112 وليس لمقاتلة جيشٍ كبير ، فأجمعوا على القتاؿ والجهاد في سبيل الله عندىا انطلق الجيش الإسلبمي للمواجهة . وفي بدر ( مكاف يبعد عن المدينة حوالي ٓٓٔ كم غرب المدينة ) التقى الجيشاف واستعد كل منهما للقتاؿ ،فعبأ رسوؿ الله جيشو . ومشى في موضع المعركة، وجعل يش ير بيده : ( ىذا مصرع فلبف غداً إف شاء الله، وىذا مصرع فلبف غداً إف شاء الله ) . ثم بات رسوؿ الله يصلي إلى جذع شجرة ىنالك وكاف ذلك ليلة الجمعة، السابع عشرة من رمضاف في السنة الثانية من الهجرة ، وفي صباح ذلك اليوـ بدأت المعركة الأولى بين المسلمين وكفار قريش وأوحى الله إلى ملبئكتو : " أَن ي مَعَكُمْ فػَثَب تُواْ ال ذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قػُلُوبِ ال ذِينَ كَفَرُواْ الر عْبَ " ٖٓٔ ، وأوحى إلى رسولو : " أَن ي مُمِد كُم بِأَلْفٍ م نَ الْمَلآئِكَة " مُرْدِفِينَ "ٖٔٔ - أي إنهم ردؼ لكم، أو يردؼ بعضهم بعضًا أرسالاً ، لا يأتوف دفعة واحدة . ونصر الله المؤ منين نصراَ عظيما. ولئن كانت بدر سبباً في فرح المسلمين ، فقد كانت سبباً في حزف الكافرين والمنافقين وكذلك اليهود الذين كانوا يط محوف للتخلص من المسلمين والقضاء على الدعوة الجد يدة ، لذا حاوؿ بعض فئات اليهود التعرض للمسلمين والنيل منهم والتحرش بنسائهم ( أي إنهم نقضوا العهد ) فما كاف من الرسوؿ الكريم إلا أف حاصرىم ثم أبعد بعضهم عن المدينة. ٖٓٔ سورة الأنفاؿ آية ٕٔ ٖٔٔ سورة الأنفاؿ آية ٜ
عدد الصفحات ١١٣113 ثم تتابعت الغزوات والحروب بين الرسوؿ الكريم وقريش، فجاءت غزوة أحد في شواؿ من سنة ٖ ىػ وانك سر فيها المسلموف واستشهد منهم ٓٚ رجلبً منهم حمزة عم الرسوؿ الكريم ،وبعد غزوة أحد تجرأ بعض قبائل اليهود في إظهار حقدىم ووصل الأمر إلى موقف غريب : فقد خرج إليهم في نفر من أصحابو، وكلمهم أف يعينوه ببعض الماؿ - وكاف ذلك واجباً عليهم حسب بنود المعاىدة - فقالوا : نفعل يا أبا القاسم، اجلس ىا ىنا حتى نقضي حاجتك . فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءىم بما وعدوا، وجلس معو أبو بكر وعمر وعلى وطائفة من أصحابو . وخلب اليهود بعضهم إلى بعض، و تآمروا بقتلو ، وقالوا : أيكم يأخذ ىذه الرح ى ( حصى كبيرة ) ، ويصعد فيلقيها على رأسو يشدخو بها ؟ . . . فقاؿ أشقاىم عمرو بن جحاش : أنا . فقاؿ لهم سَلب ـ بن مِشْكَم : لا تفعلوا، فوالله ليخبرف بما ىممتم بو، وإنو لنقض للعهد الذي بيننا وبينو . و لكنهم عزموا على تنفيذ خطتهم ، ونزؿ جبريل من عند رب العالمين على رسولو يعلمو بما ىموا بو، فنهض مسرعاً وتوجو إلى المدينة، ولحقو أصحابو فقالوا : نهضت ولم نشعر بك، فأخبرىم بما ىَم تْ بو يهود، وما لبث رسوؿ الله أف بعث إلى اليهود يقوؿ لهم : ( اخرجوا من المدينة ولا تساكنوني بها، وقد أجلتكم عشراً، فمن وجدت بعد ذلك بها ضربت عنقو ) . فرفضوا فحاصرىم الرسوؿ الكريم ثم أبعدىم عن المدينة وكاف ذلك في السنة الرابعة من الهجرة ، وكاف بين تلك الغزوات سرايا يبعثها الرسوؿ الكريم إلى بعض القبائل القريبة من المدينة من أجل توطين الأمن والاستقرار .
عدد الصفحات ١١٤114 إفالانشغاؿ بالغزوات والقتاؿ لا يعني أبداً توقف بناء الإنساف وتقوية الإيماف وترسيخو في القلوب فقد كانت الآيات القرآنية التربوية تنزؿ والأحاديث والمواقف النبوية تتماشى معها ، بالإضافة إلى تشريعات تضمن تحقيق السعادة للناس ، بل إف الحروب والغزوات كانت ميداناً تربوياً خصباً لتعليم المسلمين أحكاـ الجهاد وتطبيقو عملياً . واستمر الحاؿ على ذلك حتى سنة ٘ ىػ ، حيث خرج عشروف رجلبً من زعماء اليهود وسادات بني النضير إلى قريش بمكة، يحرضونهم على غزو الرسوؿ ، ويوالونهم عليو، ووعدوىم من أنفسهم بالنصر لهم، فأجابتهم قريش،ثم خرجوا إلى غطفاف ( قبيلة كثيرة العدد ) ثم ط اؼ الوفد في قبائل العرب يدعو نهم إلى ذلك فاستجاب لو من استجاب، وىكذا نجح ساسة اليهود وقادتهم في تأليب أحزاب الكفر على النبي والمسلمين ، فقد قدـ المدينة لغزوىا حوالي عشرة آلآؼ مقاتل من مختلف المناطق وكاف قائدىم أب ي سفياف .ولما علم الرسوؿ بذلك سارع إلى التشاور مع أصحابو في خطة الدفاع عن المدينة، فقاؿ سلماف الفارسي : يا رسوؿ الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خَنْدَقػْنَا (حفرة كبيرة ) حوؿ مساكننا. وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك . فوافقوا على ىذا الرأي وأسرع رسوؿ الله إلى تنفيذ ىذه الخطة وحفر خندقاً حوؿ المدينة وشارؾ معهم الرسوؿ الكريم فقد قاؿ البراء بن عازب : رأيتو ينقل من تراب الخندؽ حتى واري عني الغبار جلدة بطنو أي لا يستطيع رؤية جلد بطنو من أثر التراب عليو . ولما أراد المشركوف مهاجمة المسلمين واقتحاـ المدينة، وجدوا خندقاً عريضاً يحوؿ بينهم وبينها، فالتجأوا إلى فرض الحصار على المسلمين، وقالوا : مكيدة ما عرفتها العرب. ثم حاولوا اقتحاـ الخندؽ لكنهم لم يستطيعوا فاستمروا في حصار المدينة ،
عدد الصفحات ١١٥115 وفي ىذه الأثناء نقض من بقي من اليهود العهد مع الرسوؿ ،فاشتد الأمر على أىل المدينة حتى وصف الله ىذا الموقف في كتابو بقولو "... ىُنَالِكَ ابػْتُلِيَ الْمُؤْمِنُوفَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا " ٕٖٔ، وكاف الرسوؿ وصحابتو يكثروف من دعاء الله وطلب النصرة منو، فأجاب الله دعاءىم ونصرىم ، ففرؽ شمل أعدائهم وأرسل عليهم ريحاً شديدة باردة فرقتهم وأقتلعت خيامهم ، فقرروا الانسحاب والعودة إلى الديار وترؾ المدينة. وفي اليوـ الذي رجع فيو رسوؿ الله إلى المدينة من تلك الغزوة ، جاءه جبريل فأمره بالخروج إلى اليهود الذ ين نقضوا العهد أثناء غزوة الأحزاب ، فتحرؾ الرسوؿ الكريم ومعو صحابتو نحو آخر مجموعة من اليهودفي المدينة المتحصنين في ديارىم ، فحاصرىم حتى استسلموا ونزلوا على حكم الرسوؿ .لقد كانت غزوة الأحزاب ىي آخر غزوة تغزوىا قريش ضد الرسوؿ الكريم . وتطورت الظروؼ في الجزيزة العربية إلى حد كبير لصالح المسلمين، وبدأت التمهيدات لإقرار حق المسلمين في أداء عبادت هم في المسجد الحراـ( مكة )، الذي كاف قد صد ىم عنو المشركوف منذ ستة أعواـ ، حيث رأى رسوؿ الله في المناـ وىو بالمدينة أنو دخل ىو وأصحابو المسجد الحراـ، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، وحل ق بعضهم وقص ر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابو ففرحوا ، وأخبر أصحابو أنو معتمر فتجهزوا للسفر . وفي يوـ الاثنين ٔ من شهر ٔٔ من السنة ٙ ىػ خرج الرسوؿ من المدينة متوجهاً إلى مكة لأداء العمرة ومعو ٓٓ٘ٔ من ٕٖٔ سورة الأحزاب آية ٓٔ
عدد الصفحات ١١٦116 صحابتو بلب سلبح إلا سلبح المسافر. وسار رسوؿ الله حتى إذا كاف في مكاف يسمى الحديبية،علمت قريش بذلك فعزموا على منع الرسوؿ من دخوؿ مكة بأي ثمن فاستعدوا للمواجهة ،ثم تدخل الوسطاء من العرب بين الرسوؿ وقريش، وبدأت الرسل من قريش تأتي إلى الرسوؿ من أجل التفاوض وعقد الصلح ، وبعد عدة لقاءات وافق الطرفاف على عقد صلح بين الطرفين كاف من أىم بنوده : أف الرسوؿ يرجع من عامو، فلب ي دخل مكة، وإذا كاف العاـ القابل دخلها . وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين ، من أحب أف يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيو، ومن أحب أف يدخل في عقد قريش وعهدىم دخل فيو، وتعتبر القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين جزءاً من ذلك الفريق، فأي عدواف تتعرض لو أي من ىذه القبائل يعتبر عدواناً على ذلك الفريق . من أتى محمداً من قريش من غير إذف وليو - أي ىارباً منهم - رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد - أي ىارباً منو - لم يرد عليو . فحزف المسلموف لذلك الصلح حيث أنهم لن يعتمرو ا ، كما أف فيو إشارة ضعف وخاصة البند الأخير ، لكن الرسوؿ المؤيد بالوحي طمأنهم وقاؿ لمن حاوره :( إني رسوؿ الله ولست أعصيو، وىو ناصري ولن يضيعني أبداً ) . وفي طريق عودة المسلمين إلى المدينة نزؿ قولو تعالى : " إِن ا فػَتَحْنَا لَكَ فػَتْحًا م بِينًا "ٖٖٔ سورة الفتح " ٔ فكيف سيكوف ىذا الصلح فتحا عظيماً وكيف ستتعامل قريش مع ىذا الفتح ؟ ٖٖٔ سُزج انفتح آيح 1
عدد الصفحات ١١٧117 الفصل السابع: النهاية نحن الآف في بداية السنة السابعة من الهجرة ، كانت المدينة مستقرة داخلياً حيث أف اليهود جميعاً خرجوا منها ، كما أف العدو الخارجي الأوؿ والأخطر عقد صلحاً مع المدينة فلب حرب ولا اعتداء . وىذا كاف أفضل وضع للدعوة وانتشارىا بين الناس ليس في الجزيرة العربية فقط بل وحتى خارج الجزيرة ، وىذا ما فعلو الرسوؿ الحكيم فبالإضافة إلى الدعوة بين القبائل العربية فقد أرسل الرسوؿ الكريم إلى الملوؾ في ذلك الزماف مثل النجاشي ملك الحبشة وىرقل قيصر الروـ ، وكسرى ملك فارس ، والمقوقس ملك مصر وغيرىم . و لا يعني نهاية السرايا والبعوث فلم يزؿ في جزيرة العرب بعض القبائل المعادية للدعوة والتي لابد من أخذ الحيطة منها ، لذا بعث مجموعة من السرايا لمناطق مختلفة لم يحصل فيها قتاؿ كثير . خروج اليهود من المدينة لم يكن يعني خروجهم من الجزيرة ، فهم لا يزالوف في منطقة خيبر المحصنة والتي تبعد عن المدينة حوالي ٓٓٔ كم وكانت منطلقاً لتخطيط اليهود وتدبير مكائدىم ضد المسلمين ، فقرر الرسوؿ الكريم أف يغزو خيبر ويفتحها ، فتجهز وأخبر أصحابو بذلك فخرجوا جميعاً في بداية العاـ السابع من الهجرة .
عدد الصفحات ١١٨118 كانت خيبر مدينة ذاتحصوف قوية وكثيرة ( ثمانية حصوف متداخلة ) مما جعل مهمة الرسوؿ صعبة في البداية ، فحاصرىم وقاتلهم وىم ينتقلوف من حصن إلى حصن واشتدت المعركة ، وبعد أكثر من شهر فتح الله على رسولو خيبر وحصل منها على غنائم كثيرة ووفيرة ، وخرج اليهود بعدىا من جزيرة العرب بشكل نهائي . واستمرت البعوث والسرايا النبوية لدعوة قبائل نجد وما حولها حتى جاء وقت عمرة القضاء على حسب الاتفاؽ بين الرسوؿ الكريم وقريش ، فخرج إلى مكة وأد ى العمرة ثم عاد إلى المدينة المنورة ، واستمر في نشر الدعوة وتعليم الناس والقرآف ينزؿ بالتشريعات والتنظيمات للمجتمع الإسلبمي حتى جاءت سنة ٛ من الهجرة وفيها حدث أمر عظيم : فلقد كاف الصلح بين الرسوؿ وقريش يقتضي أف لا يعين أي من الطرفين على حرب المحالفين للطرؼ الآخر ، لكن قريشاً نقضت العهد وأعانت بع ض العرب على المحالفين للرسوؿ الكريم ، ووصل الخبر إلى الرسوؿ فتجهز و أعد الجيش للزحف على مكة ومباغت ة أىلها ، ولما كاف الجيش الإسلبمي على مشارؼ مكة علمت قريشاً بالأمر وأيقنت أنو لا قِ بَ ل لها بمقاتلة الجيش الإسلبمي فأعلنت استسلبمها . وفي يوـ ٚٔ رمضاف عاـ ٛ من الهجرة دخل رسوؿ الله مكة، والمهاجروف والأنصار بين يديو وخلفو وحولو، حتى دخل المسجد، فأقبل إلى الحجر الأسود، فاستلمو، ثم طاؼ بالبيت، وفي يده قوس، وحوؿ البيت ثلبثمائة وستوف صنماً ، فجعل يطعنها بالقوس، ويقوؿ : "جَاء الْحَق وَزَىَقَ الْبَاطِلُ إِف الْبَ اطِلَ كَافَ زَىُوقًا "ٖٗٔ ، " 134 سٕرة الإسزاء آيت85
عدد الصفحات ١١٩119 قُلْ جَاء الْحَق وَمَا يػُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ " ٖ٘ٔ ، والأصناـ تتساقط على وجوىها ، ثم صلى بالكعبة وخاطب قريشاً قائلبً: ( يا معشر قريش ما تروف أني فاعل بكم ؟ ) قالوا : خير اً ، أخ كريم وابن أخ كريم، قاؿ : ( فإني أقوؿ لكم كما قاؿ يوسف لإخوتو : " لاَ تػَثػْرَيبَ عَلَيْكُمُ " اذىبوا فأنتم الطلقاء ) ، ىكذا ىي النفوس الكبيرة تعفو حين تقدر ، فمع كل ما عملتو قريشاً من قتل وتعذيب ومقاتلة والسعي في الصد عن دين الله يقوؿ " لا تثريب عليكم " وانتم " الطلقاء " فلبإلو إلا الله ما أعظمو من رسوؿ وما أرحمو وصدؽ الله فيو " وما أرسلناؾ إلا رحمة للعالمين "ٖٙٔ . وىكذا عادت مكة إلى حاضرة الإسلبـ وإلى الدين الحق ، وكاف فتح مكة ىو أعظم فتح حصل عليو المسلموف في ىذه الأعواـ، تغير لأجلو مجرى الأياـ، وتحو ؿ بو جو العرب، فقد كاف الفتح حد اً فاصلبً بين السابقة عليو وبين ما بعده، فإف قريشاً كانت في نظر العرب حماة الدين وأنصاره، والعرب في ذلك تبع لهم، فخضوع قريش يعتبر القضاء الأخير على الدين الوثني في جزيرة العرب ، لكن ىذا لا يعني القضاء النهائي على كل المعاندين بل بقي فئة قليلة استطاع الرسوؿ القضاء عليهم ، وكاف من أشدىا غزوة حنين والتي كانت آخر الغزوات الكبيرة للرسوؿ قبل عودتو إلى المدينة ظافراً بفتح مكة . ومع الانتصار النبوي على قريش بدأت وفود القبائل في الجزيرة العربية تأتي إلى المدينة وتعلن إسلبمها أماـ الرسوؿ الكريم حتى سمي عاـ ٜ ىػ بعاـ الوفود وبدأ الناس يدخلوف في دين الله أفواجاً و تضاعف عدد المسلمين حتى أف الجيش 135 سٕرة سبأ آيت99 136 سٕرة اَبياء آيت501
عدد الصفحات ١٢٠121 الإسلبمي الذي كاف قوامو عشرة آلاؼ مقاتل في غزوة الفتح ٛ ىػ ) يصبح أكثر من مئة ألف في حجة الوداع ( ٓٔ ىػ ) . لقد تمت الدعوة وتكامل بناء المجتمع الإسلبمي ، وأصبح الإسلبـ ىو الد ين الأقوى في جزيرة العرب ، وأصبحت مكة تحت السيطرة الإسلبمية وما يتم فيها إلا ما يوافق الشريعة ، ومن أجل إتماـ الرسالة وتحقيق الهدؼ المنشود فقد قرر الرسوؿ الكريم الحج في عاـ( ٓٔ ) من الهجرة فأعلم الناس وانتشر الخبر ، فتوافد الناس من كل مكاف إلى المدينة من أ جل شرؼ مصاحبة النبي الكريم في رحلة الحج . وفي شهر ذو القعدة من عاـ ٓٔ ىػ خرج الموكب الكريم متوجهاً إلى مكة لأداء مناسك الحج اقتداءاً بالرسوؿ الكريم ، ووصل إلى مكة وفي يوـ عرفة ( ٜ ذي الحجة ) خطب الرسوؿ الكريم خطبتو العظيمة ومما جاء فيها : "أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلى لا ألقاكم بعد عامي ىذا، إف دماءكم وأموالكم حراـ عليكم كحرمة يومكم ىذا، في شهركم ىذا، في بلدكم ىذا ... وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إف اعتصمتم بو، كتاب اللّو ، أيها الناس، إنو لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصل وا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وتحجوف بيت ربكم، وأطيعوا أولات أمركم، تدخلوا جنة ربكم ، وأنتم تُ سألوف عني، فما أنتم قائلوف ؟" قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فقاؿ بأصبعو السبابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس : " اللهم اشهد " ثلبث مرات .
عدد الصفحات ١٢١121 وبعد أف فرغ النبيمن إلقاء الخطبة نزؿ عليو قولو تعالى : " الْيػَوْـَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلبَـَ دِينًا " ٖٚٔ . لقد كَ مُ لَ الدين واكتملت الرسالة وتحقق الهدؼ من بعثة الرسوؿ الكريم ، وىذا كلو إشارة إلى قرب وفاة الرسوؿ الكريم ، فبعد أف رجع الرسوؿ الكريم من الحج واستقر في المدينة بدأت مقدمات النهاية . في شهر صفر سنةٔٔىػ - وكاف يوـ الاثنين - شهد رسوؿ الله جنازة في البقيع، فلما رجع، وىو في الطريق أخذه صداع في رأسو، وارتفعت حرارتو ، وقبل خمسة أياـ من وفاتو فدخل المسجد متعطفاً ملحفة على منكبيو، قد عصب رأسو بعصابة دسمة حتى جلس على المنبر ، وكاف آخر مجلس جلسو، فحمد الله وأثن ى عليو ، ثم قاؿ : " أيها الناس، إلي " ، فثابوا إليو، فكاف مما قالو : " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ، وعرض نفسو للقصاص قائلبً : ( من كنت جلدت لو ظَهْرًا فهذا ظهري فليستقد منو، ومن كنت شتمت لو عِرْضاً فهذا عرضي فليستقد منو ) . وجاء اليوـ الأخير فبينما المسلموف في صلبة الفجػر ليوـ الاثنين - وأبو بكر يصلي بهم – كشف الرسوؿ ستر حجرة عائشة فنظر إليهم، وىم في صفوؼ الصلبة، ثم تبسم يضحك، ولما ارتفع الضحى، دعا النبي فاطمة فسَار ىا بشيء فبكت، ثم دعاىا، فسارىا بشيء فضحكت، قالت عائشة : فسألنا عن ذلك - أي فيما بعد ٖٚٔ سُزج انمائدج آيح 32
عدد الصفحات ١٢٢122 - فقالت : سارن ي النبي أنو يقبض في وجعو الذي توفي فيو، فبكيت، ثم سارني فأخبرني أني أوؿ أىلو يتبعو فضحكت . وبدأ الاحتصار بسيد البشر، فجعل يُ دخِ ل يديو في الماء فيمسح بو وجهو، يقوؿ : " لا إلو إلا الله، إف للموت سكرات " ، حتى رفع يده أو أصبعو، وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليو عائشة وىو يقوؿ : ( مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى . اللهم، الرفيق الأعلى ) . كرر الكلمة الأخيرة ثلبثاً، ومالت يده ولحق بالرفيق الأعلى . إنا لله وإنا إليو راجعوف . وقع ىذا الحادث حين اشتدت الضحى من يوـ الاثنين ٕٔ ربيع الأوؿ سنة ٔٔىػ، وقد تم لو ثلبث وستوفعاماً وزادت أربعة أياـ . وىكذا أُسدؿ الستار على أعظم إنساف وأفضل من خلق الله من الإنس والجاف ، بعد أف بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاىد في الله حق جهاده . اسأؿ الله أف يحشرنا في زمرتو وأف يرزقنا شفاعتو وإتباع سنتو ،
عدد الصفحات ١٢٣123
عدد الصفحات ١٢٤124 إف أىم ما يميز الإسلبـ ىو أنو منهج رباني ودستوره دستور رباني وبالتالي لا يعتريو ما يعتري المناىج البشرية من القصور والنقص والخلل . ذلك الدستور ىو القرآف الكريم، ذلك الكتاب الذي رسم للئنساف حياتو في جميع جوانبها، فبين لو كيف يتعامل مع خالقو ومع نفسو ومع الآخرين بل وكيف يتعامل مع الكوف كلو ، كما وضع التشريعات اللبزمة لضماف حياة سعيدة للناس أجمعين فلم يترؾ شيئاً يحتاجو العبد في حياتو الدنيا والآخرة إلا ووضع لو أسسو وبين لو طريقتو ، فهو الذي يهدي إلى الطريق الأفضل في كل شيء "إِف ىَذَا الْقُرْآَفَ يػَهْدِي لِل تِي ىِيَ أَقػْوَـُ " ٖٛٔ. إف قوة أي منهج تكمن في خصائصو وما يتمتع بو من مميزات تجعلو يتفوؽ على بقية المناىج ، ومن بين تلك الخصائص ما يلي : ٔ. إنو كتاب منزؿ من عند الله "كِتَابٌ أَنػْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ "ٜٖٔ ، فالذي انزلو العليم و ىو أعلم بمن خلق وبما يناسب ىذه المخلوقات ، كما أنو خبير بما كاف وما يكوف وما سيكوف على مدار التاريخ والمستقبل . ٕ. أنو مبارؾ "وَىَذَا كِتَابٌ أَنػْزَلْنَاهُ مُبَارَؾٌ "ٓٗٔ فهو مبارؾ أي كثير البركة والخير في كل وجو . ٖ. أنو محفوظ بحفظ الله لو كما ذكرنا سابقاً، وىذا يعني سلبمة المنهج على مدار التاريخ البشري ، إنو الحفظ الرباني للقرآف الكريم كما قاؿ تعالى عنو 138 سٕرة الإسزاء آيت9 139 سٕرة ص آيت99 140 سٕرة الأَعاو آيت99
عدد الصفحات ١٢٥125 "إِن ا نَحْنُ نػَز لْنَا الذ كْرَ وَإِن ا لَوُ لَحَافِظُوفَ "ٔٗٔ فهو الدستور الدائم والمنهج الخالد للبشرية أجمعين ، لذا تكفل الله بحفظو فلب لا تحريف ولا تبديل ولا تغيير ولا باطل " وَإِن وُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ( ٔٗ) لاَ يَأْتِيوِ الْبَاطِلُ مِنْ بػَيْنِ يَدَيْوِ وَلاَ مِنْ خَلْفِوِ تػَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ "ٕٗٔ وإليك القصة التالية : كاف للمأموف - وىو أمير إذ ذاؾ - مجلس ، فدخل في جملة الناس رجل يهودي حسن الثوب حسن الوجو طيب الرائحة، قاؿ: فتكلم فأحسن الكلبـ والعبارة، قاؿ: فلما انتهى المجلس دعاه المأموف فقاؿ لو: إسرائيلي؟ قاؿ نعم. قاؿ لو: أسلم حتى أفعل بك وأصنع، ووعده. فقاؿ: ديني ودين آبائي! وانصرؼ. قاؿ: فلما كاف بعد سنة جاءنا مسلماً ، قاؿ: فتكلم على الفقو فأحسن الكلبـ ، فلما انتهى المجلس دعاه المأموف وقاؿ: ألست صاحبنا بالأمس؟ قاؿ لو: بلى. قاؿ: فما كاف سبب إسلبمك؟ قاؿ: انصرفت من حضرتك فأحببت أف أمتحن ىذه الأدياف، وأنت تراني حسن الخط، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلبث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتب نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتُ رِ يت مني، وعمدت إلى القرآف فعملت ثلبث نسخ وزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الورّ اقين فتصفحوىا، فلما وجدوا فيها الزيادة والنقصاف رموا بها فلم يشتروىا، فعلمت أف ىذا كتاب محفوظ، فكاف ىذا سبب إسلبمي. 141 سٕرة انحجز آيت9 142 سٕرة فصهج آيت95 - 99
عدد الصفحات ١٢٦126 ٗ. أنو يحوي كل ما يمكن أف يحتاجو الإنساف في حياتو العامة والخاصة قاؿ تعالى :" مَا فػَر طْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ "ٖٗٔ . تلك ىي أىم خصائص المنهج القرآني ، المنهج الذي تحدى الله البشر جميعاً أف يأتوا بمثلو فقاؿ " قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِْنْسُ وَالْجِن عَلَى أَفْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ىَذَا الْقُرْآَفِ لاَ يَأْتُوفَ بِمِثْلِوِ وَلَوْ كَافَ بػَعْضُهُمْ لِبػَعْضٍ ظَهِيرًا "ٗٗٔ، كما أف ىذا التحدي لا يزاؿ قائماً بل أعلن القرآف الكريم عجز البشر عن الإتياف ولو بسورة فقاؿ: "وَإِفْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِم ا نػَز لْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِوِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُوفِ الل وِ إِفْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (ٖٕ) فَإِفْ لَمْ تػَفْعَلُوا وَلَنْ تػَفْعَلُوا فَاتػ قُوا الن ارَ ال تِي وَقُودُ ىَا الن اسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِد تْ لِلْكَافِرِينَ " ٘ٗٔ فهلب عرفنا حق ىذا الكتاب والتزمنا بو . فما فضل قراءة القرآف والعمل بو ؟ وما آداب تلبوتو ؟ القرآف الكريم ىو : كلبـ الله العظيم وصراطو المستقيم، وىو أساس رسالة التوحيد، وحجة الرسوؿ الدامغة وآيتو ال كبرى، وىو المصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، وىو الرحمة الم هداة للناس، والنور المبين للؤمة، كما قاؿ تعالى:" الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور "ٙٗٔ من قاؿ بو صدؽ، ومن عمل بو أُجر، ومن دعا إليو ىُدي إلى صراط مستقيم. من استمسك بو فقد 143 سٕرة الأَعاو آيت38 144 سٕرة الإسزاء آيت88 145 سٕرة انبقزة آيت93 - 99 146 سٕرة إبزاْيى آيت5
عدد الصفحات ١٢٧127 استمسك بالعروة الوثقى لا انفصاـ لها، ومن أعرض عنو وطلب الهدى في غيره أضلو الله . وتلبوة كتاب الله من أفضل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربو ، وىو التجارة الرابحة التي لن تبور قاؿ تعالى: " إف الذين يتلوف كتاب الله وأقاموا الصلبة وأنفقوا مما رزقناىم سرا وعلبنية يرجوف تجارة لن تبور "ٚٗٔ ، كما أف في قراءتو الأجر الكبير فقد قاؿ :" من قرأ حرفاً من كتاب الله فلو بو حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقوؿ: "ألم" حرؼ، ولكن "ألف" حرؼ، و"لاـ" حرؼ، و"ميم" حرؼ " ،وأشار إلى منزلة من يكوف ماىراً في القرآف بقولو: "الماىر بالقرآف مع السفرة الكراـ البررة، والذي يقرأ القرآف ويتعتع فيو وىو عليو شاؽ لو أجراف " والسفرة الكراـ البررة ىم الملبئكة الكراـ ، و إليك بشرى نبوية أخرى : ( يقاؿ لصاحب القرآف : اقرأ وارؽ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا ، فإف منزلتك عند آخر آية تقرأ بها) فكلما كانت القراءة في الدنيا أكثر كانت الم نزلة في الجنة أعلى ، فالحمد لله ثم إف ىناؾ درجة أعلى من القراءة فقط ألا وىي تعلمو ، فقد قاؿ " :تعلموا القرآف فإنو يأتي يوـ القيامة شافعاً لأصحابو" ، ومن شفع لو القرآف فلببد أف يكوف من الناجين ، بل إف من يتعلم القرآف ويعلمو ىو خير الناس فلئن كانت ىذه الأمة خير أمة أخرجت للناس كما قاؿ تعالى ( كُنْتُمْ خَيػْرَ أُم ةٍ أُخْرِجَتْ لِلن اسِ "ٛٗٔ ) فإف أخير ىذه الأمة ىو كما قاؿ المصطفى : "خيركم مَن تَ علمَ القرآف وعل مو" فحصل 147 سٕرة فاطز آيت99 148 سٕرة آل عًزاٌ آيت 550
عدد الصفحات ١٢٨