المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

أنا الإسلام

جمال يوسف الهميلي

صفحة ١٢ من ١٦

176 تحويل ىذه الأمنية إلى عمل ىو صناعة الإرادة ، وىناؾ طرؽ كثيرة لصناعة الإرادة منها : تذكر فوائد وحسنات التوبة ونتائجها الجميلة وقد ذكرنا شيئاً من ذلك . استعراض نتائج الاستمرار في المعصية وحبذا كتابة ذلك على شكل جدوؿ تقارف فيو بين نتائج التوبة ونتائج ترؾ التوبة والاستمرار في المعصية، وسيتبين لك الفرؽ الشاسع في الدنيا والآخرة مما يكوف دافعاً قوياً نحو التوبة. التعرؼ على نفسك ونقصد ىنا نقطتين أساسيتين ىما : ماذا تحب ؟ و ماذا تكره ؟ فيكو ف الانطلبؽ من ما تحب النفس وتوجيو نحو المطلب الشرعي وإشغاؿ النفس بو ، فمن المعروؼ أف المعاصي محببة للناس و يزيدىا تزيين الشيطاف ولكن الله لم يجعل كل ما في النفس نحو المعاصي فقط بل رك ب في النفس القابلية للطريقين " وَنػَفْسٍ وَمَا سَو اىَا ( ٚ) فَأَلْهَمَهَ ا فُجُورَىَا وَتػَقْوَاىَا (ٛ) " الشمس والقاعدة ىنا الانطلبؽ من المحبوب إلى المطلوب . حصر ولو بسيط للذنوب والمعاصي التي تقع فيها ، وعليك بالإنصاؼ ىنا وعدـ ازدراء النفس، ثم ترتيب ىذه الذنوب والمعاصي على حسب خطورتها وتمكنها في نفسك من أجل تحديد نقطة البدا ية ، لاحظ أنو كلما كاف المعصية متمكنة في القلب كلما احتاجت إلى وقت أطوؿ ، ولعل مما يؤيد ذلك قصة تحريم الخمر فقد مرت بأربعة مراحل : السكوت عن الموضوع تماماً . تبيين أف " أثمها " أكبر من " نفعها " بعد السؤاؿ عنها .

عدد الصفحات ١٧٧

177 تحريمها وقت الصلبة " لاَ تػَقْرَبُوا الص لبَ ةَ وَأَنػْتُمْ سُكَارَى "النساء ٖٗ . التحريم الدائم" فػَهَلْ أَنػْتُمْ مُنْتػَهُوفَ "المائدة ٜٔ. وضع " خطة التوبة " لا تستغرب ذلك ، فكل بناء يحتاج إلى خطة فمن باب أولى مَن يرغب في جنة عرضها السموات والأرض ، ونعني بالخطة رسم الطريق الذي ستسير عليو من أجل التخلص من جميع الذنوب والمعاصي واستبدالها بالطاعات خلبؿ زمن معين أنت أعلم بو، ىذا لا يعني أف ستنتهي من جميع الذنوب والمعاصي ولكنك ستتخلص من الكثير وتجدد التوبة لكل ما يستجد من الذنوب أولاً بأوؿ . التدرج : لن تستطيع أف تتخلص من كل الذنوب في لحظة أو ساعة - إلا أف يشاء الله - لكنك تستطيع أف تقلل منها ومع الوقت تشعر بأنك أصبحت من " التوابين " أي كثيري التوبة فليس العيب أف تذنب ولكن العيب أف تصر على الذنب ، والتدرج نتيجة حتمية لػ " إرادة التوبة " ثم " معرفة النفس " ثم " حصر الذنوب " ثم " وضع الخطة " ، ومن المهم ىنا التنبيو على التسويف والإطالة غير المبررة بحجة التدرج ف وأما التدرج ذاتو فكل إنساف أعلم بنفسو وكيفية التدرج لديو . الفرح بالانتصار ولو كاف جزئياً فالتوفيق إلى التوبة نعمة كبير تستحق أف يفرح العبد بها وىي جزء مما في الآية " يَا أَيػ هَا الن اسُ قَدْ جَ اءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَب كُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الص دُورِ وَىُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( ٚ٘) قُلْ بِفَضْلِ الل وِ وَبِرَحْمَتِوِ فَبِذَلِكَ فػَلْيػَفْرَحُوا ىُوَ خَيػْرٌ مِم ا يَجْمَعُوفَ " يونس ٛ٘

عدد الصفحات ١٧٨

178 التفاؤؿ وعد اليأس فطريق التوبة مستمر حتى آخر العمر ومعركتك مع الشيطاف حتى آخر نفس في ىذه الحياة ، لذا لابد من الإخفاؽ أحياناً بل ىذا ىو الأمر الطبيعي، ومن ىنا فقد فتح الله باب التوبة على مصراعيو في كل وقت وعلى مدار الزماف فلب تترد في اللجوء إلى الله في كل لحظة حتى لوقت في الذنب وإياؾ ثُم إياؾ أف تُعطي فرصة للشيطاف ليُدخل اليأس إلى قلبك وأعلم أف الاستسلبـ ىو بداية الهزيمة ، وإليك ىذه البُشرى من حبيبك  حيث يقوؿ :" والذي نفسي بيدِه ! لو لم تذنبوا لذىب اللهُ بكم ، ولجاء بقوـٍ يذنبوف ، فيستغفروف اللهَ ، فيغفرُ لهم " مسلم ٜٕٗٚ وآخر البشارات قولو  : " فيما يحكي عن رب و عز وجل قاؿ " أذنَب عبدٌ ذنبًا فقاؿ : اللهم ! اغفِرْ لي ذنبي .فقاؿ تبارؾ وتعالى : أذنَب عبدي ذنبًا ، فعلم أف لو رب ا يغفر الذنبَ ، ويأخذ بالذ نبِ .ثم عاد فأذنب . فقاؿ : أي رب ! اغفرْ لي ذنبي . فقاؿ تبارؾ وتعالى : عبدي أذنب ذنبًا . فعلم أف لو رب ا يغفرُ الذنبَ ، ويأخذُ بالذنبِ .ثم عاد فأذنب فقاؿ : أي رب ! اغفرْ لي ذنبي .فقاؿ تبارؾ وتعالى : أذنبَ عبدي ذنبًا . فعلم أف لو رب ا يغفرُ الذنبَ ،ويأخذ بالذنبِ .اعملْ ما شئت فقد غفرتُ لك" مسلمٕٛ٘ٚ. فهل بعد ىذا يبقى لنا حجة في عدـ الاستجابة للنداء الرباني ،

عدد الصفحات ١٧٩

179 الفصل الثالث الصدق أتى شابّاف إلى الخليفة عمر بن الخطاب  وكاف في المجلس وىما يقوداف رجلبً من البادية فأوقفوه أمامو قاؿ عمر: ما ىذا؟قالوا : يا أمير المؤمنين ، ىذا قتل أبانا. قاؿ : أقتلت أباىم ؟ قاؿ: نعم قتلتو !قاؿ : كيف قتلتَو ؟ ؟ قاؿ : دخل بجملو في أرضي ، فزجرتو ، فلم ينزجر، فأرسلت عليو حجراً ، وقع على رأسو فمات. .قاؿ عمر : القصاص .قاؿ الرجل : يا أمير المؤمنين : أسألك بالذي قامت بو السماوات والأرض أف تتركني ليلة ، لأذىب إلى زوجتي وأطفالي في البادية ، فأُخبِرُىم بأنك سوؼ تقتلني ، ثم أعود إليك ، والله ليس لهم عائل إلا الله ثم أنا. قاؿ عمر : من يكفلك أف تذىب إلى البادية ، ثم تعود إلي ؟ فسكت الناس جميعا ً، إنهم لا يعرفوف اسمو ، ، ولا قبيلتو ولا منزلو ، فكيف يكفلونو قاؿ عمر : من يكفل ىذا أيها الناس ؟ فقاـ أبو ذر الغفاريّ  بشيبتو وزىده، وصدقو ، وقاؿ :يا أمير المؤمنين ، أنا أكفلو قاؿ عمر : ىو قػَتْل. قاؿ : ولو كاف قتلب . قاؿ : أتعرفو ؟ قاؿ : ما أعرفو قاؿ : كيف تكفلو ؟ قاؿ : رأيت فيو سِمات المؤمنين ، فعلمت أنو لا يكذب ، وسيأتي إف شاء الله . قاؿ عمر : يا أبا ذرّ ، أتظن أنو لو تأخر بعد ثلبث أني تاركك !قاؿ : الله المستعاف يا أمير المؤمنين . فذىب الرجل ، ٍ، يُهيئ فيها نفسو ، ويُودع أطفالو وأىلو. وبعد ثلبث لياؿٍ لم ينس عمر الموعد ، يػَعُدّ الأياـ عداً ، وفي العصر نادى في المدينة : الصلبة جامعة ، فجاء الشاباف ، واجتمع الناس ، وأتى أبو ذر، وجلس أماـ

عدد الصفحات ١٨٠

181 عمر ، قاؿ لو عمر: أين الرجل ؟ قاؿ : ما أدري يا أمير المؤمنين. وتلف ت أبو ذر إلى الشمس ، وكأنها تمر سريعة على غير عادتها ، وسكت الصحابة واجمين وقبل الغروب بلحظات ، وإذا بالرجل يأتي ، فكبّر عمر ، وكبّر المسلموف معو ، فقاؿ عمر : أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك ، ما شعرنا بك وما عرفنا مكانك .قاؿ : يا أمير المؤمنين ، والله ما علي منك ولكن علي من الذي يعلم السر وأخفى !! ىا أنا يا أمير المؤمنين ، تركت أطفالي كفراخ الطير لا ماء ولا شجر في البادية ، وجئتُ لأُقتل. فوقف عمر وقاؿ للشابين : ماذا ترياف ؟ قالا وىما يبكياف : عفونا عنو يا أمير المؤمنين لصدقو .قاؿ عمر :الله أكبر ، ودموعو تسيل على لحيتو . تلك ىي أخلبؽ الإسلبـ وتلك ىي صفات المسلمين ،إنو الصدؽ حتى لو كاف على نفسو ولو كاف بالقتل . فالصدؽ ضرورة من ضرورات المجتمع الإنساني ، وفضيلة من فضائل السلوؾ البشري ذات النفع العظيم ، ومن ىنا كاف حث الإسلبـ على ىذه الصفة والترغيب فيها في مواطن كثيرة فمن ذلك قولو تعالى : " يَا أَيػ هَا ال ذِينَ آَمَنُوا اتػ قُوا الل وَ وَكُونُوا مَعَ الص ادِقِينَ " ٓٚٔ فهو خطاب ر باني للمؤمنين ليس بأف يكونوا صادقين فقط بل واف بأف يكونوا مع الصادقين ملبزمين لهم في حياتهم ، وفيو إشارة إلى فضيلة الصادقين و أف طريقهم ىو الطريق الصحيح والمنهج القويم فهي تزكية ربانية لهذا الفريق من الناس . ومنو أيضاً بياف ثواب الصادقين كما قاؿ تعالى : " قَاؿَ الل وُ ىَذَا يػَوْـُ يػَنػْفَعُ الص ادِقِينَ صِدْقػُهُمْ لَهُمْ جَن اتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَْنػْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ الل وُ عَنػْهُمْ 170 سورة التوبة آيةٜٔٔ

عدد الصفحات ١٨١

181 وَرَضُوا عَنْوُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ "ٔٚٔ فبينت الآية الفوز العظيم للصادقين ، وىو يتضمن ثلبثة أمور : دخوؿ الجنة خالدين فيها أبداً – نسأؿ الله من فضلو – و رضواف الله عليهم و رضوانهم عن الله . فما أعظمو من جزاء وما أكرمها من نعمة وما أجلها من صفة . ويتحدث الرسوؿ الكريم  عن تلك الصفة ويبين أنها الطريق الموصل إلى البر والذي يهدي إلى الجنة حيث قاؿ : "عَلَيْكُمْ بِالص دْؽِ فَإِف الص دْؽَ يػَهْدِي إِلَى الْبِر وَإِف الْبِر يػَهْدِي إِلَى الْجَن ةِ وَمَا يػَزَاؿُ الر جُلُ يَصْدُؽُ وَيػَتَحَر ى الص دْؽَ (أي يبالغ فيو ويجتهد) حَت ى يُكْتَبَ عِنْدَ الل وِ صِد يقًا .. " فهي دعوة نبوية بالالتزاـ بالصدؽ لكونو طريقاً إلى الجنة ويضيف إليها الدعوة والعمل على تحري الصدؽ للوصل إلى منزلة أعلى وىي أف يكتب عند الله صديقا . ولما كاف الصدؽ بتلك المنزلة فقد بين الله أنو من أىم صفات الأنبياء الصدؽ كما قاؿ تعالى عن بعض أنبياءه : " واذكر في الكتاب إبراىيم إنو كاف صديقًا نبيًا"ٕٚٔ ، " واذكر في الكتاب إسماعيل إنو كاف صادؽ الوعد وكاف رسولاً نبيًا"ٖٚٔو "يوسف أيها الصديق"ٗٚٔ و"واذكر في الكتاب إدريس إنو كاف صديقًا نبيًا"٘ٚٔ وغيرىم من الرسل والأنبياء وكاف نبينا محمد  يلقب بػ " الصادؽ الأمين " . 171 سورة المائدة آيةٜٔٔ 172 سورة مريم آيةٔٗ ٖٚٔ سورة مريم آية ٗ٘ ٗٚٔ سورة يوسف آية ٙٗ ٘ٚٔ سورة مريم آية ٙ٘

عدد الصفحات ١٨٢

182 وفي المقابل حذر الإسلبـ من الكذب ، فهو عنصر إفساد كبير للمجتمعات الإنسانية ، وسبباً لهدـ أبنيتها ، وتقطيع روابطها وصلبتها ، ورذيلة من رذائل السلوؾ ذات الضرر البالغ وحثنا على تركو ومجانبة أىلو، فمن ذلك قولو  ... ": وَإِي اكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِف الْكَذِبَ يػَهْدِي إِلَى الْفُجُو رِ وَإِف الْفُجُورَ يػَهْدِي إِلَى الن ارِ وَمَا يػَزَاؿُ الر جُلُ يَكْذِبُ وَيػَتَحَر ى الْكَذِبَ حَت ى يُكْتَبَ عِنْدَ الل وِ كَذ ابًا . " فهو تهديد لكل من يكذب بأف طريق و يوصل إلى الفجور ( وىي كلمة جامعة لكل معاني الشر ) ونهاية ىذا الفجور ىو النار و ىناؾ مفسدة أخرى للكاذب : أنو إذا لم يتركو فإنو يستمر في الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً – والعياذ بالله - فمن يرضى أف يذىب إلى النار واف يكتب عند الله كذابا ؟! وزيادة في التنفير قولو  " :آية المنافق ثلبث: إذا حد ث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خاف " فقد بين أف من آيات وعلبمات النفاؽ – والعياذ بالله – الكذب ، بل وأشار  أف المؤمن الحق لا يمكن أف يكذب، فقد سئل النبي  : أيكوف المؤمن جبانًا؟ قاؿ :نعم .قيل: أيكوف المؤمن بخيلب؟ قاؿ: (نعم .قيل: أيكوف المؤمن كذابًا؟ قاؿ :لا. والصدؽ صورٌ متعددة: فالصدؽ مع الله بإخلبص العبادة لله والالتزاـ بشرعو ، والصّدؽ مع النّفس بإقامتها على ما يسعدىا في الدنيا والآخرة والصّدؽ مع النّاس في الكلبـ والوعود والمعاملبت من البيع والشراء والنكاح. وإف من أعظم صور الصدؽ الصدؽ في العهد والوعد ، فالصدؽ في الوعد وفي العهد من فضائل الأخلبؽ التي يتحلى بها المؤمنوف كما قاؿ تعالى: "وَال ذِينَ ىُمْ

عدد الصفحات ١٨٣

183 لأَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِىِمْ رَاعُوفَ"ٙٚٔ وقاؿ تعالى : وَالْمُوفُوفَ بِعَهْدِىِمْ إِذَا عَاىَدُوا وَالص ابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالض ر اءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ ال ذِينَ صَدَقُوا وَأُولَ ئِكَ ىُمُ الْمُتػ قُوفَ "ٚٚٔ.وكذلك الصدؽ في البيع والشراء فهو سبب البركة لكلب الطرفين كما قاؿ  " :البيعاف بالخيار ما لم يتفرقا، فإف صدقا وبيّنا بورؾ لهما في بيعهما ، وإف كتما وكذبا محقت بركة بيعهما". فهما صورتاف " البركة والنماء والزيادة " أو ذىاب ذلك كلو و ىذا مبني على الصدؽ أوالكذب ولك أف تختار ! وقبل ختاـ ىذا الخلق إليك ىذا الموقف النبوي : خرج  إلى السوؽ فرأى طعاماً مصبراً فأدخل يده فيو فأخرج طعاماً رطباً قد أصابتو السماء فقاؿ : لصاحبو ما حملك على ىذا ؟ قاؿ : والذي بعثك بالحق إنو لطعاـ واحد ، قاؿ : أفلب عزلت الرطب على حدتو واليابس على حدتو فتتبايعوف ما تعرفوف ، من غشنا فليس منا. فما أعظمو من دين وما أكملو من منهج . ٙٚٔ سورة المؤمنوف آية ٛ ٚٚٔ سورة البقرة آية ٚٚٔ

عدد الصفحات ١٨٤

184 الفصل الرابع مراقبة الله عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما- : سمعت رسوؿ الله يقوؿ : ( انطلق ثلبثة رىط ممن كاف قبلكم ، حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه ، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار ، فقالوا : إنو لا ينجيكم من ىذه الصخرة إلا أف تدعو الله بصالح أعمالكم ، فقاؿ رجل منهم : اللهم كاف لي أبواف شيخاف كبيراف ، وكنت لا أغبق ٛٚٔ قبلهما أىلب ولا مالا ، فناء بي في طلب شيء يوما ، فلم أرح عليهما حتى ناما ، فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين ، وكرىت أف أغبق قبلهما أىلب أو مالا ، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برؽ الفجر ، فاستيقظا فشربا غبوقهما ، اللهم إف كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيو من ىذه الصخرة ، فانفرجت شيئا لا يستطيعوف الخروج ، قاؿ النبي  : وقاؿ الآخر : اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي ، ف راودتهاا عن نفسها فامتنعت مني ، حتى ألمت بها سنة من السنين ، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أف تخلي بيني وبين نفسها ، ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت : لا أحل لك أف تفض الخاتم إلا بحقو ، فتحرجت من الوقوع عليها ، فانصرفت عنها وىي أحب الناس إلي وتركت الذىب الذي أعطيتها ، اللهم إف كنت فعلت ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيو ، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعوف الخروج منها ، ٛٚٔ أي لا أشسب

عدد الصفحات ١٨٥

185 قاؿ النبي : وقاؿ الثالث : اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرىم غير رجل واحد ترؾ الذي لو وذىب ، فثمرت أجره حتى كثرت منو الأمواؿ ، فجاءني بعد حين ، فقاؿ : يا عبد الله أد إلي أجري ، فقلت لو : ك ل ما ترى من أجرؾ، من الإبل والبقر والغنم والرقيق ، فقاؿ : يا عبد الله لا تستهزئ بي ، فقلت : إني لا أستهزئ بك ، فأخذه كلو فاستاقو فلم يترؾ منو شيئا ، اللهم فإف كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيو ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشوف ) . إف ثمة رابط مهم بين ىؤلاء الثلبثة ألا وىو " مراقبة الله " ، فكل واحد منهم راقب الله وفكر في عملو فالأوؿ راقب الله في والديو ، والثاني تذكر مراقبة الله بسب كلمة قالتها المرأة ، والثالث راقب الله في أجرة العامل مع أنو عمل بو وزاد الماؿ إلا انو أعطاه كل الماؿ ولم يأخذ منو شيء . تلك صورة جميلة للعباد حين يجعلوف الله أماـ أعينهم ، فكم ستتغير الأحواؿ لو طبقنا ىذا الكلبـ وراقبنا الله في كل أعمالنا وأحوالنا ومع الجميع . وىا ىو جبريل ( أفضل الملبئكة ) يأتي إلى النبي الكريم  ( أفضل البشر فيسألو ، وإليك الحديث : فعن عمر بن الخطاب - - أنهم بينما ىم جلوس أو قعود عند النبي جاءه رجل يمشي حسن الوجو حسن الشعر عليو ث ياب بياض فنظر القوـ بعضهم إلى بعض : ما نعرؼ ىذا وما ىذا بصاحب سفر ، ثم قاؿ : يا رسوؿ الله آتيك ؟ قاؿ : نعم ، فجاء فوضع ركبتيو عند ركبتيو ويديو على فخذيو فقاؿ : ما الإسلبـ ؟ قاؿ : شهادة أف لا إلو إلا الله وأف محمداً رسوؿ الله ، وتقيم الصلبة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوـ رمضاف ، وتحج البيت ، قاؿ : فما الإيماف ؟ قاؿ : أف تؤمن بالله وملبئكتو والجنة

عدد الصفحات ١٨٦

186 والنار والبعث بعد الموت والقدر كلو ، قاؿ : فما الإحساف ؟ قاؿ : أف تعمل كأنك تراه فإنك إف لم تكن تراه فإنو يراؾ). ىكذا ىو الدين : إسلبـ ، ثم إيماف ، وأعلى المراتب الإحساف وىو على قسمين : أف تعبد الله كأنك تراه .وىي أعلى المراتب ثم إف لم تستطع على ذلك فإنو يراؾ . كن حاضراً وكن على يقين من رؤية الله لك ، يا ترى كم من سلوكياتنا ؟ وكم من أقوالنا؟ وكم ىمومنا ؟ وكم من قضايانا ؟ ستتغير لو عملنا بهذا المبدأ " فإنو يراؾ " ىل سيقدـ صاحب المعصية على معصيتو؟ ىل سيغش التاجر في تجارتو؟ ىل سيشرب الخمر أحد؟ ىل ستمارس الزنا امرأة؟ ىل سيكذب احد؟ ىل سيخوف احد ؟ ىل سيسهو في صلبتو احد؟ ىل وىل وىل... كثير من أمورنا ستتغير ، فيا الله كم نحن بحاجة إلى " مراقبة الله " . ومما يذكر في السيرة أف ثلبثة نفر كانوا بين الكعبة وأستارىا ، فقاؿ أحدىم: أتروف أف الله يسمع كلبمنا ؟ وقاؿ الثاني: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع. وقاؿ الثالث: إف كاف يسمع إذا أعلنتم فهو يسمع إذا أسررتم . فانزؿ الله تعالى : " أَـْ يَحْسَبُوفَ أَن ا لاَ نَسْمَعُ سِر ىُمْ وَنَجْ وَاىُمْ بػَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُوفَ "ٜٚٔ، نعم والله "بلى" وليس سماع فقط بل أضاؼ " وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُوفَ " فمع السماع الكتابة تمهيداً للمحاسبة والجزاء يوـ القيامة . و إليك – أخي العزيز – ىذه الآية العظيمة " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْ نْسَافَ وَنػَعْلَمُ مَا تػُوَسْوِسُ بِوِ نػَفْسُوُ وَنَحْنُ أَقػْرَبُ إِلَيْوِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ "ٓٛٔ والآية فيها خبر من الله تعالى ٜٚٔ سورة الزخرؼ آية ٓٛ ٓٛٔ سورة ؽ آية ٙٔ

عدد الصفحات ١٨٧

187 عن قدرتو على الإنساف بأنو خالقو، وعملوالمحيط بجميع أموره، حتى إنو تعالى يعلم ما توسوس بو نفوس بني آدـ من الخير والشر، والو سوسة ىو حديث النفس أو ما يفكر بو الإنساف حتى لو يفعل أو يقل. فإذا كانت الملبحظة والرقابة بهذا الشكل فحري بالعبد أف يتقي الله تعالى في السر والعلن ، والغيب والشهادة ، فإف الله عليم خبير لا يعزب عنو مثقاؿ ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، ولا شك أف من اعتقد ذلك وتيقنو حملو على خير كثير ودفع عنو شراً عظيماً ، فالله جل وعلب على كل شيء شهيد. إف العاقل ىو الذي ينظر في أموره ويفكر في عواقبها ، ولتكن على يقين بأف الله لا يظلم أحداً ، ومن عدلو أف جعل على العبد شهوداً يوـ القيامة وىي : ٔ. الأرض: " قرأ رسوؿ الاسلبـ  ىذه الآية" يػَوْمَئِذٍ تُحَد ثُ أَخْبَارَىَا "ٔٛٔ قاؿ: "أتدروف ما أخبارىا؟ ". قالوا: الله ورسولو أعلم. قاؿ: "فإف أخبارىا أف تشهد على كل عبد وأمة بما عَمِل على ظهرىا، أف تقوؿ: عمل كذا وكذا، يوـ كذا وكذا، فهذه أخبارىا" . ٕ. الملبئكة الكراـ. ٖ. الجوارح : واستمع لذلك الموقف الذي أضحك النبي الكريم - - فعن أنس بن مالك قاؿ: كنا عند النبي ، فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قاؿ " أتدروف مم أضحك؟ " قلنا: الله ورسولو أعلم. قاؿ: "من مجادلة العبد ربو يوـ القيامة، يقوؿ: رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقوؿ: بلى. فيقوؿ: لا أجيز ٔٛٔ سورة الزلزلة آية ٗ

عدد الصفحات ١٨٨

188 علي إلا شاىدًا من نفسي ، فيقوؿ : كفى بنفسك اليوـ عليك حَس يباً ، وبالكراـ الكاتبين شهوداً . فيختم على فيو، ويُقاؿ لأركانو: انطقي. فتنطق بعملو، ثم يخلى بينو وبين الكلبـ، فيقوؿ: بُعدًا لَكُن وسُحقًا، فعنكن كنتُ أناضل". ٗ. الله : فقد جاء في دستور الإسلبـ "وَالل وُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تػَعْمَلُوفَ"ٕٛٔ. وىكذا استطاع المنهج الإسلبمي أف يبني في العبد المراقبة ، ومن ثم المحاسبة والجزاء ، فجعلو يربي نفسو ويُ كسِ بُ ها السلوؾ السوي والإتقاف في العمل ، وىذا ما جعل المسلمين الأوائل أفضل الناس ، وسادة العالم في زمانهم ليس في العلوـ الدينية فقط بل وحتى العلوـ الدنيوية . ولا يزاؿ ىذا المنهج قائماً وقابلبً للتطبيق لمن أراد وسعى واجتهد فيحصل على ما حصل لمن قبلو من تقدـ ورقي وازدىار . ٕٛٔ سُزج آل عمسان آيح 98

عدد الصفحات ١٨٩

189 انفصم انخايص : انتىكم عهى الله قضية خطيرة وأمر مهم تحدث عنو القرآف الكريم في أكثر من ٖٓ موضعاً وأشار إليو بأكثر من أسلوب ، كما بينو الرسوؿ الكريم – – في حياتو قولاً وفعلبً ، بل وأشار إلى فضل عظيم ومنزلة عالية لمن يحقق ذلك وإليك ىذه القصة :عن ابن عباس عن النبي  قاؿ: عُرِ ضت علي الأمم ، فرأيت النبي ومعو الرىط والنبي ومعو الرجل والرجلين والنبي وليس معو أحد إذ رفع لي سواد عظيم فقلت: ىذه أمتي. فقيل: ىذا موسى وقومو ولكن انظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم ، ثم قيل انظر إلى ىذا الجانب الآخر فإذا سواد عظيم. فقيل: ىذه أمتك ومعهم سبعوف ألفاً يدخلوف الجنة بغير حساب ولا عذاب ، ثم نهض النبي  فدخل فخاض القوـ في ذلك فقالوا: من ىؤلاء الذين يدخلوف الجنة بلب حساب ولا عذاب؟ فقاؿ بعضهم: لعلهم الذين صحبوا النبي  ، وقاؿ بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلبـ ولم يشركوا بالله شيئا قط ، فخرج إليهم النبي  فقاؿ: ىذا الذي كنتم تخوضوف فيو فأخبروه بمقالتهم ، فقاؿ: ىم الذين لا يَ كتوُ وف ولا يسترقوف ولا يتطيروف وعلى ربهم يتوكلوف ، فقاـ عكاشة بن محصن فقاؿ: أنا منهم يا رسوؿ الله فقاؿ: أنت منهم ، ثم قاـ الآخر فقاؿ: إنا منهم يا رسوؿ الله ؟ فقاؿ رسوؿ الله : سبقك بها عكاشة الله ا كبر دخوؿ الجنة بلب حساب ولا عذاب ! كيف بتحقيق أربع صفات : لا يكتووف : أي لا يسألوف أحداً أف يكويهم . لا يسترقوف : أي لا يطلبوف من احد غيرىم الرقية وىي العلبج المشروع . لا يتطيروف : أي لا يتشاءموف .

عدد الصفحات ١٩٠

191 على ربهم يتوكلوف أي يكوف اعتمادىم على الله فقلوبهم متعلقة با مع بذؿ الأسباب . ويذكر العلماء أف جامع ىذه الصفات الأربع ىو الصفة الأخيرة :" التوكل على الله " ، لأف من لا يسأؿ أحداً الكي فهو متعلق بالله ، ومن لا يطلب من الناس الرقية فهو يطلب من رب الناس ، ومن لا يتشاءـ ( وىو أمر قلبي ) فقلبو متفائل لتوكلو واعتماده على الله ، فكاف جامع تلك الصفات ىو التوكل على الله . لذا كانت منزلة التوكل منزلة عظيمة فقد أمر الله بها في كتابو يقوؿ الله عز وجل : " وَعَلَى الل وِ فػَتػَوَك لُوا إِفْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ "ٖٛٔ و التوكل على الله ىو : الاعتماد على الله عز وجل مع الأخذ بالأسباب . فحاؿ المتوكل أف قلبو معتمد على الله عز وجل ، وجوارحو تقوـ بالأسباب ، فلب ينقض التوكل لبس الدرع في الحروب وقد لبسها عليو الصلبة والسلبـ ، وإغلبؽ الباب ، وشد البعير بالعقاؿ ، فقد جاء رجل إلى النبي  فقاؿ :يا رسوؿ الله أأعقل الناقة وأتوكل ،أو أطلقها وأتوكل ؟!ق اؿ "اعقلها وتوكل". اعقلها أي : شد ركبة ناقتك مع ذراعيها بحبل وتوكل وىذا من حفظ الناقة بربطها . والتوكل يكوف في كل شؤوف الحياة صغيرىا وكبيرىا ، فهو في طلب الرزؽ وفي العمل وفي تربية البناء وتهذيب النفس وفي العلبج وىكذا. وكأني بك - أخي الكريم - تفكر فتقوؿ : إف الله قد تكفل برزقنا ، وكتب كل أعمالنا فلم العمل ، وبطريقة أخرى : أليس من التوكل ترؾ العمل والتكسب ؟ ٖٛٔ سورة المائدة آية ٖٕ

عدد الصفحات ١٩١

191 والجواب على ذلك نأخذه من ىدي سيد المرسلين وإماـ المتوكلين - - وإليك بعض ما ورد عنو في ذلك : ولنبدأ من حديثو عن الطيور ففي حديث النبي  الذي رواه عمر  قاؿ :سمعت رسوؿ الله  يقوؿ: "لو أنكم تتوكلوف على الله حق توكلو لرزقكم كما يرزؽ الطير ،تغدو خماصاً وتروح بطاناً". فهي تغدو وتذىب في أوؿ النهار تطلب الرزؽ تاركة أوكارىا وىذا فعل السبب ،تغدو جائعة ليس في بطونها شيء لكنها ترجع متوكلة على ربها عزوجل ،وتروح ب طاناً أي ترجع في آخر النهار ممتلئة البطوف، ففي ىذا درس في طلب الرزؽ من وجو حلبؿ بالزراعة والتجارة والصناعة وغير ذلك مما أحل الله . وفي الحديث السابق قاؿ - - للسائل : اعقلها وتوكل فالتوك ل يكوف بعد العمل وبذؿ الأسباب. وأيضاً ىل كاف من ىديو -  - ترؾ العمل فلب يبذؿ أي سبب ويأتيو رزقو للبيت ؟ الجواب : كلب فقد كاف يعمل ويبذؿ ويتحرؾ ، بل حتى في أكثر الأمور توكلبً وىو القتاؿ مع المشركين كاف يبذؿ من الأسباب بقدر استطاعتو تطبيقاً لقولو تعالى : " وَأَعِد وا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قػُو ةٍ "ٗٛٔ فكلمة أعدو تعني : خذوا بأسباب القوة ولا تركنوا وتقولوا نحن متوكلوف . إف ترؾ التكسب من فعل البطالين الذين آثروا الراحة ، بل ىو من مداخل الشيطاف على عباد الله ، فهو يريد منهم البعد عن منهج القرآف فيدعوىم إلى ترؾ الأسباب ويزين لهم ذلك بأنو من التوكل الممدوح شرعاً ، فإياؾ والوقو ع في حبائل الشيطاف وكن من عباد الرحمن . ٗٛٔ سورة الأنفاؿ آية ٓٙ

عدد الصفحات ١٩٢