المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أنا الإسلام

جمال يوسف الهميلي

صفحة ٦ من ١٦

81 إف العمر الحقيقي للئنساف ليس بعدد السنوات بل بما يحققو من إنجازات وبما يساىم فيو لبناء الحضارات والرقي بالبشرية إلى أسمى الدرجات ، فهناؾ الملبيين بل المليارات من البشر ممن عاش على ىذه الأرض لسنوات عديدة لكنو لم يترؾ لو بصمة فيها ، وفي المقابل ىناؾ من عاش سنوات محدودة لكنو لا يزاؿ يُ ذكر فيشكر ولا تزاؿ سيرتو تُ روى للؤجياؿ . ومن البديهي أنو كلما كانت المساىمة في مجالات أكبر وأوسع كاف الذكر أبقى ، فمن ساىم في مجاؿ الهندسة والرياضيات والطب سيكوف ذكره في كل ىذه المجالات ومن ساىم في مجاؿ واحد سيكوف ذكره أقل ،ليس ىذا فحسب بل لابد من النظر في نوعية تلك المساىمة، ومدى حاجة الناس لها على مختلف مستوياتهم ولجميع أجناسهم، فالإنجاز الذي يحتاج إليو الناس أكثر وشريحتو أكثر وأشمل لا شك سيكوف صاحبو أكثر ذكراً . وأمر آخر وىو أف تخرج تلك المساىمة عن طور النظرية إلى طور التطبيق، أي أف تكوف تلك المساىمة قابلة للتطبيق وليست كلبماً ونظرية مجردة ليس لها واقع ملموس ، أو لا يمكن تحقيها على أرض الواقع ، فهناؾ العديد من النظريات الحالمة التي ظلت في الأدراج والسبب ىو عدـ إمكانية تطبيق تلك النظرية ؛ تلك أىم صفات الإنجازات التي أبقت ذكر أصحابها العظماء . ومن مقتضيات العدؿ الرباني ألا تنحصر جميع الإنجازات في أمة معينة ولا زمن محدد ، فلكل أمة من الأمم عظيم أو أكثر تفتخر بسيرىم وأعمالهم وتسطر إنجازاتهم بمداد من الذىب ، لأنهم ساىموا بدور في بناء تلك الأمة والرقي في نهضتها في زمن ما.

عدد الصفحات ٨١

81 وىناؾ نوع خاص من البشر وىم قليل جداً تجاوزت إنجاز اتهم أمتهم لتشمل البشرية جميعاً وظهر ت آثارىم في مختلف أصقاع الأرض ، فحق على البشرية رد جميل ىؤلاء وشكرىم ، ومن شكرىم دراسة سيرتهم والنظر والتأمل ، فيها وتربية الأجياؿ على تلك السير العطرة ؛ لعلها تساىم في نهضة البشرية وإخراجها من بحر المتاىات والفوز بالسعادة الإنسانية . وعلى رأس أو لئك الصنف وأفضلهم محمد الذي لم يتجاوز عمره٘ٙ عاماً لكنو قد ـ للبشرية المنهج النظري والتطبيقي للحصوؿ على السعادة المنشودة والغاية المقصودة لعموـ البشر ، فكاف واجباً على كل مسلم بل وكل إنساف دراسة سيرة محمد  وأخذ الدروس والعبر منها والسعي في تطبيقها وحتى نكوف منصفين نتركك مع مقتطفات من سيرتو  فهي كفيلة لبياف صدؽ ما ذكرنا فإلى ذلك :

عدد الصفحات ٨٢

82 انفصم الأول: انطفم انيتيى تبدأ قصتنا عاـ ٓٚ٘ ـ وفي شبو الجزيرة العربية وىي في غرب قارة آسيا، وعند الكعبة المشرفة حيث كانت تعيش قبيلة تسمى قبيلة قريش ، وىم سادة مكة والمتولين أمرىا وأمر البيت المقدس( الكعبة ) الذي كاف ا لعرب يحجوف إليو ويعظمونو ، لذا كانت ىذه القبيلة أشرؼ قبائل العرب وأفضلها . وىاىو سيد قبيلة قريش في زمانو (عبد المطلب) يختار لولده عبد الله وكاف لديو ٓٔ من الأبناء آمنة بنت وىب بن عبد مناؼ بن زىرة بن كلبب، وىي يومئذ تعد أفضل امرأة في قريش نسبًا وموضعً ا، ، ويتم الزواج ويفرح الزوجاف ببعضهما ويعيشاف أياماً سعيدة وبعد أياـ قليلة خرج عبد الله متاجرًا إلى الشاـ ( شماؿ جزيرة العرب ) ، وللبستراحة نزؿ بالمدينة وىو مريض فتوفي بها، ودفن ىناؾ، ولو إذ ذاؾ خمس وعشروف سنة. سمعت الزوجة الحنوف بموت زوجها الحبيب فحزنت حزناً شديداً فقد كانت تحبو مع أنهما لم يمضيا معاً إلا أياماً معدودة ، لكنها تحملت وتصبرت من أجل جنينها من زوجها الحبيب فقد ثبت لها أنها حامل من زوجها عبد الله ، وخلبؿ تلك الفترة وفي شهر فبراير أو أوائل مارس سنة ٔٚ٘ ـ حدثت قصة عجيبة في مكة : ذلك أف أبرىة بن الصباح الحبشى، النائب العاـ عن النجاشى على اليمن ( جنوب شبو الجزيرة العربية )، لما رأى العرب يحجوف إلى الكعبة بنى كنيسة كبيرة بصنعاء ( عاصمة اليمن )، وأراد أف يصرؼ حج العرب إليها، وسمع بذلك رجل من بني كنانة، فدخلها ليلبً فلطخ قبلتها بالعذرة . ولما علم أبرىة بذلك ثار غيظو، وسار بجيش كبير

عدد الصفحات ٨٣

83 ػ عدده ستوف ألف جندى ػ إلى الكعبة ليهدمها، واختار لنفسو فيلبً من أكبر الفيلة، وكاف في الجيش ٜ فيلة أو ٖٔ فيلبً ، وواصل سيره حتى بلغ المُغَم س ( مكاف قرب مكة ) وىناؾ عَ بّ أ جيشو وىَ يّ أ فيلو، وتهيأ لدخوؿ مكة، فلما كاف في وادى مُحَس ر ( بين مزدلفة ومنى وادي قريب من الكعبة ) برؾ الفيل، ولم يقم ليتقدـ إلى الكعبة، وكانوا كلما وجهوه إلى الجنوب أو الشماؿ أو الشرؽ يقوـ يهروؿ، وإذا صرفوه إلى الكعبة برؾ، فبيناىم كذلك إذ أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكوؿ . وكانت الطير أمثاؿ الخطاطيف والبلساف، مع كل طائر ثلبثة أحجار؛ حجر في منقاره، وحجراف في رجليو أمثاؿ الحمص، لا تصيب منهم أحدًا إلا تقطعت أعضاؤه وىلك، وليس كلهم أصابت، وخرجوا ىاربين يموج بعضهم في بعض، فتساقطوا بكل طريق، وأما أبرىة فبعث الله عليو داء تساقطت بسببو أناملو، ولم يصل إلى صنعاء إلا وىو مثل الفرخ، وانصدع صدره عن قلبو ثم ىلك . وأما قريش فكانوا قد تفرقوا في الش عاب، وتحرزوا في رءو و س الجباؿ خوفًا على أنفسهم، فلما نزؿ بالجيش ما نزؿ رجعوا إلى بيوتهم آمنين . ونظراً لأىمية ىذا الحدث العظيم فقد أرّخ العرب ىذا العاـ وأسموه بعاـ الفيل ، وفي ىذا العاـ وبعد خمسين يوماً أو أكثر بقليل أي في عاـ ٔٚ٘ ـ وفي مكة وَ لدَ ت آمنة بنت وىب وليدىا الوحيد وأرسلتو إلى جده عبد المطلب الذي أسماه محمد لعلو يكثر حامدوه ، لقد ولد محمد وأبوه ميت و لم ير أباه فبقي في رعاية جده عبد المطلب وبين أحضاف أمو آمنة ، فهل استمر الوضع ؟

عدد الصفحات ٨٤

84 لقد كاف من عادة العرب أف يعطو ا أبنائهم الصغار إلى مرضعات ثقات في الصحراء يتولن أمر إرضاعهم ورعايتهم حتى سن معين ، وكاف من نصيب محمد  مرضعة تسمى(حليمة السعدية ) ولندعها تتحدث عن ذلك فتقوؿ : خرجت من بلدتي مع زوجي وابن لي صغير أرضعو في نسوة من بني سعد بن بكر، نتلمس الرضعاء . قالت : وذلك في سنة شهباء لم تبق لنا شيئًا، فخرجت على أتاف ( أنثى الحمار ) لى قمراء، ومعنا شارؼ لنا، والله ما تَبِضّ ُبقطرة، وما نناـ ليلنا أجمع من صبينا الذي مع نا، من بكائو من الجوع، ما في ثديى ما يغنيو، وما في مكاننا ما يغذيو، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتا ني تلك، فلقد أذَم تْ بالركب حتى شق ذلك عليهم، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسوؿ الله فتأباه، إذا قيل لها : إنو يتيم، وذلك أنا كنا نرجو المعروؼ من أبي الصبي، فكنا نقوؿ : يتيم ! وما عسى أف تصنع أمو وجده، فكنا نكرىو لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضي عً ا غير ي، فلما أجمعنا الانطلبؽ قلت لزوجي: والله ، إنى لأكره أف أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً ، والله لأذىبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنو . قاؿ : لا عليك أف تفعلي، عسى الله أف يجعل لنا فيو بركة . قالت : فذىبت إليو وأخذتو، وما حملني على أخذه إلا أنى لم أجد غيره، قالت : فلما أخذتو رجعت بو إلى رحلي ، فلما وضعتو في حجري أقبل عليو ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معو أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنا نناـ معو قبل ذلك، وقاـ زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا ىي حافل، فحلب منها ما شرب وشربت معو حتى انتهينا ريا وشبعا، فبتنا بخير ليلة، قالت : يقوؿ صاحبي حين أصبحنا : تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، قالت : فقلت : والله إني

عدد الصفحات ٨٥

85 لأرجو ذلك . قالت : ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملتو عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليو شيء من حمرىم، حتى إف صواحبي ليقلن لي : يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك ! أرْبِعى علينا، أليست ىذه أتانك التي كنت خرجت عليها ؟ فأقوؿ لهن : بلى والله ، إنها لهي ىي، فيقلن : والله إف لها شأنًا، قالت : ثم قدمنا منازلنا من بلبد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا بو معنا شِ باعًا لُب نػًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنساف قطرة لبن، ولا يجدىا في ضرع، حتى كاف الحاضروف من قومنا يقولوف لرعيانهم : ويلكم، اسرحوا حيث يسرح راعى بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا . فلم نزؿ نتعرؼ من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلتو، وكاف يشب شبابًا لا يشبو الغلماف، فلم يبلغ سنتيو حتى كاف غلبمً ا جفرًا . قالت : فقدمنا بو على أمو ونحن أحرص على مكثو فينا، لما كنا نرى من بركتو، فكلمنا أمو، وقلت لها : لو تركت ابني عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليو وباء مكة، قالت : فلم نزؿ بها حتى ردتو معنا ولم يستمر الأمر طويلبً فقد خشي ت حليمة على الطفل فقررت إرجاعو إلى أمة وأرجعتو وعمره ست سنوات . وىكذا عاد الطفل اليتيم إلى أمو بعد الرضاع ليبدأ قصة جديدة ومرحلة صعبة ، فقد خرجت أمو من مكة إلى يثرب ( المدينة ) للزيارة فقطعت نحو خمسمائة كيلو متر ومعها ولدىا اليتيم ػ محمد ػ وخادمتها أـ أيمن، و عبد المطلب، فمكثت شهرًا ، وبينما ىي راجعة إذ لحقها المرض في أوائل الطريق، ثم اشتد حتى ماتت بالأبػْوَاء بين مكة والمدينة .

عدد الصفحات ٨٦

86 وعاد بو عبد المطلب إلى مكة، وكانت مشاعر الحزف في قلبو نحو حفيده اليتيم الذي أصيب بمصاب جديد أثار الجروح القديمة، فػَرَؽ عليو فكاف لا يدعو لوحدتو ، بل يؤثره على أولاده، فكاف يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، فكاف بنوه يجلسوف حوؿ فراشو ذلك حتى يخرج إليو، لا يجلس عليو أحد من بنيو إجلبلاً لو، فكاف رسوؿ الله  يأتي وىو غلبـ صغير حتى يجلس عليو، فيأخذه أعمامو ليؤخروه عنو، فيقوؿ عبد المطلب: دعوا ابني ىذا، فوالله إف لو لشأناَ ، ثم يجلس معو على فراشو، ويمسح ظهره بيده، ويسره ذلك. لقد استمر الموت يلبحق المقربين لهذا الطفل في بطن أمو وفقد أمو وىو في سن السادسة لم تمض سنتاف أي أف عمر الطفل ثماف سنوات يُ توفى جده الحبيب عبد المطلب ، ويعهد برعايتو لعمو ( شقيق أباه) أبي طالب . وبدأ الطفل يكبر ليصبح شاباً وقد أصبح أفضل قريشٍ أخلبقاً فقد عرؼ بينهم بػ " الصادؽ الأمين " ، وفي الخامسة والعشرين من عمره تسمع بو امرأة شريفة في قريش لها تجارة رابحة تسمى (خديجة ) فتطلب منو أف يخرج في تجارتها وتعطيو أفضل ما تعطي غيره فوافق وخرج في مالها ، وخرج معو غلبمها ميسرة حتى قدـ الشاـ. وفي سن الخامسة والعشرين خرج تاجرًا إلى الشاـ في ماؿ خديجة - رضي الله عنها - ، ولما رجع إلى مكة، ورأت خديجة في مالها من الأمانة والبركة ما لم تر قبل ىذا، وأخبرىا غلبمها ميسرة بما رأى فيو  من صفات كريمة، وفكر راجح، ومنطق

عدد الصفحات ٨٧

87 صادؽ، ونهج أمين، وجدت ضالتها المنشودة ػ وكاف السادات والرؤساء يحرصوف على زواجها فتأبي عليهم ذلك ػ فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها ، التي ذىبت إليو  تفاتحو أف يتزوج خديجة، فرضى بذلك، وكلم أعمامو، فذىبوا إلى عم خديجة وخطبوىا إليو، وعلى إثر ذلك تم الزواج، وكانت سنها إذ ذاؾ أربعين سنة، وكانت يومئذ أفضل نساء قومها نس با ً وثروةً وعقلبً ا، وىي أوؿ امرأة تزوجها رسوؿ الله ، ولم يتزوج عليها غيرىا حتى ماتت . وكل أولاده  منها سوى إبراىيم،ولدت لو : أو لاً القاسم ، ثم زينب، ورقية، وأـ كلثوـ، وفاطمة، وعبد الله ، ومات بنوه كلهم في صغرىم، أما البنات فكلهن أدركن الإسلبـ فأسلمن وىاجرف وقبل أف نختم الحلقة الأولى من حياتو -  - لابد من ذكر القصة التي حدثت حين كاف عُ مر محمد  خمسة وثلبثين سنة ، لبياف كيف كاف عقل و  وكيف كانت نظرة قومو إليو : ففي تلك السنة جاء سيل كبير فهدـ الكثير من الكعبة حتى أوشكت على الانهيار، فاضطرت قريش إلى تجديد بنائها حرصًا على مكانتها، واتفقوا على ألا يدخلوا في بنائها إلا طيباً ، فلب يدخلوف فيها مهر بغي ولا بيع ر باً ولا مظلمة أحد من الناس، وكانوا يهابوف ىدمها، فابتدأ بها الوليد بن المغيرة المخزومى، فأخذ المعوؿ وقاؿ : الله لا نريد إلا الخير، ثم ىدـ ناحية الركنين، ولما لم يصبو شيء تبعو الناس في الهدـ في اليوـ الثاني، ولم يزالوا في الهدـ حتى وصلوا إلى قواعد إبراىيم، ثم أرادوا الأخذ في البناء فجزّ أوا الكعبة، وخصصوا لكل قبيلة جزءًا منها . فجمعت كل قبيلة حجارة على حدة، وأخذوا يبنونها، وتولى البناء بنّ اء رومي اسمو : باقوـ . ولما

عدد الصفحات ٨٨

88 بلغ البنياف موضع الحجر الأسود ( أحد أركاف الكعبة ) اختلفوا فيمن يمتاز بشرؼ وضعو في مكانو، واستمر النزاع أربع لي اؿ أو خمسًا، واشتد حتى كاد يتحوؿ إلى حرب ضروس في أرض الحرـ، إلا أف أبا أمية بن المغيرة المخزومي عرض عليهم أف يحكّ موا فيما شجر بينهم أوؿ داخل عليهم من باب المسجد فارتضوه، وشاء الله أف يكوف ذلك رسوؿ الله ، فلما رأوه ىتفوا : ىذا الأمين، رضيناه، ىذا محمد، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطو ، وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أف يمسكوا جميعًا بأطراؼ الرداء، وأمرىم أف يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعو أخذه بيده فوضعو في مكانو. وىكذا عاش الطفل اليتيم بين قومو صادقاً أميناً صاحب عقل راجح وذكاء مُ ت قد، لكن حياتو الحقيقية لم تبدأ بعد فثمة أمور وأحداث عظيمة تنتظره ، فقد كاف ذلك كلو مقدمة وتهيئة لتلك النفس الشريفة للقياـ بأعظم مهمة عرفها البشر ، فكيف ستكوف البداية ىذا ما سنعرفو في الورقات القادمة .

عدد الصفحات ٨٩

89 انفصم انثاَي انرضانت حين بلغ محمد  سن السابعة والثلبثين حبّب الله إليو العزلة عن قومو، والمكث بعيداً عنهم في غار حراء في جبل النور على بعد نحو ميلين من مكة - (وىو غار طولو أربعة أذرع، وعرضو ذراع وثلبثة أرباع الذراع) - فيقيم فيو شهر رمضاف ( الشهر التاسع من الأشهر العربية )، ويقضي وقتو في العبادة والتفكير فيما حولو من مشاىد الكوف وفيما وراءىا من قدرة مبدعة، وىو غير مطمئن لما عليو قومو من عقائد الشرؾ الواىية، ولكن ليس بين يديو طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق يطمئن إليو ويرضاه . وبعد سنتاف ونصف من ذلك ظهرت علبمة أخرى فكاف لا يرى رؤيا إلا جاءت وظهرت حقيقة ، واستمر الوضع ىذا لمدة ستة أشهر ، ثم حين بلغ الأربعين من عمره وفي شهر رمضاف وفي غار حراء حدث الأمر الخطير، فقد جاءه الحق كما ذكرت ذلك عائشة – رضي الله عنها – حيث قالت: حتى جاءه الحق وىو في غار حراء، فجاءه الملك فقاؿ : اقر أ : قاؿ : ( ما أنا بقارئ ) ، قاؿ : ( فأخذني فغطني حتى بلغ منى الجهد، ثم أرسلني، فقاؿ : اقرأ، قلت : مػا أنػا بقػارئ، قػاؿ : فأخذني فغطني الثانية حتى بلػغ منػى الجهد، ثم أرسلني فقاؿ : اقرأ، فقلت : ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثػم أرسلػني فػقػا ؿ : " اقػْرَأْ بِاسْمِ رَب كَ ال ذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِْنسَافَ مِنْ عَلَقٍ اقػْرَأْ وَرَب كَ الأَْكْرَـُ "ٕٕٔ ، فرجع بها رسوؿ الله  يرجف فؤاده، فدخل على خديجة ٕٕٔ سُزج انعهق الآيح 1

عدد الصفحات ٩٠

91 بنت خويلد فقاؿ : ( زَم لُو ني زملو ني ) ، فزملوه حتى ذىب عنو الروع، فقاؿ لخديجة : ( ما لي ؟ ) فأخبرىا الخبر، ( لقد خشيت على نفسي ) ، فقالت خديجة : كلب، والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوـ، وتقر ي الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت بو خديجة حتى أتت بو (ورقة بن نوفل ابن أسد ) ابن عم خديجة - وكاف امرأ تنصر في الجاىل ية، يكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أف يكتب، وكاف شي خاً كبير اً قد عمي -فقالت لو خديجة : يا بن عم، اسمع من ابن أخيك، فقاؿ لو ورقة : يا بن أخي، ماذا ترى ؟ فأخبره رسوؿ الله خبر ما رأى، فقاؿ لو ورقة : ىذا الناموس الذي نزلو الله على موسى، يا ليتني فيها جَذَعا، ليتنى أكوف حيًا إذ يخرجك قومك، فقاؿ رسوؿ الله  : ( أو مخرجيّ ىم ؟ ) قاؿ : نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت بو إلا عُودِىَ، وإف يدركني يومك أنصرؾ نصرًا مؤزرًا، ثم لم يػَنْشَبْ ورقة أف توفي، وفػَتَر الوحي . ولنعد لمحمد  حيث يقوؿ ( جاورت بحراء شهر اً فلما قضيت ىبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا، ونظرت أمامي فلم أر شيئا، ونظرت خلفي فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئًا، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فخشيت على نفسي فذىبت مسرعاً إلى أىلق وقلت: (زملوني، زملوني ) ، فدثرونى فنزلت قولو تعالى : " يَا أَيػ هَا الْمُد ثػ رُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَب كَ فَكَبػ رْ وَثِيَابَكَ فَطَه رْ وَالر جْزَ فَاىْجُرْ "ٖٕٔ . ٖٕٔ سُزج انمدثس آيح 1- 5

عدد الصفحات ٩١

91 قاـ رسوؿ ا بعد نزوؿ ما تقدـ من آيات سورة المدثر، بالدعوة إلى ا سبحانو وتعالى؛ وحيث إف قومو لا دين لهم إلا عبادة الأصناـ والأوثاف، ولا حجة لهم إلا أنهم وجدوا آباءىم على ذلك، وكانوا مع ذلك متصدرين للزعامة الدينية في جزيرة العرب، ومحتلين مركزىا الرئيس، ، فقد كاف من الحكمة تلقاء ذلك أف تكوف الدعوة في بدء أمرىا سرية؛ لئلب يفاجئ أىل مكة بما يهيجهم . لقد كاف الله قادراً على نصرة رسولو من أوؿ يوـ في الرسالة لكنو – سبحانو – أراد أف يعلم البشر والناس أجمعين أف طريق التغيير وطريق الدعوة ليس سهلبً وليس مفروشا بالورود ، بل يحتاج إلى تضحية وبذؿ وصبر ومصابرة ومجاىدة ، كما أنو ثم ة سنن كونية وسنن ربانية يسير فيها ىذا الكوف ومن ذلك : التغيير في النفس البشرية وخاصة التغيير العقائدي فحري بكل داعية وكل مسلم أف يتعرؼ على تلك السنن ويلتزـ بها ولا يحاوؿ الخروج عنها مهما كاف ىدفو وغايتو. وكاف من الطبيعى أف يعرض الرسوؿ  الإسلبـ أولاً على ألصق الناس بو من أىل بيتو، وأصدقائو، فدعاىم إلى الإسلبـ، ودعا إليو كل من توسم فيو الخير ممن يعرفهم ويعرفونو، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونو بتحرى الصدؽ والصلبح، فأجابو من ىؤلاء جَمْعٌ عُرِفوا بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي أـ المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة وابن عمو علي بن أبي طالب ػ وكاف صبيًا يعيش في كفالة الرسوؿ ػ وصديقو الحميم أبو بكر الصديق . وىؤلاء ىم أوؿ من أسلم . و مرت ثلبثة أعواـ، والدعوة لم تزؿ مقصورة على الأفراد، ولم يجهر بها النبي  ،إلا أنها عرفت لدىقريش، وفشا ذكر الإسلبـ بمكة، وتحدث بو الناس، ،

عدد الصفحات ٩٢

92 لكنهم لم يهتموا بو كثيرًا حيث لم يتعرض رسوؿ ا  لدينهم، ولم يتكلم في آلهتهم ، ثم نزؿ قوؿ الله تعالى : " " وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَْقػْرَبِينَ " ٕٗٔ فدعا رسوؿ الله  عشيرتو ، وقاؿ : ( الحمد لله، أحمده وأستعينو، وأومن بو، وأتوكل عليو ، وأشهد أف لا إلو إلا الله وحده لا شريك لو ) . ثم قاؿ : ( إف الناصح لا يكذب أىلو ، والله الذي لا إلو إلا ىو، إني رسوؿ الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تناموف، ولتبعثن كما تستيقظوف، ولتحا سبن بما تعملوف، وإنها الجنة أبداً أو النار أبداً ) . فقاؿ أبو طالب : ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديق اً لحديثك . وىؤلاء بنو أبيك مجتمعوف، وإنما أنا أحدىم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت بو . فوالله ، لا أزاؿ أحوطك وأمنعك، غير أف نفسي لا تطاوعني على فراؽ دين عبد المطلب . وبعد تأكد النبي  من تعهد أبي طالب بحمايتو وىو يبلغ عن ربو، صعد النبي ذات يوـ على الصفا( جبل صغير قرب الكعبة )، ثم جعل ينادىقريشاً والقبائل في مكة فلما سمعوا قالوا : من ىذا الذي يهتف ؟ قالوا : محمد . فأسرع الناس إليو، حتى إف الرجل إذا لم يستطع أف يخرج إليو أرسل رسولاً لينظر ما ىو، فجاء أبو لهب وقريش . فلما اجتمعوا قاؿ : ( أرأيتكم لو أخبرتكم أف خيلبً بالوادي بسَفْح ىذا الجبل تريد أف تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ ) . قالوا : نعم، ما جربنا عليك كذبًا، ما جربنا عليك إلا صدقًا . قاؿ : ( إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ثم دعاىم إلى الحق، وأنذرىم من عذاب الله ، فقاؿ : يا معشر ٕٗٔ سُزج انشعساء آيح214

عدد الصفحات ٩٣

93 قريش، اشتروا أنفسكم من الله ، أنقذوا أنفسكم من النار،فإني لا أملك لكم من الله ضرًا ولا نفعًا، ولا أغنى عنكم من الله شيئًا . ثم ذكرىم بأسمائهم حتى بلّ غ ابنتو فقاؿ:يا فاطمة بنت محمد ، سليني ما شئت من مالي، أنقذى نفسك من النار، فإني لا أملك لك ضراً ولا نفعاً ، و لا أغنى عنك من الله شيئاً . وىكذا جهر الرسوؿ  بالدعوة وبدأ بإعلبنها على الملؤ فزاد عدد المسلمين ، وىنا بدأت قريش تعلن حربها للدين الجديد ، واتخذت عدة أساليب وطرؽ منها : إثارة الشبهات، ومنع الناس من سماع القرآف ، واتهاـ الرسوؿ  بالسحر والجنوف وغيرىا من الأساليب ، وكاف من أشد الأساليب قسوة الإيذاء للرسوؿ الكريم  وأتباعومثل صهيب بن سناف الرومي الذي كاف يُعذ ب حتى يفقد وعيو ولا يدرى ما يقوؿ .و بلبؿ الحبشيالذي كاف يُسل م للصبياف، يطوفوف بو في جباؿ مكة، ويجرونو حتى كاف الحبل يؤثر في عنقو، وىو يقوؿ : أحَدٌ أحَدٌ، و كاف يُخرج إذا حميت الظهيرة، فيطرح على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يُقاؿ لو لا تػزاؿ ىكػذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللبت والعزى، فيقوؿ وىو في ذلك : أحد،أحد. وكاف عمار بن ياسر ،أسلم ىو وأبوه وأمو، فكاف المشركوف يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرىا . ومر بهم النبي وىم يعذبوف فقاؿ : ( صبرًا آؿ ياسر، فإف موعدكم الجنة ) ، فمات ياسر في العذاب، وطعن أبو جهل سمية ػ أـ عمّار ػ في قػُ بُ لها بحربة فماتت، وىي أوؿ شهيدة في الإسلبـ

عدد الصفحات ٩٤

94 وكاف خباب بن الأرت حدادًا، فلما أسلم عذبوه بالنار، فكانت توضع الحديدة المحماة على ظهره أو رأسو، وكانت زِن يرَةُ أمَةً رومية قد أسلمت فعذبت في الله ، وأصيبت في بصرىا حتى عميت، فقيل لها : أصابتك اللبت والعزى، فقالت : لا والله ما أصابتني، وىذا من الله ، وإف شاء كشفو، فأصبحت من الغد وقد رد الله بصرىا، فقالت قريش : ىذا بعض سحر محمد . وىكذا لم يسلم الرجاؿ ولا النساء ، ولكن ماذا عسى أف يفعل محمد  وكيف سيواجو ذلك؟

عدد الصفحات ٩٥

95 الفصل الثالث الصراع في مكة لقد بدى لأىل مكة أف الد ين الجديد يزداد في الانتشار، وأف وسائلهم حتى الآف لم تكن كافية لمنعو ، واتفقوا على أنو لابد من التخلص من الرسوؿ ، ولكن كيف وعمو يمنعو؟ فقرروا أف يجروا معو المفاوضات وتكررت أكثر من مرة حتى وصل الأمر إلى التهديد ،؛ فقد جاءت سادات قريش إلى أبي طالب فقالوا لو : يا أبا طالب، إف لك شأناً وشرفًا ومنزلة فينا، وإنا قد حدثناؾ عن ابن أخيك فلم تنهو عنا، وإنا والله لا نصبر على ىذا ، من شتم آبائنا، ، وعيب آلهتنا، حتى تكفّ و عنا، أو ننازلو وإياؾ في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين . عَظُم على أبي طالب ىذا الوعيد والتهديد الشديد، فبعث إلى رسوؿ الله وقاؿ لو : يا بن أخي، إف قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فقاؿ  : ( يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أف أترؾ ىذا الأمر ما تركتو حتى يظهره الله أو أىلك فيو ) ، ثم استعبر وبكى، وقاـ، فلما ولى ناداه أبو طالب، فلما أقبل قاؿ لو : اذىب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فو الله لا أُسْلِمُك لشيء. ومع ىذا فلم يسلم الرسوؿ من الأذية ، فمن ذلك ،كاف أبو لهب قد زوج ولديو عتبة وعتيبة ببنتى رسوؿ الله رقية وأـ كلثوـ قبل البعثة، فلما كانت البعثة أمرىما بتطليقهما بعنف وشدة حتى طلقاىما . وكانت امرأة أبي لهب ػ أـ جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفياف - لا تقل عن زوجها في عداوة النبي  - فقد كانت تحمل الشوؾ، وتضعو في طريق النبي  وعلى بابو ليلبً، وكانت امرأة سليطة

عدد الصفحات ٩٦