المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 02

علي محمد الصلابي

صفحة ١٢ من ١٩

أ ـ بسط هيبـة الدَّولـة في الدَّاخـل ، والخـارج: فقد استطاعت تلك السَّرايَّ والغزوات ، أن تلفت أنظار أعداء الدَّعوة ، والدَّولة الإسلاميَّة إلى قوَّة المسلمين ، وقدرتهم على ضرب أيَّة حركةٍ مناوئةٍ ، سواءٌ في الدَّاخل ، أو الخارج؛ حتََّّ لا يحَُد ِّث أحدٌ نفسَه بَّهاجمة الدَّولة الإسلاميَّة ، الَّتي لا يتوقَّف جيشها ليلَ نهارَ ، ممَّا أرهب الأفاعي اليهوديَّ ة ، والقبائل الوثنيَّة المحيطة بالمدينة ، وجعل الجميع يعمل ألف حسابٍ قبل أن تحد ِّثه نفسُه بغزو المدينة ، أو مناصرة أحدٍ من الأعداء عليها. والَّذي نلاحظه في حركة السَّرايَّ الز ِّيَّدة المستمرَّة في أعداد قوَّة تلك الغزوات ، والسَّرايَّ ، ومجيئها متتابعةً ليس بينها فاصلٌ زمنيٌّ على الإطلاق ، فلا تكاد السَّريَّة ، أو الغزوة تعود؛ حتََّّ تكون الَّتي بعدها قد خرجت؛ لتحقيق الهدف نفسه ، وهو ضرب مصالح قريش الاقتصاديَّة ، وقطع طرق تجارتها ، وخصوصاً إلى بلاد الشَّام؛ ممَّا كلَّفها زيَّدة عدد حرَّاس قوافلها ، وارتفاع قيمة بضائعها ، هذا غير الرُّعب ، والخوف الَّذي شعر به رجال القوافل القرشيَّة ، وأصحاب الأموال في مكَّة على حد ٍ سواءٍ698.]) ب ـ كسب بعض القبائل ، وتحجيم دَور الأعراب: لقد وادع رسولُ الله (ص) قبيلة جُهَيْنة ، وحالفها ، وكذلك بعض القبائل الضَّاربة في تلك المنطقة من أجل تحييدها في الص ِّراع الدَّائر بين مكَّة ، والمدينة ، والعمل على كسبها في هذا الص ِّراع؛ وذلك «لأنَّ الأصل: أنَّ هذه القبائل تميل إلى قريشٍ ، وتتعاون معها؛ إذ بينهما محُالفاتٌ تاريخيَّةٌ ، سمَّاها القران الكريم بالإيلاف 699])ا لتلمين تجارتها مع الشَّام ، واليمن[»700.]) وبعد أن اتَّفقت بعض القبائل مع رسول الله (ص) ، وعقدت معه معاهداتٍ ، أصبحت تشـك ِّل خطراً على تجارة قريش ، وصار المسلمون هم السَّادة في المنطقة701.]) وقام النَّبيُّ (ص) بتحجيم دور الأعراب؛ كي لا يكون لهم وجودٌفي طرق الت ِّجارة، فقد كان الأعراب يُشَك ِّلون قوَّة تهديدٍ للقوافل الت ِّجارية ، وكان المارُّ في مناطق نفوذهم ، لا يمرُّ إلا بإتاوة تُدْفع إليهم ، وحينما قامت الدَّولة الإسلاميَّة؛ لم يجدوا شيئاً منها؛ فجرَّبوا مهاجمتها ، وتولىَّ هذا كُرْزُ الفهريُّ؛ ولكنَّه وجد رسول الله (ص) يطارده إلى سفوان «بالقرب من بدرٍ مسافةً تبعد عن المدينة حوا150 كيلو متّاً »، وقد سمَّى أهلُ الس ِّير هذه المطاردة: غزوة بدر الصُّغرى ، وتُعدُّ هذه الغزوة درساً لكل ِّ الأعراب ، فلم يحصل: أنَّ أعرابيَّاً سوَّلت له نفسه أن يهاجم المدينة ب عد هذه المطاردة ، ومِّنْ ثمَّ لم تدفع الأمَّة الإسلاميَّة إتاواتٍ لقُطَّاع الطُّرق؛ بل أجبرتهم على الانسحاب، والدُّخول في ات ِّفاقاتٍ مع المسلمين؛ فلمنوا شرَّهم702.])

عدد الصفحات ١٧٨

ج ـ علاقة هذه السَّرايَّ بحركة الفتوح الإسلاميَّة: وقد استمرَّت حركة السَّرايَّ ، والبعوث ، وكانت بَّثابة تمريناتٍ عسكريَّةٍ تعبويَّةٍ ، ومناوراتٍ حيَّةٍ لجند الإسلام ، وكان هذا النَّشاط المتدف ِّق على شكل موجاتٍ متعاقبةٍ من جند الإسلام الأوائل ، دلالةً قاطعةً على أنَّ دولة الإسلام في المدينة ـ وبقيادة النَّبي ِّ القائد (ص) ـ كانت مثل خلية النَّحل ، لا تهدأ ، ولا تَكِّلُّ ، وإنَّ الباحث ليلحظ في حركة السَّرايَّ ، والبعوث ، والغزوات الكبرى في زمن النَّبي ِّ (ص) ، حرص الصَّحابة على المشاركة كقادة ، وجنود ، فكان (ص) يعدُّهم لتثبيت دعائم الدَّولة ، والاستعداد للفتوحات المرتقبة ، والَّتي ما فتلى (ص) يبش ِّر بها أصحابه بين الفَيـْنَة والأخرى في أوقات الحرب، والس ِّلم ، والخوف ، والأمن. إنَّه بنظرةٍ فاحصةٍ في قوَّاد وجنود تلك السَّرايَّ ، والبعوث ، تطالعنا أسماء لمعت كثيراً في تاريخ الفتح الإسلامي ِّ فيما بعـد؛ مثل: قائد فتوحات الشَّام ـ أمين الأمَّة ـ أبي عبيدة ب ن الجراح ، وسعد بن أبي وقاص صاحب القادسيَّـة ، وفاتـح المدائن ، وخالد بن الوليد سيف الله المسلول هازم الرُّوم في اليرموك ، وعمرو بن العـاص فاتح مصر ، وليبيا ، وغيرهم رضي الله عنهم. لقد التحق خالدٌ ، وعمرٌو فيما بعد بحركة السَّرايَّ ، وقادا بعضها بعد إسلامهم . لقد كانت السَّرايَّ والغزوات الَّتي أشرف عليها الحبيب المصطفى (ص) في حياته ، بَّثابة تدريبٍ حي ٍ نابضٍ؛ بل يمكن اعتبارها دورات أركـانٍ للقادة الَّذين فتحوا مشارق الأرض ، ومغاربها فيما بعد. إنَّ حياة الصَّحابة رضي الله عنهم ، خلال الأربع والعشرين ساعةً اليو ميَّة ، عبارةٌ عن تدريبٍ مستمر ٍ؛ فالبرنامج اليوميُّ المنتظم ، يبدأ مبك ِّراً من صلاة الفجر ، الَّتي تـُؤَدَّى في جماعةٍ مع قائدهم الأعلى (ص) ؛ الَّذي كان يحثُّهم على أداء هذه الصَّلاة جماعـة وفي وقتها ، موضحاً لهم ، ولأمَّتـه أنهَّـا المِّفْتاح العجيب ليوم مليءٍ بالنَّشاط والحيويَّة. قال (ص) : «يـَعْقِّدُ الشيطانُ على قافيـة رأس أحدكم إذا هو نـام ثلاثَ عُقَدٍ ، يضربُ مكان كل ِّ عقدةٍ: عليك ليلٌ طويلٌ ، فارقدْ ، فـإن استيقظ ، فذكر الله؛ انحلَّت عقدةٌ ، فإن توضَّل؛ انحلَّت عُقْدَةٌ ، فإن صلَّى؛ انحلت عُقَدُهُ كلُّ ها ، فلصبح نشيطاً طي ِّبَ النَّفس ، وإلا أصبحَ خبيثَ النَّفس كسلان »[1142) ومسلم776. ]) ثمَّ ينطلق كلٌّ منهم إلى عمله الَّذي تتخلَّله فتّات الصَّلوات الباقية؛ حتََّّ إذا ما صلَّوا الصَّلاة الاخرة (صلاة العشاء) ناموا ، حتَّ إذا ما أخذوا قسطـاً وافر اً من النَّوم أوَّل الليل إلى الثلث الأخير منه؛ قام معظمهم لأداء صلاة التَّهجُّد الَّتي تملأ قلوبهم روحانيَّةً ، وتكسبهم مزيداً من النَّشاط لأدائها في وقتٍ يكون الجسم فيه مرتاحاً.

عدد الصفحات ١٧٩

هذا بالإضافة إلى الاستعداد الدَّائم ، واليقظة التامَّة لمتطلبات دولة الإسلام ، فكانوا يقومون بنشاطاتٍ تدريبيَّةٍ مركَّزةٍ ، تتمثَّل في ركوب الخيل ، والسَّبق ، والر ِّماية ، وكان النَّبيُّ (ص) يحثُّهم على فعل ذلك؛ بل ويشاركهم فيه ، معطياً من نفسه القدوة ، وكان (ص) يرك ِّز على تعلُّم الر ِّماية كثيراً ، موض ِّحاً أنهَّا خير ما يعدُّ من قوَّةٍ استعداداً للكفَّار. وكان (ص) يشج ِّعهم على الص ِّناعة الحربيَّة ، المتمث ِّلة في ذلك الوقت في صناعة الأسهم ، ويخبرهم: أنَّ الأجر الذي غايته الجنَّة ينسحب على صانعها ، والمتنب ِّل بها ، والرَّامي بها ، فيروي لنا عقبة عن رسول الله (ص) قوله: «إنَّ الله يُدخل بالسَّهم الواحد ثلاثة نفرٍ الجنَّـة: صانعُه؛ الَّذي احتسب في صنعته الخير ، ومتنب ِّله703]) من أن تركبوا ، وليس من اللَّهو إلاَّ ثلاثة: تأديب الرَّجل فرسَه ، وملاعبته زوجتَه ، ورميه بنبله عن قوسه ، ومن عُل ِّم الرَّمي ثمَُّ تركه ، فهي نعمةٌ كفرها»[2513) والتّمذي 1637) والنسائي (6/222 ـ223) والحاكم2/95) والبيهقي في الشعب4301.] ) فيا لَهُ من عصرٍ تمسَّك فيه الصَّحابة رضي الله عنهم بالتعاليم القرانيَّة الرَّباَّنيَّة ، وعضُّوا عليها بالنواجذ ، وقاموا بتطبيقها حرفي اً في شتََّّ شؤون حياتهم ، فغزوا ، واستعلوا على أمم الأرض شرقاً ، وغرباً رغم قلَّتهم ، وبساطتهم! وحين ابتعد المسلمون عن تلك التَّعاليم ، وألقوا بها وراء ظهورهم؛ ركبهم الذُّلُّ ، والصَّغار ، وتداعت عليهم الأمم من أقطارها؛ بعد أن أصبحوا غثاءً كغثاء السَّيل. إنَّ المهمَّات ، والأهداف الَّتي سعت لتحقيقها السَّرايَّ ، والبعوث كانت تتفاوت تَبعاً لاختلاف الظُّروف المحيطة والحادثة ، فكانت السَّرايَّ الأولى في معظمها عبارةً عن دوريَّتٍ استطلاعيَّة ، واستكشافيَّة ، وجس ِّ نبضٍ ، ثمَّ تطوَّرت إلى سرايَّ اعتّاضيَّةٍ، تُوقع الرُّعب، والفزع في القوافل القرشيَّة ، وذلك قبل غزوة بدرٍ الفاصلة، وعندما قويت شوكة المسلمين بعدها؛ أصبحت مهمَّة بعض السَّرايَّ ، والبعوث تنصبُّ في تصفية الأفراد من أعداء الدَّولة الإسلاميَّة ، الَّذين يحاولون النَّيل من مسيرتها ؛ مثل كعب بن الأشرف ، والعصماء بنت مَرْوَان ، وأبي عفك ، فكان في قـَتْل كعب ردعٌ لليهود ، وقتل العَصْماء ، وأبي عفك ردعٌ للمشركين ، والمنافقين في المدينة. وعندما انقلبت الأمـور لغير صـالح المسلمين بعد أُحـدٍ؛ طمع الأعراب في خيرات المدينـة ، واستهانوا بالمسلمين لدرجة أنهَّم غـدروا ببعض البعوث التَّعليميَّـة ـ كما في الرَّجيع ، وبئر معونـة ـ غيرَّ تبعاً لذلك رسول الله (ص) (استّاتيجيَّتـه) العسكريَّـة ، فانتقل بالسَّرايَّ من قريشٍ إلى الأعراب؛ لتلديبهم بطريقةٍ

عدد الصفحات ١٨٠

صارمةٍ ، وسريعةٍ ، ومباغتةٍ ، وكان أهمَّ ما يم ِّيز تلك السرايَّ ، هجومُها التَّعرضيُّ للأعراب قبل تحشُّدهم ، وجمع أمرهم بالهجوم على المسلمين. وظلَّت السَّرايَّ ، والبعوث النَّبويَّة تؤد ِّي دورها ، وتقوم بَّهام ِّها الخاصَّة لخدمة أهداف الدَّعوة ، فمن دوريَّتٍ قتاليَّةٍ ، إلى سرايَّ تعقُّبيَّةٍ ، وأخرى تمويهيَّةٍ ، حتََّّ إذا ما توطَّد الأمر للمسلمين بعد فتح مكَّة ، اهتمَّ النَّبيُّ (ص) بإزالة كل ِّ ما يمتُّ للوثنيَّة بصلةٍ ، فبعث السَّرايَّ ، والبعوث من مكَّة لتحطيم بقيَّة رموز الش ِّرك ، والوثنيَّة ، فانطلقت السَّرايَّ لتحطيم العُزَّى ، ومناة ، واللاَّت ، وسُواع ، وذي الخَلصة704]) الوثنيَّة705.]) وبعد ذلك انطلقت دعوة الإسلام في أرجاء الجزيرة ، ودخل النَّاس في دين الله أفواجاً ، ثمَّ تحرَّكت الجيوش الرَّاشديَّة بعد وفاة الرَّسول (ص) ؛ لنشر دين الله في المعمورة ، وإزالة كل ِّ العوائق ، والقوى الَّتي تقف في وجه الدَّعوة. لقد أدهشت النتائج السَّريعة الإيجابيَّة لحركة الفتوح الإسلاميَّة جميع المحل ِّلين على اختلاف ديَّناتهم ، وأفكارهم ، ومشاربهم؛ ولكن ستزول دهشة المحل ِّلين المنصفين ، عندما يقرؤون تلك التَّعاليم ، والوصايَّ النَّبويَّة لقوَّاد ، وجنود السَّرايَّ ، والبعوث ، والَّتي هي نواة حركة الفتوح الإسلاميَّة ، والَّتي صارت تتكرَّر على ألسنة الخلفاء ، وقادة جيوش الفتوح ، وتظهر في أعمالهم فيما بعد 706.]) عن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله (ص) إذا بعث جيشاً؛ قال«انطلقوا باسم الله ،تقتلوا شيخاً فانياً ، ولا طفلاً صغيراً ، ولا امرأةً ، ولا تغلُّوا ، وضمُّوا غنائمكم ، وأصلحوا ، وأحسنوا ، إنَّ الله يحبُّ المحسنين »[2614) والبيهقي في السنن الكبرى9/90) وعبد الرزاق في المصنف (9430. ]) وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: كان رسول (ص) إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره؛ قال: «بَش ِّروا ، ولا تـُنـَف ِّروا ، ويَس ِّرُوا ، ولا تـُعَس ِّرُوا »[1732) وأبو داود 4835) وأحمد (4/399.]) * * *

عدد الصفحات ١٨١

المبحث الخامس استمرارية البناء التَّّبوي ِّ والعلمي ِّ كان من أوائل ما نزل من القران الكريم في العهد المدني ِّ مقد ِّماتُ سورة البقرة ، الَّتي تحدَّثت عن صفات أهل الإيمان ، وأهل الكفر ، وأهل الن ِّفاق ، ثمَّ إشارة لأهل الكتاب ـ اليهود والنَّصارى ـ وكان التَّّكيز على بيان حقيقة اليهود؛ لأنهَّم الذين تصدَّوا للدَّعوة الإسلاميَّة من أوَّل يومٍ د خلت فيه المدينة ، وتتضمَّن سورة البقرة جانباً طويلاً منها لشرح صفة يهود ، وطباعهم707.]) والملاحظ: أنَّ سورة البقرة ـ وهي من أوائل ما نزل في العهد المدني ِّ ـ كانت توج ِّه الدَّعوة للنَّاس أجمع أن يدخلوا في دين الله ، وأن يتوجَّهوا له بالعبادة. قال تعالى: { وَالَّذِّينَ مِّنْ قـَبْلِّكُمْ لَعَلَّكُمْ تـَتـَّقُونَ *الَّذِّي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِّرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِّنَاءً وَأَنـْزَلَ م نَ السَّمَاءِّ مَاءً فَلَخْرَجَ بِّهِّ مِّنَ الثَّمَرَاتِّ رِّزْقًا لَكُمْ فَلاَ تجَْعَلُوا للََِِّّّّ أَنْدَادًا وَأَنـْتُمْ تـَعْلَمُونَ[21 ـ22. ] وكانت الايَّت القرانيَّة في العهد المدني ِّ تحذ ِّر المسلمين من الات ِّصاف بصفات المنافقين ، وتوض ِّح خطورة المنافقين على المجتمع النَّاشلى والدَّولة الجديدة ، ولم تظهر حركة الن ِّ فاق ضدَّ المجتمع ، والدَّولة المسلمة إلا في العهد المدني ِّ؛ لأنَّ المسلمين في مكَّة «لم يكونوا من القوَّة ، والنُّفوذ في حالةٍ تستدعي وجود فئةٍ من النَّاس ترهبهم ، أو ترجو خيرهم ، فتتملَّقهم ، وتـَتـَزَلَّف إليهم في الظَّاهر ، وتتامر عليهم ، وتكيد لهم ، وتمكر بهم في الخفاء ، كما كان شلن المنافقين بوجهٍ عام.. والايَّت تتضمَّن أوصاف ، وأخبار ، ومواقف المنافقين. والحملات عليهم كثيرةٌ جداً ، حتََّّ لا تكاد تخلو سورةٌ مدنيَّةٌ منها ، وخاصَّةً الطَّويلة ، والمتوسطة ، وهذا يعني: أنَّ هذه الحركة ظلَّت طِّيلَةَ العهد المدني ِّ تقريباً ، وإن كانت أخذت تضعف من بعد نصفه الأوَّل[»708.])

عدد الصفحات ١٨٢

واستمرَّ القران المدنيُّ يتحدَّث عن عظمة الله ، وحقيقة الكون ، والتَّّغيب في الجنة ، والتَّّهيب من النَّار ، ويشر ِّع الأحكام لتّبية الأمَّة ، ودعم مقومات الدَّولة ، الَّتي ستحمل نشر دعوة الله بين النَّاس قاطبةً709]) وكانت مسيرة الأمَّة العلميَّة تتطوَّر مع تطور مراحل الدَّعوة ، وبناء المجتمع وتأسيس الدولة ، وقد أشاد القران الكريم بالعلم ، والَّذين يتعلَّمون ، ورُويت أحاديث عن تقدير الرَّسول (ص) للعلم ، وتضمَّنت كتبُ الح ديث أبواباً عن العلم. لقد أيقنت الأمَّة: أنَّ العلم من أهم مقو ِّمات التَّمكين؛ لأنَّه من المستحيل أن يمك ِّن الله تعالى لأمَّةٍ جاهلةٍ ، متخل ِّفةٍ عن ركاب العلم. وإنَّ النَّاظر للقران الكريم؛ ليتّاءى له في وضوحٍ: أنَّه زاخرٌ بالايَّت الَّتي ترفع من شلن العل م ، وتحثُّ على طلبه وتحصيله ، فقد جعل القرانُ الكريم العلم مقابلاً للكفر710]) يحَْذَرُ الآخِّرَةَ وَيـَرْجُو رَحمَْةَ رَب ِّهِّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِّي الَّذِّينَ يـَ عْلَمُونَ وَالَّذِّينَ لاَ يـَعْلَمُونَ إِّنمََّا يـَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِّ }*[9.] وإنَّ الشَّيء الوحيد؛ الَّذي أمر الله تعالى رسوله (ص) أن يطلب منه الز ِّيَّدة هو العلمُ. قال تعا رَب ِّ زِّدْنيِّ عِّلْمًا [114]ةٍ ميَّز الله تعالى بها ادم عليه السلام هي العلم. قال تعا إِّنْ كُنـْتُمْ صَادِّقِّينَ }*[31. ] واستمرَّ النَّبيُّ (ص) في منهجه التَّّبوي ِّ يعل ِّم أصحابه ، ويذك ِّرهم بالله ـ عزَّ وجلَّ ـ ويحثُّهم على مكارم الأخلاق ، ويوض ِّح لهم دقائق الشَّريعة ، وأحكامها ، وكان توجيهه (ص) لأصحابه أحياناً فرديَّ ً ، ومرَّةً جماعي اً، وترك لنا الحبيب المصطفى (ص) ، ثروةً هائلةً في وسائله التَّّبويَّة في التَّعليم ، وإلقاء الدُّروس ، فقد راعى (ص) الوسائل التَّّبويَّة؛ الَّتي تعين على الحفظ ، وحسن التلق ِّي ، وتؤد ِّي إلى استقرار الحديث في نفوس وأفئدة الصَّحابة الكرام رضي الله عنهم؛ فمن هذه الوسائل والمبادأى العظيمة النَّافعة711 ]) في العهد المكي ِّ ، والمدني ِّ: أولاً: أهم هذه الوسائل والمبادأى التَّّبوية: 1 ـ تكرار الحديث ، وإعادته

عدد الصفحات ١٨٣

فذلك أسهل في حفظه ، وأعون على فهمه ، وأدعى لاستيعابه ، ووعي معانيه؛ ولذلك حَرَص الن (ص) على تكرير الحديث في غالب أحيانه ، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه ، عن النَّبي ِّ (ص) : أنَّ ه كان إذا تكلَّم بكلمةٍ أعَادَها ثلاثاً؛ حتََّّ تـُفْهَمَ عنه ، وإذا أتى على قومٍ ، فسَلَّمَ عليهم؛ سَلَّمَ عليهم ثَلاثاً95. ]) 2 ـ التلني ِّ في الكلام والفصل بين الكلمات كان (ص) يتلنىَّ ولا يستعجل في كلامه ، بل يفصل بين كلمةٍ ، وأخرى ، حتََّّ يس هل الحفظ ، ولا يقع التَّحريف والتَّغيير عند النَّقل ، وبلغ من حرص النَّبي ِّ (ص) على ذلك: أنَّه كان يَسْهُل على السَّامع أن يـَعُدَّ كلماته (ص) ؛ لو شاء712]) عنها قالت«ألا يُعجبُك أبو فلان«أبو هريرة »؟ جاء ، فجلس إلى جانب حجرتي يحَُد ِّث عن رسول الله (ص) ، يُسْمِّعُني ذلك ، وكنت أُسب ِّحُ713]) عليه ، إنَّ رسول الله (ص) لم يكن يَسْرُدُ الحديث كسَرْدِّكم»[3568. ]) 3 ـ الاعتدال ، وعدم الإمل ، واختيار الوقت المناسب: كان (ص) يقتصد في تعليمه؛ في مقدار ما يلقيه ، وفي نوعه ، وفي زمانه؛ حتََّّ لا يملَّ الصَّحابة ، وحتََّّ ينشطوا لحفظه ، ويسهل عليهم عَقْلُهُ ، وفهمه ، فعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: كان النَّبيُّ (ص) يَتخوَّلُنا714])الأيَّم؛ كراهةَ السَّامةِّ علينا68. ]) 4 ـ ضرب الأمثال للمثل أثرٌ بالغٌ في إيصال المعنَّ إلى العقل ، والقلب؛ ذلك: أنَّه يقد ِّم المعنويَّ في صورةٍ حس ِّيَّةٍ ، فيربطه بالواقع ، ويقر ِّبه إلى الذ ِّهن؛ فضلاً عن أنَّ للمثل بَّختلف صوره بلاغةً تأخذ بَّجامع القلوب ، وتستهوي العقول ، وبخاصَّةٍ عقول البلغاء؛ ولذلك استكثر القران من ضرب الأمثال ، وذكر حكمة ذلك في ايَّتٍ كثيرة ، فقال تعا [43]د ِّعًا مِّنْ خَشْيَةِّ ا وَتِّلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِّبـُهَا لِّلنَّاسِّ لَعَلَّهُمْ يـَتـَفَكَّرُونَ [21. ] إلى غير ذلك من الايَّت ، وعلى هذا المنهج الكريم سار النَّبيُّ (ص) ، فاستكثر من ضرب الأمثال ، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «حفظتعن رسول الله (ص) ألف مثلٍ [»715.])

عدد الصفحات ١٨٤

وقد أُل ِّفت كتبٌ متعد ِّدةٌ في الأمثال في الحديث النَّبوي ِّ؛ من أقدمها كتاب: (أمثال الحديث)، للقاضي أبي محمَّد الحسن بن عبد الرَّحمن بن خلاَّد الرَّامَهُرْمُزِّي ِّ ، (ت 360هـ716.]) 5 ـ طرح المسائل إنَّ طرح السُّؤال من الوسائل التّبويَّة المهمَّة في ربط التَّواصل القوي ِّ بين السَّائل والمسؤول ، وفتح ذهن المسؤول ، وتركيز اهتمامه على الإجابة ، وإحداث حالة من النَّشاط الذ ِّهني ِّ الكامل؛ ولذلك استخدم النَّبيُّ (ص) السُّؤال في صورٍ متعد ِّدةٍ لتعليم الصَّحابة؛ ممَّا كان له كبير الأثر في حسن فهمهم ، وتمام حفظهم ، فلحياناً يوج ِّه النَّبيُّ (ص) السُّؤال لمجرد الإثارة ، والتَّشويق ، ولفت الانتباه ، ويكون السُّؤال عندئذٍ بصيغة التَّنبيه (ألا) غالباً ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النَّبي ِّ (ص) قال: «ألا أدلُّكم على ما يمحو الله به الخطايَّ ، ويرفع به الدَّرجات؟»قالوا: بلى يَّ رسولَ الله! قال «إسباغُ الوضوء على المكاره ، وكَثـْرَةُ الخُطَا إلى المساجد ، وانتظارُ الصَّلاة بعد الصَّلاة ، فذلكم الر ِّباط »[251 ) ومالك في الموطل1/161) والتّمذي51) والنسائي1/89) وابن ماجه428]) . وأحياناً يسللهم النَّبيُّ (ص) عمَّا يعلم: أنهَّم لا علم لهم به ، وأنهَّم سيكلُون علمه إلى الله ، ورسوله؛ وإنمَّا يقصد إثارة انتباههم للموضوع ، ولفت أنظارهم إليه 717]) رسول الله (ص) قال «أتدرون ما المفلس؟»قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم له ، ولا متاعَ. فقال: «إن المفلس من أمَّتي ، من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ ، وصيامٍ ، وزكاةٍ ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دَمَ هذا ، وضرب هذا ، فيُعطَى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه؛ أُخِّذَ من خطايَّهم ، فطُرِّحَتْ عليه ، ثمَّ طُرِّح في النار »[ (2581) والتّمذي2418. ]) وأحياناً يسلل ، فيحسن أحد الصَّحابة الإجابة ، فيثني عليه ، ويمدحه تشجيعاً له ، وتحفيزاً لغيره ، كما فعل مع أُبيَ ِّ بن كعبٍ رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله (ص) : «يَّ أبا الْمُنْذِّرِّ! أتدري أيُّ اية من كتاب الله معك أعظم؟»قال: قلت: الله ورسولُه أعلم! قال«يَّ أبا الْمُنْذر! أتدري أيُّ ايةٍ من كتاب الله معك أعظمُ؟»قال: قلت[255] صدري ، وقال: «والله! ليـَهْنِّك العِّلْمُ718]) »[810) وأبو داود1460) وأحمد (5/142.])

عدد الصفحات ١٨٥

فهذا الاستحسان ، والتَّشجيع يبعث المتعل ِّم على الشُّعور بالارتياح ، والث ِّقة بالنَّفس ، ويدعوه إلى طلب ، وحفظ المزيد من العلم ، وتحصيله 719.]) 6 ـ إلقاء المعاني الغريبة المثيرة للاهتمام ، والدَّاعية إلى الاستفسار ، والسُّؤال: ومن ألطف ذلك ، وأجمله ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله (ص) مرَّ بالسُّوق ، داخلاً من بعض العَالية ، والنَّاس كُنـَفَتَهُ720])721]) ميتٍ ، فتناوله ، فلخذ بأذنه ، ثمَّ قال: «أيكم يحبُّ: أنَّ هذا له بدرهم؟ »، فقالوا: ما نحبُّ: أنَّه لنا بشيءٍ ، وما نصنع به؟ قال: «أتحبُّون: أنَّه لكم؟»قالوا: والله لو كان حي اً كان عيباً فيه؛ لأنه أسَكُّ ، فكيف ، وهو ميتٌ؟ فقال: «فو الله! للدُّنيا أهونُ على الله من هذا عليكم»[2957. ]) 7 ـ استخدام الوسائل التوضيحيَّة كان النَّبيُّ (ص) يستخدم ما يسمَّى اليوم بالوسائل التَّوضيحية؛ لتقرير ، وتأكيد المعنَّ في نفوس وعقول السَّامعين ، وشغل كل ِّ حواس ِّهم بالموضوع ، وتركيز انتباههم فيه ، ممَّا يساعد على تم ام وعيه ، وحسن حفظه بكل ِّ ملابساته؛ ومن هذه الوسائل: أ ـ التعبير بحركة اليد: كتشبيكه (ص) بين أصابعه ، وهو يبين ِّ طبيعة العلاقة بين المؤمن وأخيه ، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، عن النَّبي ِّ (ص) قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان؛ يشدُّ بعضه بعضاً»، وشبَّك بين أصابعه2446) ومسلم2585. ]) ب ـ التعبير بالرَّسم: فكان (ص) يخطُّ على الأرض خطوطاً توضيحيَّة، تستّعي نظر الصَّحابة، ثمَّ يأخذ في شرح مفردات ذلك التَّخطيط ، وبيان المقصود منه ، فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: خطَّ رسول الله (ص) خط اً بيده ، ثمَّ قال: «هذا سبيلُ الله مستقيماً»، ثمَّ خطَّ خطوطاً عن يمينه، وعن شَاله، ثمَّ قال: «وهذه سُبُلٌ ـ قال يزيد: متفر ِّقةٌ ـ على كل ِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يدعو إليه »، ثمَّ قرأ هَذَا صِّرَاطِّي مُسْتَقِّيمًا فَاتَّبِّعُوهُ وَلاَ تـَتَّبِّعُوا السُّبُلَ فـَتـَفَرَّقَ بِّكُمْ عَنْ سَبِّيلِّهِّ ذَلِّكُمْ وَصَّاكُمْ بِّهِّ لَعَلَّكُمْ تـَتـَّقُونَ }*[153[ ]1/435) والطيالسي244) والدارمي 208) وابن حبان6 و7. ]) ج ـ التَّعبير برفع ، وإظهار الشَّيء موضع الحديث ، كما فعل (ص) عند الحديث عن حكم لبس الحرير ، والذَّهب ، فعن علي ِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه قال: إنَّ نبيَّ الله (ص) أخذ حريراً ، فجعله في يمينه ، وأخذ ذهباً ، فجعله في شَاله ، ثمَّ قال: «إنَّ هذين حرامٌ على ذكور أم»

عدد الصفحات ١٨٦

[4057) والنسائي8/160])«حلٌّ لإناثهم»[السابقان فجمع النَّبيُّ (ص) بين القول ، وبين رفع الذَّهب ، والحرير ، وإظهارهما ، حتََّّ يجمع لهم السَّماع ، والمشاهدة ، فيكون ذلك أوضحَ ، وأعونَ على الحفظ. د ـ التَّعليم العمليُّ بفعل الشَّيء أمام النَّاس ، كما فعل عندما صَعِّدَ (ص) المنبرَ ، فصلَّى بحيث يراه النَّاس أجمعون ، فعن سهل بن سعدٍ السَّاعدي ِّ رضي الله عنه قال: رأيت رسولَ الله (ص) قام على المنبر ، فاستقبل القبلة ، وكبرَّ ، وقام النَّاس خلفه ، فقرأ وركع ، وركع النَّاس خلفه ، ثمَّ رفع رأسه ، ثمَّ رجع القَهْقَرى722]) المنبر ، ثمَّ قرأ ، ثمَّ ركع ، ثمَّ رفع رأسه ، ثمَّ رجع القَهْقَرى ، فسجد على الأرض ، ثمَّ عاد إلى المنبر ، ثمَّ قرأ ، ثمَّ ركع ، ثمَّ رفع رأسه ، ثمَّ رجع القَهْقَرَى ، حتََّّ سجد بالأرض ، فلمَّا فرغ؛ أقبل على الناس ، فقال: «أيُّها النَّاسُ! إنمَّا صنعت هذا لِّتَلْتمَُّوا بي ، ولَتَعلَّموا723]) »[377. ]) 8 ـ استعمال العبارات اللَّطيفة ، والرَّقيقة إنَّ استعمال لطيف الخطاب ، ورقيق العبارات يؤل ِّف القلوب ، ويستميلها إلى الحق ِّ ، ويدفع المستمعين إلى الوعي ، والحفظ ، فقد كان (ص) يمه ِّد لكلامه وتوجيهه بعبارةٍ لطيفةٍ رقيقةٍ ، وبخاصَّةٍ إذا كان بصدد تعليمهم ما قد يُسْتَحيا من ذكره ، كما فعل عند تعليمهم اداب الجلوس لقضاء الحاجة؛ إذ قدَّم لذلك بأنه مثل الوالد للمؤمنين ، يُعل ِّمهم؛ شفقةً بهم724])«إنمَّا أنا لكم بَّنزلة الوالد أُعَل ِّ مكم ، فإذا أتى أحدكم الغائط؛ فلا يستقبل القبلة ، ولا يستدبرها ، ولا يَسْتَطِّبْ بيمينه » [8. ]) لقد راعى المعل ِّم الأوَّل (ص) جملةً من المبادأى التَّّبويَّة الكريمة؛ كانت غايةً في السُّمو ِّ الخُلُقي ِّ ، والكمال العقلي ِّ ، وذلك في تعليقه على ما صدر من بعض الصَّحابة، جعلت التوجيـه يستقـرُّ في قلوبهم ، وبقي ماثـلاً أمام بصائرهم؛ لما ارتبط به من معـانٍ تربويـةٍ كريمةٍ 725]) استعملها النَّبيُّ (ص أ ـ تشجيع المحسن ، والثناء عليه: ليزداد نشاطاً وإقبالاً على العلم ، والعمل؛ مثلما فعل مع أبي موسى الأشعري ِّ ـ رضي الله عنه ـ حين أثنَّ على قراءته ، وحسن صوته بالقران الكريم. فعن أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ:

عدد الصفحات ١٨٧

أن النبي (ص) قال له«لو رَأَيـْتَني وأنا أستمع لقراءتك البارحة! لقد أُوتيتَ مِّزْماراً من مَزَاميرِّ ال داود » [5048) ومسلم793. ]) ب ـ الإشفاق على المخطلى ، وعدم تعنيفه كان صلوات الله وسلامه عليه يقد ِّر ظروف النَّاس ، ويراعي أحوالهم ، ويعذرهم بجهلهم ، ويتلطَّف في تصحيح أخطائهم ، ويتّفَّق في تعليمهم الصَّواب ، ولا شكَّ أنَّ ذلك يملأ قلب المنصوح حب اً للر ِّسالة ، وصاحبها ، وحرصاً على حفظ الواقعة ، والتَّوجيه ، وتبليغهما ، كما يجعل قلوب الحاضرين المعجبة بهذا التَّصرُّف ، والتَّوجيه الرَّقيق مهيَّلةً لحفظ الواقعة بَّلابساتها كافَّةً726]) الحكم السُّلميُّ رضي الله عنـه قال«بَـيْـنَـا أنا أصلي مع رسول الله (ص) ؛ إذ عَطَس رجلٌ من القوم ، فقلت: يرحمُك الله! فرماني القومُ بأبصارهم ، فقلتُ: واثُكْلَ أُم ِّيَاهْ 727]) فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ، فلمَّا رأيتهم يُصَم ِّتُونَني ، لكني ِّ سكتُّ ، فلما صلَّى رسول (ص) ، فبلبي هو ، وأم ِّي! ما رأيتُ معل ِّماً قبلـه ، ولا بعده أحسنَ تعليمـاً منه ، فو الله! ما كَهَرَنـي728])«إن هذه الصَّلاة لا يَصْلُح فيها شيءٌ من كلام النَّاس؛ إنمَّا هو التَّسبيح ، والتَّكبير ، وقراءة القران»[537) وأبو داود (930 و931) والنسائي (3/14 ـ18) وأحمد5/447. ]) فانظر ـ رحمك الله! ـ إلى هـذا الر ِّفق البالغ فـي التَّعليم! وانظر أثـر هذا الر ِّفـق في نفس معاويـة بن الحكم السُّلَمي رضي الله عنه ، وتأثُّره بحسن تعليمه (ص) !. ج ـ عدم التَّصريح ، والاكتفاء بالتَّعريض فيما يُذمُّ: لما في ذلك من مراعاة شعور المخطلى ، والتَّلكيد على عموم التَّوجيه؛ ومن ذلك ما حَدَثَ مع عبد الله بن اللُّتْبيَّة رضي الله عنه حين استعمله النَّبيُّ (ص) على صدقات بني سُلَيْم ، فقبل الهدايَّ من المتصد ِّقين ، فعن أبي حمَُيْد السَّاعدي ِّ رضي الله عنه قال: استعمل رسولُ الله (ص) رجلاً على صدقات بني سُلَيْم ، يُدعى ابن اللُّتْبِّيَّة ، فلمَّا جاء حاسبه (ص) ، فقال: هذا مالُكم ، وهذا هديـةٌ. فقال رسول الله (ص) : «فـَهَلاَّ جلستَ في بيت أبيك وأم ِّك حتََّّ تأتيك هديـَّتُك؛ إن كنت صادقاً؟ »ثمَّ خطبنا ، فحمد الله ، وأثنَّ عليه ، ثمَّ قال: «أمَّا بعدُ ، فإني ِّ أستعمل الرَّجل منكم على العمل ممَّا ولاَّني الله ، فيلتي ، فيقول هذا مالُكم ، وهذا هديـةٌ أُهديت لي ، أفلا جلس في بيت أبيه وأم ِّه حتََّّ تأتيه هديـَّتُه؟ والله! لا يأخذ أحدٌ منكم شيئاً بغير حق ِّه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة ، فلأعرفنَّ

عدد الصفحات ١٨٨

أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رُغَاءٌ ، أو بقرةً لها خُوارٌ ، أو شاةً تـَيـْعَرُ [»729]) حتََّّ رُئِّيَ بياض إبطيه يقول «اللَّهمَّ! هل بلَّغتُ؟ بَصْرَ عيني ، وسمَْعَ أذ»[6979) ومسلم (1832/27. ]) د ـ الغضب ، والتَّعنيف؛ متَّ كان لذلك دواعٍ مهمَّة وذلك كلن يحدث خطلٌ شرعيٌّ من أشخاصٍ لهم حيثيَّةٌ خاصَّةٌ ، أو تجََاوَزَ الخطلُ حدود الفَرديَّة ، والجزئيَّة ، وأخذ يمث ِّل بداية فتنةٍ ، أو انحرافٍ عن المنهج؛ على أنَّ هذا الغضب يكون غضباً توجيهي اً ، من غير إسفافٍ ، ولا إسرافٍ؛ بل على قدر الحاجة؛ ومن ذلك غضبه (ص) حين أتاه عمر؛ ومعه نسخةٌ من التَّوراة؛ ليقرأها عليه (ص) ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنَّ عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أتى رسول الله (ص) بنسخةٍ من التَّوراة ، فقال: يَّ رسولَ الله ! هذه نسخةٌ من التَّوراة. فسكت ، فجعل يقرأ ووجهُ رسول الله (ص) يتغيرَّ ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: ثكلتك الثَّواكلُ! ما ترى بوجه رسول الله (ص) ؟ فنظر عمر إلى وجه رسول الله (ص) ، فقال: أعوذ بالله من غضب الله ، وغضب رسوله ، رضينا بالله ربا ً ، وبالإسلام ديناً ، وبَّحمَّدٍ نبي اً. فقال رسول الله (ص) : «والذي نفس محمَّدٍ بيده! لو بدا لكم موسى ، فاتبعتموه ، وتركتموني؛ لضَلَلْتُم عن سواء السَّبيل ، ولو كان حي اً ، وأدرك نبوَّتي؛ لاتَّبعني»[3/338 و387) والبزار 124. ]) ومن ذلك غضبه (ص) من تطويل بعض أصحابه الصَّلاة ، وهم أئمَّةٌ بعد أن كان (ص) قد نهى عن ذلك؛ لما فيه من تعسيرٍ ، ومشقَّةٍ ، ولما يؤد ِّي إليه من فتنةٍ لبعض الضُّعفاء ، والمعذورين ، وذوي الأشغال ، فعن أبي مسعودٍ الأنصاري ِّ رضي الله عنه ، قال: قال رجلٌ: يَّ رسولَ الله! لا أكاد أُدركُ الصَّلاةَ ممَّ ا يُطولُ بنا فلانٌ. فما رأيت النَّبيَّ (ص) في موعظةٍ أشدَّ غضباً من يومئذٍ ، فقال: «أيُّها النَّاسُ! إنَّكم مُنـَف ِّرون ، فمن صلَّى بالنَّاس فلْيُخف ِّف؛ فإنَّ فيهمُ المريض ، والضَّعيفَ ، وذا الحاجة » [90) ومسلم466. ]) ومن ذلك غضبه من اختصام الصَّحابة ، وتجادلهم في القَدرِّ ، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله (ص) على أصحابه؛ وهم يختصمون في القدر ، فكلنما يُفقلُ في وجهه حبُّ الرُّمَّان من الغضب ، فقال: «بهذا أُمرتم؟ أو لهذا خلقتم؟ تضربون القران بعضه ببعضٍ؟ بهذا هلكت الأمم قبلكم»[85. ])

عدد الصفحات ١٨٩

ومن ذلك غضبه (ص) حين يخالف الصَّحابة أمرَه ، ويُصرُّون على المغالاة في الد ِّين ، والتَّشديد على أنفسهم ، ظناً منهم: أنَّ ذلك أفضلُ ممَّا أُمروا به ، وأقرب إلى الله ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله (ص) إذا أمرهم؛ أمرهم من الأعمال بَّا يُطِّيقون ، قالوا: إناَّ لسنا كهيئتك يَّ رسولَ الله! إنَّ الله قد غفر لك ما تقدَّم من ذنبك ، وما تأخَّر ، فيغضبُ ، حتََّّ يـُعْرفَ في وجهه الغضبُ ، ثمَّ يقول: «إنَّ أتقاكُم وأعلمُكم بالله أ»[20. ]) ولم يكن غضب النَّبي ِّ (ص) في تلك ا لمواقف إلا عملاً توجيهي اً ، وتعليمي اً؛ تحريضـاً للصَّحابـة على التَّيقُّظ ، وتحذيراً لهم من الوقوع في هذه الأخطاء ، فالواعظ «من شلنه أن يكون في صورة الغضبان؛ لأنَّ مقامه يقتضي تكلُّف الانزعاج؛ لأنَّه في صورة المُنْذِّر ، وكذا المعل ِّم إذا أنكر على مَنْ يتعلَّم منه سوءَ فهمٍ ونحوه؛ لأنَّه قد يكون أدعى للقبول منه ، وليس ذلك لازماً في حق ِّ كل ِّ أحدٍ؛ بل يختلف باختلاف أحوال المتعل ِّمين[»730.]) هـ انتهاز بعض الوقائع لبيان وتعليم معانٍ مناسبة كان (ص) تحدث أمامه أحداثٌ معيَّنةٌ ، فينتهز مشابهة ما يرى لمعنًَّ مع ينٍ يريد تعليمه للصَّحابة ، ومشاكلته لتوجيهٍ مناسبٍ يريد بثَّه لأصحابه ، وعندئذٍ يكون هذا المعنَّ ، وذلك التَّوجيه أوضح ما يكون في نفوسهم رضي الله عنهم؛ ومن ذلك ما رواه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قال: قَدِّمَ على النَّبي ِّ (ص) سَبيٌْ731])ن السَّبي تحَْلُبُ ثَدْيَها 732])733]) صبي اً في السَّبي؛ أخذته فللصقته ببطنها ، وأرضعته ، فقال النَّبيُّ (ص«أَتُـرَوْن734]) ولدها في النَّار؟ »قلنا: لا؛ وهي تقدر على ألا تَطرَحَهُ735])«للهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدها!»[5999) ومسلم2754. ]) «فانتهز (ص) المناسبة القائمة بين يديه مع أصحابه ، والمشهود فيها حنان الأم ِّ الفاقدة رضيعها؛ إذ وجدته ، وضرب بها المشاكلةَ والمشابهةَ برحمة الله تعالى؛ ليُعر ِّف النَّاسَ رحمةَ رب ِّ النَّاس بعباده[»736.]) ثانياًمن أخلاق الصَّحابة رضي الله عنهم عند سماعهم للنَّبي ِّ (ص): حَرَصَ الصَّحابة رضي الله عنهم على الالتزام باداب ومبادأى مهمَّة ، كان لها عظيمُ الأثر في حسن الحفظ ، وتمام الضَّبط ، وقدرتهم في تبليغ دعوة الله للنَّاس؛ ومن هذه الاداب ، والأخلاق: 1 ـ الإنصات التامُّ ، وحسن الاستماع:

عدد الصفحات ١٩٠

فقد كان رسولُ الله (ص) أجلَّ في نفوس الصَّحابة ، وأعظم من أن يـَلْغَوْا إذا تحدَّث ، أو ينشغلوا عنه إذا تكلَّم ، أو يرفعوا أصواتهم بحضرته؛ وإنمَّا كانوا يلقون إليه أسماعهم ، ويشهدون عقولهم ، وقلوبهم ، ويحفزون ذاكرتهم ، فعن علي ِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في الحديث عن سيرته (ص) في جلسائه ، قال: «وإذا تكلَّم؛ أطْرَقَ جلساؤه ، كلنمَّا على رؤوسهم الطَّير ، فإذا سكت؛ تكلَّموا » [352. ]) قال الشَّيخ عبد الفتاح أبو غدَّة ـ رحمه الله ـ«أصله: أنَّ الغراب يقع على رأس البعير ، فيلقط منه القُراد ، فلا يتحرَّك البعير حينئذٍ؛ لئلا ينفر عنه الغراب ويبقى القُراد في رأس البعير فيؤلمه ، فقيل منه: كلن على رؤوسهم الطير[»737.]) وأيًََّّ ما كان أصل المثل ، فهو يدلُّ على السُّكون التَّام ِّ ، والإنصات الكامل ، هيبةً لرسول الله (ص) ، و تعظيماً له ، وإجلالاً لحديثه738.]) 2 ـ ترك التَّنازع وعدم مقاطعة المتحد ِّث حتََّّ يفرغ وهذا من تمام الأدب ، المفضي إلى ارتياح جميع الجالسين ، وإقبال بعضهم على بعضٍ ، والمعين على سهولة الفهم ، والتَّعلم؛ ففي حديث علي ِّ بن أبي طالب رضي الله عنه السَّابق في سيرته (ص) في جلسائه ، قال: «لا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلَّم عنده أنصتوا له حتََّّ يفرغ ، حديثهم عنده حديث أوَّلهم...»[ حديثه ، ولم يقاطعوه ، أو ينازعوه ، وبذلك يبقى المجلس على وقاره ، وهيبته ، ولا تختلط فيه الأصوات ، ولا يحصل أدنى تشويش 739.]) 3 ـ مراجعته (ص) فيما أشكل عليهم حتََّّ يتبينَّ لهم فمع كمال هيبتهم لرسول الله (ص) ، وشدَّة تعظيمهم له ، لم يكونوا يتّدَّدون في مراجعته (ص) ؛ لاستيضاح ما أشكل عليهم فهمُه ، حتََّّ يسهل حفظه بعد ذلك ، ولاشك أنَّ هذه المراجعة تعين على تمام الفهم ، وحضور الوعي؛ فمن ذلك حديث حفصة رضي الله عنها قالت: قال النَّبيُّ (ص) : «إ لأرجو ألا يدخلَ النَّار أحدٌ إن شاء الله ـ ممَّن شهد بدراً، والحديبية»، قالت قلت: يَّ رسول الله! أليس قد قالإِّنْ مِّنْكُمْ إِّلاَّ وَارِّدُهَا كَانَ عَلَى رَب ِّكَ حَتْمًا مَقْضِّيًّا [ 71]«ألم تسمعيه يقول[72 »] [6/285) وابن ماجه281. ])

عدد الصفحات ١٩١

ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله ، عن عبد الله بن أُنـَيْسَ رضي الله عنهم؛ الَّذي رحل جابرٌ إليه فيه ، قال ابن أنيس: سمعت رسول الله (ص) يقول: «يحشر الله العباد ـ أو قال: النَّاس ـ عُراةً غُرْلاً740 ]) بـُهْماً»قال: قلنا: ما بهُماً؟ قال«ليس معهم شيءٌ ، ثمَّ يناديهم بصوتٍ يسمعه مَ نْ بـَعُد ، كما يسمعه مَنْ قـَرُب: أنا الملك ، أنا الدَّيََّّن ، لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنَّة أن يدخل الجنَّة ، ولا ينبغي لأحدٍ من أهل النار أن يدخل النَّار ، وعنده مظلمةٌ ، حتََّّ أُقِّصَّه 741]) »، قال: قلنا كيف ذا ، وإنمَّا نأتي الله غُ رْلاً بهُماً؟ قال: «بالحسنات والسَّي ِّئات»قال: وتلا رسولُ الله (ص تجُْزَى كُلُّ نـَفْسٍ بََِّّا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيـَوْمَ إِّنَّ اللَََّّ سَرِّيعُ الحِّْسَاب [17[ ] المفرد 970) وأحمد3/495) والحاكم2/437 ـ438) ومجمع الزوائد (1/133. ]) وهكذا استفهم الصَّحابة عمَّا خفي عليهم ، واستوضحوا ما أشكل عليهم فهمه ، وهذه المناقشة والمراجعة كان لها أثرٌ كبيرٌ في الفهم ، والوعي ، والحفظ742.]) 4 ـ مذاكرة الحديث كان الصَّحابة ـ رضوان الله عليهم ـ إذا سمعوا شيئاً من النَّبي ِّ (ص) ، وحملوا عنه علماً؛ جلسوا ، فتذاكروه فيما بينهم ، وتراجعوه على ألسنتهم؛ تأكيداً لحفظه ، وتقويةً لاستيعابه ، وضبطه ، والعمل به ، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: «كنَّا نكون عند النَّبي (ص) ، فنسمع منه الحديث ، فإذا قمنا؛ تذاكرناه فيما بيننا ، حتَّ نحف ظه[»743]) (ص) ؛ فعن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة ـ رحمه الله ـ! قال «كان أصحاب رسول الله (ص) إذا اجتمعوا؛ تذاكروا العلم ، وقرؤوا سُوَرَهُ [»744.]) 5 ـ السُّؤال بقصد العلم ، والعمل745:]) كانت أسئلة الصَّحابة بقصد العلم ، والعمل ، لا للعبث ، واللعب ، فكانت أسئلتهم مشفوعةً بهذا القصد؛ لِّمَا علموا من كراهة النَّبي ِّ (ص) للمسائل العبثيَّة الَّتي لا يحُتاج إليها ، ولِّمَا سمعوا من تحذيره (ص) من كثرة السُّؤال ، فعن سهل بن سعدٍ السَّاعدي ِّ رضي الله عنه قال: «كَرِّه رسولُ الله (ص المسائلَ ، وعابهَا [»746.]) قال النَّووي«المراد: كراهة المسائل الَّتي لا يحُْتاج إليها ، لاسيَّما ما كان فيه هتك ستّ مسلمٍ ، أو إشاعةُ فاحشةٍ ، أو شناعةٍ على مسلمٍ ، أو مسلمةٍ ، قال العلماء: أمَّا إذا كانت المسائل ممَّا يحُ تاج إليه في أمور الد ِّين ، وقد وقع ، فلا كراهة فيها[»747.])

عدد الصفحات ١٩٢

6 ـ ترك التنطُّع ، وعدم السُّؤال عن المتشابه وذلك تطبيقاً لتحذير النَّبي ِّ (ص) من ذلك ، وتشديده على المتنط ِّعين ، ونهيه عن مجالستهم؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله (ص) هذه الاية: { آيََّتٌ محُْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِّتَابِّ وَأُخَرُ مُتَشَابهَِّاتٌ فَلَمَّا الَّذِّينَ فيِّ قـُلُوبهِِّّمْ زَيْغٌ فـَيـَتَّبِّعُونَ مَ ا تَشَابَهَ مِّنْهُ ابْتِّغَاءَ الْفِّتـْنَةِّ وَابْتِّغَاءَ تأَْوِّيلِّهِّ وَمَا يـَعْلَمُ تأَْوِّيلَهُ إِّلاَّ اللََُّّ وَالرَّاسِّخُونَ فيِّ الْعِّلْمِّ يـَقُولُونَ آمَنَّا بِّهِّ كُلٌّ مِّنْ عِّنْدِّ رَب ِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِّلاَّ أُولُو الأَلْبَاب[عمران 7]«فإذا رأيت الَّذين يـَتَّبِّعون ما تشابه منه؛ فلولئك الَّذين سمََّى الله؛ فاحذروهم!»[4547) ومسلم2665. ]) 7 ـ ترك السُّؤال عمَّا سكت عنه الشَّارع فقد التزموا ـ رضوان الله عليهم ـ بهذا الأدب ، فلم يتكلَّفوا السُّؤال عمَّا سكت عنه الشَّارع؛ حتََّّ لا يؤد ِّي السُّؤال عن ذلك إلى إيجاب ما لم يوجبه الشَّرع ، أو تحريم ما لم يحر ِّمه؛ فيكون السُّؤال قد أفضى إلى التَّضييق على المسلمين ، كما قال تعا تَسُؤْكُمْ وَإِّنْ تَسْلَلُوا عَنـْهَا حِّينَ يـُنـَزَّلُ الْقُرْآنُ تـُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللََُّّ عَنـْهَا وَاللََُّّ غَفُورٌ حَلِّيمٌ *قَدْ سَلَلهََا قـَوْمٌ مِّنْ قـَبْلِّكُمْ ثمَُّ أَصْبَحُوا بهَِّا كَافِّرِّينَ[101 ـ102. ] وحذَّر الرَّسول (ص) من مثل ذلك؛ فعن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ص « :إنَّ أعظم المسلمين جُرْماً من سلل عن شيءٍ لم يحَُرَّمْ ، فحُر ِّمَ من أجل مسللته»[7289 ) ومسلم2358. ]) 8 ـ اغتنام خلوة رسول الله (ص) ، ومراعاة وقت سؤاله كان الصَّحابة رضي الله عنهم يراعون الوقت المناسب للسُّؤال؛ ومن ذلك اغتنام ساعة خلوته (ص) ؛ حتََّّ لا يكون في السؤال إ ثقالٌ ، أو إرهاقٌ أو نحو ذلك؛ فعن أبي موسى الأشعري ِّ رضي الله عنه قال: «كان النَّبيُّ (ص) إذا صلَّى الفجر؛ انحرفنا إليه ، فمنَّا من يسلله عن القران ، ومنَّا من يسلله عن الفرائض ، ومنَّا من يسلله عن الرُّؤيَّ»[1/159. ]) 9 ـ مراعاة أحواله (ص وعدم الإلحاح عليه بالسُّؤال: وبخاصَّةٍ ، بعد أن نـُهُوا عن السُّؤال؛ ولذلك كانوا يدفعون الأعراب لسؤاله (ص) ، ويتحيَّنون ، وينتظرون مجلي العقلاء منهم؛ ليسللوا رسول الله (ص) ، وهم يسمعون؛ فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: نهُِّينا أن نسلل رسول الله (ص) عن شيءٍ ، فكان يُعجِّبنا أن يجيء الرَّجلُ من أهل البادية

عدد الصفحات ١٩٣