعلون منه دعائم لحياتهم في الجهاد الصَّبور ، المظفَّر بالنَّصر المبين. 5 ـ مواراة جِّيَف 896]) مكانتهم في حشودهم ، وعلى من بقي منهم مصروعاً بجراحه لم يدركه الموت؛ للإجهاز على من ترى قيادة جيش الإسلام المصلحة في القضاء عليـه؛ اتقـاءَ شر ِّه في المستقبل؛ كالذي كـان من أمر الفـاسق أبي جهل فرعون هذه الأمَّة ، والذي كان من شلن رأس الكفر أميَّة بن خلف ، وأضرابهما ، وقد أمر رسول الله (ص) بإلقـاء هؤلاء الأخباث في رَكِّي ٍ897])3976 ]) ، ثمَّ وقف على شفـة الرَّكي898]) وقد ورد: أنَّـه (ص) وقف على القتلى ، فقـال«بئس عشيرةُ النَّبي ِّ كنتم لنبي ِّكم ؛ كذَّبتموني ، وصدَّقني النَّاس، وخذلتموني، ونصرني النَّاس، وأخرجتموني، واواني النَّاس »[2/292 ـ293. ]) ثم أمر بهم، فسُحِّبوا إلى قَلِّيبٍ من قـُلُبِّ بدر، فطُرِّحوا في ه، ثم وقف عليهم فقال: «يَّ عتبةُ بنُ ربيعةَ! و شيبةُ بنُ ربيعةَ! ويَّ أُميَّةُ بنُ خلف! ويَّ أبا جهل بن هشام! ويَّ فلان! ويَّ فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حق اً ، فإني ِّ وجدت ما وعدني ربي حق اً »، فقال عمر بن الخطَّاب: يَّ رسولَ الله! ما تخاطب من أقوامٍ قد ج يَّفوا؟ فقال: «والَّذي نفسُ محمدٍ بيده! ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم ، غيرَ أنهَّم لا يستطيعون أن يردُّوا عليَّ شيئاً »[3976) ومسلم2873) و2874. ]) قال قتادة: أحياهم الله حتَّ أسمعهم قولَه ، توبيخاً ، وتصغيراً ، ونقمةً ، وحسرةً ، وندماًري في نهاية حديث (3976. ]) إنَّ مناداة الرسول (ص) لقتلى قريش بيَّنت أمراً عظيماً ، وهو أنهَّم بدؤوا حياةً جديدةً ، هي حياة البرزخ الخاصَّة ، وهم فيها يسمعون كلام الأحياء ، غير أنهَّم لا يجيبون ، ولا يتكلمون ، والإيمان بهذه الحياة من عقائـد المسلمين ، ونعيم القبر وعذابه ثابتان في صحاح الأحاديث ، حتََّّ إنَّه (ص) مرَّ بقبرين ، وقال: «إنهما لَيـُعَذَّبَـان ، وما يـُعَذَّبَـان في كبيرٍ»[218) ومسلم292]) تعذيبهما النَّمُّ بين النَّاس ، وعدمُ الاستنزاه من البـَوْل899])سليم بهذه الحقائق الغيبيَّة ، بعد أن تحدَّث عنها الصادق المصدوق (ص) ، وقطع بها القران الكريم في تعذيب ال فرعون ، قال

عدد الصفحات ٢٣٢

تعاذَاب [ر46. ] وأمَّا الشُّهداء فقد قال الله تعالى فيهم عِّنْدَ رَبه ِِّّمْ يـُرْزَقُونَ[عمران 169.] * * * المبحث الرَّابع مشاهد وأحداث من المعركة أولاً: مصارع الطُّغاة: أ ـ مصرع أبي جهل بن هشامٍ المخزومي ِّ: قال عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه: بـَيـْنَا أنا واقفٌ في الصَّف ِّ يوم بدرٍ ، فنظرتُ عن يميني ، وشَِّالي ، فإذا أنا بغُلاَمَينِّْ من الأنصار حديثة أَسْنَانهُما ، تمََنـَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بين أضلَعَ 900])ما ، فغمز901]) أخي؟! قال: أُخْبرِّْتُ أنَّه يَسُبُّ رسولَ الله (ص) ، والَّذي نفسي بيده! لئن رأيتُهُ لا يُفارقُ سوادي سوادَهُ؛ حتََّّ يموتَ الأعجلُ منا 902])غمزني الاخر ، فقال لي مِّثـْلَهَا ، فلم أَنْشَبْ903]) سللتُمَاني ، فابتدراه بسيفيهما ، فضرباه حتََّّ قتلاه ، ثمَّ انصرفا إلى رسول الله (ص) فلخبراه ، فقال «أيُّكما قَـتَـلَهُ؟» قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا قتلتُه! فقال«هل مَسَحْتُمَا سَيـْفَيْكُما؟»، قالا: لا. فنظر السَّيفين ، فقال: «كِّلاكُما قتله ، سَلَبُه لمعاذ بن عمرو بن الجَمُوح»وكانا: مُعاذَ بن عَفْرَاء ، ومُعَاذَ بن عمروِّ بن الجموح»[3141) ومسلم1752([])904 ]). وفي حديث أنسٍ قال: قال رسول الله (ص) يوم بدرٍ «مَنْ ينظر ما فعل أبو جهل؟ »فانطلق ابن مسعود ، فوجده قد ضرَبَه ابنا عفراء حتََّّ بـَرَدَ 905])

عدد الصفحات ٢٣٣

وهل فوقَ رجلٍ قتله قومُه؟ أو قال: قـَتَلتموه 3962) ومسلم1800/118. ]) وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال «أدركتُ أبا جهل يوم بدرٍ صريعاً ، فقلت: أيْ عدوَّ الله ، قد أخزاك الله! قال: وبم أخزاني؟ هل أَعْمُدُ من رجلٍ قتله قومه 906]) ، فجعلت أضربه ، ولا يحتك فيه شيءٌ ، ومعه سيفٌ له جي ِّدٌ ، فضر بتُ يده ، فوقع السَّيف من يده ، فلخذته ، ثمَّ كشفتُ المِّغْفَرَ عن رأسه ، فضربتُ عنقَه ، ثمَّ أتيتُ النبيَّ (ص) ، فلخبرته ، فقال: « الله الَّذي لا إله إلا هو؟»قلت: الله الَّذي لا إله إلا هو قال: فانطلق فاستثبت ، فانطلقتُ؛ وأنا أسعى مثلَ الطَّائر ، ثم جئتُ ، وأنا أسعى مثل الطائر أضحك ، فلخبرته. فقال رسول الله (ص) : «انطلق»فانطلقتُ معه فلريتُه ، فلمَّا وقف عليه (ص) قال «هذا فرعونُ هذه الأمَّة»[1/403 و444) وأبو داود2709) مختصراً كان الدَّافع من حرص الأنصاريـَّينِّْ الشَّابـَّينِّْ على قتل أبي جهلٍ م ا سمعاه من أنَّه كان يسبُّ رسولَ الله (ص) ، وهكذا تبلغ محبَّة شباب الأنصار لرسول الله (ص) ، إلى بذل النَّفس في سبيل الانتقام ممَّن تعرَّض له بالأذى. وما جرى بين عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه وأبي جهلٍ ـ وهو في الرَّمق الأخير من حياته ـ فيه عبرةٌ بليغةٌ ، فهذا الطَّاغية الذي كان شديد الأذى للمسلمين في مكَّة ، قد وقع صريعاً بين أيدي من كان يؤذيهم. ويشاء الله تعالى أن يكون الذي يقضي على اخر رمقٍ من حياته ، هو أحد المستضعفين ، ولقد كان أبو جهل مستكبراً جباراً؛ حتَّ؛ وهو صريعٌ وفي اخر لحظات حياته907])اء في روايةٍ لابن إسحاق: أنَّه قال لعبد الله بن مسعود لمَّا أراد أن يحتزَّ رأسه: «لقد ارتقيتَ مُرتقىً صعباً يَّ رُوَيْعِّي الغنم!»[2/289. ]) «فالله تعالى لم يُعج ِّلْ لهذا الخبيث أبي جهلٍ بضربات الأبطال من أشبال الأنصار فحسب ، ولكنَّه أبقاه مصروعاً في حالةٍ من الإدراك ، والوعي ، بعد أن أصابته ضرباتٌ أشفَتْ به على الهلاك الأبدي ِّ ، ليريه بعين بصره ما بلغه من المهانة ، والذُّل ِّ ، والخذلان على يد من كان يستضعفه ، ويؤذيه ، ويضطهده بَّكَّة من رجال الرَّعيل الأوَّل ـ السَّابقين إلى مظلَّة الإيمان ، وطُهْ ر العقيدة ، والتعبُّد لله بشرائعه الَّتي أنزلها رحمةً للعالمين ـ عبد الله بن مسعود رضي الله

عدد الصفحات ٢٣٤

عنه ، فيعلو على صدره ، ويدوسه بقدميه ، ويقبض على لحيته تحقيراً له ، ويقر ِّعه تقريعاً يبلغ من نفسه مجمع غروره ، واستكباره في الأرض ، ويستلُّ منه سيفه إمعاناً في البطش به ، فيقتله به ، ويمعن في إغاظته بإخباره: أنَّ النَّصر عقد بناصية جند الله ، وكتيبة الإسلام ، وأنَّ شَنَارَ908]) وعارها ، وخزيها ، وخذلانها قد رُزِّئَتْ909]) قاده هذا الكفور الخبيث[».910.]) ب ـ مصرع أميَّةَ بن خلف قال عبد الرَّحمن بن عوفٍ رضي الله عنه: «كَاتبتُ أُميةَ بنَ خلف كتاباً ، بأن يحفظ صَاغِّيَ911]) كَاتِّبْني باسمك الَّذي كان في الجاهليَّة ، فكاتبته (عبدُ عمرٍو). فلمَّا كان في يوم بدرٍ؛ خرجْتُ إلى جَبَلٍ لأُحْرِّزَهُ 912]) وقف على مجلسٍ من الأنصار ، فقال: أُميةُ بن خلف! لا نجوتُ إن نجا أميَّةُ ، فخرج معه فريق من الأنصار في اثارنا ، فلمَّا خَشِّيتُ أن يلحقونا خلَّفتُ لهم ابنَهُ لأشْغِّلَهم ، فقتلوه ، ثمَّ أَبَوا حتََّّ يـَتـْبـَعُونا ـ وكان رجلاً ثقيلاً 913]) فتَجَلَّلُوهُ914]) أحدُهم رجلي بسيفه ، وكان عبد الرَّحمن بن عوف يُرِّينا ذلك الأَثـَرَ في ظَهْرِّ قَدَمِّهِّ »[2301 و3971. ]) وفي روايةٍ أخرى لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: كان أُمَيَّةُ بن خلفٍ لي صديقاً بَّكَّة ، وكان اسمي عبدَ عمرٍو ، فتسمَّيتُ حين أسلمتُ عبدَ ا لرَّحمن ، ونحن بَّكَّة ، فكان يلقاني؛ إذ نحن بَّكَّة ، فيقول: يَّ عبدَ عمرو! أرغبتَ عن اسمٍ سمَّاكه أبواك؟ فلقول: نعم ، فيقول: فإني ِّ لا أعرف الرَّحمن؛ فاجعل بيني وبينك شيئاً أدعوك به ، أمَّا أنت فلا تجيبني باسمك الأوَّل ، وأما أنا فلا أدعوك بَّا لا أعرف! قال: فكان إذا دعاني: يَّ عبدَ عمرو! لم أجبْه ، قال: فقلت له: يَّ أبا علي ٍ! اجعلْ ما شئتَ! ، قال: فلنت عبدُ الإله ، قال: فقلت: نعم ، قال: فكنت إذا مررت به قال: يَّ عبدَ الإله! فلجيبه ، فلتحدث معه ، حتََّّ إذا كان يومَ بدرٍ؛ مررتُ به؛ وهو واقفٌ مع ابنه علي ٍ ، علي ِّ بن أميَّة ، اخذٌ بيده ، ومعي أدراعٌ قد استلبتُها ، فلنا أحملُها ، فلمَّا راني؛ قال لي: يَّ عبدَ عمرو ، فلم أجبْه ، فقال: يَّ عبدَ الإله! فقلتُ: نعم ، قال: هل لك فيَّ؛ فلنا خيرٌ لك من هذه الأدراع الَّتي

عدد الصفحات ٢٣٥

معك؟ قال: قلت: نعم ها الله ذا915])راع من يدي ، وأخذت بيده ، ويد ابنه ، وهو يقول: ما رأيتُ كاليوم قطُّ ، أما لكم حاجةٌ في اللَّبَ؟ (قال): ثمَّ خرجت أمشي بهما ، قال ابن هشام: يريد باللَّبَ: أنَّ من أسرني؛ افتديت منه بإبلٍ كثيرة الل 2/283 ـ284. ]) ونلحظ من الر ِّوايَّت السَّابقة: 1 ـ ما جرى من بلالٍ رضي الله عنه ، حينما رأى عدوَّه اللَّدود أميَّةَ بن خلفٍ؛ الَّذي كان يسومه أقسى ، وأعنف أنواع العذاب في مكَّة في يد عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه أسيراً؛ صرخ بأعلى صوته: (لا نجوت؛ إن نجا!). إنَّه موقف من مواقف التَّشف ِّي من أعداء الله ، والتَّشف ِّي من كبار الكفرة الفجَّار في الحياة الدُّنيا ، نعمةٌ يفر ِّج الله بها عن المكروبين من المؤمنين ، الَّذين ذاقوا الذُّلَّ ، والهوان على أيدي أولئك الفجرة الطُّغاة ، قال تعانْصُرْكُمْ عَلَيْهِّمْ وَيَشْفِّ صُدُورَ قـَوْمٍ مُؤْمِّنِّينَ *وَيُذْهِّبْ غَيْظَ قـُلُوبهِِّّمْ وَيـَتُوبُ اللََُّّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللََُّّ عَلِّيمٌ حَكِّيمٌ[14 ـ15. ] 2 ـ إنَّ فيما جرى لأُميَّةَ بن خلفٍ من قتلٍ مفزعٍ درساً بليغاً للطُّغاة المتج ين ، وعبرةً للمعتبرين؛ الَّذين يغتُّّون بقوَّتهم ، وينخدعون بجاههم ، ومكانتهم ، فيعتدون على الضُّعفاء ، ويسلبونهم حقوقهم ، فمالهم إلى عاقبةٍ سي ِّئةٍ ، ووخيمةٍ في الاخرة ، وقد يمك ِّن الله للضُّعفاء منهم في الدُّنيا قبل الاخرة؛ كما حدث لأُمَيةَ بن خلف ، وأضرابه من طغاة الكفر 916]) فيِّ الأَرْضِّ وَنجَْعَلَهُمْ أَئِّمَّةً وَنجَْعَلَهُمُ الْوَارِّثِّينَ [5. ] 3 ـ وفي قول عبد الرَّحمن بن عوف«يرحم الله بلالاً! ذهبتْ أدْراعي ، وفجع بأسيرَيَّ [»917]) استنجد بهم ، دليلٌ على قوَّة الر ِّباط الأخوي بين الصَّحابة الكرام918.]) 4 ـ موقف لأم ِّ صفوان بن أميَّة (زوجة أُميَّةَ بن خَلف): قيل لأم ِّ صفوان بن أميَّة بعد إسلامها ، وقد نظرت إلى الحُبَاب بن المنذر بَّكَّة: هذا الذي قَطَعَ رِّجْلَ علي ِّ بن أميَّة يوم بدرٍ ، قالت: دَعُونا من ذكْرِّ مَنْ قُتِّل على الش ِّرك! قد أهان الله علي اً بضربة الحُبَاب بن المنذر ، وأكرم اللهُ الحُبَابَ بضربه علي اً ، قد كان على الإسلام حين خرج من هاهنا ، فقُتِّلَ على غير ذلك919]) إيمانها ، ورسوخ يقينها؛ حيث اتَّضحت لها عقيدة الولاء والبراء ، فلصبحت تحبُّ المسلمين وإن كانوا من غير قبيلتها ، وتكره الكافرين وإن كانوا من أبنائها( 1.)

عدد الصفحات ٢٣٦

وقولها عن ابنها علي ٍ«قد كان عل ى الإسلام حين خرج من هاهنا ، فقُتل على غير ذلك»تعني: أنَّه كان ممَّن عُرف عنهم الإسلام بَّكَّة ، وخرجوا مع قومهم يوم بدرٍ مُكْرَهين فلمَّا التقى الصَّفَّان؛ فُتِّنوا حينما رأوا قلَّة المسلمين ، فقالوا: قد غَرَّ هؤلاء دينُهم920]){ : الْمُنَافِّقُونَ وَالَّذِّينَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِّ دِّينـُهُمْ وَمَنْ يـَتـَوَكَّلْ عَلَى اللََِّّّ فَإِّنَّ اللَََّّ عَزِّيزٌ حَكِّيمٌ [49. ] ج ـ مصرع عُبـَيْدَة بن سعيد بن العاص على يد الزُّبير رضي الله عنه «قال الزُّب بن العوَّام رضي الله عنه: لقيتُ يوم بدرٍ عُبْيدَةَ بن سعيد بن العاص ، وهو مُدَجَّجٌ 921 ]) لا يُرى منه إلا عيناه ، وهو يُكْنََّ أبا ذات الكَرِّش ، فقال: أنا أبو ذات الكَرِّش ، فحملت عليه بالْعَنـَزَة922])نَّ الزُّبيرَ قال: لقد وضعتُ رجلي عليه ، ثمَّ تمطَّلتُ ، فكان الجهد أن نزعتُها وقد انثنَّ طرفاها923.]) قال عُروْة: فسلله إيََّّها رسولُ الله (ص) ، فلعطاه، فلمَّا قُبض رسولُ الله (ص) أخذها، ثمَّ طلبها أبو بكر ، فلعطاه ، فلمَّا قُبض أبو بكر ، سلله إيََّّها عمر ، فلعطاه إيََّّها ، فلمَّا قُبض عمر أخذها، ثمَّ طلبها عثمان منه ، فلعطاه إيََّّها ، فلمَّا قُتل عثمان وقعت عند ال علي ٍ، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتََّّ قُتل »[3998. ]) «هذا الخبر يصو ِّر لنا دقَّة الزُّبير بن العوَّام رضي الله عنهإصابة الهدف؛ حيث استطاع أن يضع الحربة في عين ذلك الرَّجل ، مع ضيق ذلك المكان ، وكونه قد وزَّع طاقته بين الهجوم والد ِّفاع ، فلقد كانت إصابة ذلك الرَّجل بعيدةً جداً؛ لكونه قد حمى جسمه بالحديد الواقي؛ لكنَّ الزُّبير استطاع إصابة إحدى عينيه ، فكانت بها نهايته ، ولقد كانت الإصابة شديدة العمق؛ ممَّا يدلُّ على قوَّة الزُّبير الجسديَّة ، إضافةً إلى دقَّته ، ومهارته في إصابة الهدف[»924.]) د ـ مصرع الأسْود المَخْزُومي قال ابن إسحاق: وقد خرج الأَسْود المَخْزُوميُّ ، وكان رجلاً شرساً سَيى ِّءَ الخُلق ، فقال: أعاهدُ الله لأشربنَّ من حوضهم ، أو لأهدمنَّه ، أو لأموتنَّ دونه! فلمَّا خرج ، خرج إليه حمزة بن عبد المطلب ، فلمَّا التقيا ضربه حمزةُ فلَطن 925]) تَشْخُب926]) اقتحم فيه ، يريد أن يُبرَِّّ يمينه ، وأتبعه حمزة فضربه؛ حتََّّ قتله في الحوض 927.])

عدد الصفحات ٢٣٧

وقد سلل أميَّةُ بن خلف عبد الرحمن بن عوف ، عن الرَّجل المُعلم بريشة نعامةٍ في صدره؟ فلجابه عبد الرَّحمن: ذاك حمزة بن عبد المطلب ، قال أميَّةُ: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل928]) من أحد زعماء الكفر ، وهذا يعني: أنَّه رضي الله عنه قد أثخن في جيش الأعداء قتلاً ، وتشريداً929.]) وكان هذا أوَّل من قُتل من المشركين بيد أسد الله تعالى حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فقد جاء هذا اللَّئيم الشَّرِّس يتحدَّى المسلمين، فتصدَّ ى له بطل الإسلام حمزة ، فقضى عليه ، ولقَّن أمثاله من الحاقدين المتكبر ِّين درساً في الصَّميم 930.]) ثانياً: من مشاهد العظمة أ ـ استشهاد حارثة بن سُراقة رضي الله عنه: عن أنسٍ رضي الله عنه قال: أُصيب حارثةُ يومٍ بدرٍ ، وهو غلامٌ ، فجاءت أمُّه إلى النَّبي ِّ (ص) ، فقالت: يَّ رسول الله! قد عرفت منزلةَ حارثةَ مني ِّ ، فإن يكن في الجنَّة؛ أصبرْ ، وأحتسبْ ، وإن تكن الأخرى ، ترَ ما أصنعُ؟ فقال: «ويحكِّ! أَوَهَبِّلْتِّ! أَوجَنَّةٌ واحدةٌ هي؟ إنهَّا جنانٌ كثيرةٌ ، وإنَّه في جنة الفردوس »[3982])« يَّأمَّ حارثةَ! إنهَّا جنان في الجنَّة ، وإنَّ ابنك أصاب الفردوس الأعلى [»931.]) ب ـ استشهاد عوف بن الحارث رضي الله عنه قال ابن إسحاق: حدَّثني عاصم بن عمرو بن قتادة: أنَّ عوف بن الحارث ، وهو ابن عفراء932]) قال: يَّ رسول الله! ما يُضحِّكُ الرَّبَّ من عبده؟ ق ال: «غمسْةُ يده في العدو ِّ حاسراً933 »])فنزع درعاً كانت عليه ، فقذفها ، ثمَّ أخذ سيفه ، فقاتل القوم حتََّّ قُتل 934.]) وهذا الخبر يدلُّ على قوَّة ارتباط الصَّحابة الكرام بالاخرة ، وحرصهم على رضوان الله تعالى ، ولذلك انطلق عوف بن الحارث رضي الله عنه كالسَّ هم ، وهو حاسرٌ غير متدر ِّعٍ يثخن في الأعداء ، حتََّّ أكرمه الله بالشهادة ، لقد تغيرَّت مفاهيم المجتمع الجديد ، وتعلَّق أفراده بالاخرة ، وأصبحوا حريصين على مرضاته ، بعد أن كان جُلَّ هم ِّهم أن تتحدث النساءُ عن بطولاتهم ، ويرضى سيد القبيلة عنهم ، وتُنشد الأشعار في شجاعتهم935.]) ج ـ استشهاد سعد بن خيثمة ، ثمَّ أبيه رضي الله عنهما

عدد الصفحات ٢٣٨

قال الحافظ بن حجر: قال موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب: استهم يوم بدر سعد بن خيثمة ، وأبوه ، فخرج سهم سعدٍ ، فقال له أبوه: يَّ بُنيَّ! اثرني اليوم ، فقال سعد: يَّ أبتِّ! لو كان غير الجنَّة؛ فعلت ، فخرج سعدٌ إلى بدرٍ ، فقُتل بها ، وقتل أبوه خيثمة يوم أُحُدٍ936.]) وهذا الخبر يُعطي صورةً مشرقةً عن بيوتات الصَّحابة في تنافسهم ، وتسابقهم على الجهاد في سبيل تعالى؛ فهذا سعد بن خيثمة ، ووالده لا يستطيعان الخروج معاً؛ لاحتياج أسرتهما لبقاء أحدهما ، فلم يتنازل أحدهما عن الخروج رغبةً في نيل الشَّهادة ، حتََّّ اضطروا إلى الاقتّاع بينهما ، فكان الخروج من نصيب سعدٍ رضي الله عنهما ، وكان الابن في غاية الأدب مع والده؛ ولكنَّه كان مشتاقاً إلى الجنَّة ، فلجاب بهذا الجواب البليغ: «يَّ أبتِّ! لو كان غير الجن ة فعلتُ [»937.]) د ـ دعاء النَّبي ِّ (ص) لأبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة عن عائشة رضي الله عنها في حديثها عن طرح قتلى قريش في القَلِّيب بعد معركة بدرٍ ، قالت: فلمَّا أمر بهم ، فسُحبوا؛ عُرِّفَ في وجه أبي حذيفة بن عتبة الكراهية ، وأبوه يُسحب إلى القَليب ، فقال له رسول الله (ص) : «يَّ أبا حذيفة! والله لكلنَّه ساءك ما كان في أبيك؟ »فقال: والله يَّ رسول الله! ما شككت في الله ، وفي رسول الله ، ولكن إن كان حليماً سديداً ذا رأيٍ ، فكنت أرجو ألا يموتَ حتََّّ يهديه الله ـ عزَّ وجلَّ ـ إلى الإسلام ، فلمَّا رأيت: أنَّه قد فا ت ذلك ، ووقع حيث وقع؛ أحزنني ذلك! قال: فدعا له رسول الله (ص 3/224. ]) إنَّ هذا الموقف يبين ِّ قوة التَّجاذب بين الإيمان في ذِّرْوَةَ اليقين ، والعاطفة البشرَّية في قمَّة الوفاء النَّبوي ِّ؛ فالإيمان لا يمُيت المشاعر البشريَّة؛ ولكنَّه يهذ ِّبها ، فيحو ِّلها من عصبيةٍ جاهليَّةٍ ، إلى وفاءٍ لا ينكره المنهج الرَّباَّنيُّ في تطبيقه العملي ِّ؛ فإيمان أبي حذيفة رضي الله عنه إيمانٌ لا تهزُّه زلازل الأحداث ، فهو إذ يرى أباه يُقتل في أشراف قريشٍ كافراً ، ويُلقى معهم في قَلِّيب بدرٍ؛ يأخذه أسف العاطفة البشريَّ ة وفاءً لهذا الأب ، ويظلُّ أبو حذيفة مُزَمَّلاً بإيمانه الرَّاسخ رسوخ الأَطْوَاد938]) يعتّيه الاكتئاب على ما فات أباه من خيرٍ يرجوه له بالهداية إلى الإسلام939]) الَّذي أثار حزن أبي حذيفة ، دعا له رسول الله (ص) بخيرٍ940.]) هـ عُمَيرْ بن أبي وقَّاص: لمَّا سار رسول الله (ص) إلى بدرٍ ، وعُرض عليه جيش بدرٍ؛ ردَّ عُمَيرْ ابن أ وقَّاص ، فبكى عميرٌ ، فلجازه ، فعقد عليه حمائل سيفه ، ولقد كان عُمَيرْ يتوارى حتََّّ لا يراه رسولُ

عدد الصفحات ٢٣٩

الله (ص) ، فقال سعد: رأيت أخ ي عُمَيرْ بن أبي وقَّاص قبل أن يعرضنا رسولُ الله (ص) يوم بدر يتوارى ، فقلت: ما لك يَّ أخي؟ ! قال: إني ِّ أخاف أن يراني رسول الله (ص) ، فيستصغرَني، ويردَّني ، وأنا أحبُّ الخروج لعلَّ الله أن يرزقني الشَّهادة 941]) * * * فهرسالموضوعات الموضوع الصفحة الإهداء 4 المقد ِّمة5 الفصل الأوَّل أهمُّ الأحداث التَّاريخية قبل البعثة حتََّّ نزول الوحي المبحث الأول: الحضارات السَّائدة قبل البعثة ، وديَّناتها 13 أولاً: الإمبراطورية الرُّومانية13 ثانياً: الإمبراطورية الفارسيَّة14 ثالثاً: اند 14 رابعاً: أحوال العالم الد ِّينيَّة قبل البعثة المحمَّديَّة16 المبحث الثَّاني: أصول العرب وحضارتهم20 أولاً: أصول العرب20 ثانياً: حضارات الجزيرة العربيَّة22 المبحث الثَّالث: الأحوال الد ِّينيَّـة ، والس ِّياسيَّـة ، والاقتصاديَّة ، والاجتماعيَّـة،

عدد الصفحات ٢٤٠

والأخلاقيَّة عند العرب24 أوَّلاً: الحالة الد ِّينيَّة24 ثانياً: الحالة الس ِّياسيَّة 26 ثالثاً: الحالة الاقتصاديَّة27 رابعاً: الحالة الاجتماعيَّة29 خامساً: الحالة الأخلاقيَّة35 المبحث الرَّابع: أهم الأحداث قبل مولد الحبيب المصطفى (ص41 أولاً: قصَّةحفر عبد المطلب جد ِّ الن بي ِّ (ص) لزمزم 41 ثانياً: قصَّة أصحاب الفيل43 المبحث الخامس: من المولد النَّبوي ِّ الكريم إلى حلف الفُضول50 أوَّلاً: نسب النَّبي ِّ (ص50 ثانياً: زواج عبد الله بن عبد المطَّلب مِّنْ امنة بنت وهبٍ، ورؤيَّ امنة أم ِّ النَّبي (ص 51 ثالثاً: ميلاد الحبيب المصطفى (ص) 53 رابعاً: مرضعاتُه (ص54 خامساً: وفاة أم ِّه ، وكفالة جد ِّه ، ثمَّ عم ِّه59 سادساً: عمله (ص) في الرَّعي60 سابعاً: حفظ الله تعالى لنبي ِّه قبل البعثة63 ثامناً: لقاء الرَّاهب بحَِّيرا بالرَّسول (ص) وهو غلامٌ65 تاسعاً: حرب الفِّجار 66 عاشراً: حلف الفُضول67 المبحث السَّادس: تجارته لخديجة ، وزواجه منها ، وأهمُّ الأحداث إلى البعثة70 أوَّلاً: تجارته لخديجة ، وزواجه منها70 ثانياً: اشتّاكه في بناء الكعبة الشَّريفة73 ثالثاً: تهيئة النَّاس لاستقبال نبوَّة محمَّدٍ (ص75 الفصل الثَّا

عدد الصفحات ٢٤١