161 وبتسوية الأرض (طَحَاىَا، وآخر ما يقسم بو الله في ىذه السورة النفس البشرية (أنا وأنت) وَنػَفْسٍ وَمَ ا سَو اىَا . لقد اقسم ىنا سبع مرات ، ولا يقسم الله إلا على شيء عظيم ، فكيف إذا كاف القسم مكرر ليس مرة واحدة ولا اثنتين ولا ثلبثة .. بل سبع مرات ، فلببد أف يكوف ما بعد القسم أمر مهم وحيوي وضروري فما ىو يا ترى ؟ لنقرأ ما بعد الآيات السابقة والسورة نفسها : " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَىَا وَتػَقْوَاىَا " ذلك ىو المقسوـ عليو ! إنها طبيعة النفس البشرية فالله قد بين أف لديها قابلية لسلوؾ الطريقين : طريق (فُجُورَىَا ) وطريق (تػَقْوَاىَا ) . و ليس لأحد أف يقوؿ : أنو لا يستطيع السير على الطريق الصحيح لأف النفس لديها القدرة على الانحراؼ عن صراط الله المستقيم ولديها القدرة أيضاً على سلوؾ الطريق المستقيم. فأنا وأنت قد ألهمنا الله تلك القدرة وىذه الميزة وبين لنا طريق الخير وطريق الشر، ويبقى السؤاؿ المهم جداً وىو كيف لي أف أجعل نفسي تسير على طريق (َتقْوَاىَا) و تتجنب طريق (فُجُورَىَا)أو العكس - نعوذ بالله - ؟ وقد أجاب الخالق لهذه النفس على ىذه القضية بكلمات موجزة "قَدْ أَفػْلَحَ مَنْ زَك اىَا (ٜ) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَس اىَا " فالقاعدة الربانية تقوؿ : من زكى نفسو أفلح ، ومن دس نفسو أي أىملها وخذلها فقد خاب وخسر. وكأنك تسأؿ : كيف أزكي نفسي ؟ والإجابة على ىذا السؤاؿ سهلة وبسيطة إذا طبقنا القواعد الخمسة التالية:
عدد الصفحات ١٦١161 القاعدة الأولى بداية الأمور من الإرادة، فكن صاحب إرادة قوية ورغبة شديدة في تغيير نفسك والنهوض بها نحو معالي الأمور ، وتذكر أف نتيجة التزكية ىو (الفلبح) كما في الآيات السابقة(قَدْ أَفػْلَحَ مَنْ زَك اىَا) ،والفلبح كلمة جامعة لكل معاني الخير والنجاح في الدنيا والآخرة. القاعدة الثانية : تعرؼ على وسائل التزكية وطبق ما تستطيع منها : فقد بين لنا الله سبحاف ورسولو الكريم - - وسائل التزكية وى ي بالعمو ـ تعتمد على أمرين اثنين: ٔ / فعل الطاعات تقرباً على الله. ٕ / تجنب المنكرات خوفاً من عقاب الله . والمقصود بالطاعات ىنا ىو كل ما أمر الله بو ورسولو – - مثل : التوحيد ، الصلوات الخمس ، والصياـ ، والزكاة ،والحج ،والصدقة ، وقراءة القرآف ، وذكر الله ، وبر الوالدين ، وصلة الأرحاـ ، ومساعدة المسلمين ، وغض البصر ، وحسن الخلق وغيرىا كثير . وفي المقابل ترؾ المنكرات مثل : الشرؾ ، وشرب الخمر ، والزنا ، واللواط ، والكذب ، والنميمة والغيبة ، والسرقة ، والتبرج ( بالنسبة للمرأة ) ، والاستماع إلى المحرمات ، ومشاىدة المنكرات وغيرىا . وعلينا ألا نكتفي بالواجبات أو الفرائض الأساسية فقط بل نرتقي إلى ما ىو أفضل ، فزيادة على الالتزاـ بالفرائض لابد من عمل السنن والإكثار منها مثل : نوافل الصلوات ، والمداومة على ذكر الله ، والاستمرارية في الصدقات، فهذه السنن تجبر
عدد الصفحات ١٦٢162 ما يحدث من تقصير في الطاعات ،كما أنها تزيد من تزكيتنا لأنفسنا وتعودىا على الخير والعمل الصالح. القاعدة الثالثة : - تجاوز العقبات : فالطريق لتزكية النفس ىو طريق الفالحين وىو طريق المرسلين قبلهم ، وقد اقتضت سنة الله أف يكوف طريق الصالحين محفوفاً بالعقبات والأشواؾ ومن تلك العقبات : ٔ / النفس الأمارة بالسوء : فالنفس بطبيعتها تدعوؾ إلى الكسل وعدـ العمل وإلى فعل المنكرات، خاصة إذا توافق تزيين الشيطاف كما قل تعالى "إِف النػ فْسَ لأََم ارَةٌ بِالس وءِ إِلا مَا رَحِمَ رَب ي "ٕٙٔ ، والحمد لله أف كاف ىناؾ استثناء في الآية " إِلا مَا رَب ي " فنسأؿ الله أف يرحمنا برحمتو واف يرزقنا الإخلبص . ٕ / التسويف وطوؿ الأمل : وىو ما يُ حد ث بو العبد نفسو بتأجيل العمل الصالح أو تأجيل التوبة إلى وقت آخر أو فرصة أخرى ، وكأنو قد أخذ عهداً من الله بأنو لن يموت الآف أو في ىذه السنة ،بل إف غالب الشباب يحدث نفسو بأنو سيتوب بعد مرور سنوات معدودة أو حينما يكبر ، ويقوؿ في نفسو: دعني استمتع بشبابي ثم إذا كبرت أتوب ، وىذه حيلة شيطانية فمن يضمن لك أف تعيش ؟ ولو نظرت إلى كبار السن حولك لرأيتهم قلة أي أف غالب من يموت ىم في سن أقل من سن الشيخوخة ، ثم مَ ن يضمن أنك إذا عشت توفق إلى التوبة النصوح ألديك عهد من الله ؟ إف التوبة عبادة لا يوفق لها إلا من يستحقها - بعلم الله - . القاعدة الرابعة : ٕٙٔ سورة يوسف آية ٖ٘
عدد الصفحات ١٦٣163 التزكية لا تقف عند حد معين ولا تنتهي بزمن معين بل ىي مستمرة مع العبد طيلة حياتو،كما أف التزكية درجات ومستويات ، والعاقل ىو من يرتقي بتزكية نفسو وينقلها من واقع إلى ما ىو أفضل ، وىذا كاف دأب الصالحين والفالحين فهم لا يقفو ف عن حد معين مع أنفسهم . ىذا لا يعني أف لا نقع في الأخطاء ، بل على العكس فمن الوارد جداً الوقوع في بعض المعاصي والصغائر لذا لما مدح الله بعض عباده قاؿ: " ال ذِينَ يَجْتَنِبُوفَ كَبَائِرَ الإِْثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا الل مَمَ "ٖٙٔ فالمؤمن يجتنب كبائر الإثم والفواحش إلا أنو لا يسلم من اللمم ، و اللمم : ىي صغائر الذنوب، فالمهم ىو تجنب الكبائر وعدـ الإصرار على الصغائر حتى ولو وقع العبد في معصية فعليو بالمبادرة بالتوبة العاجلة وعدـ التسويف والتأجيل . القاعدة الخامسة : ابدأ الآف: فأصعب ما يكوف في التزكية ىو البداية الصحيحة ، ومن بدأ سيصل– بإذف الله - وكما يقولوف مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة ، وبداية تزكية النفس في عمل الطاعات وترؾ المنكرات، وكن على يقين من توفيق رب العالمين . وفي الختاـ ندعو بما كاف يدعو بو الرسوؿ الكريم - - "اللّهُمّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَـِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ. اللّهُمّ آتِ نػَفْسِي تػَقْوَاىَا. وَزَكّهَا أَنْتَ خَيػْرُ مَنْ زَكّاىَا. أَنْتَ وَلِيػّهَا وَمَوْلاَىَا. ٖٙٔ سورة النجم آية ٕٖ
عدد الصفحات ١٦٤164 انفصم الأول انصبر جاء في الإحصاءات الأميركية أف الانتحار يأتي في الترتيب الثاني بين أسباب موت الأميركيين في سن المراىقة والشباب، علما بأف السبب الأوؿ وىو الحوادث (حوادث السير، الحرائق، السقوط من أماكن مرتفعة ..إلخ)، قد يكوف حسب رأي أطباء النفس الأميركيين عبارة عن انتحار مقنّع (انتحار على شكل حادثة). وحسب الإحصاءات الأميركية أيضاً فإف أسباب الانتحار تعود بنسبة ٖٓ% إلى حدوث اكتئاب شديد و ٖٓ% بسبب تفاعل عامل الاكتئاب مع تناوؿ الكحوؿ والمخدرات، بينما نسبة الػ ٓٗ% المتبقية تعود لأسباب متفرقة مثل المرض المزمن والمؤلم مثل السرطاف أو الشعور بالوحدة في ىذه الحياة نتيجة فقداف رفيق الدرب. وحسب رأي خبراء الصحة النفسية، فإف الانتحار بشكل عاـ والانتحار بين المراىقين والشباب بشكل خاص ىو مشكلة عالمية، تعاني منها جميع مجتمعات العالم السكانية في العصر الحديث ، لأف متطلبات التكيف في المجتمعات العصرية رغم تفاوتها ، إلا أف الفشل في التلبؤـ والتكيّ ف ومقابلة التحديات التي تواجو الإنساف العصري ىو الذي يؤدي بالإنساف إلى الانتحار أو على الأقل محاولة الانتحار، لذلك فإف بعض أسباب الانتحار وإف كانت تبدو بسيطة (وربما مخيفة) مثل الفشل في الدراسة أو العلبقات العاطفية ، إلا أف السبب الحقيقي يكمن في عدـ الرضا عن الواقع الذي يعيشو الإنساف نتيجة تراكم الضغوط النفسية متعددة الأشكاؿ على إنساف المجتمع العصري، وبالتالي فإف سبب الانتحار الظاىري يكوف
عدد الصفحات ١٦٥165 بمثابة " القشة" التي تقصم ظهر البعير- إف صح التعبير- مردىا مشاكل الحياة العصرية مثل : الفقد وتفكك الأسرة وعدـ الاستقرار في مكاف واحد، و فقداف الدعم الاجتماعي من الأسرة والأقارب والأصدقاء ، والإحساس بالوحدة والخوؼ من المستقبل، إضافة إلى مشاىد العنف والجريمة وسهولة الحصوؿ على الأسلحة أو وسائل الانتحار الأخرى، ىي بعض الأسباب التي تدفع الكثيرين للبنتحار، وبشكل خاص فئة الشباب. العاطلوف عن العمل أكثر ميلبً للبنتحار مقارنة بالأفراد الذين لديهم وظيفة أو مهنة يستطيعوف من دخلها الحصوؿ على لقمة العيش، كما أف المصابوف بالأمراض النفسية مثل : الاكتئاب والشيزوفرينيا (انفصاـ الشخصية) ىم أكثر مرضى الصحة النفسية ميلب واستعدادا للبنتحار. وحسب رأي خبراء الصحة النفسية فإف أي مرض نفسي – بشكل عاـ - يؤدي إلى شعور المريض بحالة فقداف الأمل من القدرة على التكيّ ف على متطلبات ومشاكل الحياة ىو مرشح قوي للبنتحار. ىذا أحد نتائج عدـ الرضا عن الواقع وعدـ الصبر على واقع الحياة بمختلف أشكالها وألوانها ،مما يشير وبقوة إلى أىمية ىذا الخُ لُ ق ( الصبر ) لدى الناس أجمعين ، لذا فنحن حين نتحدث عن الصبر يعني الحديث عن خلق كريم ذُ كِ ر في كتاب الله أكثر من ٜٓ موضعاً ، أمر يحصل العاملوف فيو على أجرىم بغير حساب ، وىو أحد الصفات الأربع المنجية للئنساف من الخسراف التي بينها الله في القرآف الكريم في سورة العصر حيث قاؿ : " وَالْعَصْرِ (ٔ) إِف الإِْنْسَافَ لَفِي خُسْرٍ (ٕ) إِلا ال ذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الص الِحَاتِ وَتػَوَاصَوْا بِالْحَق وَتػَوَاصَوْا بِالص بْرِ ( ٖ) "ٗٙٔ ٗٙٔ سورة العصر
عدد الصفحات ١٦٦166 فلب نجاة من الخسراف لكل إنساف مهما كاف إلا بتحقيق ىذه الأربع الحساف الإيماف والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر . الصبر : حبس ال نفس عن الجزع والتسخط ، ومن باب أولى ضبط النفس عن التصرفات العملية من ضرب ومشاجرة وغيرىا ، وقد ورد في فضل الصبر والصابرين نصوص كثيرة منها : العبد الصابر في معية الله ، قاؿ تعالى" إِف الل وَ مَعَ الص ابِرِينَ "٘ٙٔ الصابروف يحبهم ا" وَالل وُ يُحِ ب الص ابِرِينَ "ٙٙٔ ، فما أعلبىا من منزلة وما أشرفها من مكانة أف تكوف ممن يحبو الله ، فليس الشأف أف تحب الله بل الشأف كل الشأف أف يحبك الله . أجر الصابرين بلب حساب قاؿ تعالى " إِن مَا يػُوَف ى الص ابِرُوفَ أَجْرَىُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ " ٚٙٔ ومما جاء في تفسيره لهذه الآية : قاؿ قتادة – - : لا وا ما ىناؾ مكياؿ ولا ميزاف، حدثني أنس أف رسوؿ الله قاؿ: "تنصب الموازين فيؤتى بأىل الصدقة فيوفوف أجورىم بالموازين وكذلك الصلبة والحج ويؤتى بأىل البلبء فلب ينصب لهم ميزاف ولا ينشر لهم ديواف ويصب عليهم الأجر صبا" ثم تلب النبي الآية أما الأحاديث فأكثر من أف نحصيها في ىذه الأسطر فمن ذلك قولو : ".. والصلبة نور ، والصدقة برىاف ، والصبر ضياء ....الخ " . فهو ضياء في الدنيا وضياء في الآخرة. ٘ٙٔ سورة الانفاؿ آية ٙٗ ٙٙٔ سورة آؿ عمراف آية ٙٗٔ ٚٙٔ سورة الزمر آية ٓٔ
عدد الصفحات ١٦٧167 إف خُلق الصبر فضيلة عظيمة يجب أف يتحلى بها كل مسلم ومسلمة وكل غني وفقير وكل عالم وجاىل وكل صغير وكبير ، فهو خلق يحتاج إليو الجميع بلب استثناء فهو الزا د لمواجهة مواقف الحياة ومصائبها ، ولذلك كاف رسل الله صلوات الله وسلبمو عليهم متحلين بخلق الصبر في دعوتهم وفي أداء رسالتهم ، فهذا أيوب امتحنو الله بالمصائبو الأمراض ، وتلقى كل ذلك بالحمد والثناء على ربو بالتسليم و الرضى ، ولما اشتد بو الضر وطاؿ الزمن نادى ربو قائلبً : " أَن ي مَس نِيَ الض ر وَأَنْتَ أَرْحَمُ الر احِمِينَ "ٛٙٔ فأيوب اجتاز مرحلة صبر طويل شديد ولذلك أثنى الله عليو بقولو سبحانو " إِن ا وَجَدْنَاهُ صَابِ رًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِن وُ أَو ابٌ "ٜٙٔ أي : رج اع إلى ربو تو اب ،ففي قصة أيوب ذكرى للعابدين وعبرة للمتعظين في صبره ، فهم الذين ينتفعوف بما يعرض عليهم من أمثلة الصابرين ، ويدركوف أف الصبر من الدرجات العليا فيصبروف ابتغاء رضواف الله تعالى . إف المؤمن يعلم أف الله يمتحنو بالمصائب ليختبر صبره وليكتب لو الأجر العظيم ويثيبو ويكفر عنو ذنوبو وخطاياه . والصبر ضرورة حياتيو لكل عمل نافع ، والقياـ بالواجبات اليومية يحتاج إلى صبر ، كما أف مخالطة الناس والتعامل معهم يحتاج إلى صبر ، وكذلك الدراسة والبحث العلمي تحتاج إلى أدب طويل وصبر جميل فلب يقوـ بكل ىذا إلا صابر ، فما أحلبه من خلق وما أجملو من منهج . ٛٙٔ سورة الأنبياء آية ٖٛ ٜٙٔ سورة ص آية ٗٗ
عدد الصفحات ١٦٨168 انفصم انثاَي: انتىبت فقبل أكثر من أربعة عشر قرناً ومع انتشار نور الإسلبـ وقف قوـ من أىل الشرؾ فاستعرضوا حياتهم فإذا ىم قد أكثروا من الذنوب والمعاصي وليست أي ذنوب بل من الكبائر فقد أكثروا من القتل وأكثروا من الزنا وغيره من الآثاـ ، فقدموا على المرسل رحمة للعالمين فاعترفوا بما عملوا واستعظموه فأتوا نادمين راغبين في الإسلبـ عندىا جاءىم الرد ليس من الرسوؿ بل من الله مباشرة وبعث لهم- ولغيرىم - نداءاً من الرب الرحيم التواب " قُلْ يَا عِبَادِيَ ال ذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنػْفُسِهِمْ لاَ تػَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الل وِ إِف الل وَ يػَغْفِرُ الذ نُوبَ جَمِيعًا إِن وُ ىُوَ الْغَفُورُ الر حِيمُ " الزمر ٖ٘ وقولو : " وَال ذِينَ لاَ يَدْعُوفَ مَعَ الل وِ إِلَهًا آَخَرَ وَلاَ يػَقْتػُلُوفَ النػ فْسَ ال تِي حَر ـَ الل وُ إِلا بِالْحَق وَلاَ يػَزْنُوفَ وَمَنْ يػَفْعَلْ ذَلِكَ يػَلْقَ أَثَامًا ( ٛٙ) يُضَاعَفْ لَوُ الْعَذَابُ يػَوْـَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيوِ مُهَانًا ( ٜٙ) إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَ نَ وَعَمِلَ عَمَلبً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يػُبَد ؿُ الل وُ سَي ئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَافَ الل وُ غَفُورًا رَحِيمًا " الفرقاف ٓٚ ) البخاري ٓٔٛٗ ففرحوا - ويحق لهم ذلك - بتلك البشرى وأي بشرى فمع ذنوبهم العظاـ سماىم " عبادي " عبارة تلطف، وأشار إلى معرفتو سبحانو بذنوبهم " أسرفوا " فكأف الله يقوؿ لهم لقد بالغتم بالذنو ب والمعاصي وأنا اعلم بكم ، كما أف ذنوبكم ىي مضرة لكم " أنفسهم " ومع كثرة ذنوبكم ومع عدـ إضراري بها " لا تقنطوا من رحمة الله " لا تيأسوا ولا تقطعوا فهي رحمة الله وليست رحمة البشر وأبشركم بأف الله " يغفر الذنوب جميعا " الله أكبر ىكذا جميعاً ، نعم جميعا فهو الكريم سبحانو كما أنو " الغفور الرحيم " فلب
عدد الصفحات ١٦٩169 كبير مع الغفور الرحيم ، وبُشرى أخرى وىي :" يػُبَد ؿُ الل وُ سَي ئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ " فمع المغفرة تبديل إلى حسنات، فهل سمعت أجمل من تلك العبارات وأوسع من ىذا النداء ، فيا أىل الذنوب والمعاصي - وكلنا منهم - اسمعوا وابشروا فهم نداء رباني لك ولكل من ورائك " لا تقنط " ولا تيأس ولكن أقبل على الغفور الرحيم بنفس صادقة ، أقبل بتحقيق التوبة إلى الله مما عملت ، فهلب استجبنا لهذا النداء وباشرنا بالتوبة . فإلى كل إنساف وإلى كل مسلم مسلمة وإلى كل شاب وشابو وشيخ وشيخة وعالم وجاىل وغني وفقير و... إلى الجميع أجب نداء الله وتب إليو . ولتحقيق ذلك اسمح لي أف أتحدث لك ببعض القضايا المهمة عن التوبة والتي تتلخص بأربعة أسئلة مهمة لنستجيب للنداء الرباني : ٔ. لماذا نتوب ؟ ٕ. مم نتوب ؟؟ ٖ. كيف نتوب ؟؟؟ ٗ. لماذا لا نتوب ؟؟؟؟ فإلى السؤاؿ الأوؿ : لماذا نتوب ؟ قد يبدوا سؤاؿ بديهي وإجابتو بديهية فنحن نتوب ليغفر الله لنا . وىذا كلبـ صحيح ،ولكن ىل ىذا ىو السبب الوحيد ؟ لقد ذكرت التوبة في القرآف الكريم أكثر من ٓٓٔ مرة وأحاديث التوبة كثيرة جداً ومصنفات التوبة كثيرة جداً ، كل ىذا لسبب واحد فقط !! أظن أف ىناؾ أسباب كثيرة تدفعنا للتوبة منها :
عدد الصفحات ١٧٠171 الاستجابة لنداء الله " وَتُوبُوا إِلَى الل وِ جَمِيعًا أَيػ هَا الْمُؤْمِنُوفَ لَعَل كُمْ تػُفْلِحُوفَ " النور ٖٔ جميعاً بلب استثناء وعلّق الفلبح بالتوبة فطريق الفلبح يبدأ بالتوبة . تحقيق عبادة التوبة ، فالتوبة عبادة يجب أف تكوف لله وىي جزء من أعماؿ العبادة التي خلق الله الإنس والجن من أجلها " وَمَا خَلَقْتُ الْجِن وَالإِْنْسَ إِلا لِيػَعْبُدُوفِ " الذاريات ٙ٘ . تحقيق الفرح لله ، نعم الفرح وإليك ىذا الحديث " للهُ أشد فسحًا تتُتحِ عبدِه ، حين يتوبُ إليو ، من أحدِكم كاف على راحلتِو بأرضِ فلبةٍ . فانفلتت منو . وعليها طعامُو وشرابُو . فأيس منها . فأتى شجرةً . فاضطجع في ظل ها . قد أيس من راحلتِو . فبينا ىو كذلك إذا ىو بها ، قائمةٌ عنده . فأخذ بخطامِها . ثم قاؿ من شدةِ الفرحِ : اللهم ! أنت عبدي وأنا رب ك . أخطأ من شدةِ الفرحِ " مسلم ٕٚٗٚ أرأيت فالله يفرح - فرحاً يليق بجلبلو - والسبب ىو توبة عبده ولك أف تتصور كيف ستكوف المكافأة الربانية لمن يكوف سبباً في فرح الرب - سبحانو - . سبب رابع وىو دافع قوي لنا ألا وىو كسب محبة الله ، لو قيل لأحدنا أنو بالعمل الفلبني سيحبك رئيسك في العمل فسيبادر فكيف لو قيل لو بالعمل الفلبني سيحبك الوزير وأعلى درجة منة أف يحبك الملك وأفضل من الكل أف يحبك ملك الملوؾ ، وإليك الدليل " إِف الل وَ يُحِب التػ و ابِينَ وَيُحِب الْ مُتَطَه رِينَ " البقرة ٕٕٕ ، ولعلك تسأؿ ما ثمرة أف يحبني الله ؟
عدد الصفحات ١٧١171 أقوؿ إف ثمارىا لا تُعد ولا تحصى لكني سأذكر لك حديثاً واحداً يبين لك من ثمرات محبة الله لك - حاوؿ أف تتخيل - في الحديث القدسي : قاؿ الله تعالى " من عادى لي وليا فقد آذنتو بالحرب ، وما تقرب إني عبدي بشيء أحب إني مما افترضت عليو ، وما يزاؿ عبدي يتقسب إني تانىُافم حتى أحبو ، فإذا أحببتو : كنت سمعو الذي يسمع بو ، وبصره الذي يبصر بو ، ويده التي يبطش بها ، ورجلو التي يمشي بها ، وإف سألني لأعطينو ، ولئن استعاذني لأعيذنو" البخاري ٕٓ٘ٙ ستة أمور كل منها كافية لوحدىا لتدفعنا نحو العمل على تحقيق محبة الله، فكيف والمحبة تحقق ىذه الستة وغيرىا ، فيا لها من نعمة و يالو من كرـ. أما السبب الخامس فهو التوفيق من الله في ىذه الحياة الدنيا ، التوفيق للعمل الصالح وحفظ العبد في لحظاتو الأخيرة وتثبيتو بل والدفاع عنو عن طريق بعض جنود الرب سبحانو ، وإليك دليل ذلك من الحبيب فقد قاؿ : " إف عبدا قتل تسعة و تسعين نفسا ، ثم عرضت لو انتُتح ، فسأؿ عن أعلم أىل الأرض ؟ فدؿ على رجل ، وفي رواية : راىب ، فأتاه ، فقاؿ : إني قتلت تسعة و تسعين نفسا ، فهل لي من تُتح ؟ قاؿ : بعد قتل تسعة و تسعين نفسا ؟ قاؿ : فانتضى سيفو فقتلو بو ، فاكمل بو مائة ، ثم عرضت لو انتُتح ، فسأؿ عن أعلم أىل الأرض ؟ فدؿ على
عدد الصفحات ١٧٢172 رجل عالم ، فأتاه فقاؿ : إني قتلت مائة نفس فهل لي من تُتح ؟ فقاؿ : و من يحوؿ تيىل و تيه انتُتح ؟ أخرج من القرية الخبيثة التي أ نت فيها إلى القرية الصالحة قرية كذا و كذا ، فإف بها أناسا يعبدوف الله ، فاعبد ربك معهم فيها ، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، قاؿ : فخرج إلى القرية الصالحة ، فعرض لو أجلو في بعض الطريق ، فناء بصدره نحوىا ، قاؿ : فاختصمت فيو ملبئكة الرحمة و ملبئك ة العذاب ، قاؿ : فقاؿ أبليس : أنا أولى بو ، إنو لم يعصني ساعة قط قاؿ : فقالت ملبئكة الرحمة : إنو خرج تائبا مقبلب بقلبو إلى الله ، و قالت ملبئكة العذاب : إنو لم يعمل خيرا قط - فبعث الله عز وجل ملكا في صورة آدمي فاختصموا إليو - قاؿ : فقاؿ : انظروا إلى القر يتين كاف أقرب إليو فألحقوه بأىلها ، فأوحى الله إلى ىذه أف تقربي ، و أوحى إلى ىذه أف تباعدي ، فقاسوه، فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر ، فقبضتو ملبئكة الرحمة فغفر لو" السلسلة الصحيحة للبلباني ٕٓٗٙ " أرأيت أنو لم يعمل كثيراً لكنو تاب إلى الله تو بة صادقة وىذه كانت كافية أف يوفقو الله بل وينزؿ ملبئكة ويُحرؾ الأرض من أجلو والأرض جند من جنود الله " وما يعلم جنود ربك إلا ىو " فما أجملها من كرامة . السبب السادس والأخير ىو قلب السيئات إلى حسنات ! أف يمحو الله السيئات فهذا مطلب ، لكن أف تُقلب السيئات إلى حسنات فهذه نعمة ومنة من الكريم الرحيم سبحانو وىو على كل شيء قدير ، وىذا القلب مرىوف بتحقيق بالتوبة الصادقة ، ودليل تحويل السيئات إلى حسنات ىو في سورة الفرقاف فبعد أف عدد الله بعض المعاصي والذنوب مثل الشرؾ وقتل النفس و الزنا توعد أصحاب ىذه
عدد الصفحات ١٧٣173 الذنوب بمضاعفةالعذاب يوـ القيامة والخلود فيها ثم قاؿ في الآية ٓٚ " إِلا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلبً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يػُبَد ؿُ الل وُ سَي ئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ " وفي الحديث " قاؿ رسوؿُ اللهِ : إني لأعلمُ آخِرَ أىلِ الجنةِ دخولاً الجنةَ . وآخِرَ أىلِ النا رِ خروجًا منها . رجلٌ يُؤتَى بو يوـَ القيامةِ . فيقاؿ : اعرِضُوا عليو صِغارَ ذنوبِو وارفعوا عنو كبارَىا . فتُعرَضُ عليو صِغارُ ذنوبِو . فيُقاؿُ : عَمِلتَ يوـَ كذا وكذا، كذا وكذا . وعَمِلتَ يوـَ كذا وكذا، كذا وكذا . فيقوؿُ : نعم . لا يستطيعُ أف يُنكِرَ . وى و مُشفِقٌ من كبارِ ذنوبِو أف تُعرَضَ عليو . فيُقاؿُ لو : فإف لك مكافَ كل سيئةٍ حسنةً . فيقوؿُ : رب ! قد عمِلتُ أشياءَ لا أَراىا ىهنا . فلقد رأيتُ رسوؿَ اللهِ ضحِك حتى بَدَتْ وُاجرُي " مسلم ٜٓٔ وبعد ىذا العرض السريع لبياف " لماذا نتوب " فقد تاقت النفوس للتوبة وكأنها تسأؿ السؤاؿ الثاني: مم نتوب ؟ يمكن أف نقوؿ أف التوبة مطلوبة من عدة أمور : الذنوب والمعاصي بمختلف أشكالها وأنواعها وصغيرىا و كبيرىا ، ومن أنواع المعاصي ثلبثة : معاصي قلبية مثل الكبر والحسد و.. ومعاصي اللساف مثل الكذب والغيبة و... ومعاصي الجوارح الأخرى غير اللساف مثل النظر المحرـ والسماع المحرـ و ... ولسنا ىنا بصدد بياف أنواع المعاصي بالتفصيل فيمكن الرجوع إلى ذلك من الكتب المعتمدة في ذلك ولكننا نبين أ، من أوؿ ما يجب التوبة منو .
عدد الصفحات ١٧٤174 الأمر الثاني المطلوب التوبة منو ىو التقصير في الطاعات : مثل الصلبة والصياـ و... فنحن نؤدي تلك العبادات والحمد لله، لكنا نغفل أف نحاسب أنفسنا على مقدار تحقيقنا للهدؼ من تلك العبادات، فمثلبً الصياـ نحن نصوـ وفي المقابل لا نلبحظ أنفسنا في تحقيق الهدؼ من الصوـ وىو " التقوى " كما قاؿ تعالى : " يَا أَيػ هَا ال ذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الص يَاـُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ال ذِينَ مِنْ قػَبْلِكُمْ لَعَل كُمْ تػَتػ قُوفَ " البقرة ٖٛٔ وكذلك عبادة الشكر لله على ما أنعم بو علينا من نعم لا تعد ولا تحصى من الصحة والعافية والإسلبـ والماؿ والأولاد وغيرىا، لذا كاف نبي اللهِ كاف يقوـُ منَ الليلِ حتى تتفَط رَ قدَماه ، فقالتْ عائشةُ : لِمَ تَصنَعُ ىذا يا رسوؿَ اللهِ ، وقد غفَر اللهُ لك ما تقد ـ من ذَنْبِك وما تأخ ر ؟ قاؿ : ( أفلب أُحِب أف أكوفَ عثدًا شَكُزً " البخاريٖٚٛٗ الأمر الثالث والأخير وىو التوبة من الغفلة ، فنحن في خضم الحياة ومع كثرة المشاغل والمسؤوليات نغفل ونذىب بعيد عما ىو مطلوب منا، فنحتاج إلى الوقوؼ أحياناً والمراجعة والتوبة والاستغفار، مما قد لا نعلمو الآف لغفلتنا وإليك ىذا الموقف العجيب فهذا أفضل ىذه الأمة بعد رسولها والذي لو وُزف إيمانو بإيماف الأمة لرجح إيمانو ابو بكر الصديق يروي عن أفضل خلق ا قولو :: الشرؾُ في أم تي أخْفى من دبيبِ النملِ على الص فا فقاؿ أبو بكرٍ فكيفَ النجاةُ والمخرجُ من ذلك فقاؿ النبي ألا أُعل مُك شيئًا إذا قُلتَو برِئتَ من قليلِو وكثيرِه قاؿ قُلِ انهٍمَّ إوي أعُذُ تل أنْ أُشرؾَ َأوا أعهم ، َ أستغفسُك مِمَّا لا أعهمُ " صحيح الجامع الصغير ٖٖٔٚ" . ىكذا " مما لا أعلم " ألسنا أولى أف نقولها نحن !!
عدد الصفحات ١٧٥175 ولعل ما ذكرناه سابقاً ( الأمر الثاني والثالث ) يعين على الإجابة على سؤاؿ كبير ألا وىو : إذا كاف الرسوؿ الكريم قد غُفِر لو ما تقدـ من ذنبو وما تأخر فلم يقوؿ: يا أيها الناس استغفروا ربكم وتوبوا إليو فإني أستغفر الله وأتوب إليو في كل يوـ مئة مرة أو أكثر من مئة مرة ؟ صححو ابن حجر في الامالي المطلقة ٕ٘٘" لاحظ " في اليوـ " وليس في الأسبوع ولا الشهر . وبعد أف عرفنا مم يجب أف نتوب فكأني بك تسأؿ السؤاؿ الثالث : كيف نتوب ؟ من المعروؼ أف شروط التوبة أربعة : ارجاع الحقوؽ إلى أصحابها إذا كاف الذنب يتعلق بآدمي ، أو التحلل منو . الإقلبع عن الذنب . الندـ على فعل الذنب . العزـ على عدـ العودة . ونتيجة لكثرة ذنوبنا فنحن بحاجة ماسة لد راسة كيفية التوبة ووضعها على شكل خطوات تعين بعد الله للحصوؿ على المطلوب وىذه الخطوات ىي : صناعة الإرادة وىذا مربط الفرس كما يقولوف فلببد من وجود إرادة ورغبة قوية في التوبة وعلى مقدار الإرادة تكوف الدافعية نحو التوبة والعكس صحيح ، لذا نرى الكثير منا يرغب أف يتوب ويتمنى أف يقلع عن الكثير من الذنوب ولكنها تبقى أمنيات وأوؿ خطوة في
عدد الصفحات ١٧٦