المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أنا الإسلام

جمال يوسف الهميلي

صفحة ٧ من ١٦

96 تبسط فيو لسانها، وتطيل عليو الافتراء والدس، وتؤجج نار الفتنة، وتثير حربًا شعواء على النبي ؛ ولذلك وصفها القرآف بحمّالة الحطب ،ولم يكن من الحكمة المواجهة مع قريش لأف ذلك ربما يقضي على كل المسلمين كما أف التربية الإيمانية لم تكتمل بعد لإعداد جيل يتحمل مسؤولية الدعوة . ومن باب الأخذ بالأسباب أمر الرسوؿ الكريم  صحابتو بالهجرة إلى الحبشة لوجود ملكٍ لا يُ ظلم عنده أحد ، وفعلبً خرج بعض المسلمين ثم بعد فترة أخرى تبعهم فوج آخر من المؤمنين ليبقوا ىناؾ يعبدوف الله . علمت قريشاً بالهجرة فحاو لوا إغراء الملك بالهدايا والوشاية على الصحابة الكراـ ، لكن الله أبطل مكيدتهم ، وأبقى الملك المسلمين في أماف ورعاية واطمئناف ولأف الله ىو مدبر الأمور ومسيرىا كما يشاء فقد جعل الفرج والمبشرات تخرج من بين البلبء والشدائد ، فمع ىذا التعذيب والتنكيل وبعد ست سنوات من البعثة يسلم اثنين من كبار رجالات قريش ومن أشدىم قو ة ومنعة ىما حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب ، ليكوف إسلبمهما نصراً للمسلمين ونكاية لقريش الكافرين، وىكذا يجري الله من الأسباب ما يحقق بو مراده . ويروي لنا ابن عباس كيف كاف إسلبـ عمر فتحاً فقاؿ : سألت عمر بن الخطاب : لأي شيء سميت الفاروؽ ؟ قاؿ : أسلم حمزة قبلي بثلبثة أياـ ػ ثم قص عليو قصة إسلبمو . وقاؿ في آخره : قلت - أي حين أسلمت - : يا رسوؿ الله ، ألسنا على الحق إف متنا وإف حيينا ؟ قاؿ : ( بلى، والذي نفسي بيده، إنكم على الحق وإف متم وإف حييتم ) ، قاؿ : قلت : ففيم الاختفاء ؟ والذي بعثك بالحق لنخرجن، فخرجنا في صفين، حمزة في أحدىما، وأنا في الآخر، ، حتى دخلنا المسجد، قاؿ : فنظرت إلىّ

عدد الصفحات ٩٧

97 قريش وإلى حمزة،فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها، فسماني رسوؿ الله  ( الفاروؽ ) يومئذ ، عندىا أدركت قريش أنو لابد من المفاوضات مع الرسوؿ  فأرسلت عتبة،حتى جلس إلى رسوؿ الله ، فقاؿ : يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من الس طَةِ في العشيرة، والمكانة في النسب، وإنك قد أتيت قو مك بأمر عظيم، فرقت بو جماعتهم وعبت بو آلهتهم ودينهم، وكفرت بو من مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها . قاؿ : فقاؿ رسوؿ  : ( قل يا أبا الوليد أسمع ) . قاؿ : يا ابن أخي، إف كنت إنما تريد بما جئت بو من ىذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكوف أكثرنا مالاً، وإف كنت تريد بو شرفًا سودناؾ علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإف كنت تريد بو ملكًا ملكناؾ علينا، وإف كاف ىذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيو أموالنا حتى نبرئك منو، فإنو ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منو ػ أو كما قاؿ لو ػ حتى إذا فرغ عتبة ورسوؿ الله يستمع منو قاؿ : ( أقد فرغت يا أبا الوليد ؟ ) قاؿ : نعم، قاؿ : ( فاسمع منى ) ، قاؿ : أفعل، فقاؿ : " بسم الله الرحمن الرحيم حم تَنزِيلٌ م نَ الر حْمَنِ الر حِيمِ كِتَابٌ فُص لَتْ آيَاتُوُ قػُرْآنًا عَرَبِي ا ل قَوْـٍ يػَعْلَمُوفَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثػَرُىُمْ فػَهُمْ لاَ يَسْمَعُوفَ وَقَالُوا قػُلُوبػُنَا فِي أَكِن ةٍ م م ا تَدْعُونَا إِلَيْوِ " ٕ٘ٔ [ فصلت : ٔ : ٘ ] . ثم مضى رسوؿ ا  فيها، يقرؤى ا عليو . فلما سمعها منو عتبة أنصت لو، وألقى يديو خلف ظهره معتمدًا عليهما، يسمع منو، ثم انته ى رسوؿ الله  إلى السجدة منها فسجد ثم قاؿ : ( قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاؾ ) . فقاـ عتبة إلى أصحابو، فقاؿ بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الو ليد بغير الوجو 125 سٕرة فصهج آيت5 ٔيا بعدْا

عدد الصفحات ٩٨

98 الذي ذىب بو . فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءؾ يا أبا الوليد ؟ قاؿ : ورائي أني سمعت قولاً والله ما سمعت مثلو قط، والله ما ىو بالشعر ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوىا بي، وخلوا بين ىذا الرجل وبين ما ىو فيو فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقولو الذي سمعت منو نبأ عظيم، فإف تصبو العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإف يظهر على العرب فملكو ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس بو، قالوا : سحرؾ والله يا أبا الوليد بلسانو، قاؿ : ىذا رأيي فيو، فاصنعوا ما بدا لكم . بعدىا زادت حيرة المشرك ين إذ نفدت بهم الحيل، ووجدوا بني ىاشم وبني المطلب مصممين على حفظ نبى الله  والقياـ دونو، كائنًا ما كاف، فاجتمعوا وتحالفوا على بني ىاشم وبني المطلب ألا يناكحوىم، ولا يبايعوىم، ولا يجالسوىم، ولا يخالطوىم، ولا يدخلوا بيوتهم، ولا يكلموىم، حتى يسلموا إليهم رسو ؿ الله للقػتل، وكتػبوا بذلك صحيػفػة فيها عهود ومواثيق ( ألا يقبلوا من بني ىاشم صلحًا أبدًا، ولا تأخذىم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل ) . واشتد الحصار، وقُ طِ ع الطعاـ عن بني ىاشم ، فلم يكن المشركوف يتركوف طعامًا يدخل مكة ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، حتى بلغهم الجهد، والتجأوا إلى أكل الأوراؽ والجلود، وحتى كاف يسمع من وراء الشعب أصوات ن سائهم وصبيانهم يبكوف من الجوع . ومر عاماف أو ثلبثة أعواـ والأمر على ذلك، وفي محرـ سنة عشر من النبوة نقضت الصحيفة وفك الحصار. ولم تنتو الشدائد على الرسوؿ الكريم فقد حدث أمر أحزنو حزناً شديداً ، ففي شهر رجب من السنة العاشرة للهجرة مرض أبو طالب ، ثم لم يدـ طويلبً فوافتو

عدد الصفحات ٩٩

99 المنية وتوفي ، فحزف عليو الرسوؿ  ،ولم تمض ثلبثة أياـ حتى توفيت خديجة زوج الرسوؿ الكريم  ويزداد الحزف على الرسوؿ العظيم. لقد أراد الله أف يجعل نبيو يتعلق بو – سبحانو- فقط وليس بالبشر فهم لا حوؿ لهم ولا قوة إلا بالله ، فالذي يمنع ويحمي من الناس وغيرىم ىو الله وحده وما أو لئك إلا أسباب أجراىا الله لزمن معين لحكم يعلمها سبحانو . وبعد موت أبي طالب زادت أذية قريش لرسولنا الكريم  وللرعيل الأوؿ ، حينها قرر الخروج من مكة والدعوة لعلها تجد قبولاً أكثر من قريش ، وفي شواؿ سنة عشر من النبوة( ٜٔٙ ـ ) خرج النبي  إلى الطائف، وىي تبعد عن مكة نحو ستين ميللبً ، سارىا ماشيًا على قدميو ، ومعو مولاه زيد بن حارثة، وكاف كلما مر على قبيلة في الطريق دعاىم إلى الإسلبـ، فلم تجب أي واحدة . فلما انتهي إلى الطائف عمد ثلبث إخوة من رؤساء ثقيف ( أىل الطائف) ، ودعاىم إلى الإسلبـ فقاؿ أحدىم : أما وَجَدَ الله أحدًا غيرؾ، وقاؿ آخر : والله لا أكلمك أبدًا، إف كنت رسولاً لأنت أعظم خطرًا من أف أرد عليك الكلبـ، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أف أكلمك . فقاـ عنهم رسوؿ الله  وقاؿ لهم : ( إذ فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ) . وأقاـ رسوؿ الله  بين أىل الطائف عشرة أياـ، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمو، فقالوا : اخرج من بلبدنا . فلما أراد الخروج تبعو أطفالهم يسبونو ويصيحوف بو، حتى اجتمع عليو الناس، فوقفوا لو أي صفين وجعلوا يرمونو بالحجارة وبالكلبـ القبيح ،حتى ألجأوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة على ثلبثة أمياؿ من الطائف، فلما التجأ إليو رجعوا عنو، وأتى رسوؿ الله فجلس واطمأف،ثم دعا قائلبً : ( اللهم إليك أشكو ضَعْف قوتي، وقلة حيلتي، وىواني على

عدد الصفحات ١٠٠

111 الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يػَتَجَه مُنِ ي ؟ أـ إلى عدو مل كتو أمري ؟ إف لم يكن بك عليّ غضب فلب أبالي، ولكن عافيتك ىي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت لو الظلمات، وصلح عليو أمر الدنيا والآخرة من أف تنزؿ بي غضبك، أو يحل علي سَخَطُك، لك العُتْبَى حتى ترضى، ولا حوؿ ولا قوة إلا بك ) . إنو الارتباط بالله وحده لا غيره ، عقيدة التوحيد، فكل مصيبة وبلية تصغر وتهوف إف كاف الله غير غاضب على العبد ، فم ا أجملها من كلمات وما أعظمو من درس للناس وللمسلمين بالخصوص وللدعاة بالأخص. ويسمع الله تلك الكلمات فيرسل جبريل ، لنستمع للرسوؿ الكريم وىو يتحدث عن عودتو فيقوؿ : فانطلقت - وأنا مهموـ - على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقَرْفِ الثعالب - وىو المسمى بقَرْفِ المنازؿ - فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقاؿ : إف الله قد سمع قوؿ قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجباؿ لتأمره بما شئت فيهم . فناداني ملك الجباؿ، فسلم عليّ ثم قاؿ : يا محمد، ذلك، فما شئت، إف شئت أف أطبق عليهم الأخشبين - أي لفعلت، والأخشباف : ىما جبلب مكة : - قاؿ النبي  : (بل أرجو أف يخرج الله عز وجل من أصلببهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرؾ بو شيئا ) ، عندىا صمم الرسوؿ العودة إلى مكة للدعوة ،فقاؿ لو زيد : كيف تدخل عليهم وقد أخرجوؾ ؟ يعنى قريشًا، فقاؿ : ( يا زيد، إف الله جاعل لما تر ى فرجًا ومخرجًا، وإف الله ناصر دينو، ومظهر نبيو ) . فما ىو الفرج وكيف سيكوف المخرج وكيف سينصر الله دينو ويظهر نبيو .

عدد الصفحات ١٠١

111 انفصم انرابع انفرج وانًخرج نحن الآف في السنة العاشرة من البعثة ( ٜٔٙ ـ )، وعلى مقربة من شهر ذي الحج حيث يتوافد العرب إلى مكة لل حج ، فقد قرر الرسوؿ  أف يعرض نفسو على الأفراد والقبائل ، ويدعوىم إلى الإسلبـ ، كما كاف يدعوىم منذ السنة الرابعة من البعثة ، وقد بدأ يطلب منهم أف يؤووه وينصروه ويمنعوه حتى يبلغ ما بعثو الله بو ، فأسلم بعض الأفراد أما القبائل فلم تسلم . إف الله إذا أراد أمراً ىيأ لو أسبابو ، ففي سنة ٔٔ من البعثة وفي موسم الحج عاد الرسوؿ الكريم  يعرض نفسو على القبائل ، وكاف من حكمتو إزاء ما كاف يلقى من أىل مكة من التكذيب والصد عن سبيل الله أنو كاف يخرج إلى القبائل في ظلبـ الليل، حتى لا يراه مشركي مكة. فخرج ليلة و معو أبو بكر وعلى، فمر على عدة قبائل فلم تجب ثم مر رسوؿ الله  ، فسمع أصوات رجاؿ يتكلموف فذىب حتى لحقهم، وكانوا ستة نفر من شباب يثرب ( المدينة المنورة ) فلما لحقهم رسوؿ الله  قاؿ لهم : ( من أنتم ؟ ) قالوا : نفر من الخزرج، قاؿ : ( من موالي اليهود ؟ ) أي حلفائهم، قالوا : نعم . قاؿ : ( أفلب تجلسوف أكلمكم ؟ ) قالوا : بلى، فجلسوا معو، فشرح لهم حقيقة الإسلبـ ودعوتو، ودعاىم إلى الله عز وجل، وتلب عليهم القرآف . فقاؿ بعضهم لبعض : تعلموف والله يا قوـ، إنو للنبي الذي توعدكم بو يهود (كانوا يسمعوف من ح لفائهم من يهود المدينة ، أف نبيًا من الأنبياء مبعوث في ىذا الزماف سيخرج )، فلب تسبقنكم اليهود إليو، فأسرعوا إلى إجابة دعوتو، وأسلموا .

عدد الصفحات ١٠٢

112 ولما رجع ىؤلاء إلى المدينة حملوا إليها رسالة الإسلبـ، حتى لم تبق دار من دور المدينة إلا وفيو ذكر رسوؿ الله  ،تلك كانت بداية الفرج والمخرج. و في موسم عاـ ٕٔ من البعثة (ٕٔٙ ـ ) التقى ٕٔ رجلبً من المدينة بالرسوؿ الكريم  وبايعوه عند العقبة وسميت بيعة العقبة الأولى، يرويها أحد الحاضرين وىو عبادة بن الصامت فيقوؿ : أف رسوؿ الله  قاؿ : ( تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتاف تفترونو بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروؼ، فمن و فّى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب بو في الدنيا، فهو لو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله ، فأمػره إلى الله ؛ إف شاء عاقبو، وإف شاء عفا عػنو ) . قػػاؿ : فبايعناه على ذلك . وبعد تماـ البيعة أرسل الرسوؿ معهم إلى يثرب أوؿ سفير في الإسلبـ ليعلمهم دينهم الجديد ويدعو بقية أىل يثرب وكاف صاحب ىذا الشرؼ مصعب بن عمير  ، فذىب معهم فأحسن التعليم وأجاد في الدعوة ، و قبل حلوؿ موسم الحج التالي ػ أي حج السنة الثالثة عشرة ػ عاد مصعب إلى مكة يحمل إلى رسوؿ الله  بشائر النصر، ويقص عليو خبر إسلبـ أىل يثرب . في موسم الحج في السنة الثالثة عشرة من البعثة ( ٕٕٙـ ) حضر لأداء مناسك الحج بضع وسبعوف نفساً من المسلمين من أىل يثرب يقوؿ أحد فرساف بيعة العقبة الثانية: خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسوؿ الله بالعقبة من أوسط أياـ التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسوؿ الله  لها ، فنمنا تلك الليلة مع قومنا

عدد الصفحات ١٠٣

113 في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسوؿ الله ، نتسلل ، مستخفين، حتى اجتمعنا في الش عْب عند العقبة، ونحن ثلبثة وسبعوف رجلبً ، وامرأتاف من نسائنا، وحضر الرسوؿ  ومعو عمو العباس فتكلم رسوؿ الله ، فتلب القرآف، ودعا إلى الله ، ورغب في الإسلبـ، ثم قاؿ : ( أبايعكم على أف تمنعوني مما تمنعوف منو نسائكم وأبناءكم ) . فأخذ البراء بن مَعْرُور بيده ثم قاؿ : نعم، والذي بعثك بالحق نبيًا، لنمنعنك مما نمنع أُزُرَنا منو، فبايعنا يا رسوؿ الله ، فنحن والله أبناء الحرب وأىل الْحَلْقَة، ورثناىا كابرًا عن كابر . قاؿ : فاعترض القوؿ ػ والبراء يكلم رسوؿ الله  - أبو الهيثم بن التػ يػ هَاف، فقاؿ : يا رسوؿ الله ، إف بيننا وبين الرجاؿ حبالاً، وإنا قاطعوىا - يعنى اليهود - فهل عسيت إف نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرؾ الله إف ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قاؿ : فتبسم رسوؿ الله ، ثم قاؿ : (بل الد ـُ الد ـُ، والهَدْـُ الْهَدْـُ، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ) . لقد كاف من أبرز نتائج تلك البيعة وجود وطن يمكن أف يلجأ إليو المؤمنين ويعيشوف فيو دوف تعذيب أو أذى ، لذا كاف لابد من ترؾ الوطن الأصلي ( مكة ) والهجرة إلى المكاف الجديد (يثرب) ، فمهما كانت مرا رة ترؾ الأوطاف وصعوبتها إلا أنها تهوف عند الدين وعبادة الله في أماف واطمئناف . وفعلبً بدأ المسلموف الهجرة إلى يثرب على شكل أفراد أو مجموعات صغيرة ، أما القائد الرسوؿ الأعظم فقد بقي في مكة ؛ لحين إتماـ الأمور وتصفية أحواؿ المسلمين ، وكل ىذا يسير وفق رع اية ربانية .

عدد الصفحات ١٠٤

114 شعر المشركوف بتفاقم الخطر الذي كاف يهدد كيانهم، فصاروا يبحثوف عن وسائل ىذا الخطر ، وفي يوـ الخميس ٕٙ من شهر صفر سنة ٗٔ من البعثة ، الموافق ٕٔ من شهر سبتمبر سنة ٕٕٙـ - أي بعد شهرين ونصف تقريبًا من بيعة العقبة الكبرى - عقد في (دار الندوة) أخطر اجتماع حيث توافد إلى ىذا الاجتماع جميع نواب القبائل القرشية ؛ ليتدارسوا خطة حاسمة تكفل القضاء سريعاً على حامل لواء الدعوة الجديدة محمد  قبل أف يهاجر إلى يثرب وتزداد شوكتو ، وكاف القرار التاريخي ىو أف يأخذ من كل قبيلة فتى شاب اً جلداً ، ثم يُ عطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يذىبوا إليو، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منو، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرؽ دمو في القبائل جميعًا، فلب يقدر قبيلتو على حرب قومهم جميعاً ، فيرضوف بالفدية، ويعطوىا . وأخبر الله رسولو  بالخطة وأمره بالهجرة ، وخطط الرسوؿ للهجرة مع صاحبو أبي بكر . وفي ليلة ٕٚ من شهر صفر سنة ٗٔ من النبوة، الموافق ٕٔ/ٖٔ سبتمبر سنة ٕٕٙـ .خرج الرسوؿ  وجعل على فراشو علياً ومر بين الفتياف الذي أتوا لقتلو وىو يقرأ قولو تعالى " وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فهم لا يبصروف " ، واختار شخصاً خبيراً بالطرؽ ليدلو على طريق مختلف إلى يثرب( المدينة المنورة ) . علمت قريش بخروج الرسوؿ الكريم  وىجرتو إلى يثرب ( المدينة فلبحقوه ووضعوا الجوائز لمن يرشدىم عليو ، لكن الله حفظو وسلّمو . لقد كانت العن اية الربانية للرسوؿ الكريم  في ىجرتو جلية وواضحة ومع ذلك فقد أخذ الرسوؿ الكريم  من الأسباب المادية ما يستطيع ليُعل م الناس كلهم أف

عدد الصفحات ١٠٥

115 التوكل على الله لا يعني أبدا التخلي عن الأسباب بل إف من التوكل على الله الأخذ بالأسباب التي يستطيعها البشر، فمن الأسباب التي عملها الرسوؿ الكريم  : ٔ. تجهيز الرواحل ( الإبل ) وإعدادىا . ٕ. الخروج ليلبً . ٖ. تغيير مسار السفر إلى المدينة . ٗ. اختيار شخص عارؼ بالطريق الجديد . ٘. التخفي عن العيوف وبين الكهوؼ . ٙ. أمره لعلي  أف يبقى في فراشو ليلبً ، ليوىم الكفاربأنو مازاؿ في البيت. وىكذا استمر الموكب الكريم وفي يوـ الجمعة ( ٕٔ ربيع الأوؿ سنة ٔ ىػ/ الموافق ٕٚ سبتمبر سنة ٕٕٙـ ) دخل رسوؿ الله يثرب، وسميت المدينة المنورة. وكاف يومًا مشهودًا ، فقد ارتجت البيوت والسكك بأصوات الحمد والتسبيح، وبدأت مرحلة جديدة في حياة النبي الكريم  ، مرحلة بناء الدولة الإسلبمية فكيف سيكوف ذلك ؟

عدد الصفحات ١٠٦

116 انفصم انخايص: انبُاء وانًىاخهت إف عبقرية رسوؿ الإسلبـ  لا تكمن في الدعوة فقط بل في كل الأمور ، ومن أبرزىا بناء المجتمع الإسلبمي الجديد وقياـ الدولة الإسلبمية على أسس سليمة وقوية وراسخة جعلت منها دولة يشهد لها القريب والبعيد ، والصديق والعدو، واستطاعت أف تجعل لها بصمات واضحة على تاريخ البشرية ، ولا يزاؿ ىذا الأثر واضحاً حتى بعد مرور أكثر من ٓٓٗٔ سنة وسيظل ىذا الأثر إلى ما شاء الله ، فكيف استطاع رسوؿ الإسلبـ  عمل ذلك ؟ لاشك أف التأييد الرباني ىو الأساس وراء كل ىذا ، ولكن ىذا التأييد كاف وفق خط وات وبرامج وأسباب رُسِمت للرسوؿ  ، فلنعد إلى السيرة العطرة للتعرؼ على تلك الأسباب دخل رسوؿ الإسلبـ المدينة وأوؿ خطوة خطاىا رسوؿ الله  بعد ذلك ىو بناء المسجد النبوي، واختار لو المكاف الذي بركت فيو ناقتو صلى الله عليو وسلم، فاشتراه من غلبمين يتيمين ك انا يملكانو، وأسهم في بنائو بنفسو، فكاف ينقل اللبِن والحجارة ويقوؿ : اللهم لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة ** فاغْفِرْ للؤنصار والمُهَاجِرَة ولم يكن المسجد موض عاً لأداء الصلوات فحسب، بل كاف جامعة يتلقى فيها المسلموف تعاليم الإسلبـ وتوجيهاتو، وميداف يلتقي فيو المسلموف لتذويب ما بينهم من أحقاد وخلبفات، وزرع الحب والأخوة والترابط، ومقر لإدارة جميع ش ؤ وف الدولة الجديدة ، ومع ىذا كلو كاف دارًا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللبجئين الذين لم يكن لهم ىناؾ دار ولا ماؿ ولا أىل ولا بنوف . ثم كانت الخطوة الثانية التي ل م تر البشرية مثلها ولم تعرؼ لها شبيو ، ألا وىي خطوة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فقد آخى رسوؿ الله  بين المهاجرين

عدد الصفحات ١٠٧

117 والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلبً، نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، أخي بينهم على المواساة، ويتوارثوف بعد الموت دوف ذوى الأرحاـ إلى حين وقعة بدر، فلما أنزؿ الله عز وجل : " وَأُوْلُواْ الأَرْحَاـِ بػَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبػَعْضٍ "ٕٙٔ رد التو ارث إلى الرحم دوف عقد الأخوة . ، ومعنى ىذا الإخاء أف تذوب عصبيات الجاىلية، وتسقط فوارؽ النسب واللوف و يكوف أساس الولاء والبراء ىو الدين . وقد امتزجت عواطف الإيثار والمواساة ، والمؤانسة وإسداء الخير في ىذه الأخوة، وملؤت المجتمع الجديد بأروع الأمثاؿ ، ومن ذلك ما حدث بين عبد الرحمن بن عوؼ وسعد بن الربيع الذي قاؿ لعبد الرحمن : إني أكثر الأنصار مالاً ، فاقسم مالي نصفين، ولى امرأتاف، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قاؿ : بارؾ الله لك في أىلك ومالك، وأين سوقكم ؟ فدلوه على السوؽ، وبدأ بالتجارة فأصبح من كبار تجار المسلمين في المدينة . حقا لقد كانت خطوة الأخوة من الخطوات الح كيمة والرائدة لبناء مجتمع سعيدٍ ، يترابط فيو الناس ويتناصحوف ويبذلوف من أنفسهم ؛ مما ساىم في حل الكثير من المشاكل التي يمكن أف تعصف بالمجتمع ، ومنع كل من يسعى في خلخلة المجتمع الجديد . ىذا ما يتعلق بالمسلمين ، لكن ثمة فئة أخرى في المدينة غير مسلمين ، فماذا عمل الرسوؿ  معهم ؟ أقرب الناس للمسلمين في المدينة ىم ا اليهود وإف كانوا يبطنوف العداوة للمسلمين، لكن لم يكونوا أظهروا أية مقاومة أو خصومة بعد، فعقد معهم رسوؿ الله  معاىدة ٕٙٔ سُزج الأوفال آيح 75

عدد الصفحات ١٠٨

118 قرر لهم فيها النصح والخير، وترؾ لهم فيها مطلق الحرية في الدين والماؿ، ولم يتجو إلى سياسة الإبعاد أو المصادرة والخصاـ . وفيما يلى أىم بنود ىذه المعاىدة : إف اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم مواليهم وأنفسهم، و كذلك . وإف على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم . وإف النصر للمظلوـ . وإنو ما كاف بين أىل ىذه الصح يفة من حدث أو شجار يخاؼ فساده فإف مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسوؿ الله  . وبإبراـ ىذه المعاىدة صارت المدينة وضواحيها دولة لها احترامها وسيادتها ، عاصمتها المدينة ، قائدىا رسوؿ الله ، والكلمة النافذة والسلطاف الغالب فيها للمسلمين ، ولتوسيع منطقة الأمن والسلبـ عاىد النبي  قبائل أخرى في المستقبل بمثل ىذه المعاىدة، حسب ما اقتضتو الظروؼ. وبقيت فئة ثالثة لم تظهر إلا في المدينة ألا وىي فئة المنافقين ( وىم مَ ن يُ ظهِ روف الإيماف ويُ بطِ نوف الكفر) ، فكاف من حكمة النبي  أف يتعامل معهم بما يظهروف ويترؾ سرائر ىم لله وحده . وىكذا كانت الخطوات الثلبث كفيلة ببناء مجتمع مترابط متعاوف ، يعرؼ كل منهم مالو وما عليو ، ويسعى في توظيف طاقاتهم ؛ لخدمة الدين الجديد والمساىمة في بناء الدولة الجديدة ، كما ساىمت في توضيح علبقات المسلمين بغيرىم وبمن حولهم بناءاً على الاحتراـ والتقدير لكلب الطرفين . أما قريش فقد أغضبها ما حصل للرسوؿ  وما ىيأ الله لو من أسباب النصر والتمكين ، فسعت في محاربة الرسوؿ  بطرؽ جديدة فبعد مصادرة أمواؿ أصحابو المهاجرين والاستيلبء على دورىم في مكة قرروا اغتياؿ الرسوؿ  ولم يكن ىذا مجرد وىم أو خياؿ، فقد تأكد لدى رسوؿ الله  من مكائد قريشما جعلو

عدد الصفحات ١٠٩

119 يضع حراسة عليو حتى نزؿ قولو تعالى وَاللهُ يػَعْصِمُكَ مِنَ الن اسِ "ٕٚٔ ، فقاؿ  : ( يا أيها الناس، انصرفوا عني فقد عصمني الله عز وجل ) . ولم يكن الخطر مقتصراً على رسوؿ الله ، بل كاف يحدؽ بالمسلمين كافة، فقد كاف المسلموف لا يبيتوف إلا بالسلبح، ولا يصبحوف إلا فيو ، فكاف المسلموف يأتوف للرسوؿ  ويستأذنوه في قتاؿ الكفار والمعتدين فيقوؿ : لم يُأذف لي بعد حتى أنزؿ الله تعالى الإذف بالقتاؿ للمسلمين ولم يفرضو عليهم، قاؿ تعالى : " أُذِفَ لِل ذِينَ يػُقَاتػَلُوفَ بِأَنػ هُمْ ظُلِمُوا وَإِف اللهَ عَلَى نَصْرِىِمْ لَقَدِيرٌَ " ٕٛٔ ، وأنزؿ معو آيات بين لهم فيها أف ىذا الإذف إنما ىو لإزاحة الباطل وإقامة شعائر الله، قاؿ تعالى : " ال ذِينَ إِف م ك ن اىُمْ فِي الأَْرْضِ أَقَامُوا الص لبَةَ وَآتػَوُا الز كَاةَ وَأَ مَرُوا بِالْمَعْرُوؼِ وَنػَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِل وِ عَاقِبَةُ الأُْمُورِ "ٜٕٔ ولما نزؿ الإذف بالقتاؿ كاف من الطب يعي أف تكوف البداية في قتاؿ (قريش ) كفار مكة ، ولا يعني ىذا بالضرورة مقاتلهم في مكة أو في المدينة ولكنو يعني السماح بقتالهم بأي أسلوب ، فاختار الرسوؿ الكريم  أف يعترض قوافل قريش في الطريق والاستيلبء ، عليها نظراً للظلم الذي تعرض لو الصحابة الكراـ ، ونهب قريش لأموالهم لرد جزءٍ من تلك الأمواؿ . فقرر الرسوؿ الكريم  السيطرة على الطريق الرئيس الذي تسلكو قريش من مكة إلى الشاـ في تجارتها، واختار لذلك خطتين : الأولى : عقد معاىدات الحلف أو عدـ الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورة لهذا الطريق، أو كانت تقطن ما بين ىذا الطريق وما بين المدينة . الثانية : إرساؿ البعوث بشكل مستمر إلى ىذا الطريق . ٕٚٔ سورة المائدة آية ٚٙ ٕٛٔ سورة الحج آية ٜٖ ٜٕٔ سورة الحج آية ٔٗ

عدد الصفحات ١١٠

111 في صفر سنةٕ ىػ، الموافق أغسطس سنة ٖٕٙـ، خرج رسوؿ الله  بنفسو في سبعين رجلبً من المهاجرين خاصة يعترض عيراً لقريش، فكانت ىذه أوؿ غزوة غزاىا رسوؿ الله  . فكيف ستسير الأمور؟ وماذا سيفعل الكفار؟ وكيف ستكوف المواجهة ؟.

عدد الصفحات ١١١

111 انفصم انطادش : انغسواث انُبىيت بعد نشأة الدولة الإسلبمية وتكوينها لابد من مرحلة جديدة في المواجهة ،لقد كانت الفترة الماضية فترة بناء وتحصين وتثبيت العقيدة السليمة في نفوس الصحابة ، تمهيداً للمهمة الكبرى في إنقاذ البشرية من ظلمات الكفر، فلب بد أف تكوف البداية في صناعة الإنساف المسلم وغرس الإيماف في قلبو ، ليكوف نموذجاً يُحتذي بو . ثم جاءت مرحلة المواجهة والقتاؿ ورد الظلم والتي بدأت من : ٔ. غزوة بدر : علم الرسوؿ الكريم  بخروج قافلة كبيرة لقريش بقيادة أبي سفياف ، تحمل ثروات طائلة لكبار أىل مكة ورؤسائها : ألف بعير مملوءة بأمواؿ لا تقل عن خمسين ألف دينار ذىبي . ولم يكن معها من الحر س إلا نحو أربعين رجلب ، فقاؿ لصحابتو :" ىذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموىا ". أي تصيبوا منها . واستعد رسوؿ الله  للخروج ومعو ثلبثمائة وبضعة عشر رجلبً ،عندىا علمت قريش بخروج الرسوؿ الكريم  لاعتراض قافلتها فقررت الموا جهة والقتاؿ فاستعدت بنحو ألف وثلبثمائة مقاتل. علم أبو سفياف بخروج النبي  فغير طريق القافلة فنجت، وأخبر قريشاً بذلك وحثهم على العودة ولكنهم رفضوا وأصروا على القتاؿ والقضاء على الرسوؿ الكريم ، وىنا وقف الرسوؿ الكريم ليستشير صحابتو في القتاؿ حيث أنهمخرجوا للقافلة

عدد الصفحات ١١٢