218 النبي ، فنظر إلى أبيو ، فقاؿ أبوه : أطع أبا القاسم ، فقاؿ الغلبـ : أشهد أف إلو إلا الله وأنك رسوؿ الله ، فخرج النبي وىو يقوؿ : الحمد لله الذي أخرجو من النار. تلك ىي أخلبقنا وذاؾ ىو ديننا فمع اختلبؼ الدين تبقى علبقة الجيرة والنصح لو ، فالرسوؿ زار جاره وىو يهودي كما أنو غلبـ وىو الأكبر منو سناً وقدراً ، فما أعظمو من منهج . وإذا تجاو زنا الدائرة الثانية إلى الدائرة الثالثة من المجتمع وىي بقية أفراد المجتمع نجد أف الإسلبـ قد وضع أسلوباً متميزاً وأخلبقاً رفيعةً كفيلةً – بإذف الله – أف تجعل ذلك المجتمع سعيداً فيكوف ذلك المجتمع كما قاؿ رسوؿ الإسلبـ " كالبنياف المرصوص "، ل ذا ألزـ المسلم بحق وؽ لأخيو تسهم في زيادة الترابط والتآخي والمحبة ، وتجعلو يشارؾ أخاه في أفراحو وأحزانو وىمومو ومشاكلو، فمن تلك الحقوؽ : السلبـ وىي التحية التي تعبر عن الحب والقبوؿ ، وكذلك تبادؿ الزيارات وخاصة في المناسبات سواء كاف حزينة مثل حين يكوف أحدىما مريض فمن المعروؼ أف المريض يحتاج إلى من يتحدث معو ويرفع معنوياتو ويواسيو ويشد من أز ر ه ، فهذه من أىم الأمور ليتجاوز المريض مرضو بسلبـ ويتعافى منو –بإذف الله،وكذلك عند موت أحد أقاربو أو محبيو فعلى المسلم مواساة أخيو والدعوة لو والوقوؼ معو في محنتو ، وفي الجانب الآخر المناسبات السعيدة مثل الزواج فعلى المسلم أف يشارؾ أخاه أفراحو ويستجيب لدعوتو للمشاركة في تلك المناسبة،ومن الحقوؽ أيضاً : النصح لأخيو وخاصة حين يطلب منك أخو ؾ النصح ، ففي ىذا
عدد الصفحات ٢٠٩219 الحالة يتأكد النصح لو ويلزمك أف تستجيب لطلبو وتحقيق غرضو ، فتنصحو بما تراه وبأسلوب لطيف وجميل يحقق الهدؼ ويزيد الحب . ونظراً لما يمكن أف يحدث بين أفراد المجتمع من مشاكل فإف الإسلبـ ساىم وبصورة كبيرة في تطهير النفس من الكبر والتعالي على الآخرين مهما كاف لونه م أو شكلهم أو منصبهم وإليك بياف ذلك : يحدث خلبؼ بين اباذر ( العربي الأصيل ) و بلبؿ بن رباح ( الحبشي الأسود ) ومع الغضب وارتفاع الصوت يقوؿ أبو ذر لبلبؿ : يا ابن ال سوداء. فما كاف من بلبؿ إلا أف ذىب إلى الرسوؿ الكريم فأخبره بما قاؿ أبا ذر ، فيقوؿ لأبي ذر : أعيرتو بأمو ، إنك امرؤ فيك جاىلية . فيقوؿ أبا ذر : أبعد ىذا السن وبعد تلك السنوات في الإسلبـ ؟ فما كانو منو إلا أف ذىب إلى بلبؿ ويضع نفسو بين يديو ثم وضع خده على الأرض وطلب من بلبؿ وقاؿ لو : ادعس عليّ . فيرفض بلبؿ. ويقوؿ أبا ذر لابد أف تفعل لابد أف تخرج تلك الجاىلية ، فما كاف من بلبؿ إلا أف رفع أخاه أبا ذر عالياً وتعانقا. و أخيراً ثمة دائرة رابعة كبيرة وىي المجتمع كلو ، فالإسلبـ لم يغفل تلك الدائرة ، ففرض على المسلم الأمر بالمعروؼ والنهي عن المنكر ، وىذه الدائرة يشترؾ فيها الجميع فهي من وإلى الجميع ، باختلبؼ مستوياتهم ، وىي توجب على المسلم أف يسهم في دفع عجلة المعروؼ ( وىو كل ما يسهم في نهوض المجتمع وفق المنهج الرباني) بكل ما يستطيع وبأفضل أسلوب ممكن ، وفي المقابل يجتهد كل مسلم في النهي عن المنكر ( وىو كل ما يسهم في تأخر المجتمع وتفككو وبعده عن المنهج الرباني ) بقدر استطاعتو سواء بالكلبـ أو الكتابة أو الأفعاؿ المجردة.
عدد الصفحات ٢١٠211 وباكتماؿ تلك الدوائر الأربعة ( الأسرة والأقارب ، الجيراف ، المجتمع القريب ، المجتمع الكبير ) تكوف صورة المجتمع الحقيقي السعيد الملتزـ بالمنهج الرباني يكوف بناء المجتمع في الإسلبـ قد تمت. ومن أجل حماية ىذا المجتمع من العابثين ، فقد شرع الإسلبـ العقوبات والحدود التي تكفل حرية الإنساف وتضمن لو دينو و نفسو ومالو وعقلو وكل ضرورياتو ، وتعاقب كل من يعتدِ على ذلك ، وزاد الأمر بأف وضع شرائع يلتزـ بها المسلموف حتى في حالة الحرب وإليك الموقف التالي : في عهد عمر بن عبد العزيز فتح الله على الجيش الإسلبمي مدينة سمرقند ( إحدى دوؿ الاتحاد السوفيتي السابق ) ولم يمهل قائد الجيوش الإسلبمية وكاف اسمو ( قتيبة ابن مسلم) لم يمهل أىل المدينة ثلبثة أياـ وكاف من ضمن شروط الحروب الإسلبمية إمهاؿ أىل المدف التي يريد أف يفتحها المسلموف ثلبثة أياـ ، يختار فيها أىل المدينة إما الإسلبـ وإما أف يدفعوا الجزية وإما أف يُ قاتلوا. فدخل الجيش الإسلبمي مدينة سمرقند بدوف أف يمهل أىلها ثلبثاً فقاـ أىل سمرقند بإرساؿ رسوؿ يحمل شكواىم إلى والي المسلمين وىو عمر ابن عبد العزيز .. فقاؿ ىذا الرسوؿ : ذىبت أقطع الطرؽ والبلبد حتى وصلت إلى دمشق عاصمة الخلبفة ، ودخلت أعظم بناء في المدينة فوجدت أناساً يركعوف ويقوموف ويسجدوف ، فسألت أحدىم : أىذه دار الوالي؟ فقاؿ : لي لا ىذا المسجد أما صليت ؟ قلت : لو ما صليت قط إنني على دين أىل سمرقند ،ثم قاؿ لي : أسلك ذلك الطريق ففي نهايتو بيت تلك دار الوالي. فذىبت فإذا بي أجد رجلبً قد ارتقى سلماً بأعلى الدار يصلح داره : فقلت لو : إني رسوؿ لك من أىل سمرقند وسلمتو الرسالة، فقرأىا ثم قلبها وكتب عليها من
عدد الصفحات ٢١١211 الخلف :من عبد الله ( عمر بن عبد العزيز ) إلى عاملو على سمرقند أف نص بْ قاضياً ينظر في الشكوى و ختمها ثم أعطاني الرسالة. فانطلقت من عنده وأنا أحدث نفسي بأف أرمي ىذه الورقة فماذا ستفعل ىذه الورقة في إخراج الجيوش العرمرـ الجرارة التي دخلت مدينة سمرقند ولولا أني قد خشيت ألا يصدقني أىل سمرقند لكنت ألقيتها ، ثم وصلت إلى سمرقند وسلمت أىلها الرسالة وحينما قرأوىا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ..وقالوا ماذا تفيد ىذه الورقة .. ثم ذىبوا إلى الوالي المسلم عليهم وسلموه الرسالة ..فنص بَ الوالي قاضياً في الحاؿ ، وجاء القاضي بأطراؼ النزاع من أىل سمرقند فسألهم :ما دعواك م يا أىل سمرقند ؟ فقالوا : اجتاحنا قتيبة بن مسلم ولم يمهلنا ثلبثة كعادة المسلمين ... فقاؿ القاضي لنائب قتيبة ( فقد مات قتيبو ) : ما ردؾ ؟ فقاؿ :لقد كانت أرضهم خصبة وقد خشي قتيبة - رحمة الله - أف يتحصنوا ويتمنعوا داخل مدينتهم فباغتهم ودخل عليهم. فقاؿ القاضي :لقد خرجنا ندعو إلى الله ولم نخرج لأخذ الأرض أشراً وبطراً ، وحكم بأف يخرج الجيش الإسلبمي من المدينة. ولم يصدؽ أىل مدينة سمرقند وظنوا أف الأمر مجرد كلبـ ، وما غربت شمس ذلك اليوـ إلا وقد خرج جيش المسلمين جميعاً .. وبعثوا برسالة إلى أىل سمرقند يمهلونهم فيها ثلبثة أياـ إما أف يسلموا أو يدفعوا الجزية أو الحرب. ففطن أىل سمرقند بأف ىذا الدين ىو دين رحمة وعدؿ ، ففتحوا أسوار مدينتهم ، وأسلم من أسلم وىادف من ىادف وانضمت أراضي سمرقند إلى الخلبفة الإسلبمية. فهل سمع البشر على مدى تاريخهم الطويل بمثل ىذا الموقف .
عدد الصفحات ٢١٢212 إف ما ذكرناه ليس صورة مثالية ولا حلم يراود المصلحين العقلبء من العالمين ، لكنها حقيقة قابلة للتطبيق بل طبقها المسلموف في فترة من الزمن وكان ت نتائجها تذىل المنصفين من والباحثين ، ولعل السر في ذلك والله أعلم ىو زراعة المراقبة الربانية في النفس البشرية والتي تجعلو دائم المراقبة والملبحظة حتى لو كاف الرقيب البشري غائباً ، و ليس لدى البالغين فقط بل الجميع . لقد قدـ الكثير من الفلبسفة القدماء والمعاصرين العديد من النظريات الجميلة ولكنها كانت تمثل أحلبماً وردية لم تظهر للنور تطبيقاً ولم يستطع حتى أصحابها تحويلها إلى واقع ملموس. أما المنهج الإسلبمي فقد قدـ طرحاً نظرياً جميلبً مرتبطاً بحياة الإنساف قابلبً للتطبيق على مدار الزماف والمكاف ، واتبعو بنموذج عملي من الرسوؿ الكريم فهو القدوة والأسوة فيتطبيق ذلك المنهج على أرض الواقع ، ليس ىذا فحسب بل استطاع المنهج الإسلبمي أف يصنع نماذج بشرية ع عديدة ع لى أرض الواقع ، عاشت مع الناس وتعاملت معهم ولم تكن في معزؿ عن الناس ولا عن العالم لا مكاناً ولا زماناً . وبذلك يكوف البناء الاجتماعي قد وضحت معالمو وباف صلبحو ومن يريد الاستزادة فعليو الرجوع إلى الكتب المفصلة في البناء الاجتماعي في الإسلبـ.
عدد الصفحات ٢١٣213
عدد الصفحات ٢١٤214 من طبائع النفس البشرية أنها تحتاج إلى ترغيب وترىيب ، فهي ترغب وتخاؼ ، وىذاف العنصراف مهماف جداً ليكتمل البناء النفسي ، فثمة فريق من الناس يكوف دافع الرغبة لديو كاؼ لأف يعمل ويبذؿ ويجتهد بل ويتقن في عملو ، وىناؾ فريق يحتاج مع ذلك إلى عنصر الترىيب والتهديد والوعيد لكي يتجنب الأعماؿ السيئة. والإسلبـ دين للناس كافة ، لذا كاف في الإسلبـ ترغيب وترىيب، فهو قد رغ ب وحث على الكثير من الأعماؿ ورتب عليها الأجور العظيمة ، وفي المقابل حذر من بعض الأعماؿ والسلوكيات ورتب عليها العقوبات . وقد أشرنا فيما سبق إلى الكثير من الأعماؿ التي رغب فيها الإسلبـ وحث عليها سواء كانت أركان اً أو أخلبقاً أو غيرىا ، ولكي تكتمل صورة الإسلبـ في الأذىاف لابد من بياف المنهيات في الإسلبـ ، ونظراً لكثرة المنهيات وتنوعها فإنا قد اخترنا ما نراه أخطر المنهيات وأكثرىا أثراً في حياة العباد الشخصية والجماعية ، و أوضحنا موقف الإسلبـ من تلك الخصاؿ وكيف حاربها .
عدد الصفحات ٢١٥215 انفصم الأول انظهى ادّعت امرأة على الصحابي الجليل سعيد بن زيد بأنو أخذ شيئاً من أرضها ،فخاصمتو إلى القاضي. فقاؿ سعيد : ما كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتو من رسوؿ الله .فقاؿ : وما سمعت من رسوؿ ا ؟ قاؿ : سمعت رسوؿ الله – – يقوؿ : " من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوقّو إلى سبع أراضين ".ثم قاؿ سعيد : اللهم إف كانت كاذبة فاعمّ بصرىا واقتلها في أرضها . فذىب بصرىا . ثم بينما ىي تمشي في أرضها إذ وقعت في حفرة فماتت . ىذه قصة حقيقية و ليست من نسج الخياؿ ومثلها كثير في حياتنا ، فهي ليست خاصة بالصحابة الكراـ بل لعموـ الناس فالقضية الكبرى والأمر الخطير في ىذه القصة ىو " الظلم " أي ظلم المرأة لسعيد ، كيف لا وقد قاؿ الرسوؿ الكريم – - : " ثلبثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفط ر ، والإماـ العادؿ ، ودعوة المظلوـ يرفعها الله فوؽ الغماـ ويفتح لها أبواب السماء ويقوؿ الرب : وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين . " الله أكبر الرب يتوعد الظالمين ، الله القوي القاىر الجبار الذي بيده ملكوت كل شيء وىو على كل شيء قدير ، إنها رسالة نوجهها إلى كل الظالمين وكل من يفكر في الظلم رسالة تحذيرية من الباري سبحانو ، فهل نعي تلك الرسالة . أظنكم – إخوتي القرّاء – عرفتم خطورة موضوعنا أنو " الظلم ". فما ىو الظلم ؟ وما أنواعو ؟ وما مخاطره في الدنيا والآخرة ؟ وكيف نتجنبو ؟
عدد الصفحات ٢١٦216 أما الظلم فهو : تجاوز الحد والتعدي على حقوؽ الغير بغير وجو حق . فكل من تجاوز الحد الشرعي في أمر من الأمور فقد ظلم حتى لو كاف ذلك في العبادة الشرعية مثل الوضوء ، فمن زاد عن غسل أعضاءه ثلبث مرات قاؿ عنو الرسوؿ الكريم – - :" فقد تعدى وأساء وظلم " ومن باب أولى الأمور الأخرى في حياتنا اليو مية . و كذلك من اعتدى على حقوؽ الآخرين بأخذ أموالهم أو أراضيهم أو ممتلكاتهم أو حتى الكلبـ فيهم فقد ظلم ، وإف كاف شيئاً قليلبً وإليك ىذا الحديث العظيم : قاؿ ": من اقتطع حق أمرىء مسلم بيمينو ، فقد أوجب الله لو النار ، وحرّـ عليو الجنة ". فقاؿ رجل : و إف كاف شيئاً يسيراً يا رسوؿ الله ؟ قاؿ : "وإف كاف قضيباً من أراؾ ". وقضيب الأراؾ ىو عود من نبات يسمى الأراؾ يستخدـ في السواؾ . وأما أنواع الظلم ، فقد بين العلماء - رحمهم الله – أف الظلم على ثلبثة أنواع : ٔ / ظلم الإنساف بينو وبين الله ، وأعظمو الكفر والشرؾ والنفاؽ . ٕ / ظلم الإنساف بينو وبين الناس ، وىو الذي ما يتحدث عنو العلماء وىو أكثر ما يتبادر على ذىن الناس حين يُ ذكر الظلم ، وىو المعني بقولو تعالى: " وَجَزَاءُ سَي ئَةٍ سَي ئَةٌ مِثػْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الل وِ إِن وُ لاَ يُحِب الظ الِمِينَ "ٕٜٔ وىو درجات يختلف بحسب المظلمة و المظلوـ ومقد ار الظلم ، ولكن كلو منهي عنو ومحذر منو وداخل في الوعيد الرباني . ٕٜٔ سُزج انشُزِ آيح 41
عدد الصفحات ٢١٧217 ٖ / وىو ظلم العبد لنفسو بعمل المعاصي والتقصير في الطاعات وىو المقصود في قولو تعالى : " ثُم أَوْرَثػْنَا الْكِتَابَ ال ذِينَ اصْطَفَيػْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنػْهُمْ ظَالِمٌ لِنػَفْسِوِ وَمِنػْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنػْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيػْرَاتِ بِإِذْفِ الل وِ ذَلِكَ ىُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (ٕٖ) ٖٜٔ وكل الأنواع الثلبثة ترجع في الحقيقة على النوع الثالث ( ظلم العبد لنفسو ) فإف أوؿ ما يهم العبد بالظلم فإنو يظلم نفسو . ونظراً لخطورة الظلم وعواقبو المشينة فقد ذ ثكر في القرآف الكريم في أكثر من ٜٓٔ موضعاً وفي أكثر من ٓٓٔ من الأحاديث النبوية الشريفة وبطرؽ متنوعة ومختلفة قد اشرنا إلى بعضها . والعاقل ىو الذي يستجيب لتلك النصائح الربانية والأحاديث النبوية، فيجتهد في التخلص من الظلم ويحاوؿ التعرؼ على الوسائل المعينة – بعد الله- على ذلك ، ومن أىم وسائل تجنب الظلم والاستجابة للرب سبحانو تذكر العواقب الوخيمة للظلم وآثاره السيئة على العبد ومنها : قبوؿ دعوة المظلوـ على الظالم فقد قاؿ - - "واتق دعوة المظلوـ فإنو ليس بينها وبين الله حجاب ". عصياف الله سبحانو ومعصيتو، حيث قاؿ في الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلتو بينكم محرما ، فلب تظالموا ". الاقتصاص من المظلوـ ، فقد قاؿ الرسوؿ الكريم – - : "من كانت لو مظلمة لأخيو من عرضو أو شيء فليتحلل منو اليوـ قبل أف لا يكوف دينار ولا ٖٜٔ سُزج فاطس
عدد الصفحات ٢١٨218 درىم ، إف كاف لو عمل صالح أخذ منو بقدر مظلمتو، وإف لم يكن لو حسنات أخذ من سيئات صاحبو فحمل عليو " . وفي حديث آخر : " قاؿ رسوؿ الله "أتدروف من المفلس ؟!"قالوا المفلس من لا درىم لو و متاع .قاؿ :" المفلس من أمتي من يأتي يوـ القيامة بصلبة وصياـ وزكاة ،فيأتي قد شتم ىذا ،وقذؼ ىذا ،وأكل ماؿ ىذا ،وضرب ىذا ، فيُ عطى ىذا من حسناتو وىذا من حسناتو ،فإف فنيت حسناتو قبل أف يُ قضى ما عليو أُ خِ ذ من خطاياىم فطُ رِ حت عليو ،ثم طُ رِ ح في النار ". لا حوؿ و لا قوة إلا بالله ، ذىب أجر الأعماؿ الصالحة لظلمو الناس ، فهل ىناؾ أسوء من ذلك؟!. تجرد الظالمين من الناصر والمعين ، فلب صديق ولا أخ و لو كاف صديقاً مقرباً قاؿ الله تعالى " مَا لِلظ الِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ "ٜٗٔ فلب يجد الظالم يوـ القيامة حميماً ولا صديقاص ينجيو من عذاب الله ، ولا يجد شفيعاً يشفع لو فيطاع ،فهو منبوذ بظلمو وعدوانو حصوؿ الظلمات يوـ القيامة ، ففي الحديث عن جابر أف رسوؿ ا- - قاؿ :"اتقوا الظلم ،فإف الظلم ظلمات يوـ القيامة لاحظ إنها ظلمات وليست ظلمة واحدة ، نعوذ بالله من ذلك . فعلى المسلم أف يبتعد عن الظلم ، بل وأبعد منو أف يسعى في نصرة المظلوـ من الظالم ومدافعة الظلم بقدر ما يستطيع وبالحكمة ، فعن جابر قاؿ: لما رجع إلى رسوؿ الله - - مهاجري الحبشة ، قاؿ:"ألا تحدثوني، بأعاجيب ما رأيتم بأرض ٜٗٔ سُزج غافس آيح 18
عدد الصفحات ٢١٩219 الحبشة؟" قاؿ فتية منهم: بلى. يا رسوؿ الله! بينا نحن جلوس ، مرت بنا عجوز من عجائز رىابينهم تحمل على رأسها قلة من ماء. فمرت بفتى منهم ، فجعل إحدى يديو بين كتفيها، ثم دفعها ، فخرت على ركبتيها. فانكسرت قػُ ل تها. فلما ارتفعت، التفتت إليو فقالت: سوؼ تعلم يا غدر! إذا وضع الله الكرسي، و جمع الأولين والآخرين. وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبوف، فسوؼ تعلم كيف أمري وأمرؾ، عنده غداً .قاؿ: يقوؿ رسوؿ الله ":صدقت: صدقت. كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديد ىم؟". لقد بلغت من حكمة الله وعدلو أف يقتص من الظالم حتى لو كاف من البهائ م ، فعن أبي ىريرة قاؿ :قاؿ رسوؿ ا :"لتؤدف الحقوؽ إلى أىلها يوـ القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ". فكل شيء مكتوب حتى أعماؿ البهائم مكتوبة في اللوح المحفوظ فيقتص للشاة الجلحاء (التي ليس لها قرف )من الشاة القر ناء (التي لها قرف )، وىذا من كماؿ عدؿ الله سبحانو فقد أراد أف يُ رِ يَ عباده عدلو حتى في البهائم العجم فكيف ببني آدـ. وصور الظلم كثيرة ومتنوعة وىي تتجدد بتجدد الأحواؿ والأزماف ، ومن صور الظلم التي يتساىل فيها الكثير من الناس : المماطلة وىي تأخير سداد الدين بلب سبب وإنما من أجل إطالة المدة فقد عد الرسوؿ الكريم ىذا النوع من العمل ظلم فقد قاؿ : "مطل الغني ظلم وما أكثر الذين يماطلوف في حقوؽ الناس .يأتي إليو صاحب الحق فيقوؿ :يا فلبف أعطني حقي فيقوؿ لو :غداً،فيأتيو من غد فيقوؿ :بعد غد وىكذا يماطلو .
عدد الصفحات ٢٢٠221 انفصم انثاَي أو انخبائث قضية أر قت الشرؽ والغرب والشماؿ والجنوب ، في قديم الزماف وحاضره وأظنها ستسمر مستقبلبً إف لم تتدارؾ البشرية نفسها و تجتهد في النجاة من تلك الظاىرة وذاؾ الداء ، ولتصور تلك القضية استمع لتلك القصة وحاوؿ أف تتخيل ما يحدث فيها فهي قصة حقيقية معاصرة وليست من نسج الخياؿ : دخل شاب إلى منزلو الساعة الواحدة ليلبً بعد سهرة حمراء خارج المنزؿ ، واتجو مباشرة إلى غرفة أمو- حيث لا يوجد أحد غيرىا - وبلب مقدمات حاوؿ مراودتها عن نفسها - تخيل - فظنت أنو يمزح ، ثم بدا لها أنو جاد وأنو يراودىا عن نفسها ، – سبحاف الله – فأبت ورفضت رفضاً قاطعاً ، حاوؿ إقناعها لكن دوف جدوى ، ثم خرج من الغرفة وتوجو إلى المطبخ وأحضر معو سكيناً ، وقاؿ لها : إذا لم تسمحِ لي فسأقتل نفسي بالسكين، ووقفت المسكينة حائرة لا تدري ماذا تفعل ! ولك أف تتخيل أخي المستمع وضع الأـ وىي بين نارين : نار الفاحشة مع ابنها، ونار أف يقتل ابنها نفسو، وبعد فترة ىدوء وصمت ومع إلحاح ابنها وافقت على أف يعاشرىا ابنها وفعلبً تمت العملية وذىب الابن بعدىا إلى غرفتو ولم تنتو القصة . ففي الصباح استيقظ الابن وشعر أنو قد عمل أمر لا يتذكره بالضبط ! فأسرع إلى أمو يسألها عما حدث البارحة فلم تخبره بما حدث ، وقالت : لم يحدث شيء . لكنو أصر على أمو وكرر عليها السؤاؿ وأطاؿ معها الكلبـ ، وبعد طوؿ حوار ونقاش و إصرار أخبرتو بما حصل !!! وىنا وقف الشاب مندىشاً مستغرباً ، ثم ذىب إلى المطبخ
عدد الصفحات ٢٢١221 وأخذ علبةبنزين ودخل الحماـ ، وما ىي إلا لحظات.. فإذا برائحة تنبعث من الحماـ ، فأسرعت الأـ نحو الحماـ وفتحت الباب لترى الموقف العجيب ! لقد أحرؽ الابن نفسو ! نعم لقد انتحر نعم لقد مات . لعلك أخي المستمع تستغرب من البوف الشاسع بين تصرؼ الابن ليلبً وتصرفو نهاراً !! إف السر يكمن في أف الابن كاف مدمناً على شرب الخمر وقد كاف سكراناً حين قدـ ليلبً فلما أفاؽ نهاراً أدرؾ سوء فعلتو فلم يجد إلا الانتحار. لقد ارتكب ىذا الشاب ثلبثة جرائم : ٔ. شرب الخمر . ٕ. الزنى بأمو – نعوذ بالله - . ٖ. قتل نفسو . إنها ثلبثة جرائم كبرى ، وكل منها م هلكة ولكن مفتاحها كاف شرب الخمر ، فالخمر كما يقاؿ " أـ الخبائث " وىي فعلبً الطريق نحو الكثير من الخبائث والجرائم على المستوى الفردي وعلى مستو ى المجتمع بل وعلى مستوى العالم، فما ىو الخمر ؟ الخمر: كل ما خامر العقل (امتزج مع و) وغطاه على سبيل اللذة والطرب. فهي تغطي العقل فيصبح الإنساف تقريباً بلب عقل أي أنو لا يتصرؼ بعقل. والعبرة بالمعاني لا بالمباني ، بمعنى أف كل ما خامر العقل فهو يأخذ حكم الخمر حتى لو كانت لو تسمية أخرى مثل المشروبات الروحية أو الكحولية ...إلخ فالحروؼ لا تغير من حقيقة المادة شيئاص، فإياؾ ثم إياؾ أف يُلبّس عليك الموضوع و تغتر بالأسماء الجديدة ، فالمؤمن كيّ س فطن .
عدد الصفحات ٢٢٢222 أما حكم شرب الخمر ، فهو حراـ بإجماع المسلمين قديماً وحديثاً سلفاً وخلفاً بل ىو من كبائر الذنوب ، وأدلة ذلك كثيرة من القرآف الكريم والسنة المطهرة وإليك بعض الأدلة : يقوؿ تعالى :" يَا أَ يػ هَا ال ذِينَ آَمَنُوا إِن مَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَـُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الش يْطَافِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَل كُمْ تػُفْلِحُوفَ ( ٜٓ) إِن مَا يُرِيدُ الش يْطَافُ أَفْ يُوقِعَ بػَيػْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبػَغْضَاءَ فِي الْخَ مْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُد كُمْ عَنْ ذِكْرِ الل وِ وَعَنِ الص لبَةِ فػَهَلْ أَنػْتُمْ مُنْتػَهُوفَ " ٜ٘ٔ فعنأنس - - قاؿلعن رسوؿ الله في الخمرة عشرةعاصرىا ، ومعتصرىا ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة إليو ، وساقيها، وبائعها ، وآكل ثمنها ، والمشتري لها ، والمشتراة لو. فهل بقي شيء ،كل اؤلئك لعنوا - والعياذ بالله – واللعن ليس بالأمر الهين بل إنو خطير جداً ، فاللعنة تعني الطرد من رحمة الله . وما ذكرناه فيو الكفاية لمعرفة الحكم الشرعي في شرب الخمر ، و بقي أف نشير إلى بعض مفاسد ومضار الخمر ، للتعرؼ على حكمة الله في تحريم الخمر ، وكما ذكرنا في الأدلة الشرعية نذكر ىنا أنو لا يمكننا أف نحصر كل مضار ومفاسد الخمر وعواقبو على مستوى العالم ، فالمقاـ لا يتسع لكل ذلك لكننا سنشير إلى أىم تلك الآثار والعاقل تكفيو الإشارة . ٜ٘ٔ سُزج انمائدج آيح 91- 91
عدد الصفحات ٢٢٣223 أوؿ الآثار السلبية وأخطرىا على المسلم ىو الأثر الإيماني فهو معصية بل من كبائر المعاصي ، والمعصية تضعف الإيماف بل قد تذىبو مؤقتاً كما قاؿ ": لا يزني الزاني حين يزني وىو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وىو مؤمن " . أما آثار ه السلبية على الجسد فهي كثيرة بل و على كل جزء من أجزاء الجسد ، ويصل تأثيرىا على الخلية ثم على نواة الخلية وإلى الأجساـ المسؤ ولة عن الطاقة والتي تفقد قدرتها على العمل خلبؿ ٕٗ ساعة من أوؿ جرعة خمر ، ومن الأمراض التي يسببها شرب الخمر : سرطاف الفم : كما صرّح البروفيسور الأمريكي (ملتن تيريس) أستاذ الطب الوقائي في جامعة نيويورؾ، سرطاف الكبد: فقد أثبتت الدراسات الطبية الحديثة في العصر الحاضر مؤخراً: بأف الأشخاص الذين يصابوف بسرطاف الكبد ىم في الأغلب ػ من ىواة (الخمرة) و إدمانها في معظم الحالات . التهابالمعدة : فمما كشفو الطب الحديث ػ بعد مئات التجارب ػ: ىو أف استعماؿ الكحوؿ يؤدي إلى التهاب المعدة المزمن، وعرقلة عملية الهضم فيها. التهاب الرئةأدلى مدير مستشفى مقاطعة (كو ؾ) في (شيكاغو) بالتصريح التالي: تتلخص نسبة الوفيات ػ بين مجموع الوفيات ػ في ٕٕٖٗ من جراء الإصابة بذات الرئة. ٛٚ,ٜٗ% منهم ىم بين المفرطين في شرب الخمر. ٓٗ,ٖٗ% منهم ىم بين المتوسطين في شرب الخمر. ٘ٗ,ٕٕ% منهم ىم بين الذين لا يشربوف مطلقاً، أو يشربوف قليلبً.
عدد الصفحات ٢٢٤