المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

د.علي محمد الصلابي ج 02

علي محمد الصلابي

صفحة ١١ من ١٩

قال ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعا النَّاسَ بـَعْضَهُمْ بِّبـَعْضٍ لَفَسَدَتِّ الأَرْضُ «أي: لو الله يدفع عن قومٍ باخرين ، كما دفع عن بني إسرائيل بَّقاتلة طالوت ، وشجاعة داود؛ لهلكوا[»608.]) وقال صاحب الكشَّاف في تفسير هذه الاية«ولولا أنَّ الله يدفع بعض النَّاس ببعض ، ويكفَّ بهم فسادهم؛ لغلب المفسدون ، وفسدت الأرض ، وبطلت منافعها ، وتعطَّلت مصالحها؛ من الحرث ، والنَّسل ، وسائر ما يعمر الأرض [»609.]) وقال الشَّيخ عبد الرَّحمن السَّعدي في تفسيره«إنَّ في هذه الاية عبراً كثيرةً للأمَّة؛ منها: فضيلة الجهاد في سبيله ، وفوائده ، وثمراته ، وأنَّه السَّبب الوحيد في حفظ الد ِّين ، وحفظ الأوطان ، وحفظ الأبدان ، والأموال ، وأنَّ المجاهدين ولو شقَّت عليهم الأمور؛ فإنَّ عواقبهم حميدةٌ ، كما أنَّ النَّاكلين ولو استّاحوا قليلاً؛ فإنهَّم سيتعبون طويلاً [»610.]) 4 ـ الابتلاء ، والتَّّبية ، والإصلاح قال تعامَّا مَنًّا بـَعْدُ وَإِّمَّا فِّدَاءً حَتََّّ تَضَعَ الحَْرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِّكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللََُّّ لاَنـْتَصَرَ مِّنـْهُمْ وَلَكِّ نْ لِّيـَبـْلُوَ بـَعْضَكُمْ بِّبـَعْضٍ وَالَّذِّينَ قُتِّلُوا فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ فـَلَنْ يُضِّلَّ أَعْمَالهَُمْ *سَيـَهْدِّيهِّمْ وَيُصْلِّحُ باَلهَُمْ *وَيُدْخِّلُهُمُ الجَْنَّةَ عَرَّ فـَهَا لهَُمْ[ 4 ـ6. ] قال ابن كثيرٍ في تفسير قوله تعالى: أي: ولكن شرع لكم { الأعداء ، ليختبركم ، وليبلو أخباركم ، كما ذكر حكمته في شرعية الجهاد في سورتي ال عمران ، وبراءة ، في قوله تعاكُمْ وَيـَعْلَمَ الصَّابِّرِّينَ [عمران 142([]611. ]) قال صاحب الظ ِّلال«إنمَّا يتَّخذ الله المؤمنين ـ حين يأمرهم بضرب رقاب الكفار ، وشد ِّ وثاقهم بعد إثخانهم إنمَّا يتَّخذهم سبحانه ـ ستاراً لقدرته ، ولو شاء لانتصر من الكافرين جهرةً ، كما انتصر منهم من غير هـذه الأسباب كل ِّهـا؛ ولكنَّه إنمَّا يريد لعباده المؤمنين الخير. قال تعا وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيـْئًا وَهُوَ خَيـْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تحُِّبُّوا شَيـْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَ اللََُّّ يـَعْلَمُ وَ أَنـْتُمْ لاَ تـَعْلَمُونَ [216] الكبار

عدد الصفحات ١٦٢

أ ـ يريد ليبتليهم: وفي هذا الابتلاء يستجيش في نفوس المؤمنين أكرم ما في النَّفس البشرية من طاقاتٍ ، واتج ِّاهات ، فليس أكرم في النفس من أن يعزَّ عليها الحقُّ؛ الَّذي تؤمن به ، حتََّّ تجاهد في سبيله ، فتقتُل ، وتُقتل ، ولا تسل ِّم في هذا الحق الذي تعيش له ، وبه ، ولا تستطيع الحياة بدونه ، ولا تحبُّ هذه الحياة في غير ظل ِّه. ب ـ ويريد ليربيهم: فيظلُّ يخُرج من نفوسهم كلَّ هوىً ، وكلَّ رغبةٍ في أعراض هذه الأرض الفانية ممَّا يعزُّ عليهم أن يتخلَّوا عنه ، ويظلُّ يقو ِّي في نفوسهم كلَّ ضعفٍ ، ويكمل كلَّ نقصٍ ، وينفي كـلَّ زَغلٍ612]) ، والتَّطلُّع إلى وجه الله ، ورضاه ، وتشيل تلك613]) فاختارت ، وأنهَّا تربَّت ، فعرفت ، وأنهَّا لا تندفع بلا وعيٍ؛ ولكنَّها تقد ِّر ، وتختار ج ـ ويريد ليصلحهم: ففي معاناة الجهاد في سبيل الله ، والتَّعرُّض للموت في كل ِّ جولةٍ ما يعو ِّد النَّفس الاستهانة بخطر المخو ِّف ، الَّذي يكلف النَّاس الكثير من نفوسهم ، وأخلاقهم ، وموازينهم ، وقيمهم ، ليتَّقوه ، وهو هين ٌِّ ، هين ٌِّ عند من يعتاد ملاقاته ، سواءٌ سَلِّمَ منه ، أو لاقاه ، والتَّوجُّه به لله في كل ِّ مرَّةٍ ، يفعل في النفس في لحظات الخطر شيئاً يقر ِّبه للتَّصوُّر فعل الكهرباء بالأجسام ، وكلنَّه صياغةٌ جديدةٌ للقلوب والأرواح ، على صفاءٍ ، ونقاءٍ ، وصلاح. ثـمَّ هي الأسباب الظَّاهرة لإصلاح الجماعة البشريـة كل ِّها عن طريق قياداتها بأيدي المجاهدين؛ الَّذين فرغت نفوسهم من كل ِّ أعراض الدُّنيا ، وكل ِّ زخارفها ، وهانت عليهم الحياة؛ وهم يخوضون غِّمار الموت في سبيل الله ، ولم يعد في قلوبهم ما يشغلهم عن الله ، والتَّطلُّع إلى رضاه. وحين تكون القيادة في مثل هذه الأيدي تصلح الأرض كلُّهـا ، ويصلح العبـاد ، ويصبح عزيزاً على هـذه الأيدي أن تسل ِّم راية القيادة للكفر ، والضَّ لال ، والفساد ، وهي قد اشتّتها بالد ِّماء ، والأرواح، وكلُّ عزيزٍ، وغالٍ أرخصته لتتسلَّم هذه الراية، لا لنفسها ، ولكن لله[»614.]) 5 ـ إرهاب الكفَّار ، وإخزاؤهم ، وإذلالهم ، وتوهين كيدهم قال تعا رِّباَطِّ الخَْيْلِّ تـُرْهِّبُونَ بِّهِّ عَدُوَّ اللََِّّّ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِّينَ مِّنْ دُونهِِّّمْ لاَ تـَعْلَمُونـَهُمُ اللََُّّ يـَعْلَمُهُمْ وَمَا تـُنْفِّقُوا مِّنْ شَيْءٍ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ يـُوَفَّ إِّلَيْكُمْ وَأَنـْ تُمْ لاَ تُظْلَمُونَ [60]: {قَاتِّلُوهُمْ يـُعَذ ِّبـْهُمُ اللَّ ُ بأَِّيْدِّيكُمْ وَيخُْزِّهِّمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِّمْ وَيَشْفِّ صُدُورَ قـَوْمٍ مُؤْمِّنِّينَ * وَيُذْهِّبْ غَيْظَ قـُلُوبهِِّّمْ وَيـَتُوبُ اللََُّّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللََُّّ عَلِّيمٌ حَكِّيمٌ [14 ـ15 ]

عدد الصفحات ١٦٣

، وقال تعا{نِّينَ مِّنْهُ بَلاَءً حَسَناً إِّنَّ اللَََّّ سمَِّيعٌ عَلِّيمٌ *ذَلِّكُمْ وَأَنَّ اللَََّّ مُوهِّنُ كَيْدِّ الْكَافِّرِّينَ[17 ـ18. ] 6 ـ كشف المنافق قال تعامَا كَانَ اللََُّّ لِّيُطْلِّعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِّ وَلَكِّنَّ اللَََّّ يجَْتَبيِّ مِّنْ رُسُلِّهِّ مَنْ يَشَاءُ فَآمِّنُوا باِّللََِّّّ وَرُسُلِّهِّ وَإِّنْ تـُؤْمِّنُوا وَتـَتـَّقُوا فـَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِّيمٌ[عمران 179. ] قال ابن كث «أي: لابدَّ أن يعقد سبباً من المحنة يظهر فيه وليُّه ، ويفتضح فيه عدوُّه ، يعرف به المؤمن الصَّابر ، والمنافق الفاجر ، يعني بذلك يوم أُحُ د ، الذي امتحن الله به المؤمنين ، فظهر به إيمانهُم ، وصبرُهم ، وجلَدُهم ، وثباتهُم ، وطاعتُهم لله ، ورسولِّه (ص) ، وهتك به سِّتـْرَ المنافقين ، فظهر مخالفتُهم ، ونكولهُم عن الجهاد ، وخيانتهم للهِّ ، ولرسوله (ص) [»615.]) 7 ـ إقامة حكم الله ، ونظام الإسلامالأرض: إنَّ إقامة حكم الله في الأرض هدفٌ من أهداف الجهاد ، قال الله تعا باِّلحَْق ِّ لِّتَحْكُمَ بـَينَْ النَّاسِّ بََِّّا أَرَاكَ اللََُّّ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَائِّنِّينَ خَصِّيمًا [105. ] 8 ـ دفع عدوان الكافرين إنَّ من أهداف الجهاد في الإسلام دفعَ عدوان الكافرين ، وهذا العدوان أنواعٌ؛ منها: أ ـ أن يعتدي الكفَّار على فئةٍ مؤمنةٍ مُسْتَضْعفةٍ في أرض الكفار ، لا سيما إذا لم تستطع أن تنتقل إلى بلادٍ تأمن فيها على دينها: فإنَّ الواجب على الدَّولة الإسلاميَّة ، أن تعدَّ العدة لمجاهدة الكفار؛ الَّذين اعتدوا على تلك الطَّائفة ، حتََّّ يخل ِّصوها من الظُّلم ، والاعتداء الواقع عليها 616]) { فـَيـُقْتَلْ أَوْ يـَغْلِّبْ فَسَوْفَ نـُؤْتِّيهِّ أَجْرًا عَظِّيمًا *وَمَا لَكُمْ لاَ تـُقَاتِّلُونَ فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ وَالْمُسْتَضْعَفِّينَ مِّنَ الر ِّجَالِّ وَ الن ِّسَاءِّ وَالْوِّلْدَانِّ الَّذِّينَ يـَقُولُونَ رَبـَّنَا أَخْرِّجْنَا مِّنْ هَذِّهِّ الْقَرْيَةِّ الظَّالمِِّّ أَهْ لُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِّنْ لَدُنْكَ وَلِّيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِّنْ لَدُنْكَ نَصِّيرًا[74 ـ75. ] قال القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ «حضٌّ على الجهاد ، وهو يتضمَّن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين؛ الذين

عدد الصفحات ١٦٤

يسومونهم سوء العذاب ، ويفتنونهم عن الدين؛ فلوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته ، وإظهار دينه ، واستنقاذ المؤمنين الضُّعفاء من عبادِّه ، وإن كان في ذلك تلفُ النُّفوس. وتخليص الأُسارى واجبٌ على جماعة المسلمين؛ إمَّا بالقتال ، وإمَّا بالأموال ، وذلك أوجب لكونها دون النُّفوس؛ إذ هي أهون منها[»617.]) بـ أن يعتدي الكفَّار على ديَّر المسلمين: قال تعا تـَعْتَدُوا إِّنَّ اللَََّّ لاَ يحُِّبُّ الْمُعْتَدِّينَ * وَاقـْتـُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِّفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِّجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَ جُوكُمْ وَالْفِّ تـْنَةُ أَشَدُّ مِّنَ الْقَتْلِّ وَلاَ تـُقَاتِّلُوهُمْ عِّنْدَ الْمَسْجِّدِّ الحَْرَامِّ حَتََّّ يـُقَاتِّلُوكُمْ فِّيهِّ فَإِّنْ قَاتـَلُوكُمْ فَا قـْتـُلُوهُمْ كَذَلِّكَ جَزَاءُ الْكَافِّرِّينَ *فَإِّنِّ انـْتـَهَوْا فَإِّنَّ اللَََّّ غَفُورٌ رَحِّيمٌ [190 ـ192. ] نص الفقهاء على أنَّه إذا اعتدى الكفار على ديَّر المسلمين؛ يتعينَّ الجهاد للد ِّفاع عن الد ِّيَّر؛ لأنَّ العدوَّ إذا احتلَّها سام المسلمين عذاباً ، ونفَّذ فيها أحكام الكفر ، وأجبر أهلها على الخضوع له ، فتصبح دار كفرٍ بعد أن كانت دار إسلام. قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ: «ويتعينَّ الجهاد في ثلاثة مواضع: ...الثاني: إذا نزل الكفار ببلدٍ معينٍَّ على أهله قتالهُم ، ودفعُهم[»618.]) وقال بعض علماء الحنفيَّة«وحاصله: أنَّ كلَّ موضعٍ خيفَ هجوم العدو ِّ منه ، فُرِّض على الإمام ، أو على أهل ذلك الموضع ، حفظُه ، وإن لم يقدروا فُ رِّض على الأقرب إليهم إعانتهم إلى حصول الكفاية بَّقاومة العدو ِّ [»619.]) ج ـ أن ينشر العدوُّ الظُّلم بين رعايَّه ـ ولو كانوا كفاراً ـ: إنَّ الله سبحانه حرَّم على عباده الظلم ، والعدلُ في الأرض واجبٌ لكل ِّ النَّاس ، وإذا لم يدفع المسلمون الظُّلم عن المظلومين؛ أثمِّوا؛ لأنهم ملمورون بالجهاد في الأرض؛ لإحقاق الحق ِّ ، وإبطال الباطل ، ونشر العدل ، والقضاء على الظُّلم ، ولا فلاح لهم إلا بذلك ، وهو الأمر بالمعروف ، والنَّهي عن المنكر ، وما كانوا خير أمَّةٍ أخرجت للنَّاس إلا بذلك ، كما قال تعاةٍ أُخْرِّجَتْ لِّلنَّاسِّ تأَْمُرُونَ باِّلْمَعْرُوفِّ وَتـَنـْهَوْنَ عَنِّ الْمُنْكَرِّ وَتـُؤْمِّنُونَ }َِّّللَِّّبا[عمران 110] يجَْرِّمَنَّكُمْ شَنَآنُ قـَوْمٍ عَ لَى أَلاَّ تـَعْدِّلُوا اعْدِّلُوا هُوَ أَقـْرَبُ لِّلتـَّقْوَى وَاتـَّقُوا اللَََّّ إِّنَّ اللَََّّ خَبِّيرٌ بََِّّا تـَعْمَلُونَ [8. ]

عدد الصفحات ١٦٥

ومن العدل كفُّ الظُّلم عن المظلوم الكافر ، الَّذي يبغضه المسلم لكفره. قال السَّرخسيُّ ـ رحمه الله! ـ «وإن كان ـ يقصد أحد ملوك أهل الحرب ـ طلب الذ ِّمَّة على أن يـُتـْرَك يحكم في أهل مملكته بَّا شاء؛ من قتلٍ ، أو صَلْبٍ ، أو غيره بَّا لا يصلح في دار الإسلام؛ لم يجَُبْ إلى ذلك؛ لأنَّ التقرير على الظُّلم مع إمكان المنع منه حرامٌ [»620.]) د ـ الوقوف ضدَّ الدُّعاة إلى الله ، ومنعهم من تبليغ دعوة الله: إنَّ المسلمين مفروضٌ عليهم من قِّبَل المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ أن يبل ِّغوا رسالات الله للنَّاس كافَّةً. قال تعامُرُونَ باِّلْمَعْرُوفِّ وَيـَنـْهَوْنَ عَنِّ الْمُنْكَرِّ وَأُولَئِّكَ هُمُ الْمُفْلِّحُونَ[عمران 104. ] وأعداء الله يصدُّون أولياءه عن تبليغ عباده دعوته ، ولا يتّكون لهم سبيلاً إلى النَّاس ، كما لا يأذنون للدُّعاة أن يُسْمِّعوا النَّاس دعوة الله ، ويضعون العراقيل ، والعوائق ، والحواجز ، بين الدَّعوة ، ودعاتها ، والناس ، ولذلك أوجب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ على عباده المؤمنين ، قتال كل ِّ مَنْ يَصُدُّ عن سبيل الله تعا621.]) قال تعااتِّ وَآمَنُوا بََِّّا نـُز ِّ لَ عَلَى محَُمَّدٍ وَهُوَ الحَْقُّ مِّنْ رَبه ِِّّمْ كَفَّرَ عَنـْهُمْ سَي ِّئَاتهِِّّمْ وَأَصْلَحَ باَلهَُمْ *ذَلِّكَ بأَِّنَّ الَّذِّ ينَ كَفَرُوا اتـَّبـَعُوا الْبَاطِّلَ وَأَنَّ الَّذِّينَ آمَنُوا اتـَّبـَعُوا الحَْقَّ مِّنْ رَبه ِِّّمْ كَذَلِّكَ يَضْرِّبُ اللََُّّ لِّلنَّاسِّ أَمْثَالهَُمْ *فَإِّذَا لَقِّيـْتُمُ الَّذِّينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الر ِّقَابِّ حَتََّّ إِّذَا أَثْخَنـْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاَقَ فَإِّمَّا مَنًّا بـَعْدُ وَإِّمَّا فِّدَاءً حَتََّّ تَضَعَ الحَْرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِّكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللََُّّ لاَنـْتَصَرَ مِّنـْهُمْ وَ لَكِّنْ لِّيـَبـْلُوَ بـَعْضَكُمْ بِّبـَعْضٍ وَالَّذِّينَ قُتِّلُوا فيِّ سَبِّيلِّ اللََِّّّ فـَلَنْ يُضِّلَّ أَعْمَالهَُمْ [1 ـ4. ] وممَّا تقدَّم يتَّضح لنا أنَّ للجهاد أهدافاً ساميةً ، ومصالح كريمةً ، وفوائدَ عظيمةً تتحقَّق للمسلم وغيرهم ، وأنَّ الجهاد من اثار الهجرة ، ونتائجها المهمَّة ، وأنَّه من الدَّعائم؛ الَّتي أقامها الرَّسول (ص) لبناء الدَّولة الإسلاميَّة ، وتوطيد أركان الإسلام622])«لأنَّ الأمَّة بغير جيشٍ قوي ٍ عرضةٌ للضَّياع؛ إذ يطمع فيها أعداؤها ، ولا يهابون قوَّتها ، فإذا كان لها جيشٌ قويٌّ احتّم العدوُّ إرادتها ، فلا تحد ِّثه نفسه باعتداءٍ عليها؛ فيسود عند ذلك السَّلام[»623.]) ثالثاً: أهم السَّرايَّ ، والبعوث الَّتي سبقت غزوة بدرٍ الكبرى بَّجرَّد الاستقرار الَّذي حصل للمسلمين بقيادة الرَّسول (ص) في المدينة ، وقيام الجماعة المؤمنة في المجتمع الجديد كان لابدَّ أن يتنبَّه المسلمون ، وقيادتهم إلى الوضع حولهم ،

عدد الصفحات ١٦٦

وما ينتظرهم من جهة أعدائهم أعداء الدَّعوة ، وكان لابدَّ أن تنطلق الدَّعوة الإسلاميَّة إلى غايتها ال أرسل الله محمَّداً (ص) بها ، وتحمَّل هو وأصحابه في سبيلها المشاقَّ الكثيرة. إنَّ موقف قريشٍ في مكَّة من أهم الأمور الَّتي يجب أن تعالجها قيادة المدينة؛ لأنَّ أهل مكة لن يرضوا بأن يقوم للإسلام كيانٌ ـ ولو كان في المدينة ـ لأنَّ ذلك يهد ِّد كيانهم ، ويـُقَو ِّض624]) يعلمون أنَّ قيام الإسلام معناه انتهاء الجاهليَّة ، وعادات ا ء ، والأجداد ، فلابدَّ من الوقوف في وجهه. وقد بذلت مكةُ ، وأهلُها المحاولات الكثيرة؛ لعدم وصول النَّبي ِّ (ص) إلى المدينة ، واتخَّذت مواقف عدائيَّةً لضرب الإسلام ، والقضاء على المسلم625]) ، ومن أهم المواقف الدَّالة على ذلك: أنَّ عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه حـدَّثَ عن سعد بن معـاذ: أنَّـه قال: كـان صديقـاً لأُميـة بن خَلف ، وكـان أُمَيةُ إذا مرَّ بالمدينة نزل على سعدٍ ، وكان سعدٌ إذا مرَّ بَّكَّة نزل على أميَّةَ ، فلمَّا قدم رسولُ الله (ص) المدينةَ ، انطلق سعد معتمراً ، فنزل على أُميةَ بَّكَّةَ ، فقال لأُميةَ: انظر لي ساعةَ خَلوةٍ ، لعل ِّي أن أطوف بالبيت ، فخرج به قريباً من نصف النَّهار ، فلقيهما أبو جهل ، فقال: يَّ أبا صفوان! من هذا معك؟ فقال: هذا سعدٌ. فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بَّكَّة امناً ، وقد أويتم الصُّبَلة626]) أبي صفوان؛ ما رجَعْتَ إلى أهلك سالماً. فقال له سعد ـ ورفع صوته عليه ـ: أما والله! لئن منعتني هذا ، لأمنعنَّك ما هو أشدُّ عليك منه ، طريقَك على المدينة »...[3950]) روايةٍ عند البيهقي3/25« : ])والله! لئن منعتني أن أطوف بالبيت ، لأقطعنَّ عليك متجرَك إ الشَّام» تدلُّ هذه الواقعة على أنَّ (أبا جهلٍ) ، يـَعْتَبرُِّ (سعد بن معاذ) من أهل الحرب بالنَّسبة إلى قريش ، ولو أنَّه دخل مكة في أمان زعيمٍ من زعمائها؛ لأهدر دمه ، وهذا تصرُّف جديدٍ من رؤساء مكَّة حيال أهل المدينة ، لم يكن قبل الدَّولة الإسلاميَّة فيها؛ فلم يكن أحدٌ من أهل المدينة يحتاج إلى عقد أمانٍ؛ لكي يُسْمَحَ له بالدُّخول إلى مكَّة! بل إن قريشاً كانت تكره أن تفك ِّر في حدوث حالة حرب بينها وبين أهل المدينة قبل هذا الوضع الجديد ، وقالوا في هذا الصَّدد ، يخاطبون أهل المدينة ما نصُّه: «والله! ما مِّنْ حي ٍ من العرب أبغضَ إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم [»627]) على أنَّ قوافل تجارة قريش في طريقها إلى الشَّام كانت

عدد الصفحات ١٦٧

في أمانٍ حتََّّ حدوث هذه الواقعة ، لم تتعرَّض لها الدَّولة الإسلاميَّة بَّكروهٍ؛ أي: أنَّ الدَّولة الإسلاميَّة حتََّّ هذا الوقت لم تعامل أهل مكَّة معاملة أهل الحرب ، فلم تضرب عليهم الحصار الاقتصاديَّ ، ولم تصادر لهم أيَّة قافلةٍ ، أو تقصدها بسوءٍ! ومعنَّ هذا أنَّ الأيدي الممسكة بزمام الأمور في مكَّة هي الَّتي بادرت ، وأعلنت الحرب على الدَّولة الإسلاميَّة في المدينة ، واعتبرت المسلمين أهلَ حرب ، لا يُسْمح لهم بدخول مكَّة إلا بصفة مُسْتلمَن628.]) ودليلٌ اخر على مبادرة رؤساء مكَّة إلى إعلان الحرب ، على الدَّولة الإسلاميَّة في المدينة ما جاء في سنن أبي داود: عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن رجلٍ من أصحاب النَّبي ِّ (ص) : أنَّ كفار قريش كتبوا إلى (ابن أُبي ٍ) ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس والخزرج؛ ورسولُ الله (ص) يومئذٍ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم اويتم صاحبنا ، وإناَّ نقسم بالله! لتُقاتِّلنَّه ، ولتُخرجُنَّه ، أو لَنَسيرنَّ إليكم بأجمعنا ، حتََّّ نقتل مقاتلتكم ، ونستبيح نساءكم. فلما بلغ عبد الله بن أُبي ٍ ومن كان معه من عبدة الأوثان ، اجتمعوا لقتال النبي ِّ (ص) ، فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ (ص)؛ لَقِّيَهم ، فقال: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ، ما كانت تكيدكم بأكثر ممَّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم ، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم ، وإخوانكم!»فلمَّا سمعوا ذلك من النَّبي ِّ (ص) ؛ تفرَّقوا 3004) وعبد الرزاق في المصنف (9733) والبيهقي في دلائل النبوة3/179 ـ180. ]) وهنا تظهر عظمة النُّبوَّة ، وعظمة القائد المربي ِّ (ص) ؛ حيث قضى على هذه الفتنة في مهدها ، وضرب على وتر العزَّة القبليَّة؛ فقد كان (ص) يدرك أغوار النَّفس البشريَّة الَّتي يتعامل معها؛ ولذلك كان خطابه مؤث ِّراً في نفوس مشركي يثرب ، ونحن بحاجة إلى هذا الفقه العظيم ، في تفتيت محاولات المشركين للقضاء على الصف ِّ الإسلامي ِّ ، وزعزعة بنيانه الدَّاخلي ، وبعد أن بدأت قريش بإعلان حالة الحرب بينها وبين دولة الإسلام بالمدينة ، ونزل الإذن من الله تعالى بالقتال؛ صار من الطبيعي أن تتعامل دولة المدينة مع قريشٍ حسب ما تقتضيه حال ة الحرب هذه ، فقد اتجَّه نشاط الرَّسول (ص) من أجل توطيد مكانة هذه الدَّولة ، والرد ِّ على قريش في إعلانها حالة الحرب على المدينة، فاتجَّه نشاطه (ص) نحو إرسال السَّرايَّ، والخروج في الغزوات629]) بدر الكبرى؛ ومن أهمها: 1 ـ غزوة الأبـْوَاء أولى الغزوات الَّتي غزاها النَّبيُّ (ص) غزوة الأبواء630])631])

عدد الصفحات ١٦٨

موقعان متجاوران بينهما ستة أميال ، أو ثمانية ، ولم يقع قتال في هذه الغزوة؛ بل تمَّت موادعة ب ضمرة (من كنانة) ، وكانت هذه ال غزوة في (صفر سنة اثنتين من الهجرة) ، وكان عدد المسلمين مئتين بين راكبٍ ، وراجلٍ 632.]) 2 ـ سرية عُبـَيْدة بن الحارث وهي أوَّل رايةٍ عقدها رسول الله (ص633]) الأعداء من قريش أكثر من مئتي راكبٍ ، ور اجلٍ ، وكان قائدَ المشركين أبو سفيان بن حرب ، وحصلت مناوشاتٌ بين الطَّرفين على ماءٍ بوادي رابغ ، رمى فيها سعد بن أبي وقاص بسهمٍ ، فكان أوَّل سهمٍ رُمِّيَ به في الإسلام ، وكانت بعد رجوعه من الأبواء634.]) 3 ـ سريَّة حمزة بن عبد المطلب قال ابن إسحاق: وبعث النَّبيُّ (ص) في مقامه ذلك ـ أي لمَّا وصل إلى المدينة بعد غزوة الأبواء ـ حمزة بن عبد المطلب إلى سيف635])636])637]) المهاجرين ، فلقي أبا جهل بن هشام بذلك السَّاحل ، في ثلاثمئة راكبٍ من أهل مكَّة ، فحجز ب الفريقين مجديُّ بن عمرو الجُهَنيُّ ، وكان موادعاً للفريقين جميعاً ، فانصرف بعضُ القوم عن بعض ، ولم يكن بينهم قتال638.]) 4 ـ غزوة بـُوَاط639:]) وكانت غزوة رسول الله (ص) بُواط في شهر ربيع الأوَّل ، في السَّنة الثَّانية من مُهَاجره ، وخرج في مئت من أصحابه ، وكان مقصده أن يعتّض عيراً لقريش ، كان فيها أميَّة بن خلف ، في مئة رجلٍ ، وألفين وخمسمئة بعيرٍ ، فلم يلق النَّبيُّ (ص) كيداً؛ فرجع إلى المدينة. 5 ـ غزوة العُشَيرة640:]) وفيها غزا (ص) قريشاً ، واستعمل على المدينة أبا سَلَمة بن عبد الأسد ، وسمُ ِّيت هذه الغزوة بغزوة العُشَيرة ، فلقام بها جمَُادَى الأولى ، وليالي من جمُادى الاخرة ، وادع فيها بني مُدْلِّج ، وحلفاءهم من بني ضَمْرة ، ثمَّ رجع إلى المدينة ، ولم يلقَ كيداً؛ وذلك: أنَّ العير الَّتي خرج لها قد مضت قبل ذلك بأيَّمٍ ، ذاهبةً إلى الشَّام641])على البحر ، وبلغ قريشاً خبرُها ، فخرجوا يمنعونها ، فلقوا رسول الله (ص) ووقعت غزوة بدر الكبرى642.]) 6 ـ سرية سعد بن أبي وقاصٍ

عدد الصفحات ١٦٩

وبعد غزوة العُشيرة ، بعث النَّبيُّ (ص) سعد بن أبي وقَّاص ، في سريةٍ قوامها ثمانية رهط من المهاجرين ، فخرج حتََّّ بلغ الخَرَّار643])644.]) 7 ـ غزوة بدر الأو سببها: أن كُرْزَ بنَ جابر الفِّهريَّ ، قد أغار على سَرْح645]) فخرج رسول الله (ص) في طلبه، حتََّّ بلغ واديًَّ يقال له: سَفْوان ، من ناحية بدرٍ ، وفاتَه كُرْزُ بن جابرٍ ، فلم يدركه ، فرجع رسول الله (ص) إلى المدينة 646.]) 8 ـ سرية عبد الله بن جحش الأسدي ِّ إلى نخَْلة647:]) وأرسل النبيُّ (ص) عبد الله بن جحش في ثمانية رَهطٍ من المهاجرين إلى نخلة جنوب مكة في اخر يومٍ من رجب؛ للاستطلاع ، و التَّعرف على أخبار قريش؛ لكنَّهم تعرضوا لقافلةٍ تجاريَّةٍ لقريش ، فظَفِّرُوا بها ، وقتلوا قائدها عمرو بن الحَضْرمي ، وأسروا اثنين من رجالها ، هما: عثمان بن عبد الله ، والحكم بن كَيْسان ، وعادوا بهما إلى المدينة ، وقد توقَّف النَّبيُّ (ص) في هذه الغنائم ، حتََّّ نزل عليه قوله تعالى: {يَسْلَلُونَكَ عَنِّ الشَّهْرِّ الحَْرَامِّ قِّتَالٍ فِّيهِّ قُلْ قِّتَالٌ فِّيهِّ كَبِّيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِّيلِّ اللََِّّّ وَكُفْرٌ بِّهِّ وَالْمَسْجِّدِّ الحَْرَامِّ وَإِّخْرَاجُ أَهْلِّهِّ مِّنْهُ أَكْبـَرُ عِّنْدَ اللََِّّّ وَالْفِّتـْنَةُ أَكْبـَرُ مِّنَ الْقَتْل[217.] فلمَّا نـزل القران الكريم؛ قبـض رسولُ الله (ص) العيـر ، والأسيريـن ، وفي سريـة عبد الله هـذه غنم المسلمون أوَّل غنيمـة ، وعمرو بـن الحَضْرَمي أوَّل قتيلٍ قتله المسلمون ، وعثمان بن عبد الله ، والحكم بن كيسان أوَّل من أسر المسلمون648.]) رابعاً: فوائد ، ودروسٌ ، وعبرٌ 1 ـ متَّ شُرِّع الجهاد؟ ذهب الشَّيخ الدُّكتور محمَّد أبو شهبة إلى أنَّ تشريع الجهاد كان في أوائل السَّنة الثَّانية للهجرة ، وعلَّل ذلك بسبب انشغال المسلمين في السَّنة الأولى بتنظيم أحوالهم الد ِّينيَّة ، والدُّنيويَّة؛ كب نائهم المسجد النَّبوي ِّ ، وأمور معايشهم ، وطرق اكتسابهم ، وتنظيم أحوالهم الس ِّياسيَّة؛ كعقد التاخي بينهم ، وموادعتهم اليهود المساكنين لهم في المدينة؛ كي يأمنوا شرورهم 649]) إلى أنَّ الإذن بالجهاد كان في أواخر السَّنة الأولى للهجرة 650.]) 2 ـ الفَرْق بين السَّرية ، والغزوة

عدد الصفحات ١٧٠

يُطلق كُتَّاب الس ِّيرَ في الغالب على كل ِّ مجموعةٍ من المسلمين؛ خرج بها النَّبيُّ (ص) ليلقى عدوَّه غزوةً ، سواءٌ حدث فيها قتالٌ ، أم لم يحدث ، وسواءٌ كان عددها كبيراً ، أم صغيراً. ويطلقون على كل مجموعة من المسلمين؛ يرسلها النَّبيُّ (ص) لاعتّاض عدو ٍ كلمة: (سَرِّيَّة) أو: (بعث) ، وقد يحدث فيها قتالٌ ، وقد لا يحدث، وقد تكون لرصد أخبار عدو ِّه ، أو غيره ، وغالباً ما يكون عدد الَّذين يخرجون في السَّرايَّ قليلاً ؛ لأنَّ مهمَّتهم محدَّدةٌ في مناوشـة العدو ِّ ، وإخافتـه ، وإرباكه ، وقد قاد رسولُ الله (ص) سبعاً وعشرين غزوةً ، وأرسل ما يُقدَّر بثمانٍ وثلاثين سريَّةً ، وبعثـاً ، وقد خطَّط لها في فتّةٍ وجيزةٍ في عُمْرِّ الأمم ، بلغت عَشْرَ سنـواتٍ من الزَّمن651.]) 3 ـ تعداد سكَّان المدينة ، وعلاقته بالسَّرا أمر النَّبيُّ ( ص) بإجراء تعدادٍ سكَّاني ٍ في السَّنة الأولى من الهجرة ، وبعد المؤاخاة مباشرةً ، وكان الإحصاء للمسلمين فقط ، أو حسب نص ِّ أمر رسول الله (ص) حينما قال: «اكتبوا لي من تلفَّظ بالإسلام من الناس»فبلغ تعداد المحاربين منهم فقط 1500) ألفاً وخمسمئة رجلٍ652])لطلق المسلمون بعد إجراء هذا الإحصاء تساؤل تعجبٍ ، واستغرابٍ: «نخاف ونحن ألف وخمسمئة؟»؛ لأنهم كانوا قبلُ لا ينامون إلا ومعهم الس ِّلاح؛ خوفاً على أنفسهم ، وكان رسول الله (ص) يمنع خروجهم ليلاً فرادى؛ حمايةً لهم من الغدر653])بدأت السَّرايَّ ، والغزوات ، وهذا الإجراء الإحصائيُّ يدخل ضمن الإجراءات التَّنظيميَّة في تطوير الدَّولة النَّاشئة654.]) 4 ـ حراسة الصَّحابة للنَّبي ِّ (ص) الشَّخصيَّة كان الصَّحابة رضي الله عنهم يحرسون النَّبيَّ (ص) حراسةً شخصيَّةً ، فعن أم ِّ المؤمنين عائ شة رضي الله عنها قالت: «أَرِّقَ النَّبيُّ (ص) ذاتَ ليلةٍ ، فقال «ليتَ رجلاً صالحاً من أصحابي يحَْرسُني اللَّيلة »؛ إذ سمعنا صوتَ الس ِّلاح ، قال: «مَنْ هذا؟ »قال: سعـدٌ يَّ رسولَ الله! جئتُ أحْرُسُك ، فنـام النَّبيُّ (ص حتََّّ سمعنـا غَطيطه »[2885 و7231) ومسلم2410]) الكبرى655]) وترك الإهمال في موضع الحاجة إلى الاحتياط ، وأنَّ على النَّاس أن يحرسوا سلطانهم خشية القتل ، وفيه الثَّناء على مَنْ تبرَّع بالخير ، وتسميته ، وإنمَّا عنََّ النَّبيُّ (ص) ذلك مع قوَّة توكُّله؛ للاستنان به في ذلك656.])

عدد الصفحات ١٧١

5 ـ نص وثيقة المعاهدة مع بني ضَمْرَة والتعليق عليها «بسم الله الرَّحمن الرَّحيم ، هذا كتابٌ من محمَّدٍ رسول الله ، لبني ضَمْرَة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة ، بأنهَّم امنون على أموالهم ، وأنفسهم ، وأنَّ لهم النَّصر على مَنْ رامهم؛ إلا أن يحُارِّبُوا دين الله ، ما بَلَّ بحرٌ صُوفَةً 657]) الله ، وذمَّة رسوله ، ولهم النَّصرُ على مَنْ برَّ منهم ، واتَّقى[»658.]) انتهز النَّبيُّ (ص) في غزوة الأبْواء فرصةً ذهبيَّةً ، فعقد حلفاً عسكريًَّ مع شيخ بني ضمرة ، فقد كان موقع بلاده ذا قيمةٍ عسكريَّةٍ لا تُقدَّر بثمنٍ في الص ِّراع بين الدَّولة الإسلاميَّة النَّاشئة ، وقريش؛ ولذلك عمل رسول الله (ص) على ضمان حيدتهم ، في حالة وقوع صدامٍ مسلَّحٍ بين المدينة ، وأهل مكَّة ، وكانت خطَّته (ص) حتََّّ وقعة بدر أن يزعج قوافل قريش بإرسال مجموعاتٍ صغيرةٍ من المهاجرين ، وخاصَّةً أنَّ هذه القوافل كانت غير مصحوبةٍ بجيشٍ يحميها ، وهو أمرٌ لم تفك ِّر فيه قريش حتََّّ تلك اللَّحظة659.]) كان قـُرْبُ بني ضَمْرَة ، وحلفائهم من المدينة؛ الَّتي كانت سوقَهم ، ومصدرَ رزقهم قد وضعهم في موقفٍ لا يسمح لهم بأي ِّ مسلكٍ غير موادعة الدَّولة الإسلاميَّة النَّاشئة ، وهو حلف عدم اعتداءٍ وفق المصطلح الحديث660.]) وقد دلَّت هذه الموادعة على أنَّ مقتضيات الس ياسة الشَّرعيَّة ، قد تدفع المسلمين إلى التَّحالف العسكري ِّ ، أو الاقتصادي ِّ ، أو الت ِّجاري ِّ ، مع أي ٍ من الكتل القائمة ، وأنَّ التَّحالف الس ِّياسيَّ له أصلٌ في الشَّريعة ، وضرورةٌ يوجبها استهدافُ رفع الضَّرر الحاصل ، أو المرتقب 661]) التَّحالف مبنيٌّ على قاعـدة رفع الضَّرر ، والمصلحة المشتّكة ، وأن تكون لأصل الحلف غايـةٌ شرعيَّـةٌ معلومـةٌ ، وأن يكون للمسلمين في الحلف قرارٌ ، ورأيٌ ، أما إذا كانوا أتباعاً ، ومنفذين ـ كما في الأحلاف الحديثـة ـ فهذا لا ينطبق عليه الأصل الشَّرعيُّ ، وعلى قيـادة الأمَّ ة أن تستـوعب هدي النَّبي ِّ (ص) في حركته السياسية ، وأن تفهم القاعدة الشَّرعيَّة؛ الَّتي تقول: «لا ضرر ولا ضرار »[ (2341) وأحمد1/313) والطبراني في المعجم الأوسط3789([])662. ]) يقول الشَّيخ مصطفى الزَّرقا في معرض الحديث عن هذه القاعدة ، مانصُّه: «وهذه القاعدة من أركان الشَّريعة ، وتشهد لها نصوصٌ من الكتاب والسنَّة ، ويشمل الضرر المنهيُّ عنه ما كان ضرراً عام اً ، أو خاص اً ، ويشمل ذلك دفعه قبل الوقوع بطرق الوقاية

عدد الصفحات ١٧٢

الممكنة ، ودفعه بعد الوقوع بَّا يمكن من التَّدابير الَّتي تزيل اثاره ، وتمنع تكْرَاره ، كما يدلُّ على وجوب اختيار أهون الشَّرَّين؛ لدفع أعظمهما؛ لأنَّ في ذلك تخفيفاً للضَّرر عندما لا يمكن منعه بتاتاً [»663.]) إنَّ هذه الموادعة توض ِّح جواز عقد الدَّولة الإسلاميَّة معاهدةً دفاعيَّةً بينها وبين دولةٍ أخرى ، إذا اقتضت ذلك مصلحة المسلمين ، ولم يتّتَّب أيُّ ضررٍ على مثل هذه المعاهدة ، ويجب على الدَّولة الإسلاميَّة في هذه الحال ، نصرة الدَّولة الحليفة إذا دعيت إلى هذه النُّصرة ضدَّ الكفار المعتدين ، كما يجوز للدَّولة الإسلاميَّة أن تطلب من الدَّولة الحليفة إمدادها بالس ِّلاح ، والر ِّجال؛ ليقات لوا تحت راية الدَّولة الإسلاميَّة ، ضدَّ الأعداء من الكفَّار664.]) وقد شرط النَّبيُّ (ص) على بني ضمرة ألا يحاربوا دين الله؛ حتََّّ يكون لهم النَّصر على من اعتدى عليهم ، أو حاول الاعتداء. وفي هذا إبعادٌ للعقبات؛ الَّتي يمكن أن تقف في طريق الدَّعوة ، فقد أوجبت هذه المعاهدة على بني ضَمرة ألا يحاربوا هذا الد ِّين ، أو يقفوا في طريقه 665]) وعسكريًََّّ للمسلمين ، لا يستهان به666.]) 6 ـ (وإني ِّ لأوَّل رجلٍ رمَى بسهمٍ في سبيل 667:]) كانت سرية عُبَيدة بن الحارث رضي عنه أوَّلَ سريَّةٍ في تاريخ السَّرايَّ ، يلتقي فيها المسلمون مع المشركين في مواجهةٍ عسكريَّةٍ ، وقد اتخَّذ القتال بين الطَّرفين طابع المناوشة بالس ِّهام ، وكان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه «أوَّل العرب رمى بسهم في سبيل[»668]) لم تستمرَّ طويلاً؛ إذ قرَّر الفريقان الانسحاب من أرضها ، وقد كان انسحاب المسلمين قويًَّ ، ومنظَّماً ، وكان بطل هذا الانسحاب سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ، فقد كان له الدَّور الأكبر في تثبيت ، وإحباط استعدادات العدو ِّ ، لشن ِّ أي ِّ هجومٍ مضاد ٍ ، وذلك بوا بل من الس ِّهام المزعجـة الَّتي قذفهـا نحـوه ، والتي كونت ساتراً دفاعياً ، مهَّد لانسحابٍ سليمٍ منظَّمٍ بالن ِّسبة للمسلمين ، وقد فرَّ عُتْبة بن غَزوان ، والمقداد بن الأسود رضي الله عنهما يومئذ إلى المسلمين ، وكانا قد أسلما قبل ذلك ، وفي هذه السَّريَّة حقَّق سعد بن أبي وقَّاص رضي الله

عدد الصفحات ١٧٣

عنه سبقاً عسكريَّ ً إسلامي اً ، يسجَّل في سجل ِّه الحافل بالأعمال العظيمة لنصرة دين الله تعالى ، كما أكَّدت هذه السَّريَّة ، استمرار سياسة رسول الله (ص) التَّعبويَّة ، الخاصَّة بحشد المهاجرين فقط في الغزوات والسَّرايَّ الأولى حتََّّ بدر؛ تنفيذاً لاتفاقية العقبة الثَّانية669.]) 7 ـ نصُّ وثيقة الموادعة مع جُهَيْنة ، والتَّعليق عليها «إنهَّم امنون على أنفسهم ، وأموالهم ، وإنَّ لهم النَّصر على من ظلمهم ، أو حاربهم ، إلا في الد ِّين ، والأهل ، ولأهل باديتهم من برَّ منهم ، واتَّقى ما لحاضرتهم[»670.]) ويظهر أثر هذه الموادعة عندما تدخَّل مجَْدِّيُّ بن عمرو الجُهَنيُّ في التَّوسُّط بين سريَّـة حمزة بن عبـد المطلب ، والقافلة القرشيَّة الَّتي كان يقودها أبو جهل بـن هشام ، ويحرسها ثلاثمئة راكبٍ من فـُرْسان قريشٍ671]) في منطقة نفوذ جهينة، واصطفُّوا للقتال672]) أن يندلع القتال بين الفريقين ، تدخَّل مجْديُّ بن عمرو ـ زعيم من زعماء جهينة ـ في وساطة سلامٍ بينهم ، واستطاع أن ينجح في مساعيه الس ِّلمية بين الطَّرفين ، فقد كان مجديُّ ، وقومه حلفاء للفريقين جميعاً ، فلم يعصوه ، فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهما ، فلم يكن بينهما قتالٌ673.]) ويظهر من هذه المعاهدة: أنَّ عقد المعاهدات بين الدَّولة الإسلامية والقبائل المجاورة ، كان سابقاً على الأعمال العسكريَّة؛ الَّتي قامت بها؛ بدليل أنَّ حركة السَّرايَّ الأولى الموجَّهة ضدَّ قريشٍ ، كان قد سبقها معاهدة سلامٍ بين دولة الإسلام ، وقبيلة جهينة المقيمة على ساحل البحر الأحمر ، وقد توسَّطت لمنع القتال بين المسلمين ، وكفَّار مكَّة. ومن فقه هذه المعاهدة جوازُ عقد معاهدة سلامٍ بين دولة الإسلام ، ودولةٍ أخرى ، هي بدورها مرتبطةٌ بَّعاهدة سلامٍ مع أعداء الدَّولة الإسلاميَّة؛ بشرط ألاَّ تتجاوز تلك المعاهدة الاتفاق على أن تنصر الدَّولة المعاهدة للمسلمين العدوَّ إذا ما اشتبكت مع المسلمين في قتالٍ ، ويجوز للدَّولة الإسلاميَّة ، أن تتّك قتال أعدائها بعد أن تستعدَّ لذلك؛ استجابةً لوساطة دولةٍ أخر ى؛ إذا لم يتّتب على ذلك ضررٌ للمسلم674.]) كانت نتائج سريَّة حمزة رضي الله عنه على المعسكر الوثني ِّ سيئةً للغاية؛ حيث هزَّت كيان قريش ، وبثَّت الرُّعب في نفوس رجالها ، وفتحت أعينهم على الخطر المُحْدق بهم ، والَّذي أصبح يهد ِّد طريق تجارتهم ، وقوَّتهم الاقتصاديَّة675])« يَّ معشر قريش! إنَّ محمداً قد نزل يثربَ ، وأرسل طلائعه ؛ وإنمَّا يريد أن يصيب منكم شيئاً ، فاحذروا أن

عدد الصفحات ١٧٤

تمرُّوا في طريقه ، وأن تقاربـوه ؛ فإنَّـه كالأسد الضَّاري ، إنـه حَنِّـقٌ 676])فيتموه نـَفْيَ القردان 677])678]) إلا رأيتُ معهم الشَّياطين ، وإنَّكم عرفتم عداوة ابني قـَيـْلَة 679]) بعدو ٍ[»680.]) 8 ـ سريَّة عبد الله بن جحش وما فيها من دروسٍ ، وعبر: إنَّ سرية عبد الله بن جحشٍ ، حقَّقت نتائج مهمَّةً ، وفيها دروسٌ ، وعبرٌ ، وفوائد عظيمةٌ؛ منها: أ ـ جاء في خبر هذه السَّريَّة: أنَّ النَّبيَّ (ص) كتب لأمير السَّريَّة كتاباً ، وأمره ألاَّ ينظرَ فيه حتََّّ يسير يومين ، وهذا مثلٌ لتطبيق مبدأ مهم ٍ من مبادأى الحرب ، وهو إخفاء الخُطط الحربيَّة ، ومنها خط السَّير ، حتََّّ يكون الجيش في أمانٍ من كيد الأعداء؛ فالمدينة كانت انذاك تضمُّ اليهود، والوثنيين، ومن المتوقع أن يسارع هؤلاء إلى إخبار أهل مكَّة ، بخط ِّ سير تلك السَّريَّة الموجَّهة ضدَّهم ، فلمَّا سار أ فراد السَّريَّة وهم بأنفسهم لا يعلمون اتج ِّاههم؛ أصبح النَّبيُّ (ص) امناً من انكشاف الهدف المقصود 681.]) وإنَّ الباحث ليرى أثر التَّّبية النَّبويَّة في هذه السَّريَّة المباركة؛ حيث سمعوا ، وأطاعوا جميعاً ، وساروا إ منطقة أعدائهم ، وتجاوزوها حتََّّ أصبحوا من ورائهم ، وهذا شاهدٌ على قوَّة إيمان الصَّحابة رضي الله عنهم ، واستهانتهم بأنفسهم في سبيل الله تعا682.]) ب ـ حاولت قريش أن تستغلَّ ما وقع من قـَتْلٍ في الشَّهر الحرام مِّنْ قِّبلَ أفراد السَّريَّة ، فشنُّوا حرباً إعلاميَّة ، وهجوميَّة مركَّزةً ، تتخلَّ لها دعايَّتٌ مغرضةٌ ضدَّ المسلمين ، استغلت فيها التعاليم الإبراهيميَّة؛ الَّتي لا زالت بعض اثارها باقيةً في المجتمع الجاهلي ِّ حتََّّ ذلك الوقت؛ من تحريم القتال في الأشهر الحرم ، وغير ذلك ، فقد «انتهزت قريش هذه الفرصة للتَّشهير بَّحمَّدٍ (ص) ، وبالمسلمين ، وإظهارهم بَّظهر المعتدي الَّذي لا يراعي الحرمات[»683« .])قالت قريش: قد استحل محمَّدٌ ، وأصحابـه الشَّهر الحرام ، وسفكوا فيـه الدَّم ، وأخذوا فيـه الأموال ، وأسروا فيه الر ِّجال » [9/59) وفي الدلائل3/19) وابن هشام2/254([])684. ]) ونجحت قريش في خُطَّتها تلك بادأى الأمر؛ حيث «كان لدعايتها صدىً كبيرٌ ، وأثرٌ ملموسٌ ح المدينة نفسها ، فقد كثر الجدل ، والنقاش بين المسلمين أنفسهم ، وأنكروا على رجال السَّريَّـة محاربتهم في الشَّهـر الحرام ، واشتـدَّ الموقف ، ودخلت اليهود تريد إشعال الفتنة[»685]) واقعةٌ لا محالة بين المسلمين وقريش؛ بل بينهم وبين العرب جميعاً؛ جزاء ما انتهكوا من حرمة الشَّهر

عدد الصفحات ١٧٥

الحرام ، وأخذوا يرد ِّدون «عمرو بن الحَضرمي قتله واقدُ بن عبد الله ، عمرو: عمرت الحرب ، والحضرمي: حضرت الحرب ، وواقد: وقدت الح رب[»686]) دفينٍ في نفوسهم على الإسلام والمسلم687.]) وعندما ظنَّ أهل السَّريَّة: أنهَّم قد هلكوا ، وسُقط في أيديهم688]) لألسنة المشركين الَّذين يتتَّّسون بالحرمات ، ويتَّخذونها ستاراً لجرائمهم ، ففضح القران هؤلاء المجرمين ، وأبطل احتجاجهم ، وأجاب على استنكارهم القتال في الشَّهر الحرام ، فالصدُّ عن سبيل الله ، والكفر به أكبر من القتال في الشَّهر الحرام ، والمسجد الحرام ، وإخراجُ أهله منه أكبرُ من القتال في الشَّهر الحرام ، وف تنةُ الرَّجل في دينه أكبرُ من القتل في الشَّهر الحرام. لقد فعلت قريشٌ كلَّ هذه الجرائم ، وارتكبت هذه الكبائر؛ ولكنَّها تناستها ، أو استهانت بها ، ولم تذكر إلا حُرمة الشَّهر ، واتخَّذتها وسيلةً لإثارة حربٍ شعواء على الإسلام ، ودولته؛ لتلليب القبائل الوثنيَّ ة عليها ، وتنفير النَّاس من الدُّخول في هذا الد ِّين؛ الَّذي يستحلُّ الحرمات ، ويستبيح المقدَّسات؛ حتََّّ إنَّ رسول الله (ص) قد لحقه الغمُّ ، ولام قائد السَّريَّة ، وأصحابه على ما فعلوا689])، موضحةً: أنَّه وإن كان الشَّهر الحرام لا يحلُّ فيه القتال ، ولكن لا حرمة عند الله لمن هتك الحرمات ، وصدَّ عن سبيله690.]) ج ـ حِّرْصُ القائد على سلامة الجنود: عندما تخلَّف سعـد بن أبي وقَّاصٍ ، وعُتْبـة بن غَزْوان؛ بسبب بحثهما عن بعيرٍ لهما قد ضلَّ ، وجاءت قريش تريد أن تفدي الأسيرين ، فلبى رسول الله (ص) وقال: «أخاف أن تكونوا قد أصبتم سعد بن مالك ، وعُتبة بن غَزوان»فلم يفادهما حتََّّ قدم سعدٌ ، وعُتبة ، ففوديَّ ، فلسلم الحكم بن كَيسان691]) المغيرة كافراً[692.]) ونفهم من المنهاج النَّبوي ِّ ، ضرورة أن يهتمَّ القائد بسلامة جنده؛ لأنهَّم هم الَّذين يقد ِّمون أنفسهم سبيل نصرة دين الله ، وإقامة دولة الإسلام. إنَّ المدارس العسكريَّة الحديثة تقول: إنَّ الجنديَّ حين يحُسُّ باهتمام القيادة به ، وبسلامته ، وبأمنه لا يتّدَّد في أن يبذل غاية البذل ، ويعطي أقصى العطاء693.])

عدد الصفحات ١٧٦

د ـ ظهور التَّّبيَّة الأمنيَّة في الميدان: كانت سريَّة عبد الله بن جحشٍ قد حقَّقت أهدافها ، وظهرت قدرتها على التوغُّل في المناطق الخاضعة لنفوذ قريش ، ممَّا أذهلها ، وزاد دهشتها وذهولها تلك الس ِّ ر ِّيَّـةُ التَّامَّةُ ، والد ِّقَّةُ المتناهية؛ الَّتي تمَّت بها العمليَّة؛ حتََّّ إنَّ جواسيس قريش لم تستطع رصدها ، ولا معرفة الوجهة الَّتي قصدتها ، وكان ذلك ما أراده رسول الله (ص) ، وخطَّط له بابتكاره أسلوب الرَّسائل المكتوبة؛ للمحافظة على الكتمان ، وحرمان العدو ِّ من الحصول على المعلومات الَّتي تفيده عن حركات المسلمين، «والكتمان أهمُّ عاملٍ من عوامل مبدأ (المباغتة) ، وهي أهمُّ مبدأ من مبادأى الحرب [»694.]) وقد أثبتت هذه السَّرِّيَّةُ بَّا لا يدع مجالاً للشك: أنَّ سرايَّ النَّبي ِّ (ص) قويَّةٌ ، تندفع للقيام بأص عب الأعباء والمهمَّات ، وتتحلَّى بَّزايَّ القتال ، وقدرتها على إنجاز الواجبات بكل ِّ كفاءة ، واقتدارٍ ، ممَّا يدلُّ على رُوحها المعنويَّة العالية. وتظهر اثار التَّّبية النَّبويَّة في الضَّبط العسكري ِّ الرَّفيع ، الَّذي تميَّز به قائد السَّريَّة ، وطاعته للأوامر النَّبويَّة العليا؛ دون تردُّدٍ ، أو تخاذلٍ ، فما إن قرأ الكتاب ، حتََّّ امتثل فوراً للأمر بحذافيره ، معطياً من نفسه القدوة الحسنة ، وباثا ً في نفوس جنوده الحماس ، وهو يقول لهم: «من كان منكم يريد الشَّهادة ، ويرغب فيها؛ فلينطلق ، ومن كره ذلك؛ فليرجع ، فلمَّا أنا فماضٍ لأمر رسول الله (ص) [»695.]) 9 ـ من أهداف السَّرا عندما ندرس حركة السَّرايَّ، والغزوات؛ الَّتي قادها رسول الله (ص) بدقَّةٍ، وعمقٍ، وتحليلٍ ، نستطيع أن نتلمَّس كثيراً من الأهداف ، وندرك بعض ما توحي به من دروسٍ وعبرٍ ، وفوائد؛ فإذا تأمَّلنا في حركة السَّرايَّ الَّتي سُير ِّت قبل بدرٍ؛ نجد أنَّ أفرادها كلَّهم من المهاجرين ، ليس فيهم واحدٌ من الأنصار. يقول ابن سعدٍ ـ رحمه الله! ـ: «والمجتمع عليه: أنهَّم كانوا جميعاً من المهاجرين ، ولم يبعث رسول الله (ص) أحداً من الأنصار مَبْعثاً حتََّّ غزا بهم بدر اً [»696]) المهاجرين في أنفسهم أوَّلاً، وإحياؤها على المستوى الخارجي ِّ ، وإنهاك الاقتصاد القرشي ِّ ، ومحاصرته ، واستعادة بعض الحقوق المسلوبة ، وإضعاف قريشٍ عسكريَّ ً ، وتدريب الصَّحابة على إتقان فنون القت ال ، ورصد تحرُّكات قريش ، وإرهاب العدو ِّ الدَّاخلي ِّ في المدينة ، وما حولها ، واختبار قوة العدو697 ]) ، وقد حقَّقت تلك السَّرايَّ أهدافها ، والَّتي من أهمها

عدد الصفحات ١٧٧