192 وقد أدرؾ الصحابة الكر اـ فقد أدركوا حقيقة التوكل ، وتمثلوه في حياتهم وواقعهم ، فبذلوا الأسباب في كل شؤوف حياتهم ، بل وأبدعوا في ذلك وبقيت قلوبهم متعلقة برب الأسباب ، وإليك بعضاً من ذلك : يقوؿ عمر :المتوكل ال ذي يلقي حَ ب و في الأرض ويتوكل على الله . فهو يلقي حبو فلب ينتظر الأرض أف تخرج بلب حبة كما أف الحبة لا تأتي لوحدىا فلببد من بذؿ الأسباب ( رمي الحبة ) وىو الأمر المقدور ثم تسليم غير المقدور إلى القادر سبحانو. أما الواقع فلب أحد من عقلبء العالم يقوؿ أجلس في بيتك ويأتيك رزقك ، فلببد من العمل للحصوؿ على الثمرة ، فالذي خلق الإنساف واوجد الأكواف ىو الذي أمر بالتوكل . وزيادة على ذلك فإف التوكل يزيد من دافعية العبد نحو العمل ، ويجعلو يجتهد في السعي ويحاوؿ إتقاف العمل ، لعلمو اليقيني بأف من القواعد الربانية في ىذه الأرض أف من عمل واجتهد في طلب الرزؽ ، لتحقيق مصلحة لابد أف يصل إليها بالنهاية – بإذف الله - ، ولعل ما نلمسو من تقدـ للغرب أو للشرؽ في جوانب كثيرة من الحياة خير دليل على ما نقوؿ ، فهم قد عملوا وبذلو ا واجتهدو ا فحصلوا ووصلوا. واعلم أف المتوكل على ا لله قوي يستمد قوتو من الله فهو يعتقد أف الله معو ، وأنو ناصره لأنو يسير على دربو ومتوكل عليو ، وكما قاؿ بعضهم "من سره أف يكوف أقوى الناس ،فليتوكل على الله ". والتوكل على الله ثمرة من ثمار الإيماف و ىو شحنة نفسية ، تكسب المؤمن قوةً وشجاعة ، وتملؤه بروح التحد ي والإصرار، وتشحذ فيو العزيمة والإصرار ، نحو العمل .وعلى ىذا سار الرسل والأنبياء الكراـ ، فهذا نبي الله ىود يقوؿإِن ي
عدد الصفحات ١٩٣193 تػَوَك لْتُ عَلَى الل وِ رَب ي وَرَب كُمْ "٘ٛٔ وىذا موسى يقوؿ "يَا قػَوْـِ إِفْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِالل وِ فػَعَلَيْوِ تػَوَك لُ وا إِفْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ "ٙٛٔ وغيرىم. وأخيرا فيكفي العبد أف يتوكل على الله ، ليكوف الله حسبو وكافيو في أموره الدينية والدنيوية كما قاؿ تعالى:" وَمَنْ يػَتػَوَك لْ عَلَى الل وِ فػَهُوَ حَسْبُوُ "ٚٛٔ. أي من يحقق التوكل بمعناه الصحيح فإف الله حسبو أي كافيو كل أموره الدينية والدنيوية ، و من كاف الله كافيو كيف ستكوف حياتو ؟؟ اسأؿ الله أف يرزقنا وإياكم صدؽ التوكل عليو وجميل الاعتماد عليو وأف يجعل قلوبنا متعلقة بو وحده وأف يوفقنا للعمل بالأسباب . تلك نماذج وإشارات إلى بعض أخلبؽ الإسلبـ ، فعلى العبد النظر فيها والسعي في تطبيقها وتهذيب نفسو عليها والدعوة إليها فما أجمل أف نجمع العلم والعمل . ٘ٛٔ سورة ىود آية ٙ٘ ٙٛٔ سورة يونس آية ٗٛ ٚٛٔ سور ة الطلبؽ آية ٖ
عدد الصفحات ١٩٤194
عدد الصفحات ١٩٥195 "العالم اليوـ أصبح جزيرة أغنياء تحيط بها بحار من الفقراء .ىكذا قاؿ أحد خبراء الاقتصاد العالميين ، وىذا الكلبـ ليس مبالغاً فيو إذا علمنا أنو يعيش فوؽ كوكب الأرض ٙ مليار من البشر يبلغ عدد سكاف الدوؿ النامية منها ٗ,ٖ ملياراً ، يعيش منها ما يقارب ٖ مليارات تحت خط الفقر وىو دولاراف فقط في اليوـ، ومن بين ىؤلاء ىنالك ٔ,ٕ مليار يحصلوف على أقل من دولار واحد يوميا!. أي بنسبة ٕٔ,ٔ% من سكاف العالم وفق إحصاءات البنك الدولي: أي ربع سكاف العالم ، وأف ىناؾ أكثر من ٓٔ ملبيين طفل يموتوف سنوياً بسبب الفقر . وفي المقابل تبلغ ثروة ثلبثة من أغنى أغنياء العالم ما يعادؿ الناتج المحلي لأفقر ٛٗ دولة في العالم، كما أف ثروة ٕٓٓ من أغنى أغنياء العالم تتجاوز نسبتها دخل ٔٗ% من سكاف العالم مجتمعين .تلك ىي نتائج الاقتصاد العالمي الجديد ، العالم المتحضر المتقدـ ، وإليك صورة أخرى : قاؿ المؤرخوف عن عهد عمر بن عبد العزيز ( ت ٔٓٔ ىػ ، ٕٓٚ ـ ) : شبع في عهده الجياع ، وكسا الفقراء ، فقد أمر رحمو الله ولاتو أف يب دؤ وا بتغطية حاجات أقطارىم وما فاض وبقي يُرسل إلى الخزينة العامة ومن قصر دخل إقليمو عن تغطية حاجات أىلو أمده الخليفة بما يغطي عجزه ، وراح رحمو الله ينشئ في طوؿ البلبد وعرضها دور الضيافة يأوي إليها المسافروف وأبناء السبيل ، ومضى يرفع مستوى الأجور الضعيفة ، وكفل كل حاجات العلماء والفقهاء ، ليتفرغوا لعلمهم ورسالتهم دوف أف ينتظروا من أيدي الناس أجراً وأمر لكل أعمى بقائد يقوده ويقضي لو أموره على حساب الدولة ، ولكل مريض أو مريضين بخادـ على حساب الدولة ، وأمر
عدد الصفحات ١٩٦196 ولاتو بإحصاء جميع الغارمين فقضى عنهم دينهم ، وافتدى أسرى المسلمين، وكفل اليتامى ،ووصل الأمر أف الأغنياء يخرجوف بزكاة أموالهم فلب يجدوف فقيراً يأخذىا. إنو الإسلبـ المنهج الرباني ، المنهج المتكامل في كل جوانبو ومنها البناء الاقتصادي للئنساف ، لقد قدـ الإسلبـ للبشرية نموذجاً رائعاً ، وىذا النموذج يعتمد على عدة ثوابت منها : الدعوة إلى العمل ( مهما كاف ) وبياف أف العمل شرؼ ، فلب ينبغي للمسلم أف يعتمد على غيره ، بل عليو أف يجتهد ويكوف ىو صاحب اليد العليا وىي اليد المعطاة ، وليس اليد السفلى وىي التي تأخذ فقد قاؿ رسوؿ الإسلبـ : " اليد العليا خير من اليد السفل ى "ومن ىنا كاف حرص أصحاب المنهج الرباني الرقي بالنف س والتعفف عن الطلب ، والسعي ليكوف ىو الباذؿ وليس الآخذ ومن ذلك ما جاء في ىذه القصة : يروى أف شقيقاً البلخي، ذىب في رحلة تجارية، وقبل سفره ود ع صديقو إبراىيم بن أدىم حيث يتوقع أف يمكث في رحلتو مدة طويلة، و لكن لم تمض إلا أياماً قليلة حتى عاد شقيق ورآه إبراىيم في المسجد، فقاؿ لو متعجباً: ما الذي عجّل بعودتك؟ قاؿ شقيق: رأيت في سفري عجباً، فعدلت عن الرحلة، قاؿ إبراىيم: خيراً ماذا رأيت؟ قاؿ شقيق: أويت إلى مكاف خرب لأستريح فيو، فوجدت بو طائراً كسيحاً أعمى، وعجبت وقلت في نفسي: كيف يعيش ىذا الطائر في ىذا المكاف النائي، وىو لا يبصر ولا يتحرؾ؟ ولم ألبث إلا قليلبً حتى أقبل طائر آخر يحمل لو العظاـ في اليوـ مرات حتى يكتفي، فقلت: إف الذي رزؽ ىذا الطائر في ىذا المكاف قادر على أف يرزقني، وعدت من
عدد الصفحات ١٩٧197 ساعتي، فقاؿ إبراىيم: عجباً لك يا شقيق !، ولماذا رضيت لنفسك أف تكوف الطائر الأعمى الكسيح الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض أف تكوف الطائر الآخر الذي يسعى على نفسو و على غيره من العمياف والمقعدين؟ أما علمت أف اليد العليا خير من اليد السفلى؟ فقاـ شقيق إلى إبراىيم وقبّل يده، وقاؿ: أنت أستاذنا يا أبا إسحاؽ، وعاد إلى تجارتو. الإرشاد إلى الأكل من عمل اليد وأنو من أفضل الطعاـ فقد قاؿ رسوؿ الإسلبـ " :ما أكلأحداً طعاماً قط . خير من أف يأكل من عمل يده " توضيح أف العمل مارسو أفضل الخلق وىم الرسل والأنبياء ، وفي ىذا قدوة حسنة لكل إنساف أف يعمل ويجتهد ، بل إف الأنبياء عملوا بالمهن اليدوية وليس في ذلك إىانة للنفس فهذا نبي الله داود ( ) كاف يأكل من عمل يده و زكريا ( ) كاف نجارا ورسوؿ الإسلبـ ( ) كاف يرعى ال غنم و غيرىم. النهي عن المسألة وذمها والوعيد الشديد لمن يمارسها فقد قاؿ رسوؿ الإسلبـ : " لأَفْ يحطب أحدكم على ظهره خير من أف يسأؿ أحداً فيعطيو أو يمنعو " وقاؿ أيضاً : " من سأؿ الناس أموالهم تَكث راً فإنما يسأؿ جمراً، فليستقل ، أو ليستكثر". تحريم الغش والكذ ب والخداع و الغصب والسلب والسرقة والنصب والمقامرة والربا في المعاملبت عموماً ، بل جاء التهديد الوعيد لكل من يأكل الماؿ الحراـ فمن ذلك لا يستجاب لو دعوة ويحرـ بركة الرزؽ مع العذاب الشديد يوـ القيامة.
عدد الصفحات ١٩٨198 والإسلبـ يعترؼ بالتفاوت المالي بين الناس فمن المستحيل أف يكوف الجميع بنفس المستوى من المعيشة ، لذا شرع مبدأ التكافل الاجتماعي المالي حتى لا يتكدس الماؿ عند فئة محدودة ، ومن أجل ذلك شرع عدة أمور : ٔ. إيجاب الزكاة على الأغنياء وجعلها من أركاف الإسلبـ ( كما ذكرنا في أركاف الإسلبـ ). وتوضح الدراسات أف ثلبثة من أغنى أغنياء العالم لو ساىموا بػ ٔ% من ثرواتهم لغطّت تكلفة الدراسة الابتدائية لكل الأطفاؿ في العالم النامي. ٕ. الدعوة إلى الإنفاؽ والتصدؽ وجعلو من القربات التي يتقرب بها إلى الله وحده كما جاء في دستور الاسلبـ " مَثَلُ ال ذِينَ يػُنْفِقُوفَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَ بِيلِ الل وِ كَمَثَلِ حَب ةٍ أَنػْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُل سُنْبػُلَةٍ مِئَةُ حَب ةٍ وَالل وُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَالل وُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "ٛٛٔ ، فالمضاعفة إلى ٓٓٚ ضعف ، لذا نجد من تربّ ى على ىذا المنهج ينفق الشيء الكثير وخاصة عند الحاجة فمما يُ ذكر في التاريخ أف الناس في المدينة ( عاصمة المسلمين الأولى ) وبعد وفاة الرسوؿ الكريم بفترة قصيرة أصابهم الجوع والحاجة إلى الطعاـ ، وفي ىذه الأثناء قدمت قافلة لأحد التجار ( واسمو عثماف بن عفاف ) محملة بالطعاـ الوفير والخير الكثير ، فلما علم تجار المدي نة ذىبوا إلى عثماف يساومونو على الربح في بيعها ، وأدعك مع الحوار بينهم : ٛٛٔ سُزج انثقسج آيح 261
عدد الصفحات ١٩٩199 التجار : نعطيك على العشرة اثنا عشر ، فقاؿ عثماف : ىناؾ من زادني أكثر . التجار : نعطيك على العشرة خمسة عشر ، عثماف : ىناؾ من زادني أكثر . التجار : مَن زادؾ ونحن تجار المدينة ؟ فقاؿ عثماف : الله ، فقد أعطاني بكل درىم عشرة ، فهل عندكم من زيادة . فسكت التجار فقاؿ عثماف : أشهدكم أني جعلتها كلها صدقة لله على الفقراء والمحتاجين . ٖ. الحث على الإنفاؽ على فئات معينة معرضة للفقر مثل الأيتاـ والمساكين والأرامل ، فقد قاؿ رسوؿ الإسلبـ : أنا وكافل ا ليتيم كهاتين " وأشار إلى أصبعيو السبابة والإبهاـ". ومنو الصدقة الجارية كما قاؿ " : إذا مات الإنساف انقطع عملو إلا من ثلبثة أشياء: وذكر منها صدقة جارية ". وىكذا استطاع الإسلبـ بناء منهج اقتصادي واقعي ، يرتقي بالنفس البشرية ويزرع فيها القيم النبيلة دوف أف يتعارض مع حظوظها في حب الماؿ والرغبة في الاستزادة منو ، ذلك لأنو منهج رباني لا بشري.
عدد الصفحات ٢٠٠211
عدد الصفحات ٢٠١211 في عاـ ٜٜ٘ٔ ـ وبعد أف توجهت المانيا للنظاـ الرأسمالي المنفتح شهدت ٖٖ ألف حالة اختفاء للآباء عن أبنا ئهم، وأف ٕٚٔ ألفاً آخرين أنكروا أبناءىم لكي لا ينفقوا عليهم. بلغت حالات الاعتداء على الأطفاؿ في أمريكا للعاـٖٜٛٔ ـ مليوف حالة اعتداء، وما بين (ٗ- ٘) ملبيين حالة اعتداء جنسي. يُغتصب يومياً في أمريكا ٜٓٓٔ فتاة ،ٕٓ% منهن يغتصبن من قبل آبائهن، بلغت نسبة الطلبؽ في أمريكا ٓٙ% من عدد عقود الزواج. عدد حالات الانتحار في العالمتصل إلى أكثر من ٓٓٛ ألف حالة وذلك كل عاـ ، أي أنو في كل ٓٗ ثانية ىناؾ شخص ينتحر في مكاف ما من ىذا العالم! ، و حسب إحصاءات الأمم المتحدة فإنو في أية لحظة ننظر إلى سكاف العالم نجد أف ىنالك ٓ٘ٗ مليوف شخص يعانوف من اض طرابات نفسية وعصبية. و أكثر من ٜٓ% من حالات الانتحار تكوف بسبب اضطرابات نفسية وتحديداً الكآبة، أي فقداف الأمل الذي كاف موجوداً لديهم . ولا أظن أننا نبالغ حينما نقوؿ إف من أىم الأسباب في ىذا التخبط الاجتماعي للعالم ىو فقداف المنهج الصحيح والذي يحقق للئنساف الأمن
عدد الصفحات ٢٠٢212 والاستقرار النفسي والاجتماعي ، وكما يقوؿ علماء الاجتماع فإف الإنساف مدني بطبعو أي أنو يسعى ويجتهد في تكوين مجتمع مع غيره . و الدين الإسلبمي دين حياة بكل ما تعنيو ىذه الكلمة من معنى ، ومن مقتضيات الحياة أف يعيش الإنساف مع غيره من البشر يتعامل معهم ، و يفرح معهم ويضحك ، معهم ويتعاوف معهم ويحزف معهم ، ولا يمكن أف تكوف حياة بلب اجتماع ، ومن ىنا فمن مستلزمات الرسالة الحق والدين الحق أف يُ رشد العبد ويُ بين لو كيف يكوف : "البناء الاجتماعي السعيد" الملتزـ بقواعد الفضيلة والمبتعد عن الرذيلة . و نظراً لتشعب مواضيع " البناء الاجتماعي في الإسلبـ " فسنجعلو على شكل دوائر تحيط بالإنساف ، وسنذكر كل دائرة في فصل مستقل لتوضيحها وبياف محتواىا .
عدد الصفحات ٢٠٣213 انفصم الأولدائرة الأضرة انطعيذة الأسرة ىي المحور الأساس في المجتمع ، و الحديث عن الأسرة يقودنا إلى بداية التاريخ البشري حيث قاؿ الله تعالى : " وَإِذْ قَاؿَ رَب كَ لِلْمَلبَئِكَةِ إِن ي جَاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً "ٜٛٔ ومعنى خليفة أي قوـٌ يخلف بعضهم بعضاً ، قرناً بعد قرف ، وجيلبً بعد جيل. لقد اقتضت حكمة الله سبحانو حفظ النوع البشري، وبقاء النسل الإنساني؛ إعماراً لهذا الكوف الدنيوي، وإصلبحاً لهذا الكوكب الأرضي، فشرع بحكمتو - وىو أحكم الحاكمين - ما ينظم العلبقات بين الجنسين الذكر والأنثى، فشرع الزواج بحكمو وأحكامو، ومقاصده وآدابو، إذ الزواج ضرورة اجتماعية لبناء الحياة، وتكوين الأسر والبيو ت، وتنظيم أقوى العلبقات، واستقامة الحاؿ، وىدوء الباؿ، وراحة الضمير. يبدأ الزواج بالاختيار وغالباً يكوف الرجل ىو الطرؼ الأوؿ في بداية الاختيار ، لذا فقد حث رسولنا الزوج بحسن الاختيار فقاؿ : " تنكح المرأة لأربع : لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها ، فاظفر بذات الدين " ، وىكذا تكوف اللبنة الأولى في بناء الأسرة مبنية على الدين من الطرفين ، فبيت السعادة أساسو التوفيق الرباني وأىم أسباب التوفيق ( الدين ) . ٜٛٔ سُزج انثقسج آيح 31
عدد الصفحات ٢٠٤214 ومن أجل ضماف استمرار العلبقة الزوجية السليمة والسعيدة فقدجعل الإسلبـ لكل من الزوجين حقو قاً كما جعل عليو واجبات، يجب أف يعلمها كلب الطرفين ، حتى يؤدي ما عليو من واجبات خير أداء، ويطلب ما لو من حقوؽ بصورة لائقة ، وإذا علم الزوج والزوجة ما لو وما عليو، فقد ملك مفتاح الطمأنينة والسكينة لحياتو، وتلك الحقوؽ تنظم الحياة الزوجية، وتؤكد حسن العشرة بين الزوجين، ويحسن بكل واحد منهما أف يعط قبل أف يأخذ، ويفي بحقوؽ شريكو باختياره طواعية دوف إجبار، وعلى الآخر أف يقابل ىذا الإحساف بإحساف أفضل منو ، فيسرع بالوفاء بحقوؽ شريكو كاملة من غير نقصاف . ولما كاف الوالداف ىما حجر ا الأساس في بناء الأسرة وتنشئة الجيل فقد اعتنى الإسلبـ بالأبناء ، ونظّ م العلبقة بينهم وبين آبائهم بحيث تسير سفينة الأسرة بأماف في بحر المجتمع ومتغيراتو ، فحث الوالدين على الرعاية والاىتماـ بالأبناء ، وحسن التربية والمساعدة في إنشاء جيل واعي مسلم يسعى في نهضة مجتمعو ويرقى بو نحو الأفضل. وفي المقابل فقد أوجب الإسلبـ على الأبناء حقوقاً للوالدين ، وبين أف حق الوالدين كبير فمن ذلك : الإحساف إليهما قولاً وفعلبً بالماؿ والبدف ، وامتثاؿ أمرىما في غير معصية اللّو ، وفي غير ما فيو ضرر ، و أف يحسن لهما القوؿ ، و يبسط لهما الوجو ، و يقوـ بخدمتهما على الوجو اللبئق بهما ، ولا يتضجر منهما عند الكبر والمرض والضعف ، ولا يستثقل ذلك منهما . والآيات والحديث كثيرة جداً في موضوع بر الوالدين ، وىي أكثر من نحصيها في ىذه الورقات وسنشير إلى بعضهما :
عدد الصفحات ٢٠٥215 ٔ. قرف الله الإحساف إليهما مع الأمر بعبادتو قاؿ تعالى : ( وَقَضَى رَب كَ أَلا تػَعْبُ دُوا إِلا إِي اهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِم ا يػَبػْلُغَن عِنْدَؾَ الْكِبػَرَ أَحَدُىُمَا أَوْ كِلبَىُمَا فَلبَ تػَقُلْ لَهُمَا أُؼٍّ وَلاَ تػَنػْهَرْىُمَا وَقُلْ لَهُمَا قػَوْلاً كَرِيمًا "ٜٓٔ. ٕ. جعل بر الوالدين ثاني أحب عمل ، فقد سُئل أي العمل أحب إلى الله؟ قاؿ : ( الصلبة على وقتها ). قيل : ثم أي؟ قاؿ : ( بر الوالدين ) . ٖ. أمره بوصلهما ولو كانا مشركين ، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : قدمت علي أمي وىي مشركة فاستفتيت رسوؿ الله فقلت: يا رسوؿ الله قدمت علي أمي وىي راغبة (أي راغبة في أف أصلها بشيء) أفأصل أمي يا رسوؿ؟ الله: ( قاؿ نعم صلي أمك )ٜٔٔ فأمرىا النبي أف تصل أمها مع أف أمها مشركة . ٗ. بيانو أف الوالدين أولى الناس بحسن الصحبة، فعن أبي ىريرة أف رجلبً قاؿ : يا رسوؿ الله من أحق الناس بحسن صحابتي أو صحبتي؟ قاؿ : ( أمك. قاؿ ثم مَ ن؟ قاؿ : ( أمك ). قاؿ : ثم مَ ن ؟ قاؿ ( أمك ). قاؿ : ثم مَ ن ؟ قاؿ : ( أبوؾ ). إف لبر الوالدين منزلة عظيمة وثمار جليلة ليس في الآخرة فقط بل حتى في الدنيا ، فهي تزيد في الرزؽ وتبارؾ في العمر والعمل ، وقبل أف نختم الحديث عن الأسرة إليك القصة التالية : ٜٓٔ سُزج الإسساء آيح 23 ٜٔٔ زَاي انثخازي
عدد الصفحات ٢٠٦216 امرأة غاب عنها زوجها في ليلة ، فنامت وىي تحضن بين يديها طفلها الرضيع وقد ناـ بجوارىا طفلتيها الصغيرتين ،وأمها الطاعنة في السن وفي جوؼ الليل تستيقظ تلك المرأة على صياح وضوضاء ، أبصرت فإذا بحريق شب في أسفل تلك العمارة ، وإذا برجاؿ الإطفاء يطلبوف من الجميع إخلبء العمارة إلى السطح ،فقامت تلك المرأة وأيق ظت صغيرتيها ، وصعدتا إلى أعلى العمارة ، ثم بقيت تلك الأـ بين الرضيع الذي لا يستطيع حِراكا ، و إلى أمها الطاعنة في السن العاجزة عن الحركة والنيراف تضطرب في العمارة وقفت متحيرة أتقدـ البر ؟ أـ تقدـ الأمومة ؟ وبسرعة قررت بأف تبدأ بأمها قبل كل شيء وتترؾ صغيرىا ، حملت أمها وصعدت بها إلى سطح العمارة وما إف سارت في درج تلك العمارة إلا وإذ بالنيراف تداىم شقتها وتدخل على صغيرىا وتلتهم تلك الشقة وما فيها .....تفطر قلبها وسالت مدامعها وصعدت إلى سطح العمارة لتضع أمها ، وتتجرع غصص ذلك الابن الذي داىػػمتو النيراف على صغره ..أصبح الصباح وأخمد الحريق وفرح الجميع إلا تلك الأـ ، و مع بزوغ الفجر إذ برجاؿ الإنقاذ يعلنوف عن نجاة طفل بفضل الله . أتدروف من ىو الطفل إنو طفلها الرضيع . وىكذا تنتظم العلبقة الأسرية بين الزوجين وبين الأبناء ووالديهم ، فتخرج للمجتمع أسرة سعيدة مستقرة . لكن المجتمع ليس أسرة فقط بل ىناؾ أطراؼ أخرى في المجتمع ، فكيف نظم الإسلبـ تلك العلبقات الأخرى ؟
عدد الصفحات ٢٠٧217 انفصم انثاَي: انًدتًع جاء رجل إلى رسوؿ الإسلبـ فقاؿيا رسوؿ الله إف فلبنة فذكر من كثرة صلبتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها. قاؿ :ىي في النار. قاؿ : يا رسوؿ الله فإف فلبنة فذكر من قلة صيامها وصلبتها لكنها لا تؤذي جيرانها. قاؿ : ىي في الجنة تلك ىي الدائرة الثانية في العلبقات الاجتماعية وىي دائرة الجيراف، فالمسلم يسعى في مساعدة جاره وعدـ أذيتو بأي أسلوب وبأي طريقة ، فتلك المرأة الأولى تصلي وتصوـ كثيراً وتفعل الكثير من الأعماؿ الصالحة إلا أنها تؤذي جيرانها ، فكانت النتيجة العجيبة الغريبة والتي قد لا يتوقعها الكثير فقاؿ : ىي في النار نعم فالصلبة والصياـ والعمل الصالح يجب أف يهذب النفس ويرتقي بها لتكوف ذات أخلبؽ عالية وسامية ، ومن تلك الأخلبؽ حسن العلبقة مع جيرانها فلما لم تحقق تلك النتيجة كاف ذلك سبباً في دخولها النار ، وفي المقابل امرأة أخرى ليس لديها كثير صلبة ولا صياـ ولا عمل صالح لكن لديها خصلة حميدة وىي عدـ أذية جيرانها بلسانها فالنتيجة ىي في الجنة . ىكذا ىو الدين الإسلبمي ، فهو يسعى في توثيق الصلبت ب ين الجيراف والتعاوف معهم على البر والتقوى وأقل تلك الدرجات عدـ أذيتهم ، ليس ىذا قاصراً على الجار المسلم بل حتى غير المسلم ، فقد كاف ىناؾ غلبماً يهودياً كاف يضع الوضوء للرسوؿ ، فمرض ، فأتاه النبي فدخل عليو وأبوه قاعد عند رأسو ، فقاؿ لو النبي : يا فلبف ، قل : لا إلو إلا ا ، فنظر إلى أبيو ، فسكت أبوه ، فأعاد عليو
عدد الصفحات ٢٠٨